تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

تحذيرات من توترات قبلية بعد مقتل العشرات في هجوم وسط السودان

صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)
صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)
TT

تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)
صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

شهدت الساحة السودانية تطورات ميدانية جديدة وردود فعل رسمية وسياسية، السبت، عقب هجوم دامٍ استهدف منطقة «المرة» غرب مدينة بارا بولاية شمال كردفان، أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، في وقت أعلن فيه الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيّرة قال إنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأبيض.

وأدانت الحكومة السودانية والقوى الموالية للجيش الهجوم الذي وقع في ريف بارا، في حين نفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عنه، وسط تبادل للاتهامات وتحذيرات من اتساع دائرة الصراع وتحوله إلى مواجهات ذات طابع قبلي. وأدان وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، ما وصفه بـ«الانتهاكات المروعة» التي ارتكبتها «قوات الدعم السريع» في محلية بارا الكبرى، متهماً القوة باستهداف المدنيين في عدد من القرى والمناطق السكنية.

وقال الإعيسر، في بيان رسمي، إن الهجوم يأتي ضمن سلسلة من «الممارسات الدموية الممنهجة» التي طالت المدنيين في شمال كردفان، داعياً الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى إدانة هذه الانتهاكات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها. كما أعرب عن تعازيه لأسر الضحايا، مؤكداً وقوف الدولة إلى جانب المواطنين واستمرار جهودها لاستعادة الأمن والاستقرار في المناطق المتأثرة بالحرب.

من جانبها، أدانت حكومة ولاية شمال كردفان الهجوم، معلنة أن الحصيلة الأولية بلغت 31 قتيلاً وعدداً من المصابين. ووصفت ما جرى بأنه «جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية». وأكدت السلطات الولائية متابعتها للأوضاع بالتنسيق مع القوات المسلحة والأجهزة النظامية والإدارات الأهلية، مشيرة إلى مواصلة الجهود الأمنية وتقديم الدعم الإنساني إلى المتضررين. وزار مسؤولون من حكومة الولاية الجرحى والمصابين بمستشفى علوية ياسين بمدينة الأبيض، ووجهوا بتوفير احتياجاتهم العلاجية العاجلة، مؤكدين استمرار العمليات العسكرية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.

«الدعم السريع» تنفي وتحذّر

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عن الهجوم، وقالت في بيان إن اتهامها بالوقوف وراء الأحداث يندرج ضمن حملة تستهدفها سياسياً وعسكرياً. واتهمت «الدعم السريع» استخبارات الجيش السوداني بدعم وتسليح مجموعات قبلية في كردفان، بهدف تأجيج الصراعات الأهلية وخلق حالة من عدم الاستقرار الأمني داخل الإقليم. كما حذرت «حكومة السلام» الموالية لـ«قوات الدعم السريع» مما وصفته بمحاولات استغلال الأحداث الأخيرة لإشعال صراع قبلي في كردفان. وقال حاكم إقليم كردفان في حكومة السلام، حمد محمد حامد، إن جهات مرتبطة بالحركة الإسلامية والنظام السابق تعمل على استنفار بعض المكونات القبلية، وعلى رأسها قبائل دار حامد، للقتال إلى جانب الجيش. وأضاف أن مثل هذه التحركات قد يؤدي إلى توسيع دائرة النزاع وتحويله من مواجهة عسكرية إلى صراع أهلي، داعياً القيادات الأهلية والمجتمعات المحلية إلى عدم الانخراط في عمليات التعبئة والتحشيد القبلي.

وحمّل البيان قيادة الجيش والقوى المتحالفة معه مسؤولية أي تدهور في النسيج الاجتماعي بالإقليم، مؤكداً تمسك حكومة السلام بحماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار المجتمعي.

وكانت مجموعة «محامو الطوارئ» قد اتهمت «قوات الدعم السريع» بشن هجوم على قرى المرة وسعدون الشريف والرضة بريف بارا يوم الخميس الماضي.

وقالت المجموعة إن إدخال العمليات العسكرية إلى المناطق المأهولة بالسكان يمثّل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، ويزيد من احتمالات وقوع انتهاكات جسيمة، مطالبة بإجراء تحقيق مستقل في ملابسات الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه واتخاذ تدابير عاجلة لحماية المدنيين.

إسقاط مسيّرة في النيل الأبيض

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية إسقاط «مسيّرة استراتيجية معادية» في سماء مدينة كنانة بولاية النيل الأبيض. وقالت القوات المسلحة إن الدفاعات الجوية تمكّنت من رصد الطائرة ومتابعة مسارها قبل التعامل معها وإسقاطها بنجاح. وأوضح والي ولاية النيل الأبيض، الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى، أن الطائرة المسيّرة كانت تحمل ثمانية صواريخ، واصفاً إياها بأنها من أكبر الطائرات المسيّرة التي تم التعامل معها في أجواء الولاية. وأكد أن العملية تعكس جاهزية منظومات الدفاع الجوي وقدرتها على التصدي للتهديدات الجوية، مطمئناً سكان الولاية بأن القوات المسلحة تواصل تأمين المجال الجوي والتعامل مع أي مخاطر محتملة.

بعض أجزاء من المسيّرة التي أسقطها الجيش السوداني في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه ولايات كردفان وولاية النيل الأزرق تصاعداً في العمليات العسكرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهات وتفاقم الأوضاع الإنسانية. كما تشهد الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 تصاعداً ملحوظاً في استخدام الطائرات المسيّرة من قِبل طرفَي النزاع، إذ توسّعت الهجمات خلال الأشهر الأخيرة، لتشمل مواقع عسكرية ومنشآت حيوية وخدمية في عدد من الولايات، مما أضاف بُعداً جديداً إلى الصراع الدائر في البلاد.

وتسيطر «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها على معظم إقليم دارفور وأجزاء من إقليم كردفان على الحدود مع جنوب السودان، وهي مناطق تضم حقولاً نفطية ومناجم ذهب ذات أهمية اقتصادية كبيرة، فيما يواصل الجيش السوداني عملياته العسكرية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يواصل التحشيد العسكري في النيل الأزرق

شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يواصل التحشيد العسكري في النيل الأزرق

قال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن ياسر العطا، إن القوات المسلحة تعتزم تحريك القوات دون توقف إلى جبهات القتال.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الاتحاد الأفريقي يُرحب بالحوار السوداني... وقوى سياسية تحذّر من التقسيم

أصدر رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قراراً بشطب البلاغات الجنائية ضد المشاركين في الحوار السوداني.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قاعدة أصوصا

السودان يرصد تحركات عسكرية على الحدود مع إثيوبيا

قال محافظ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، عبد العاطي محمد الفكي، إن الجيش «يمتلك زمام المبادرة» رغم هجمات المسيّرات من إثيوبيا.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

دفع الجيش السوداني، السبت، بوحدات قتالية من قوات «النخبة»، لإسناد قواته في خطوط المواجهة الأمامية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، مع الحدود الإثيوبية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

«ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

كشف تقرير مدعوم بصور للأقمار الاصطناعية لجامعة «ييل» الأميركية عن تصاعد كبير ومفاجئ في النشاط العسكري داخل قاعدة إثيوبية قرب الحدود السودانية

«الشرق الأوسط» (لندن)

«تفاهمات صومالية» تمهّد لإنهاء حالة الجمود السياسي

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تفاهمات صومالية» تمهّد لإنهاء حالة الجمود السياسي

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)

تسعى الحكومة الصومالية لتفكيك حالة الجمود المستمرة مع المعارضة منذ عامين بسبب ملفات حرجة عديدة، أبرزها التوجه لانتخابات مباشرة.

وتتحدث تسريبات إعلامية صومالية عن تفاهمات بين الجانبين المتنازعين، وهو ما يراه خبير صومالي «تقارباً حذراً» يحتاج مزيداً من الضمانات ليتحول إلى مسار حقيقي، ولا يكون مجرد مناورة سياسية تتلاشى قريباً.

ونقل موقع «الصومال الجديد» في الآونة الأخيرة عن مصادر قولها إن الحكومة الفيدرالية وأعضاء المعارضة توصلوا إلى اتفاق مبدئي بشأن توقيت وإجراءات الانتخابات الفيدرالية، ومن المتوقع أن تُجرى الانتخابات في غضون 7 أشهر.

وأشار إلى أن المناقشات بين الرئيس حسن شيخ محمود وأعضاء المعارضة أسفرت عن تفاهم متبادل حول كيفية تهيئة البلاد للانتخابات الفيدرالية، لافتاً إلى أن الحكومة الفيدرالية وافقت مبدئياً على مقترح انتخابي قدّمته المعارضة، بينما قام الرئيس بتعديل صياغة وتعريف بعض بنود المقترح بهدف تقليص الخلافات السياسية وتحقيق انتخابات شاملة.

ولم تقدم مقديشو تأكيداً رسمياً حتى الآن على هذا المسار الذي يأتي معاكساً لإخفاقات عديدة لجهود صومالية - صومالية بدعم غربي على مدار أكثر من عام بشأن التوصل لحلول للخلافات.

ويؤكد الخبير الصومالي في شؤون القرن الأفريقي، علي محمود كلني، وجود تحركات لحلحلة الأزمة، لافتاً إلى أن الاتصالات ومساعي تقريب وجهات النظر بين الحكومة الصومالية وقوى المعارضة توصلت لتفاهمات أولية حول عدد من الملفات السياسية الرئيسية، غير أن هذه التفاهمات لا تزال في إطارها المبدئي، ولم تتحول بعد إلى اتفاق نهائي ملزم يمكن البناء عليه.

يأتي هذا في وقت تواجه فيه الساحة الصومالية ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، بالتزامن مع تنامي الاهتمام الإقليمي والدولي بمستقبل الاستقرار في البلاد، وجهود عربية وإقليمية تدفع باتجاه احتواء الخلافات بين الأطراف السياسية وتجنب تصعيد قد ينعكس سلباً على أمن البلاد والمنطقة، وفق الخبير الصومالي.

ويُعتقد أن التقارب الحالي قد يكون نتيجة إدراك متبادل لخطورة استمرار الأزمة، في ظل التحولات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية؛ إلا أن بعض التفاهمات الحالية قد تظل مؤقتة أو ذات طابع تكتيكي إذا لم تُترجم إلى التزامات واضحة وآليات عملية للتنفيذ.

وفي أغسطس (آب) الماضي، كان آخر حوار معلن بين الحكومة والمعارضة في لقاء هو الأول من نوعه بين رئيس مجلس الشعب الصومالي عبد القادر محمد نور جامع والمعارضة، في ظل انقسام بالبلاد منذ نحو عامين، إثر خلافات بشأن تطبيق الاقتراع المباشر، وتقليل صلاحيات الولايات، وتمديد فترة الرئاسة والبرلمان حتى منتصف 2027.

رئيس مجلس الشعب الصومالي خلال لقاء لجنة من نواب المعارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

وتتمسك المعارضة بـ«انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل (نيسان) الماضي»، وتؤكد أن مدة ولاية البرلمان محددة بـ4 سنوات، بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012؛ فهي لا تعترف بالدستور الجديد الذي سمح في مارس (آذار) الماضي بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام حتى منتصف 2027.

وعقدت الرئاسة والحكومة في مقديشو جولات عديدة مع المعارضة بدعم تركي وغربي للوصول لتفاهمات حول الخلافات دون الوصول لنتائج حاسمة.

وتتمحور الخلافات بين الحكومة والمعارضة، بحسب الخبير الصومالي، حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وآليات إدارة العملية الانتخابية، وتوزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، فضلاً عن ضمانات المشاركة السياسية وتوفير بيئة توافقية تحول دون احتكار القرار أو إقصاء القوى المنافسة.

وهو يرى أن جدية هذا المسار من التفاهمات «مرهونة بقدرة الطرفين على تجاوز الحسابات السياسية قصيرة الأمد، وتقديم تنازلات متبادلة، والاتفاق على جدول أعمال محدد يفضي إلى تسوية شاملة». ويؤكد أن نجاح أي اتفاق سيتطلب وجود ضمانات سياسية، وشفافية في إدارة الحوار، ومشاركة أوسع للقوى السياسية والمجتمعية، إلى جانب آلية مستقلة لمتابعة تنفيذ ما يتم التوصل إليه.

كما يتوقع أن تكون المرحلة المقبلة «حاسمة في تحديد ما إذا كان التقارب بين الحكومة والمعارضة يمثل بداية لمسار سياسي مستدام، أم مجرد تهدئة مؤقتة فرضتها الضغوط الداخلية والخارجية».

كما يلفت إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح الحوار «لن يكون في إصدار بيانات التفاهم، بل في قدرة الأطراف على تحويلها إلى قرارات ملزمة تسهم في تحقيق الاستقرار وتعزيز الثقة بين مكونات المشهد السياسي الصومالي».


إسبانيا تنفي وجود تقرير للشرطة عن ضلوع المغرب بتدفق المهاجرين إلى سبتة

رئيس الوزراء الإسباني أكد أن المغرب لم يكن مسؤولاً عن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسباني أكد أن المغرب لم يكن مسؤولاً عن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة (أ.ب)
TT

إسبانيا تنفي وجود تقرير للشرطة عن ضلوع المغرب بتدفق المهاجرين إلى سبتة

رئيس الوزراء الإسباني أكد أن المغرب لم يكن مسؤولاً عن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسباني أكد أن المغرب لم يكن مسؤولاً عن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة (أ.ب)

نفت وزارة الداخلية الإسبانية، الأربعاء، وجود تقرير للشرطة خلص، وفق معلومات، إلى أن المغرب دبّر تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة في يوليو (تموز) الماضي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى الحفاظ على علاقاتها مع الرباط رغم التحديات التي تواجهها.

ودخل أكثر من 70 ألف مهاجر إلى الجيب الصغير، الذي تحتله إسبانيا في شمال المغرب يومي 30 و31 يوليو الماضي، سباحةً أو سيراً على الأقدام من المغرب، في تدفق غير مسبوق أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص.

وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد أكد الاثنين أن المغرب لم يكن مسؤولاً عن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة، متهماً إسرائيل وروسيا واليمين المتطرف بنشر معلومات مضللة بشأن الحادثة. لكن صحيفة «إل إسبانيول» الإلكترونية أفادت بأن المركز الوطني الإسباني للهجرة والحدود قال إن العملية «جرت بتوجيه من قوات الأمن المغربية... بهدف لا يتعلق بالهجرة».

وطلب وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا من الشرطة التحقق من المعلومات بشأن تقرير لهيئة حكومية، يشير إلى دور لقوات الأمن المغربية، وفق ما أفادت مصادر في الوزارة الأربعاء.

وقالت مصادر في الوزارة إن غراندي مارلاسكا وجّه رسالة إلى قائد الشرطة الوطنية فرانسيسكو باردو، يطلب فيها التحقق من هذه الأنباء، التي أفادت التقارير بأن المركز أرسلها إلى قاض يجمع معلومات بشأن الحادثة.

وقال الوزير في رسالته: «كان ينبغي إتاحة أي معلومات من هذا النوع فوراً لمجلس الأمن القومي... وللهيئات الأخرى المختصة في هذا المجال»، وفق المصادر.

وأضافت المصادر أن باردو أبلغ مارلاسكا بأنه «لا يوجد على الإطلاق أي تقرير للشرطة ينسب إلى قوات الأمن المغربية التخطيط لما حدث» في سبتة أو تنفيذه.

ولسبتة ومليلية، الجيب المغربي الآخر الذي تحتله إسبانيا في شمال المغرب، الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة، وشكّل وضعهما تاريخياً مصدر توتر في العلاقات بين مدريد والرباط.

ويطالب المغرب بالسيادة على الجيبين، فيما رجح بعض المحللين أن يكون قد استخدم تدفق المهاجرين لممارسة ضغط سياسي على إسبانيا، بعد زيارة سانشيز في يوليو للجزائر، الخصم التاريخي للرباط.


القمة المصرية - الصينية تبحث «شواغل» البلدين وتدعم التنسيق الإقليمي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال الرئيس الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال الرئيس الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

القمة المصرية - الصينية تبحث «شواغل» البلدين وتدعم التنسيق الإقليمي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال الرئيس الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال الرئيس الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

تبادلت القاهرة والصين الاهتمام بشواغل كل منهما الأخرى، لا سيما في قضايا «الأمن المائي المصري» و«الصين الواحدة» و«حرية الملاحة»، بحسب ما ذهبت كلمات بيان مشترك صدر في ختام أول زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ لمصر منذ نحو عقد من الزمن.

وأكد الجانبان تبادل الدعم الثابت في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر؛ وهو ما عدَّه خبير تحدث لـ«الشرق الأوسط» أمراً يعزز مسار التعاون والشراكة، ويفتح مرحلة جديدة من العلاقات.

وفي ختام القمة التي جمعت الرئيسين الصيني شي جينبينغ والمصري عبد الفتاح السيسي بقصر الاتحادية شرق القاهرة، أبدى الجانب الصيني إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، حيث دعا الجانبان جميع دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر.

فيما شدد الجانب المصري رفضه التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ «الصين الواحدة»، ودَعَم موقفها من القضايا المتعلقة بسيادتها ووحدة أراضيها، وتحقيق «إعادة توحيد الصين».

جانب من المحادثات بين الرئيسين المصري والصيني (الرئاسة المصرية)

وأعرب الجانبان عن تطلعهما للبناء على التطور الذي شهدته العلاقات خلال السنوات الماضية، وثمَّن الجانب الصيني مبدأ الاتزان الاستراتيجي الذي أرسته مصر باعتباره يدعم التعددية الدولية.

الشواغل الإقليمية

وفيما يتعلق بالبحر الأحمر، شدد الجانبان في البيان المشترك على أن حوكمته وأمنه تقع مسؤوليتهما الرئيسية على الدول المشاطئة له وأنه ينبغي الاحترام الكامل لإرادة هذه الدول، مع تعزيز التعاون الإقليمي بينها لمواجهة التحديات المشتركة وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.

وأبدى الرئيس الصيني شي، الأربعاء، استعداده للعمل مع دول الشرق الأوسط لحماية الملاحة البحرية، في ظل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على الشحن البحري في هذه المنطقة الغنية بموارد الطاقة.

وأبلغ شي نظيره المصري بأن «الصين مستعدة للعمل مع دول المنطقة لحماية أمن الممرات الملاحية الدولية، وتعزيز التعاون التنموي، والقضاء على بؤر الصراع».

وقال شي، وفق وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا): «علينا التمسك بمبدأ أن شعوب الشرق الأوسط هي صاحبة القرار في شؤونها، ورفض التدخل الخارجي، ودعم دول المنطقة في تعزيز الحوار حول السلام والأمن».

الرئيس المصري مرحباً بنظيره الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وخلال المحادثات الثنائية بحث الزعيمان عدداً من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وشددا على توافق الرؤى المصرية والصينية إزاء ضرورة تغليب الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى تسويات شاملة ومستدامة للأزمات والنزاعات، كما ناقشا الجهود الرامية لخفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، وأكدا دعمهما لجهود التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الحرب، وفق بيان الرئاسة المصرية.

وبحسب البيان المشترك، أكد الزعيمان اعتزامهما العمل المشترك من أجل وقف الحرب في السودان، داعيين أيضاً إلى ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ووفقاً للبيان، عقد الرئيسان «محادثات رسمية تناولت مجمل العلاقات الثنائية، واستعرضا ما شهدته من تطور ملحوظ وطفرة نوعية منذ تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2014؛ كما تبادلا الآراء حول القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وتوصلا إلى توافق واسع النطاق».

«منصة تنسيق»

ويرى رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث، خالد الشافعي، أن هذه اللقاءات توفر «منصة تنسيق عالي المستوى» تجاه أزمات الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، حيث تتطابق الرؤى بين القاهرة وبكين بشأن ضرورة خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية للأزمات في غزة والسودان وأمن البحر الأحمر.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «يتجلى ذلك التنسيق والتوافق الإقليمي في دعم الجانب الصيني الحقوق المائية المصرية وموقفها في ملف سد النهضة بعدم اتخاذ إجراءات أحادية، بينما تؤكد مصر دعمها لرؤية الصين في المحافل الدولية وتدعم مبدأ (الصين الواحدة)».

وتابع: «يتعزز هذا التنسيق الإقليمي والدولي من خلال أطر متعددة الأطراف، لا سيما بعد انضمام مصر الرسمي لمجموعة بريكس، وتفعيل أدوار منتدى التعاون العربي - الصيني ومنتدى التعاون الصيني - الأفريقي».

اتفاقيات ومذكرات تفاهم

وإلى جانب التوافق على قضايا المنطقة، ركزت القمة على توقيع اتفاقيات عدة.

جانب من توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين مصر والصين الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وأفادت الرئاسة المصرية في بيان بأنه تم عقد جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدي البلدين، تلاها التوقيع على اتفاقية وعدد من مذكرات التفاهم، لافتة إلى أنه «تم التوقيع كذلك على هامش الزيارة على عدد من الوثائق الهامة بين بعض الجهات المصرية ونظيرتها الصينية، إضافة إلى تلك التي شهد الرئيسان مراسم التوقيع عليها».

ولم يقدم البيان تفاصيل أكثر عن تلك الاتفاقيات، غير أن السيسي أكد في كلمة في مستهل المحادثات أن العلاقات تطورت مع الصين إلى أن ارتقت إلى مرتبة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وأعلن السيسي عن الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية - الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأشار إلى أن هذا «يُطلِق مرحلة جديدة من الأعمال في قطاعات رئيسية مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية».

وبحسب بيان مشترك، اتفق الرئيسان على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

ويرى الشافعي أن التفاهمات والاتفاقات الناجمة عن اللقاء الرئاسي «تعزز الشراكة والتنسيق الإقليمي بصورة مباشرة، وتدفع العلاقات الثنائية نحو مرحلة جديدة تتجاوز نطاق التعاون التجاري التقليدي إلى التكامل الاستراتيجي والتصنيعي».

ويكتمل هذا المسار الجديد الذي يرتكز على التصنيع، بحسب الشافعي، بالتوسع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تضم أكثر من 200 شركة صينية، وتدشين توسعات جديدة لترسيخ موقع مصر باعتبارها مركزاً لوجستياً وصناعياً يربط الصين بالأسواق الأفريقية والأوروبية.