المسيّرات تحصد أرواح السودانيين وتمتد إلى البنى التحتية

مقتل وإصابة العشرات وتراجع العمليات البرية

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
TT

المسيّرات تحصد أرواح السودانيين وتمتد إلى البنى التحتية

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

واصلت الطائرات المسيّرة القتالية التابعة لطرفي الحرب في السودان حصد أرواح المدنيين في مناطق متفرقة من البلاد، في ظل تراجع ملحوظ للعمليات البرية المباشرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، ولجوء الطرفين بصورة كبيرة إلى الضربات الجوية باستخدام الطائرات من دون طيار.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أسفرت هجمات متفرقة عن مقتل ما لا يقل عن 49 شخصاً وإصابة العشرات، في وقت تبادل فيه طرفا النزاع الاتهامات باستهداف المدنيين والبنية التحتية. ففي ولاية غرب كردفان، قُتل 40 شخصاً على الأقل، غالبيتهم من النساء، إثر استهداف طائرة مسيّرة شاحنة محلية تُعرف باسم «دفار» كانت تقل عشرات المواطنين في طريقهم لتقديم واجب العزاء، على الطريق الرابط بين مدينتي أبو زبد والفولة.

وقال مصدر طبي في مستشفى أبو زبد إن الضحايا كانوا متجهين إلى الفولة للمشاركة في مراسم عزاء، مشيراً إلى أن عدداً من القتلى ينتمون إلى أسرة واحدة.

وأوضح أحد سكان المنطقة، أن الشاحنة كانت تقل أقارب وجيراناً من مجتمع محلي واحد، مضيفاً أن بعض العائلات فقدت أكثر من فرد في الهجوم، وجرى دفن عدد من الضحايا في مكان واحد.

طفل وسيدة أصيبا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في الأبيض بشمال كردفان 12 يناير (رويترز)

واتهم تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، الذي تقوده «قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بالمسؤولية عن الهجوم. وقال التحالف في بيان صحافي إن منطقة السنوط ومناطق من بادية الحوازمة في كردفان تعرضت «لهجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدنيين كانوا في طريقهم لتقديم التعازي»، مضيفاً أن «الجرائم ضد المدنيين العزل مستمرة حتى خلال شهر رمضان»، ومؤكداً احتفاظه بحق الرد على ما وصفه بـ«الاعتداءات».

في المقابل، أعلنت شبكة أطباء السودان، الأربعاء، مقتل 9 أشخاص بينهم طلاب وكادر طبي وإصابة 17 آخرين جراء قصف بطائرة مسيّرة قالت إن قوات الدعم السريع نفذته على قرية شكيري بولاية النيل الأبيض. وذكرت الشبكة في بيان أن الهجوم استهدف مدرسة ثانوية في القرية والمركز الصحي الوحيد في المنطقة، مشيرة إلى أن المنطقة «لا يوجد بها أي وجود عسكري». وعدّت أن استهداف منشآت مدنية تضم طلاباً وكوادر طبية بواسطة طائرات مسيّرة يمثل «استهدافاً متعمداً للمدنيين العزل وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني».

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وفي ولاية جنوب كردفان، أفادت شبكة أطباء السودان بمقتل 7 أشخاص بينهم طفل وإصابة 13 آخرين جراء قصف مدفعي استهدف أحياء سكنية في مدينة الدلنج. ونسبت الشبكة الهجوم إلى قوات تحالف «تأسيس» الذي يضم «قوات الدعم السريع» والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز آدم الحلو. وقالت الشبكة إن القصف شمل مناطق مأهولة بالسكان، وأسفر عن سقوط ضحايا مدنيين بينهم ثلاث نساء، وأثار حالة من الذعر وسط السكان. وفي ولاية النيل الأبيض أيضاً، تعرضت مدينة كوستي ومحطة الكهرباء الحرارية في أم دباكر لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة خلال الأيام الثلاثة الماضية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة في الولاية. وذكرت مصادر محلية أن 7 أشخاص أصيبوا جراء هجوم نفذته مسيّرات الأحد الماضي في المدينة، فيما سُمعت أصوات انفجارات قوية وتصاعدت ألسنة اللهب عقب الضربات. وقالت «قوات الدعم السريع» إن طائراتها المسيّرة استهدفت مخازن أسلحة وذخائر ووقود تابعة للجيش السوداني في كوستي، تستخدم في دعم عملياته العسكرية. في المقابل، قالت سلطات المدينة إن الهجمات شملت منشآت مدنية وألحقت أضراراً بالبنية التحتية.

نازحون سودانيون من الفاشر في بلدة طويلة شمال دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

من جهتها، أدانت وزارة الخارجية السودانية في بيان بأشد وأقسى العبارات ما وصفته بالاعتداءات على الأعيان المدنية والبنية التحتية بالطائرات المسيّرة في مدن الأبيض بولاية شمال كردفان وكوستي في ولاية النيل الأبيض والدلنج في جنوب كردفان. وعدت الوزارة أن هذه الهجمات تمثل «تصعيداً خطيراً ونمطاً متكرراً من الجرائم التي ترتكبها (قوات الدعم السريع) ضد المدنيين ومقدرات الشعب»، مضيفة أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يعد «انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني والأعراف والمواثيق الدولية». وطالبت الحكومة السودانية المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ «موقف واضح وحازم يدين هذه الجرائم بشكل صريح»، واتخاذ إجراءات فعالة لوقف الهجمات وضمان محاسبة المسؤولين عنها.

تراجع المعارك الميدانية

وتشير التطورات الميدانية في الأشهر الأخيرة إلى تراجع القتال البري المباشر بين طرفي النزاع، مقابل توسع استخدام الطائرات المسيّرة في تنفيذ الهجمات، سواء ضد مواقع عسكرية أو مناطق مدنية.

ويستخدم الجيش السوداني طائرات مسيّرة إيرانية من طرازي «مهاجر 6» و«شاهد»، وأخرى تركية من طرازي «بيرقدار» و«بيرقدار أكينجي»، إضافة إلى مسيّرات انقضاضية قصيرة ومتوسطة المدى.

في المقابل، تستخدم «قوات الدعم السريع» طائرات مسيّرة صينية الصنع من طرازي «CH-3» و «5CH-9» إلى جانب مسيّرات انقضاضية مختلفة المدى، فيما تحدثت تقارير أخيراً عن حصولها أيضاً على عدد من الطائرات المسيّرة التركية من طراز «بيرقدار».

واندلع القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وتحول سريعاً إلى حرب واسعة النطاق امتدت إلى معظم أنحاء البلاد، وأسفرت حتى الآن، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، عن مقتل ما لا يقل عن 40 ألف شخص وتشريد نحو 12 مليوناً داخل السودان وخارجه.


مقالات ذات صلة

برلمانيون فرنسيون: أحداث دارفور «مأساة وجريمة ضد الإنسانية»

شمال افريقيا حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي مرحباً بالبرلماني الفرنسي كريستوف ماكرو يوم السبت (سونا)

برلمانيون فرنسيون: أحداث دارفور «مأساة وجريمة ضد الإنسانية»

ندد البرلماني الفرنسي، كريستوف ماكرو، خلال لقاء مع ضحايا الانتهاكات والناجين من الحرب في دارفور بما وصفه بـ«الجرائم البشعة» في الفاشر واعتبرها «مأساة إنسانية».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يستعيد «الكيلي» الاستراتيجية في النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة «الكيلي» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق، عقب معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

التعليم واستقرار الخدمات يعززان خيار بقاء سودانيين في مصر

ودعت الأربعينية السودانية غادة حسن، على مدار الأسابيع الماضية، العديد من معارفها من السودانيين الذين التقت بهم في مصر، لكن بالنسبة لها قرار العودة ليس سهلاً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا أضرار أصابت الغابات السودانية نتيجة الحرب والقطع العشوائي للأشجار (الشرق الأوسط)

«كارثة صامتة»... حرائق الحرب تقضي على الغطاء النباتي السوداني

ما يجري في الغابات السودانية، وفقاً للخبراء والمختصين، لم يعد مجرد تدهور عابر، بل تحول إلى كارثة صامتة تهدد مستقبل الموارد الطبيعية في البلاد.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم الثلاثاء (سونا)

الخرطوم تحذر الأمم المتحدة من التعامل مع حكومة «الدعم السريع» الموازية

أعلنت الحكومة السودانية، رفضها لأي تعاون أو تنسيق بشأن المساعدات الإنسانية بين وكالات الأمم المتحدة والحكومة الموازية الموالية لــ«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

سواحل ليبيا تستنفر ضد قوارب الهجرة غير النظامية

مهاجرون غير نظاميين أمكن إنقاذهم قبالة طبرق الليبية أبريل الماضي (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين أمكن إنقاذهم قبالة طبرق الليبية أبريل الماضي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سواحل ليبيا تستنفر ضد قوارب الهجرة غير النظامية

مهاجرون غير نظاميين أمكن إنقاذهم قبالة طبرق الليبية أبريل الماضي (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين أمكن إنقاذهم قبالة طبرق الليبية أبريل الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

تواصل السلطات الليبية في المنطقة الشرقية تكثيف عمليات الإنقاذ والملاحقة البحرية، في ظل تصاعد لافت لرحلات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط. وفي المقابل، حذّرت مصر مواطنيها من «الانسياق وراء عصابات تهريب البشر»، معلنةً استعادة 1379 مهاجراً كانوا محتجزين في ليبيا، إضافة إلى نقل جثامين 99 غريقاً.

وتقول السلطات المعنية بالهجرة غير النظامية في ليبيا إنها توسعت في عمليات ترحيل المهاجرين إلى بلدانهم وفق «برنامج الهجرة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة، وتحمّل شبكات التهريب، التي تصفها بـ«العصابات الإجرامية»، مسؤولية دفع المهاجرين غير النظامين نحو البحر على متن قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية في رحلات غالباً ما تنتهي بالغرق.

السفير حداد الجوهري مع أسر مهاجرين غير نظاميين متغيبين في ليبيا يناير الماضي (الخارجية المصرية)

من جانبها، أعلنت وزارة الخارجية المصرية، الأحد، نجاحها في الإفراج عن 1379 مواطناً كانوا محتجزين في ليبيا على خلفية تورطهم في قضايا الهجرة غير النظامية، وذلك خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) الماضي حتى نهاية أبريل (نيسان).

وأوضحت الوزارة أن جهودها أسفرت عن الإفراج عن 508 مواطنين في طرابلس، و871 آخرين في بنغازي، بالتعاون مع السلطات الليبية، مع تأمين عودتهم إلى مصر.

وبشأن قوارب انطلقت من ليبيا وكانت تقل مهاجرين، من بينهم مصريون، قالت «الخارجية المصرية» إنه جرى نقل 94 جثماناً خلال الفترة من يناير إلى أبريل، بالإضافة إلى رفات 5 أشخاص أمكن التعرف عليهم عبر تحليل البصمة الوراثية بعد العثور على الرفات أمام السواحل التونسية.

وحثّت الوزارة مجدداً المواطنين على «عدم الانجرار وراء أوهام الهجرة غير النظامية، أو التعامل مع عصابات تهريب البشر»، مؤكدة «ضرورة احترام قواعد الدخول القانونية إلى دول الجوار من خلال الحصول على تأشيرة وعقد عمل موثق».

وفي فبراير (شباط) الماضي، حذّرت وزارة الخارجية المصرية المواطنين من خطورة «عصابات الهجرة غير النظامية»، ودعت إلى «الابتعاد عن السفر عبر الطرق غير القانونية»، وذلك في أعقاب وفاة 3 مصريين غرقاً، وفقدان 18 آخرين إثر غرق قارب كان على متنه 50 مهاجراً في أثناء إبحاره باتجاه اليونان.

وكانت اللجنة القنصلية المشتركة بين ليبيا ومصر، برئاسة مدير إدارة الشؤون القنصلية محمود الزرقاني، ومساعد وزير الخارجية المصري حداد الجوهري، قد أعلنت خلال اجتماعها الشهر الماضي في العاصمة الليبية طرابلس، التوصل إلى توافق بشأن معالجة الإشكاليات التي تواجه جاليتي البلدين، وتسهيل إجراءات منح التأشيرات والإقامة بما يضمن مرونة التنقل بين الجانبين.

وانتهت المباحثات حينها بالتوقيع على محضر مشترك يؤكد تفعيل قنوات التواصل القنصلي والالتزام بحماية مصالح المواطنين وفق الاتفاقيات المبرمة، بما يعكس ارتياح الطرفين لمستوى التنسيق الهادف لتذليل العقبات العالقة، وتعزيز روابط الشعبين.

سلطات بنغازي تحضّر لترحيل 70 مهاجراً غير نظامي من الجنسية التشادية (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية)

وفي سياق عمليات الترحيل، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في شرق ليبيا، برئاسة اللواء صلاح محمود الخفيفي، مساء السبت، ترحيل 70 مهاجراً تشادياً إلى مركز إيواء الكفرة، تمهيداً لاستكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لإعادتهم إلى بلادهم.

وحسب تقارير دولية، سُجل وجود 939 ألفاً و638 مهاجراً داخل ليبيا خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2025، وهو أعلى رقم مسجل منذ بدء عمليات الرصد التي تجريها «المنظمة الدولية للهجرة».

وكان أمن السواحل في مدينة طبرق قد أعلن، السبت، إنقاذ 45 مهاجراً من جنسيات مختلفة كانوا على متن قارب للهجرة غير النظامية، تستهدف الوصول إلى السواحل الأوروبية.

مداهمة ورشة لتصنيع قوارب تستخدم في تهريب المهاجرين عبر البحر في يناير الماضي (وزارة الداخلية)

وحسب «الهلال الأحمر الليبي»، فإن المهاجرين وصلوا في أوضاع إنسانية صعبة، بعدما أنهكتهم أمواج البحر والخوف والجوع خلال رحلة بحرية وُصفت بأنها «شديدة الخطورة»، وكادت تنتهي بكارثة جديدة في عرض المتوسط.

وتُشير أحدث بيانات صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، إلى أنه جرى اعتراض وإعادة 5630 مهاجراً إلى ليبيا منذ بداية عام 2026، من بينهم 435 مهاجراً خلال الفترة من 26 أبريل الماضي إلى 2 مايو (أيار).


مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

أكّد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تترقب مساراً أميركياً جديداً لحلّ نزاع «السد الإثيوبي»، لافتاً إلى وجود محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» بصيغة معدلة لإيجاد توافق واسع عليها من جديد.

وبحسب المصدر، فإن «المسار الجديد تعدّه واشنطن، ويستند لتعديلات ستجرى على وثيقة سابقة كانت محل تفاوض بين مصر وإثيوبيا برعاية الولايات المتحدة». وأوضح أن «الخارجية الأميركية تركت الملف الآن، وعاد لوزارة الخزانة مجدداً».

وأضاف المصدر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «وزارة الخارجية الأميركية كانت ترى أن المواقف لا تزال بحاجة إلى أن تتكشف، وقد أرسلت في وقت سابق عقب دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسؤولاً بوزارة الخارجية، إلى مصر، التقى مسؤولين، لكننا فوجئنا بأن الأمر وكأنه سيبدأ من نقطة الصفر من جديد».

وأشار إلى أن «وزارة الخزانة الأميركية قطعت شوطاً كبيراً في هذا الملف، وهي التي ستتولى صياغة المقترحات الجديدة قبل عرضها على إدارة ترمب».

كما لفت إلى أن «هذا المسار الذي تترقبه القاهرة يُبنى على ما يعرف بـ(وثيقة إعلان واشنطن)، وهي الوثيقة التي قدّمها الرئيس ترمب للأطراف الثلاثة خلال ولايته السابقة، ومصر وقّعت على الوثيقة، بينما انسحب الجانب السوداني، ولم تصادق عليها إثيوبيا، ما أدى إلى توقف مسار التفاوض آنذاك».

وأكّد أن «ما يحدث الآن هو إعادة صياغة لبعض الأفكار التي تضمنتها الوثيقة، وسنرى ماذا سيطرح»، آملاً «أن تنحاز هذه الأفكار لموقف مصر العادل لكل الأطراف بوجود اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية».

وسبق أن رعت واشنطن مفاوضات في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عبر اجتماع استضافته وزارة الخزانة الأميركية، شارك فيه وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي.

ونصّ بيان مشترك وقتها على عقد 4 جولات فنية على مستوى وزراء المياه، تتبعها اجتماعات في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السدّ بحلول 15 يناير (كانون الثاني) 2020.

ترمب يصافح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

لكن مدّدت المناقشات لجلسات متواصلة في الفترة ما بين 28 و31 يناير 2020 في واشنطن، باستضافة وزارة الخزانة أيضاً، وخرجت ببيان مشترك تضمن توصل الأطراف إلى تفاهمات في 3 حزم حساسة، شملت جدولاً مرحلياً لملء السد، وآلية للتوافق أثناء الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآلية للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها.

وأعلن آنذاك أنه يجري استكمال عناصر أخرى بقيت قيد الصياغة، بينها آلية التشغيل في الظروف الهيدرولوجية العادية، وآلية للتنسيق، وبنود لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات، إضافة إلى التوافق على معالجة سلامة السد والدراسات العالقة بشأن الآثار البيئية والاجتماعية.

وانتهت الجولة بتكليف الفرق الفنية والقانونية بإعداد نص الاتفاق النهائي متضمناً ما تم التوافق عليه، تمهيداً لتوقيعه من الدول الثلاث في نهاية فبراير (شباط) 2020، قبل أن تغيب إثيوبيا عن الاجتماع الختامي، وتوقع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي.

ويأتي حديث المصدر المصري المطلع بعد أيام من تصريحات كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لـ«الشرق الأوسط» بشأن أزمة السد، التي قال فيها إن الرئيس ترمب «أعرب عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة». وأضاف: «نعتقد أن التوصل إلى اتفاق شامل أمر ممكن، ونحن على استعداد لدعم التفاوض بشأنه وإنجازه».

جانب من «سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

وفي يناير الماضي، أرسل الرئيس الأميركي خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد 3 أحاديث متواصلة في منتصف يونيو (حزيران) و4 و8 يوليو (تموز) 2025، يؤكد على أن «واشنطن موّلت (السد)، ويجب أن يكون هناك حلّ سريع لتلك الأزمة».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، «نتيجة لغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السدّ بهدف التنمية وليس الضرر لدولتي المصبّ».

في سياق ذلك، قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الولايات المتحدة قادرة على حسم القضية في فترة وجيزة، قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد، بل ربما في يوم واحد إن أرادت».

ويرى شراقي أن «حلّ الأزمة حالياً أيسر من السنوات الماضية، لأسباب أبرزها أن الخلاف الرئيسي حول سنوات الملء الأول لخزان السد والخوف من حجز المياه انتهى عملياً بملء أديس أبابا للسد منذ 2024 و2025 و2026»، موضحاً أن «العملية صارت الآن مقتصرة على تصريف كميات مياه واستقبال أخرى».


الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها؛ وهو ما أكدته رسالة خطية بعث بها رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، حاملة مؤشرات قوية على رغبة باريس في إنهاء القطيعة.

وأعلنت روفو، إثر انتهاء محادثاتها مع تبون، السبت، أن حكومة الجزائر أعطت موافقتها على استئناف اجتماعات «اللجنة المشتركة للمؤرخين المعنية بملف الذاكرة»، والتي كانت قد توقفت بسبب التوترات بعد إنجازها أعمالاً وُصفت بـ«المهمة» في «ملف مصالحة الذاكرتين».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزيرة القوات المسلحة الفرنسية وسفير فرنسا لدى الجزائر يوم السبت (الرئاسة الجزائرية)

وإلى جانب التعاون الأمني وملف الهجرة اللذين استؤنفا منذ زيارة وزير الداخلية، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، أشارت روفو إلى أنها بحثت مع رئيس الدولة ملف التعاون القضائي؛ في إشارة إلى مطالب جزائرية تخص تسليم ملاحقين قضائياً أدانتهم محاكم جزائرية بتهم تتعلق بـ«الفساد» و«المس بالوحدة الوطنية».

وقالت روفو بهذا الخصوص: «أدرك جيداً مدى أهمية هذا الملف بالنسبة للسلطات الجزائرية»، مؤكدة «وجود إرادة مشتركة لجعل الأشهر المقبلة مثمرة في علاقاتنا، مع العمل بهدوء ومثابرة».

انفراجة

أشارت روفو إلى وجودها، يوم الجمعة، في سطيف بشرق الجزائر للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1954» التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وقالت إنها تأثرت «تأثراً بالغاً بحفاوة الاستقبال في سطيف»، وهو ما وصفته بأنه كان «استقبالاً دافئاً شعرت به كما شعر به الوفد المرافق لي؛ ونحن ندرك تماماً ما تمثله مأساة 8 مايو 1945 بالنسبة للشعب الجزائري».

وزيرة القوات المسلحة الفرنسية خلال زيارتها الجزائر (وزارة المجاهدين الجزائرية)

وفيما يخص العلاقات الرسمية بين البلدين، قالت: «لقد كلفني الرئيس ماكرون بتبليغ عزمه على إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بإعادة إرساء علاقة تتسم بالاحترام بين بلدينا، تقوم على الندّية، وتكون هادئة ومبنية على الثقة».

كما أشارت إلى أنها ناقشت مع الرئيس الجزائري العلاقات الثنائية في ظل «سياق التوترات الدولية، سواء في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، أو في منطقة الساحل، أو مع أزمة الطاقة العالمية والتحديات في منطقة البحر المتوسط»، مؤكدة ضرورة وجود حوار مستمر.

وأضافت: «هدفنا هو تحقيق نتائج سريعة؛ لذا ناقشنا مسارات ملموسة لتكون الأشهر المقبلة مفيدة لمصالحنا وللعلاقات بين الجزائر وفرنسا».

كما أوضحت أن المحادثات شملت التعاون في مجالي الأمن والدفاع اللذين قالت إنها كانا محل نقاش طويل مع الفريق أول سعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، واصفة هذا التعاون بأنه «مهم جداً في ظل سياق أفريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار».

ملف الهجرة

ذكرت روفو أن الجانبين تطرقا أيضاً إلى التعاون في مجال الهجرة، مؤكدة أن فرنسا «ترحب باستئناف هذا التعاون عقب زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر».

وتسعى الجزائر إلى تحويل هذا الملف من مجرد عملية ترحيل تقني لقرابة 50 ألف مهاجر غير نظامي، كما تطالب باريس، إلى إدارة مشتركة تحمي حقوق الرعايا الجزائريين، وتلتزم بالضمانات القانونية، بالتوازي مع إحداث فرص تخص التنمية للشباب للحد من دوافع الهجرة من جذورها.

وقالت الوزيرة الفرنسية: «بحثنا كذلك سبل تكثيف التعاون، لا سيما في المجال القضائي ومكافحة تهريب المخدرات»، وهو الجانب الذي عدَّته «حيوياً جداً لكلا البلدين». وشددت على «أهمية مواصلة الأجندة التي اتفقنا عليها، وحددناها معاً، والتي يأمل رئيس الجمهورية تنفيذها في الأشهر المقبلة لجعلها سنة مثمرة».

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة الفرنسية)

وشهدت زيارة روفو حضوراً لافتاً للسفير الفرنسي بالجزائر، ستيفان روماتيه، العائد لممارسة مهامه بعد عام من الفراغ الدبلوماسي الذي أعقب بلوغ التوتر ذروته بين البلدين جراء تداعيات انحياز فرنسا إلى المغرب في نزاع الصحراء في صيف 2024.

وبات جلياً، بحسب مراقبين، أن تصريحات الوزيرة الفرنسية رسمت «خريطة طريق» للمرحلة المقبلة، بعد اتفاق الطرفين على تجاوز حقبة الخلافات».

بناء التقارب

ووفق مصادر جزائرية مطلعة، شكلت محادثات الوزيرة الفرنسية في الجزائر فرصة سانحة لطرح حزمة من الملفات الاستراتيجية التي صاغها خبراء جزائريون وفرنسيون لتكون حجر الزاوية في بناء التقارب.

ففي الملف الأمني، أخذ النقاش، حسب المصادر، حيزاً واسعاً من المحادثات، خصوصاً مع اعتراف باريس الضمني على لسان مسؤوليها بأن «سياسة التوتر مع الجزائر» لم تعد منتجة، وأن الحاجة لاستعادة الحوار الأمني أصبحت ملحة لإحباط التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.

الرئيس الجزائري يتسلم رسالة من نظيره الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

وقد ركز الجانب الجزائري على ضرورة تبادل المعلومات الاستخباراتية حول شبكات المتشددين، وتكثيف التنسيق الميداني في منطقة الساحل التي تواجه تدهوراً خصوصاً مع تسارع المواجهات في مالي، وهو ما يجعل التعاون الأمني ضرورة وجودية للطرفين لا مجرد خيار دبلوماسي، حسبما قالت المصادر.

اقتصادياً، تجاوزت المباحثات سياق دعم الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية إلى طرح الجانبين رؤية أكثر براغماتية تهدف إلى حماية مصالحهما، وتوسيع الاستثمارات، مع سعي الجزائر لانتزاع دعم فرنسي صريح لإعادة التفاوض حول «اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي» بما يضمن توازناً تجارياً عادلاً.

ويبقى ملف «السيادة والذاكرة» المظلة الكبرى لتحركات الجزائر في اتجاه تطبيع العلاقات؛ إذ تصر على احترام قرارها السيادي وعدم التدخل في شؤونها، مع ضرورة إحداث اختراق حقيقي في قضايا الذاكرة العالقة و«الممتلكات المنهوبة» في عهد الاستعمار (1830-1962)، وحسم ملف المعارضين المقيمين في فرنسا والمطلوبين لدى القضاء الجزائري، ويأتي على رأسهم اليوتيوبر أمير بوخرص.