مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده

مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
TT

مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده

مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)

في تطور لافت، قالت وسائل إعلام رسمية في إيران، الأحد، إن «مجلس خبراء القيادة» اختار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للبلاد خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل قبل أسبوع في غارات جوية أميركية وإسرائيلية.

يأتي هذا التطور بعدما كانت شخصيات بارزة داخل المؤسسة الحاكمة تعتبر مجتبى، وهو رجل دين متوسط الرتبة تربطه علاقات وثيقة بـ«الحرس الثوري»، أحد أبرز المرشحين لخلافة والده منذ سنوات.

وعلى الرغم من أن الآيديولوجية الحاكمة في إيران ترفض مبدأ توريث منصب المرشد، فإن مجتبى خامنئي يحظى، وفق مصادر سياسية، بشعبية واسعة داخل صفوف «الحرس الثوري»، إضافة إلى النفوذ الكبير الذي لا يزال يتمتع به مكتب والده الراحل.

وفي المقابل، علّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مسألة الخلافة، قائلاً إن أي مرشد تختاره إيران خلفاً لخامنئي «لن يبقى طويلاً» ما لم يحظَ بموافقة الولايات المتحدة.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «إي بي سي نيوز»، إن «أي مرشح إذا لم نوافق عليه فلن يبقى طويلاً»، في تصريح يعكس استمرار التوتر السياسي بالتوازي مع التصعيد العسكري في المنطقة.

وكان ترمب قد قال في وقت سابق إن الولايات المتحدة يجب أن تشارك في اختيار المرشد الجديد لإيران، وهو طرح رفضته طهران بشكل قاطع واعتبرته تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية للبلاد.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه مؤشرات داخل «مجلس خبراء القيادة» تشير إلى اقتراب حسم ملف الخلافة، بعدما تحدث أعضاء في المجلس عن تشكّل أغلبية تميل إلى اختيار مجتبى خامنئي لتولي منصب المرشد.

وفي هذا السياق، قال عضو المجلس عسكر ديرباز، إن أغلبية مناسبة تشكّلت بالفعل داخل المجلس لصالح مجتبى، مشيراً إلى أن الاجتماعات التي عقدها الأعضاء خلال الفترة الماضية ناقشت مسألة الخلافة بشكل مكثف.

كما أعلن عضو آخر في المجلس، هو رحيم توكل، أن الإعلان الرسمي عن خليفة المرشد سيتم قريباً، من دون تحديد موعد محدد لذلك، في ظل الظروف الأمنية والحرب الدائرة في البلاد.

وفي موازاة ذلك، أكد محمد مهدي ميرباقري، وهو عضو آخر في «مجلس خبراء القيادة»، أن رأياً شبه نهائي قد تبلور داخل المجلس، مع بقاء بعض العقبات التي يجري العمل على تذليلها قبل الإعلان النهائي.

لكن في المقابل، قال إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى، إن اختيار المرشد تم بالفعل، مؤكداً أن ما يُتداول عن عدم اتخاذ قرار داخل المجلس «مجرد شائعات لا أساس لها».

وأوضح علم الهدى أن الإعلان الرسمي عن القرار يعود إلى الأمانة العامة لـ«مجلس خبراء القيادة»، التي تتولى إبلاغ القرار النهائي إلى الرأي العام عبر القنوات الرسمية.

وفي سياق متصل، قالت وسائل إعلام إيرانية إن المجلس ناقش أيضاً مسألة ما إذا كان يجب إصدار القرار بعد اجتماع حضوري للأعضاء أو الاكتفاء بالإجراءات الدستورية المتاحة في ظل الظروف الأمنية الحالية.

وتأتي هذه التطورات بعد أن أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) عن مقتل عشرات المسؤولين والقادة الإيرانيين، بينهم المرشد علي خامنئي.

وفي المقابل، توعد الجيش الإسرائيلي بملاحقة أي خليفة لخامنئي، محذراً من أن إسرائيل ستواصل استهداف كل من يشارك في عملية اختيار المرشد الجديد.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن «الذراع الطويلة لدولة إسرائيل ستواصل ملاحقة الخليفة وكل من يحاول تعيينه»، في إشارة إلى استمرار الضربات داخل إيران.

كما وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، تحذيراً مباشراً إلى المشاركين في الاجتماع المتوقع لاختيار المرشد، قائلاً إن إسرائيل «لن تتردد في استهدافهم أيضاً».

مجتبى خامنئي (يسار) مع شقيقيه مسعود وميثم خلال مراسم دينية (جماران)

من كواليس الحكم إلى موقع القيادة

برز اسم مجتبى خامنئي منذ سنوات بوصفه مرشحاً محتملاً لخلافة والده في منصب المرشد، رغم أنه لم يشغل أي منصب حكومي من قبل، ويُعرف بتمسكه الشديد بالسياسات التي انتهجها والده خلال فترة قيادته.

غير أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن في حالة المرشد أثار منذ وقت طويل جدلاً واسعاً، إذ يرى منتقدون أن مثل هذه الخطوة قد تثير غضباً ليس فقط بين الإيرانيين المعارضين لحكم رجال الدين، بل أيضاً داخل صفوف بعض مؤيدي النظام، الذين قد يعتبرونها تمهيداً لتوارث الحكم.

وخلال السنوات الماضية، لم يعلن علي خامنئي بشكل رسمي عن أي شخص مفضل لخلافته، كما عارض مراراً خلال مناقشات سابقة فكرة تولي أحد أبنائه منصب المرشد.

وفي عام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى خامنئي، قائلة إنه يمثل المرشد «بصفة رسمية» رغم أنه لم يُنتخب أو يُعيَّن في منصب حكومي، باستثناء عمله داخل مكتب والده.

وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انتشر مقطع فيديو لمجتبى خامنئي أعلن فيه توقفه عن تدريس «فقه الخارج»، وذلك خلال محاضرة بُثت عبر الإنترنت، بعدما فُسر بلوغه هذه المرحلة المتقدمة في المدارس الدينية الشيعية مؤشراً محتملاً على دوره في مسألة الخلافة.

وأعادت مواقع إيرانية نشر جزء من تلك المحاضرة، قال فيه مجتبى خامنئي إن «محاضرة اليوم ستكون الأخيرة»، معلناً توقفه عن تدريس «فقه الخارج والأصول»، وهي المرحلة الأخيرة في النظام الحوزوي التي تسبق الحصول على مرتبة «الاجتهاد».

وعزا مجتبى خامنئي قراره التوقف عن التدريس إلى «قرار شخصي»، مؤكداً أنه «لا صلة له بالقضايا السياسية»، وأضاف: «إنها مسألة بيني وبين الله»، مشيراً إلى أن والده كان على اطلاع على هذا القرار.

وفي فبراير 2024، قال عضو «مجلس خبراء القيادة» محمود محمدي عراقي، إن علي خامنئي كان قد عارض في وقت سابق تقييم أهلية أحد أبنائه لتولي منصب المرشد، وذلك لتجنب شبهة توريث المنصب.

وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، نفى عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي معلومات نُسبت إليه بشأن تحديد موعد لاختيار خليفة للمرشد الإيراني.

وخلال السنوات الماضية، واجه خامنئي أيضاً اتهامات من معارضين بالسعي إلى تمهيد الطريق أمام تولي نجله المنصب. ففي أغسطس (آب) 2023 حذر الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ عام 2011، مما وصفه بـ«مؤامرة توريث» منصب المرشد.

وأشار موسوي، في مدونة نشرها موقعه الرسمي، إلى ما يتردد في بعض الأوساط عن إمكانية انتقال القيادة إلى أبناء المرشد بعد وفاته، في إشارة إلى نقاشات داخلية حول انتقال القيادة الدينية.

وبعد نحو ثلاثة أسابيع من ذلك التحذير، أثار استخدام موقع «الحوزة العلمية» في قم لقب «آية الله» للمرة الأولى قبل اسم مجتبى خامنئي اهتماماً واسعاً، إذ يُعد هذا اللقب من أعلى الألقاب الدينية في التسلسل الحوزوي الشيعي.

مجتبى خامنئي مع الجنرال قاسم سليماني مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» الذي قضى بضربة أميركية (تسنيم)

وجاء استخدام اللقب في إعلان فتح باب التسجيل أمام الطلبة الراغبين في حضور دروس مجتبى خامنئي في «فقه الخارج»، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشراً إضافياً على بروز دوره الديني والسياسي.

وتلقى مجتبى خامنئي تعليمه الديني في مدرسة «علوي» بمدينة قم، وهي المدرسة نفسها التي تلقى فيها الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي دروس «فقه الخارج» على يد علي خامنئي.

ويُعرف مجتبى خامنئي أيضاً بعلاقاته الوثيقة داخل مؤسسة الحكم، إذ إنه متزوج من ابنة غلام علي حداد عادل، المستشار الثقافي للمرشد الإيراني.

كما يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل مكتب والده، ويتمتع بعلاقات قوية مع قادة «الحرس الثوري»، خصوصاً فريق الحماية الخاص بمكتب المرشد.

صحيفة «طهران تايمز» تهاجم تقريراً نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بشأن احتمال تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد منتصف يناير 2025

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه ضمن قائمة ضمت تسعة مسؤولين من الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الإيراني.

وسلطت الأضواء على دوره داخل مكتب والده خلال الانتخابات الرئاسية عام 2005، عندما وجه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي رسالة إلى خامنئي يحذر فيها من تدخل مجتبى في الانتخابات لصالح أحد المرشحين، في إشارة إلى محمود أحمدي نجاد.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2009 برز اسم مجتبى خامنئي على نطاق أوسع، إذ واجه اتهامات من معارضين بالتدخل في الانتخابات وقمع الاحتجاجات، بينما ردد المشاركون في احتجاجات «الحركة الخضراء» هتافات ضده.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، وجّه كروبي رسالة أخرى إلى خامنئي طالب فيها بتحمل مسؤولية ما جرى خلال ثلاثة عقود من الحكم، قائلاً إنه طلب منه منع تدخل نجله في السياسة، لكنه لم يفعل ذلك.


مقالات ذات صلة

واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

شؤون إقليمية إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمرة الأولى عن تفاصيل الوثيقة المؤلفة من 14 بنداً، التي تضع إطاراً لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي مدته 60 يوماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)

ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران هذا الأسبوع قد يوقع خلال يوم أو يومين، لكنه أبقى خيار القوة مطروحاً.

«الشرق الأوسط» (لندن-باريس)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء

قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يتسلموا الخندق من المقاتلين الواقفين عند منصات

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شمال افريقيا لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا (الرئاسة المصرية)

لقاء السيسي وترمب... دفعة محتملة لاتفاق غزة ووساطة سد النهضة

تصدر ملفا اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وأزمة «سد النهضة» الإثيوبي، مناقشات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية طالبات يرفعن صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في بغداد... 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مسؤول إيراني: مراسم تشييع خامنئي ستتضمن محطة في العراق

قال مسؤول إيراني، اليوم الأربعاء، إن مراسم تشييع المرشد علي خامنئي، الذي قتل في مطلع الهجوم الأميركي الإسرائيلي في فبراير (شباط)، ستتضمن محطة في العراق.

«الشرق الأوسط» (لندن)

واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمرة الأولى عن تفاصيل الوثيقة المؤلفة من 14 بنداً، التي تضع إطاراً لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي مدته 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.

وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى، خلال إحاطة للصحافيين في واشنطن، إن مذكرة التفاهم لا تزال تحتاج إلى توقيع رسمي، وإن أيّاً من الطرفين يستطيع الانسحاب منها قبل التوصل إلى اتفاق نهائي. ووصف التزام إيران التعامل مع مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب بأنه «انتصار كبير».

وقال المسؤول إن الاجتماع المقبل في سويسرا سيكون «حاسماً» لتحديد ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستتحول إلى اتفاق شامل، مضيفاً أن المفاوضات المقبلة ستركز على ترتيب الخطوات وتحديد «من سينفذ ماذا ومتى».

وأوضح أن جوهر المرحلة التالية سيكون الاتفاق على التسلسل الدقيق لتنفيذ الالتزامات، بما يشمل الخطوات النووية والاقتصادية والبحرية، قبل الانتقال إلى اتفاق نهائي ملزم.

وحسب المسؤول الأميركي، تنص المذكرة على «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، مع التزام واشنطن وطهران بالتفاوض للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة أقصاها 60 يوماً، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين.

وتشمل الوثيقة إنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران خلال 30 يوماً، على أن تعود حركة السفن تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب. كما تتعهد الولايات المتحدة، وفق النص، بإبعاد قواتها عن محيط إيران خلال 30 يوماً من التوصل إلى الاتفاق النهائي.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، تنص المذكرة على إبقاء الممر الملاحي مفتوحاً ومن دون رسوم لمدة 60 يوماً. وقال المسؤول الأميركي إن إيران ستعمل بعد ذلك مع سلطنة عمان ودول الخليج العربية للتوصل إلى ترتيبات أوسع وطويلة الأمد بشأن إدارة الملاحة في المضيق.
وبموجب المذكرة، تبدأ فترة تفاوض قابلة للتمديد مدتها 60 يوماً فور توقيع الاتفاق المبدئي. وخلال هذه الفترة، تسمح إيران بالمرور المجاني عبر مضيق هرمز، على أن تناقش لاحقاً إدارة المضيق مع أطراف إقليمية.

المكاسب الاقتصادية

وفي الجانب الاقتصادي، تتعهد الولايات المتحدة مع شركاء إقليميين بالعمل على إنشاء صندوق لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، على أن يرتبط تنفيذ ذلك بمسار الاتفاق النهائي.
وأقر مسؤولون أميركيون بأن صندوق إعادة الإعمار المحتمل لإيران هو، بعد الملف النووي، أحد أكثر البنود إثارة للجدل في المذكرة. وينص البند الاقتصادي على أن واشنطن ستعمل مع شركائها الإقليميين على وضع خطة نهائية متفق عليها لإعادة إعمار إيران وتنمية اقتصادها.

لكن المسؤول الأميركي شدد على أن هذا البند لا يلزم الولايات المتحدة بدفع أي أموال لإيران أو المساهمة في الصندوق، موضحاً أن تنفيذه سيعتمد على التوصل إلى اتفاق نهائي والتزام طهران ببنوده. وقال إن ذلك قد يسمح، على سبيل المثال، لدول إقليمية بالاستثمار في مشاريع داخل إيران إذا خُففت العقوبات.

كما تنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة ستسمح لإيران ببيع النفط فور توقيع مذكرة التفاهم، بينما يرتبط رفع العقوبات بصورة كاملة بالتوصل إلى اتفاق نهائي والتزام إيران ببنوده.

وقال المسؤول الأميركي إن واشنطن ترى بالفعل مؤشرات على تراجع إيران عن محاولات تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز قبل توقيع الاتفاق.

تخصيب اليورانيوم

وفي الملف النووي، أكد المسؤول أن إيران تعهدت بألا تمتلك سلاحاً نووياً، وأن الجانبين اتفقا على معالجة مخزون اليورانيوم المخصب عبر آلية تقوم على «خفض مستوى التخصيب في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، باعتبارها الخيار الأساسي للتعامل مع المواد النووية الإيرانية.
وتقوم عملية خفض التخصيب على خلط اليورانيوم المخصب، الذي يمكن تنقيته إلى مستويات صالحة للاستخدام العسكري، بيورانيوم مستنفد، بما يؤدي إلى تقليل نسبة التخصيب في المخزون القائم.

وقال المسؤول الأميركي إن الالتزام الإيراني بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم يمثل، في تقديره، «انتصاراً كبيراً» لواشنطن، موضحاً أن الوثيقة تتضمن بنوداً إضافية في الملف النووي مقارنة بمسودات سُرّبت إلى وسائل إعلام أميركية وأجنبية خلال الساعات السابقة.

وأضاف أن البلدين اتفقا على مناقشة آلية للتعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، مشيراً إلى أن «الحد الأدنى» لهذه الآلية سيكون خفض نسبة التخصيب داخل إيران وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال مسؤول أميركي رفيع إن طهران، بموجب التفاهم، «تقول إنها ستدمر مخزون اليورانيوم المخصب»، مضيفاً أن خفض التخصيب في الموقع هو «الحد الأدنى» للطريقة التي ستُعتمد لذلك. وشدد المسؤول على أن هذا التوصيف يعكس تعليقه الشخصي على الاتفاق.

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي ختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان وإلى جانبه وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

وأضاف أن طهران قدمت تصوراً لكيفية تنفيذ عملية التخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب، وأن هذه المسألة ستكون جزءاً من المفاوضات التقنية التي ستبدأ فور دخول المذكرة حيز التنفيذ.

وقال المسؤولان الأميركيان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قال سابقاً إنه لم يطلع على مذكرة التفاهم الرسمية، لم يطلب نسخة منها، بحسب علمهما.

وتأتي هذه التفاصيل فيما لم تنشر إيران حتى الآن النص الرسمي لمذكرة التفاهم، بينما قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن فكرة توقيع الوثيقة من قِبَل الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان لا تزال قيد الدراسة.

ومن شأن مراسم توقيع مثل هذه أن تمثل خطوة كبيرة للبلدين اللذين قطعا العلاقات الدبلوماسية عام 1980 على خلفية أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران.


ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران هذا الأسبوع قد يوقع خلال يوم أو يومين، لكنه أبقى خيار القوة مطروحاً إذا لم تلتزم إيران بما ستتعهد به، في محاولة للجمع بين الدفاع عن التفاهم الجديد والتشديد على أن واشنطن لم تتخلَّ عن أدوات الضغط.

وفي مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية، قال ترمب إن الاتفاق «الذي توصلنا إليه مع إيران يوم الأحد» سيوقع قريباً، «غداً أو ربما بعد غد»، مشيراً إلى أن طهران «تريد توقيع الاتفاق».

وكان ترمب قد قال، في وقت سابق، إن مذكرة التفاهم مع إيران ليست اتفاقاً نهائياً، وإن الولايات المتحدة قد تستأنف الحرب إذا لم تكن راضية عن تنفيذها. وكرر، الأربعاء، أن واشنطن قد تعود إلى القصف إذا لم يلتزم الإيرانيون، قائلاً إنهم إذا لم يحترموا الاتفاق «فسنعود على الأرجح إلى قصفهم حتى يلتزموا به».

وقال ترمب إن الإيرانيين «سعداء للغاية لأننا أبرمنا اتفاقاً»، مضيفاً أن التفاهم سيُوقّع قريباً، وربما الجمعة، إذا استكملت الترتيبات اللازمة.

ولم يستبعد ترمب حضوره مراسم التوقيع المرتقبة، قائلاً إنه قد يبقى للمشاركة فيها إذا استدعت الحاجة.

وقال ترمب إن المناقشات الفنية بشأن مخزون إيران النووي ستبدأ على الفور، مكرراً أن واشنطن «ستأخذ» اليورانيوم الإيراني المخصب، حتى لو كان «من دون قيمة». وأضاف أن الاتفاق مع إيران يمكن أن يكون بداية لمسار أوسع في الشرق الأوسط، معبراً عن أمله في أن يؤدي إلى «سلام أوسع» في المنطقة.

مسار موازٍ

وأكد ترمب أن الولايات المتحدة ستبحث مع دول المنطقة برنامج إيران للصواريخ الباليستية ودعمها للفصائل المسلحة، في مسار منفصل عن الاتفاق مع طهران.

وقال إن واشنطن «ستبحث الصواريخ الباليستية والوكلاء»، وإنها تعمل «بجهد موازٍ» لمعالجة المسائل غير النووية.

وأشار ترمب إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز «زادت كثيراً»، في إشارة إلى بدء تخفيف التوتر البحري بعد التفاهم. كما قال إن الاتفاق سيمنع ما وصفه بـ«كارثة اقتصادية»، مضيفاً أنه لم يكن يرغب في رؤية تداعيات اقتصادية أوسع في المنطقة أو أسواق الطاقة.

وقال ترمب إنه يأمل في توسيع «اتفاقيات إبراهيم»، وأن يكون اتفاق إيران بداية لمسار سلام أشمل في الشرق الأوسط. وأضاف أنه يعتقد أن القادة الحاليين في إيران سيتصرفون «بشكل مختلف تماماً»، وذهب إلى القول إنهم يمثلون «تغييراً للنظام» من داخل النظام نفسه.

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي ختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان وإلى جانبه وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

وتطرق ترمب إلى الجانب الاقتصادي من التفاهم، مؤكداً أن إيران لن تتمكن من الوصول إلى صندوق بقيمة 300 مليار دولار إلا إذا «أحسنت التصرف». وقال إن الولايات المتحدة «صادرت الكثير من أموال إيران»، وإن عليها في مرحلة ما إعادتها، محذراً من أن عدم إعادة الأموال قد يضر بالثقة في الدولار.

وقال ترمب إن أي خطوات تتعلق بالعقوبات ستبقى مرتبطة بسلوك إيران وتنفيذ التزاماتها، مضيفاً أن «إجراءً ما» سيحدث بشأن العقوبات بمجرد أن تبدأ طهران التحرك وفق ما هو متفق عليه. وأضاف: «إن لم نعد أموال إيران، فلن يستثمر أحد في الدولار مجدداً»، في إشارة إلى البعد المالي والسياسي لأي ترتيبات تتعلق بالأصول الإيرانية.

كما وجّه ترمب الشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ على ما وصفه بـ«حيادهما» بشأن إيران، وأضاف أن الزعيمين أسهما في تحسين الأوضاع، مشيراً إلى أن شي حاول المساعدة في معالجة الأزمة الإيرانية، معتبراً أن موقفي موسكو وبكين أسهما في إبقاء المسار مفتوحاً أمام الاتفاق.

وفي شأن الاتهامات المتعلقة باستهداف مدرسة للبنات في إيران خلال الحرب، قال ترمب إن الحادثة لا تزال قيد التحقيق، مؤكداً أنه لا يعتقد أن أحداً تعمد استهداف المدرسة. وأضاف أن الأخطاء قد تقع خلال الحروب، لكنه شدد على أن «لا أحد فعل ذلك عمداً».

إسرائيل ولبنان

وأكد ترمب أن إسرائيل تلقت نسخة من مذكرة التفاهم مع إيران، قائلاً إن واشنطن أرسلت نسخة من النص إلى تل أبيب. كما قال إنه ناقش تفاصيل الاتفاق الإيراني مع حلفاء الولايات المتحدة خلال قمة مجموعة السبع.

وفي لهجة أكثر تصالحاً تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أشاد ترمب بما وصفه بـ«الشراكة الرائعة» بينهما، بعدما كان قد وجه إليه انتقادات بشأن لبنان.

وقال إن نتنياهو «رجل طيب» لكنه «ينفعل قليلاً أحياناً»، واصفاً الخلاف بينهما في شأن لبنان بأنه «اختلاف صغير».

وأضاف ترمب: «أشكر إسرائيل ونتنياهو على الجهد بشأن إيران»، لكنه أقر بأن ملف لبنان لا يزال يتطلب عملاً إضافياً، قائلاً: «سيتعين علينا العمل على ملف لبنان». وقال أيضاً إن إسرائيل «قد تقوم بعمل أفضل» في التعامل مع «حزب الله»، معرباً عن «أسف شديد» بشأن لبنان.

وقال ترمب إنه يتوقع زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين، مضيفاً أن الرئيس السوري يرغب أيضاً في القيام بخطوات مرتبطة بالترتيبات الإقليمية الجديدة. كما أشار إلى أن دمشق تريد التعامل مع تهديدات «حزب الله» داخل لبنان «بدقة».

وقلّل ترمب من حجم الخلافات المرتبطة بالجبهة اللبنانية، قائلاً إن الملف اللبناني «جزء صغير جداً من الصورة العامة»، وإن «المسألة الحقيقية هي الاتفاق مع إيران»، مضيفاً: «هناك يوجد المال، وهناك كانت توجد السلطة».


قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء
صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء
TT

قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء
صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف، إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يتسلموا الخندق من المقاتلين الواقفين عند منصات إطلاق الصواريخ»، وأن يركزوا على إخراج المواطنين من الضغوط الاقتصادية وبناء البلاد بعد الحرب، ذلك وسط نقاش محتدم بشأن ما إذا كان التفاهم يمثل تحولاً استراتيجياً أم ترتيباً مرحلياً.

وقال قاليباف، خلال اجتماع مع غرفة التجارة الإيرانية بصفته الممثل الخاص لإيران في شؤون الصين، إن «الواجب اليوم هو أن نتسلم الخندق من المقاتلين عند منصات الإطلاق، ونقف لإخراج هذا الشعب من تحت الضغوط الاقتصادية وبناء حياة الناس»، في إشارة إلى الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري».

وأضاف أنه لا يدعو إلى «التبذير والإنفاق»، بل إلى توفير حياة أكثر راحة ورفاهية للمواطنين، قائلاً إن إيران يجب أن «تبني البلاد بقوة وفي جميع المجالات».

ووصف الصين بأنها شريك «فريد» لإيران، عادَّاً أن على طهران أن تقنع بكين بأنها ليست مجرد زبون أو شريك تجاري، بل «شريك بكل معنى الكلمة». ومع ذلك، قال إن المنطقة تحتاج إلى تكتلات وتحالفات جديدة، مضيفاً أن أي تكتل إقليمي يتشكل مستقبلاً ستكون إيران والصين جزءاً أساسياً منه، بل ومحوراً له. وتابع أن تطوير هذه الشراكات يتطلب عملاً في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية، داعياً إلى المضي في ذلك «بعزة ومن دون توتر وبمنطق».

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من اجتماعه مع أعضاء الغرفة التجارية حول العلاقات مع الصين الأربعاء

ودعا قاليباف رجال الأعمال والخبراء إلى المساهمة في بلورة الخيارات والسياسات الاقتصادية، قائلاً إنه جاء إلى الاجتماع بعد أقل من 48 ساعة من توافر الفرصة عقب انشغاله بظروف الحرب، وإنه حضر «طالباً المساعدة» للمساهمة في اتخاذ القرارات المناسبة.

وتكتسب تصريحات قاليباف أهمية خاصة لأنها تأتي من المسؤول الذي لعب دوراً محورياً في المفاوضات الإيرانية - الأميركية التي أفضت إلى مذكرة التفاهم الأخيرة، وفي وقت يتواصل فيه الجدل داخل إيران بشأن تداعيات الاتفاق الاقتصادية والسياسية، وحول الأولويات التي ينبغي أن تلي مرحلة المواجهة العسكرية.

وتعهد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب بطرح ملف الصواريخ الباليستية والجماعات الوكيلة لطهران في المفاوضات الجارية بين الطرفين.

انقسام برلماني

وأظهرت مواقف نواب إيرانيين أن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة فتحت سجالاً داخل البرلمان بين من يدعو إلى دعمها بوصفها ثمرة للصمود العسكري، ومن يحذّر من تحويلها ملفاً مقدساً أو استخدامها لتبرير تنازلات لاحقة.

وقال إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إن «المقاومة الشجاعة للشعب الإيراني» جعلت الولايات المتحدة، على حد تعبيره، لا تجد خياراً سوى العودة إلى طاولة المفاوضات وقبول شروط إيران.

وأضاف عزيزي أن على واشنطن، إذا أرادت كسب ثقة الإيرانيين، أن تنفذ جميع بنود مذكرة التفاهم، بما في ذلك وقف الحرب على لبنان وانسحاب إسرائيل سريعاً من جنوب لبنان. وحذر من أن أي إخلال بالتفاهم أو خروج عن إطاره الأساسي سيدفع القوات المسلحة الإيرانية، بدعم من الشعب، إلى الرد «بقوة أكبر وأشد من السابق».

وفي موقف قريب، قال النائب عباس بيغدلي إن ما هو أهم من إعادة فتح مضيق هرمز يتمثل في اختبار «قدرة الشعب الإيراني على التحمل والصمود أمام «العدو».

لكن أصواتاً أخرى دعت إلى الحذر في التعامل مع التفاهم. فقد وجَّه النائب إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي، سلسلة توصيات قال فيها إنه لا ينبغي إنفاق المال العام للترويج للاتفاق، وليس تحويله قضيةً مقدسة أو بناء استقطاب داخلي حوله.

ودعا رضائي إلى تحمل انتقادات المعارضين والرد على تساؤلات المواطنين، قائلاً إن الدفاع عن الاتفاق، إذا كان صحيحاً، يجب أن يتم «بالمنطق والاستدلال». كما حذَّر من استخدام اسم المرشد لتبرير القرارات والسياسات المرتبطة بالتفاهم.

أما النائب المحافظ مالك شريعتي، فدعا إلى دعم التفاهم في المرحلة الراهنة، حتى إذا لم يحقق سوى جزء من المطالب، قائلاً إن البلاد وصلت حالياً إلى تفاهم، وعلى الجميع دعمه «ولو تحقق منه 70 في المائة».

لكن شریعتي شدد، في الوقت نفسه، على ضرورة إطلاع النخب والمتخصصين على نص التفاهم وأخذ آرائهم، عادَّاً أن السرية تكون مطلوبة فقط عندما يكون الهدف منع العدو من معرفة التفاصيل.

في المقابل، هاجم النائب قاسم روانبخش، المحسوب على التيار المتشدد، فريق التفاوض، محذّراً من تحويل «انتصارات المقاومة» خسارةً على طاولة المفاوضات.

عراقجي يتحدث إلى النائب إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي خلال اجتماع الثلاثاء (موقع البرلمان الإيراني)

وأعرب عن اعتقاده بأن «فشل محاولة إسقاط النظام، ومنع تقسيم إيران، والسيطرة على مضيق هرمز، وتوجيه ضربات إلى القواعد الأميركية وأهداف مهمة في إسرائيل، كلها نتائج الحرب والمقاومة، ولا ينبغي شطبها من سجل المفاوضات».

وجاءت هذه المواقف بعد لقاء عقده رئيس وأعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان مع وزير الخارجية عباس عراقجي، خُصص لبحث آخر تطورات السياسة الخارجية بعد الحرب، والمفاوضات الإيرانية - الأميركية في إسلام آباد. وقدم عراقجي خلال الاجتماع عرضاً لما وصفته مصادر إيرانية بأنه المسار الدبلوماسي منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) وحتى التفاهم الأخير.

تحذيرات من تعثر

ودافع رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي عن المفاوضات، قائلاً إن المسؤولين سيدخلون المفاوضات مع الولايات المتحدة «بعيون مفتوحة ويقظة كاملة»، مشدداً على أن طهران لا تثق بالطرف المقابل وتتعامل معه على أساس سجل طويل من «نقض العهود».

وأضاف إجئي أن «الدبلوماسية امتداد لجهاد الشارع والميدان»، في صياغة تعكس محاولة رسم خط مباشر بين ما حققته إيران في الحرب وبين المسار التفاوضي الجاري. وقال إن المفاوضين لن يتراجعوا عن «حقوق الشعب الإيراني» أو عن حقوق الجماعات المسلحة التابعة لطهران.

وشدد على أن «الميدان» و«الدبلوماسية» يتحركان في اتجاه واحد، محذّراً من أن أي إخلال بالتفاهمات سيقابل برد مماثل. وقال إن هدف التفاوض ليس تقديم تنازلات، بل «استيفاء الحقوق واستعادتها».

وفي ظل السجال الداخلي حول مذكرة التفاهم، دعا إجئي إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنب الخطاب الذي قد يخدم خصوم إيران، عادَّاً أن المرحلة تتطلب نقداً «عقلانياً» وخدمة مباشرة للمواطنين.

وكتبت صحيفة «اعتماد» أن الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب القادة العسكريين الذين شاركوا في إدارة الحرب والمفاوضات معاً، سيبقون أسماءً ستُذكر في تاريخ إيران «بخير واعتزاز». وعدَّت الصحيفة أن التفاهم فتح نافذة يمكن أن تقود، إذا استمرت، إلى السلام والاستقرار وعودة التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية.

ورأى ساسان كريمي، عضو هيئة التدريس في جامعة طهران، أن التفاهم الأولي بين واشنطن وطهران لا يعني نهاية الخلافات العميقة بين الطرفين أو بداية مؤكدة لمرحلة جديدة، لكنه يمثّل تحولاً مهماً من مسار التصعيد إلى إدارة الخلافات عبر القنوات السياسية.

وقال كريمي لصحيفة «شرق» إن التجارب السابقة أظهرت أن الطريق بين التفاهم الأولي والاتفاق النهائي غالباً ما يكون طويلاً ومليئاً بالعقبات السياسية والأمنية والقانونية. لكنه عدَّ أن أهمية التطور الحالي تكمن في عودة الدبلوماسية إلى مركز المشهد بعد مرحلة مكلفة من الحرب والتوتر.

وحذَّر كريمي من الاتجاه نحو فصل الملفات الكبرى إلى مسارات تفاوضية متعددة، عادَّاً أن «تجزئة المفاوضات» تمثل التهديد الأكبر الذي قد يواجه مستقبل العملية الدبلوماسية خلال الأشهر المقبلة.

وقال المحلل السياسي المحافظ، محمد مهاجري، إن استبعاد البرلمان من دائرة القرار المباشر خلال المفاوضات الأخيرة كان قراراً صائباً فرضته حساسية المرحلة. وعزا ذلك إلى محدودية اطلاع بعض النواب على تفاصيل الملفات المطروحة، فضلاً عن سوابق تتعلق بتسريب معلومات أو إطلاق مواقف إعلامية عدّ أنها أضرت بالمصالح الإيرانية.

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

ورأى مهاجري في حديث لموقع «خبر أونلاين» أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تتطلب تقليص عدد مراكز اتخاذ القرار، عادَّاً أن تعدد الجهات المعنية بالملف كان سيعقد عملية التفاوض. وفي الوقت نفسه، ميّز بين غالبية أعضاء البرلمان وبين الأصوات الأكثر تشدداً، منتقداً ما وصفه بعجز الأغلبية عن مواجهة الخطاب التصعيدي داخل المجلس.

وفي المعسكر المحافظ، دافع حميد رضا ترقي، مسؤول الشؤون الدولية في حزب «مؤتلفة» القريب من أوساط البازار، عن أداء الفريق المفاوض، مشدداً على أن المسؤولين الإيرانيين لم ولن يتراجعوا عن المبادئ التي حددتها القيادة الإيرانية.

وقال ترقي إن إيران أظهرت خلال الحرب أن «الميدان والدبلوماسية» يتحركان في مسار واحد، وإن الضغوط العسكرية والسياسية لم تدفعها إلى التخلي عن مطالبها، مضيفاً أن المفاوضات تجري ضمن إطار «العزة والمصلحة الوطنية» وتحت إشراف القيادة، مشيراً إلى أن واشنطن وتل أبيب أخفقتا في إحداث شرخ بين الشارع والمؤسسات السياسية والعسكرية.

وعدَّ أن التفاهم الحالي يعكس، في جانب منه، تراجع الطرف المقابل عن بعض مطالبه السابقة وقبوله بشروط إيرانية هدفت إلى احتواء التوترات في المنطقة، مضيفاً أن طهران لا تنظر إلى المفاوضات بوصفها بديلاً عن أدوات القوة الأخرى، بل بوصفها جزءاً من مسار أوسع لحماية مصالحها وتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية.