مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

خبير لوجيستي لـ«الشرق الأوسط»: المليارات التي ضخّتها المملكة جعلتها منصة ربط عالمية

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
TT

مواني السعودية... طوق نجاة للتجارة الدولية في زمن الاضطرابات

ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)
ناقلة راسية في ميناء ينبع التجاري (موانئ)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، وما تبعها من تعطّل خطوط الملاحة الحيوية عبر مضيق هرمز، برزت المواني السعودية كشريان بديل، ليس لدول المنطقة فحسب، بل للعالم، بهدف تأمين تدفقات الطاقة وحركة التجارة الدولية؛ فهذه المواني، التي تمتاز بقدرات تشغيلية فائقة وبنية تحتية متطورة، لم تعد مجرد مرافق لوجيستية محلية، بل تحولت إلى محور دولي يضمن استدامة سلاسل الإمداد في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات أمنية غير مسبوقة.

تأكيداً على ثقلها اللوجيستي، أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)»، إضافة خدمتَي شحن ملاحيتين جديدتين إلى «ميناء جدة الإسلامي» بالتعاون مع عملاقي النقل البحري «ميرسك» و«هاباغ لويد».

وتُعدّ هذه الخطوة نقلة نوعية في تعزيز الربط الملاحي بين المملكة والأسواق الدولية؛ إذ تشمل الخدمات الملاحية خدمة «AE19» التابعة لشركة «ميرسك»، وخدمة «SE4» التابعة لشركة «هاباغ لويد»، حيث تبلغ الطاقة الاستيعابية لكل خدمة نحو 17000 حاوية قياسية، مما يرفع الكفاءة التشغيلية والقدرة التنافسية للميناء بشكل ملموس.

كما تعمل هذه الخدمات على ربط «ميناء جدة الإسلامي» بـ9 موانٍ إقليمية وعالمية رئيسية، تشمل مواني الصين (تيانجين شينغانغ، تشينغداو، نينغبو، وشنغهاي)، وميناء بوسان في كوريا الجنوبية، وتانجونغ بيلباس بماليزيا، وسنغافورة.

كما تمتد شبكة الربط لتشمل مراكز استراتيجية في غرب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وطرقاً حيوية تصل إلى جنوب أفريقيا (رأس الرجاء الصالح)، مما يعزز من مرونة حركة البضائع العابرة للقارات.

وكانت شركة «أرامكو» كشفت لـ«الشرق الأوسط»، قبل أيام، عن تحول نوعي في استراتيجيتها التصديرية، حيث بدأت فعلياً بتحويل مسار جزء من صادراتها من النفط الخام نحو ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

ووفقاً لـ«رويترز»، فقد أبلغت «أرامكو» مشتري خامها العربي الخفيف بضرورة تحميل الشحنات عبر ينبع، وهو قرار يعكس الثقة المطلقة في قدرة مواني البحر الأحمر على استيعاب التدفقات النفطية الضخمة بكفاءة وأمان، بعيداً عن تقلبات منطقة الخليج العربي.

خريطة المواني

تستند المملكة في هذا التحوُّل الاستراتيجي إلى شبكة موانٍ متكاملة تديرها «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عبر منظومة ضخمة تضم 290 رصيفاً مجهَّزاً بأحدث التقنيات. لا تقتصر وظيفة هذه المواني على كونها منافذ لوجيستية فحسب، بل تمثل شرياناً حيوياً لتأمين تدفقات النفط والبضائع الأساسية، مستغلةً موقع المملكة الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، مما يمنح الاقتصاد السعودي مرونة عالية في مواجهة الأزمات العالمية والإقليمية.

ولا تتجلى أهمية هذه المنظومة في بُعدها التشغيلي فقط، بل تمتد لتكون ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث رسخت المواني مكانتها بوصفها مركزاً موثوقاً ومستداماً للتجارة العالمية، بما يضمن إدارة حركة التجارة البحرية بأمان وانسيابية عالية، ويعزّز من كفاءة سلاسل الإمداد في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.

ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

في الآتي أبرز مواني المملكة:

- ميناء جدة الإسلامي: الشريان التجاري الأبرز وأكبر ميناء محوري على ساحل البحر الأحمر، ويتميز بموقعه على أحد أهم الممرات البحرية العالمية في البحر الأحمر، مما يجعله نقطة ربط محورية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويمتد الميناء على مساحة نحو 12.5 كيلومتر مربع، ويضم 62 رصيفاً بحرياً، إلى جانب محطتَي حاويات متخصصة، ما يتيح له استقبال السفن الكبيرة بسعة تصل إلى 19800 حاوية مكافئة. ويتعامل مع أكثر من 130 مليون طن سنوياً من البضائع، بما يشكل نحو 75 في المائة من التجارة البحرية للمملكة.

ويضم محطات حاويات رئيسية، مثل بوابة البحر الأحمر والمحطة الجنوبية، مع توسعات مستمرة تشمل أنظمة ذكية وأتمتة متقدمة؛ ما يضمن مناولة الحاويات والبضائع بكفاءة عالية، إضافة إلى خدمات التخزين والجمارك والتزويد بالسفن. ويربط الميناء المملكة مباشرة بالمواني الأوروبية والآسيوية والأفريقية.

- ميناء الملك عبد الله: مركز عالمي لإعادة الشحن يقع في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية شمال جدة، ويغطي مساحة 20 كيلومتراً مربعاً ضمن منطقة اقتصادية أوسع تبلغ 168 كيلومتراً مربعاً. ويُعدّ الميناء مركزاً رئيسياً لإعادة الشحن على طريق التجارة بين الشرق والغرب، ويربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بشكل مباشر، وتبلغ قدرته السنوية على مناولة الحاويات 25 مليون حاوية مكافئة، ما يجعله من بين أكبر مواني الحاويات في العالم.

ويضم محطات حاويات وبضائع سائبة مزودة بأحدث المعدات، مثل رافعات عالية السعة وأنظمة بوابات ذكية ومركبات موجهة آلياً، ما يضمن سرعة وكفاءة تفريغ وشحن السفن الكبيرة.

- ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع): العملاق الأكبر في تحميل النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية على مستوى مواني البحر الأحمر بطاقة مناولة تصل إلى 210 ملايين طن سنوياً.

- ميناء ينبع التجاري: من أقدم المواني البحرية على الساحل الغربي للمملكة، ويمثل البوابة الثانية لقدوم ومغادرة الحجاج بعد جدة، حيث افتتح رسمياً في عهد الملك فيصل عام 1965. يقع الميناء بين ميناء ضبا شمالاً وميناء الملك فهد الصناعي وجدة الإسلامي جنوباً.

ويضم الميناء 12 رصيفاً، وتبلغ طاقته الاستيعابية أكثر من 13.5 مليون طن سنوياً، ويحتوي على محطة للركاب تتسع لنحو 1500 راكب، إضافة إلى محطة للبضائع العامة وصومعتين لتخزين المواد السائبة بطاقة 20 ألف طن لكل صومعة، ما يجعله منفذاً بحرياً استراتيجياً لقربه من الأسواق المحلية لمنطقتي المدينة المنورة والقصيم، وبوابة مهمة لانتقال التجارة من هذه المناطق وإليها.

ويرتبط الميناء بشبكة حديثة من الطرق البرية تصل مناطق المدينة المنورة ومكة المكرمة؛ ما يعزز دوره كمنفذ بحري استراتيجي، ويكمل شبكة مواني البحر الأحمر، وفق بيانات «الهيئة العامة للموانئ».

- ميناء ضبا: البوابة الشمالية الغربية التي تخدم حركة الركاب والبضائع بكفاءة عالية، بطاقة استيعابية تبلغ 10 ملايين طن.

- ميناء جازان: البوابة الجنوبية، ويأتي في المرتبة الثالثة من حيث الطاقة التصميمية على الساحل السعودي للبحر الأحمر، ويُعدّ أكبر ميناء لاستقبال الماشية المقبلة من دول القرن الأفريقي، ويبعد نحو 266 ميلاً عن مضيق باب المندب.

يضم 12 رصيفاً و3 قنوات اقتراب ملاحية، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 5 ملايين طن سنوياً، ويتميز بموقعه الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية بين أوروبا والشرق الأقصى والخليج العربي وشرق أفريقيا؛ ما يجعله بوابة لوجيستية مهمة للجنوب السعودي والأسواق الأفريقية.

- ميناء رأس الخير: يُعدّ من شرايين الاقتصاد السعودي التي تغذي البرامج والمشروعات الحيوية التي ينفذها القطاعان العام والخاص في مدينة رأس الخير الصناعية. دُشن في عام 2016، وهو أحدث ميناء صناعي بالمملكة، وتكمن أهميته في وقوعه بمنطقة صناعية جديدة متنوعة الإنتاج، ولها مستقبل كبير في اقتصاد الوطن، وهي مدينة رأس الخير الصناعية.

وما يميز هذا الميناء ارتباطه بمناجم التعدين عبر خط للسكة الحديدية، وتصدر من خلاله منتجات الشركات إلى الأسواق العالمية. يضم الميناء 14 رصيفاً، ويخدم أكثر من 100 مشروع صناعي في مدينة رأس الخير.

- ميناء الخفجي: يقع على الساحل الشرقي بالمنطقة الشرقية في محافظة الخفجي ويُعتبر ميناء نفطياً (لتصدير النفط الخام). صدرت أول شحنة نفط عبره عام 1960، ويتميز بقدرته الاستيعابية المتميزة في استقبال 3 ناقلات في الوقت نفسه؛ ناقلتَي تحميل وناقلة تفريغ، كما يمكنه استقبال 6 ناقلات في منطقة الانتظار واستقبال 30 قطعة صغيرة على أرصفته.

هذه التوسعات والشراكات الدولية ليست بمعزل عن المستهدفات الوطنية؛ حيث استثمرت «موانئ» أكثر من 27 مليار ريال (7.2 مليار دولار) لتطوير البنية التحتية للمواني الرئيسية، مع إنشاء 20 منطقة لوجيستية عالمية متكاملة.

ولا تقتصر هذه الجهود على مناولة البضائع، بل امتدت لتشمل تحديثاً تقنياً وبنيوياً سمح للمواني السعودية باستقبال أضخم سفن الحاويات في العالم (بقدرة تصل إلى 24 ألف حاوية قياسية)، مما يكرِّس مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً لربط القارات الثلاث.

سفينة راسية في ميناء جازان (موانئ)

الاستثمار في المنظومة

وفي هذا السياق، قال المهندس حسن آل هليل، الخبير اللوجيستي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه المواني تمتلك ميزة جغرافية استثنائية بقربها من ممرات الملاحة العالمية، مما يجعلها قادرة على الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا خلال مسافات إبحار أقصر، وهو ما يمنحها فرصة حقيقية لتكون مراكز لإعادة توزيع البضائع.

وأشار إلى أن «ميناء جدة الإسلامي» يُعدّ تاريخياً بوابة التجارة الرئيسية للسعودية، ويتمتع بطاقة تشغيلية كبيرة وخبرة طويلة في إدارة حركة الحاويات والبضائع، فيما صُمم ميناء الملك عبد الله منذ البداية ميناء حديثاً يعتمد على التشغيل المتقدِّم وقابلية التوسع، ويُعدّ من أسرع المواني نمواً في المنطقة من حيث مناولة الحاويات.

ولفت إلى أن التحول إلى محور تجاري عالمي لا يعتمد على الموقع الجغرافي فقط، بل يتطلب أيضاً كفاءة الإجراءات الجمركية وسرعة التخليص، وقدرة المواني على استقبال السفن العملاقة، إضافة إلى وجود مناطق لوجيستية وصناعية مرتبطة بالميناء، وتكامل النقل البري والسككي مع المواني.

وأضاف أن السعودية تعمل في هذا السياق على تطوير منظومة لوجيستية متكاملة تهدف إلى تحويل البحر الأحمر إلى منصة تجارية تربط القارات الثلاث، مستفيدة من الاستثمارات الكبيرة في المواني والمناطق الاقتصادية.

وأوضح أن المملكة استثمرت منذ عقود في إنشاء منظومة لوجيستية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق - غرب المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بقدرة تشغيلية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، ويمكن رفعها إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً في حالات الطوارئ.

وأكد أن ميناء ينبع يمثل «صمام أمان» استراتيجياً لقطاع الطاقة السعودي؛ إذ يخفف من تداعيات المخاطر الجيوسياسية على الصادرات، ويمنح الأسواق العالمية قدراً من الاستقرار.

وشرح أنه قادر عملياً على تصدير نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر، و«هو ما يضمن استمرار جزء مهم من التدفقات النفطية مع تعطل المرور عبر مضيق هرمز الذي يظل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط في العالم»، لافتاً إلى أن هذه القدرة تمنح السعودية مرونة كبيرة في إدارة صادراتها النفطية.

انعكاسات التحول على التجارة غير النفطية

وفيما يتعلق بالتجارة غير النفطية، أشار آل هليل إلى أن التركيز المتزايد على مواني البحر الأحمر بوصفها بدائل لوجيستية أكثر مرونة قد ينعكس إيجاباً على حركة التجارة غير النفطية عبر المواني السعودية، وعلى رأسها ميناءا «جدة الإسلامي» و«الملك عبد الله».

وأوضح أنه في حال تحولت الأنظار العالمية أكثر نحو البحر الأحمر كممر آمن ومستقر للتجارة، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة حركة الحاويات والبضائع العامة عبر هذه المواني.

وأضاف أن هذا التحول قد ينعكس بعدة طرق، أبرزها:

أولاً: زيادة عمليات إعادة التصدير: تحول المواني السعودية إلى مراكز لتوزيع بضائع آسيا نحو الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ما يعزز نشاط إعادة التصدير، ويزيد حجم التداول التجاري.

ثانياً: نمو قطاع الخدمات اللوجيستية: سيؤدي ارتفاع حركة البضائع إلى توسع خدمات التخزين والمناولة والتوزيع، إضافة إلى زيادة الطلب على شركات النقل البري والخدمات اللوجيستية داخل المملكة.

ثالثاً: جذب الصناعات المرتبطة بالمواني: غالباً ما تجذب المواني التي تشهد نشاطاً تجارياً مرتفعاً الصناعات الخفيفة ومراكز التجميع والتوزيع؛ ما يعزز دور المناطق الاقتصادية المحيطة بالمواني.

رابعاً: تعزيز دور السعودية بوصفها مركزاً لوجيستياً إقليمياً: مع تطوير البنية التحتية للمواني والربط مع الطرق والسكك الحديدية، تتحول المملكة إلى نقطة عبور رئيسية للبضائع المتجهة إلى المنطقة، وليس سوقاً نهائية لها فقط.

وأكد أن أي تحول في حركة التجارة العالمية نحو البحر الأحمر سيفتح الباب أمام توسُّع كبير في التجارة غير النفطية، مما يرسخ طموح المملكة في أن تصبح مركزاً لوجيستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، ويعيد تشكيل خريطة التجارة في المنطقة.

ميناء الملك فهد الصناعي (ينبع) (موانئ)

تكاليف الشحن

حول التساؤلات الاقتصادية المتعلقة بارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري عند تحويل مسارات النفط، أوضح آل هليل أن أي تغيير في مسارات الطاقة ينعكس لوجيستياً على تكلفة الشحن؛ فبعض الشحنات المتجهة إلى آسيا قد تقطع مسافات أطول من الساحل الغربي مقارنة بالخليج، مما يزيد من استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل. كما قد يؤدي ارتفاع الطلب على التحميل في مواني البحر الأحمر إلى زيادة رسوم الخدمات المينائية، أو إطالة فترات انتظار السفن، في حال ارتفاع الضغط التشغيلي.

وأضاف أن التأمين البحري يلعب دوراً أساسياً في تكلفة نقل النفط؛ إذ تقوم شركات التأمين بإعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمناطق البحرية عند تغيّر مسارات الملاحة، وهو ما قد يؤدي إلى تعديل أقساط التأمين، أو فرض رسوم إضافية على بعض الرحلات.

ورغم ذلك، رأى آل هليل أن هذه التحديات تبقى ضمن نطاق السيطرة؛ كون المملكة تمتلك بنية تحتية استراتيجية متقدمة قادرة على إدارة هذه التحولات بكفاءة، بفضل خط الأنابيب الذي ينقل النفط بسرعة لمرافق تحميل صناعية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة. كما أن تطوير قدرات المواني، وتحسين إدارة حركة السفن، وإبرام عقود طويلة الأجل مع شركات النقل والتأمين، تُعَد أدوات فعالة لضبط التكاليف.

ورأى أن الزيادة المحدودة في التكاليف اللوجيستية على المدى القصير هي ثمن مقابل «المرونة الاستراتيجية» التي تضمن استمرارية التدفقات النفطية إلى الأسواق العالمية. وفي عالم يعتمد على أمن الطاقة، تبقى مرونة طرق التصدير أحياناً أكثر قيمة من الفارق في تكلفة النقل.

في المحصلة، أثبتت التطورات الأخيرة أن البنية التحتية اللوجستية هي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد. ومع التوسُّع المتسارع في المواني السعودية وربطها بالأسواق العالمية، باتت المملكة تمتلك الأدوات اللازمة لتحصين تدفقاتها من اضطرابات المنطقة. وما نشهده اليوم ليس مجرد إدارة لأزمة، بل هو تحول جذري يجعل من البحر الأحمر الممر الأكثر استقراراً وموثوقية في خريطة التجارة الدولية.

 


مقالات ذات صلة

«سفاجا 2» تدعم مخططاً مصرياً للتوسع في النقل الإقليمي وتجارة الترانزيت

شمال افريقيا جانب من محطة «سفاجا 2» (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

«سفاجا 2» تدعم مخططاً مصرياً للتوسع في النقل الإقليمي وتجارة الترانزيت

افتتحت مصر، الثلاثاء، المحطة البحرية متعددة الأغراض «سفاجا 2» بعد تطويرها بهدف دعم خطط التوسع في النقل الإقليمي وتجارة الترانزيت.

رحاب عليوة (القاهرة )
الاقتصاد رصيف ميناء الملك عبد العزيز (موانئ)

«إكسترا» تدشن مركزاً لوجستياً بـ8 ملايين دولار في ميناء الدمام

افتتح وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للموانئ، المهندس صالح الجاسر، المركز اللوجستي الجديد لشركة «إكسترا» في ميناء الدمام.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الاقتصاد رصيف ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«موانئ» تضيف خدمة شحن جديدة إلى ميناء جدة لتعزيز الربط بالأسواق العالمية

أضافت شركة «إي إس إل» الإماراتية خدمة الشحن الجديدة «إس أر إس» إلى ميناء جدة الإسلامي؛ ما يسهم في ربط السعودية بالأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

«موانئ» السعودية تضيف خدمة شحن جديدة عبر ميناء جدة الإسلامي

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) إضافة خدمة الشحن الجديدة «آر إس 1» بالتعاون مع شركة «غريتا شيبينغ» في ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي معبر «نصيب» على الحدود السورية - الأردنية (أ.ف.ب)

مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يتضمن قانوناً جديداً للجمارك في سوريا ينظم عمل الأمانات الجمركية وحركة البضائع والرسوم عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار.

ووفق نشرة الاكتتاب العامة للشركة، التي مثلت أكبر عملية جمع أموال في تاريخ أسواق المال، فإن صناديق الثروة السيادية والمستثمرين في دول «مجلس التعاون الخليجي» لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية.

جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين، إذ حصل كل من «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، و«جهاز قطر للاستثمار»، و«الهيئة العامة للاستثمار الكويتية»، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منها كتخصيص نهائي. وبدأ تداول أسهم شركة «سبيس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك يوم الجمعة، بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».