رهان «المظلة السيادية»... واشنطن تدفع بالهندسة المالية لإنقاذ حركة الشحن في «هرمز»

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: ضمانات ترمب غير كافية لفرض استقرار قسري وامتصاص ذعر الأسواق

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة في ظلّ تعهد إيران بإطلاق النار على السفن العابرة لمضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة في ظلّ تعهد إيران بإطلاق النار على السفن العابرة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

رهان «المظلة السيادية»... واشنطن تدفع بالهندسة المالية لإنقاذ حركة الشحن في «هرمز»

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة في ظلّ تعهد إيران بإطلاق النار على السفن العابرة لمضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة في ظلّ تعهد إيران بإطلاق النار على السفن العابرة لمضيق هرمز (رويترز)

في محاولة لكسر حالة الشلل التي تضرب الممر المائي الأكثر حيوية في العالم، دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ«مظلة تأمين سيادي» بوصفها أداة استراتيجية لفرض استقرار قسري في مضيق هرمز الذي يُسهم بنحو 20 في المائة من تدفقات النفط العالمية. لكن مختصين اعتبروا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه «غير كافٍ» لضمان انسياب التجارة والشحنات والسفن في وقت تُهدد إيران ضرب كل سفينة عابرة ما لم تحصل على تنسيق مسبق بمرورها، موضحين أن سياسة ترمب تعتمد على دمج القوة العسكرية بالهندسة المالية لفرض استقرار قسري في مضيق هرمز، لامتصاص ذعر الأسواق عبر تقديم «مظلة تأمين سيادي» أميركية.

وتعتمد سياسة ترمب، التي أعلن عنها عبر «سوشيال تروث»، على دمج القوة العسكرية بالهندسة المالية؛ حيث أمر «مؤسسة تمويل التنمية الدولية» بتوفير ضمانات للسفن، مع التلويح بمرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط «إذا لزم الأمر»، من دون أن يتطرق إلى آلية التأمين التي ستقدمها «مؤسسة تمويل التنمية الدولية»، وهي مؤسسة موجودة بشكل عام لتعبئة رأس المال الخاص للدول النامية، وتقليل المخاطر للاستثمارات في البلدان الفقيرة.

ويوم الأربعاء، قال وزير الطاقة الأميركي ​كريس رايت، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن ‌البحرية الأميركية سترافق ناقلات النفط عبر مضيق هرمز «بمجرد أن يكون بمقدورها ⁠ذلك». وتقاطع ذلك مع إعلان وزير الخزانة سكوت بيسنت، أن البحرية الأميركية مستعدة لتقديم «ممرات آمنة» لناقلات النفط في حال اقتضت الضرورة ذلك، لضمان استمرارية تدفق الإمدادات ومنع أي عرقلة لحركة التجارة العالمية عبر الممرات الاستراتيجية.

وإزاء هذا التطور، يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الخبير الاقتصادي الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن ضمانات ترمب غير كافية لضمان انسياب سفن التجارة والشحن عبر مضيق هرمز. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن للرئيس ترمب أن يطلب من أسطوله البحري مرافقة ناقلات النفط والغاز أثناء عبورها مضيق هرمز، أو رفع العلم الأميركي عليها كما حدث خلال الحرب العراقية - الإيرانية. ومع ذلك، تبقى مخاطر استهداف إيران لهذه الناقلات قائمة، سواء عبر الصواريخ أو الألغام البحرية أو الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الهجمات السيبرانية وقدرات صاروخية تحت الماء».

وفيما إذا كان باستطاعة المسعى الأميركي أن يضمن استقرار أسعار الشحن البحري وفقاً لتصريحات ترمب، أوضح بن صقر أنه ربما تساعد هذه الخطوات في استقرار نسبي لأسعار النفط، إنما تكلفة التأمين ستبقى مرتفعة.

وكانت أكثر من نصف كبرى رابطات التأمين البحري في العالم قد أعلنت أنها ستوقف تغطية مخاطر الحرب للسفن التي تدخل الخليج العربي اعتباراً من الخميس. علماً بأن تغطية مخاطر الحرب تعد تأميناً متخصصاً يوفر حماية لمالكي السفن والمستأجرين من الأضرار التي تلحق بأطراف ثالثة نتيجة الحرب والإرهاب والقرصنة، وغيرها. ويؤدي سحب هذا التأمين إلى تقليص شهية المخاطرة لدى مَن يعتزمون تحميل شحنات من داخل الخليج العربي. وتظل جميع الشروط والأحكام الأخرى ذات الصلة بالوثائق سارية من دون تعديل.

وبعد مضي 5 أيام على الحرب حتى الآن، يعتقد بن صقر أنه من الصعوبة بمكان حصر الخسائر المتوقعة حتى الآن من حيث حجم التجارة والنفط وأسعار الشحن جرّاء الحرب القائمة حالياً، باعتبار أن ذلك مرتبط بالوقت الذي سيستغرقه النزاع، مع صعوبة حصر الأضرار التي يمكن أن تلحق بالناقلات وبالمنشآت النفطية والغازية في الخليج.

امتصاص ذعر الأسواق

من جهته، يعتقد الدكتور سعيد سلّام، مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، لـ«الشرق الأوسط»، أن سياسة ترمب تعتمد على دمج القوة العسكرية بالهندسة المالية لفرض استقرار قسري في مضيق هرمز، وهي محاولة لامتصاص ذعر الأسواق عبر تقديم «مظلة تأمين سيادي» أميركية. ومع ذلك، تبقى هذه الضمانات «منقوصة»، وفق سلام. فمرافقة القطع العسكرية البحرية، رغم زخمها النفسي، لا توفر حماية كاملة ضد التهديدات غير المتناظرة كالألغام والمسيّرات الانتحارية والصواريخ البحرية، بل إنها قد تحول ناقلات الشحن والنفط إلى أهداف عسكرية مشروعة، ما يرفع احتمالات الحرب البحرية المباشرة، وينقل الحرب من طابعها الإقليمي إلى مواجهة دولية مفتوحة.

أما عن استقرار الأسعار، وفق سلام، فإن التدخل الأميركي قد يكبح جماح أقساط التأمين، لكنه لن يلغي «ضريبة الخوف»؛ حيث إن تكلفة الشحن البحري محكومة بعنصر الوقت، والمرافقة العسكرية تبطئ حركة القوافل، وتخلق اختناقات لوجيستية ترفع التكاليف آلياً.

وأضاف: «إن خسائر الحرب الراهنة تتجاوز الأرقام المباشرة لتتحول إلى تداعيات مركبة. إذ انكمشت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز نتيجة (التحوط السلبي)، من قبل المشترين، تزامناً مع قفزة جنونية في تكاليف التأمين الحربي بلغت 300 في المائة، لتستقر عند 1.5 في المائة من قيمة الشحنة الواحدة، وهو ما يحمل كل ناقلة ملايين الدولارات الإضافية».

ويرى سلام أن المعضلة الرئيسية تبرز في توجه واشنطن نحو إحلال الضمانات المالية محل «الأمن الجيوسياسي»، وهو مسار عالي المخاطر؛ إذ إن أي إخفاق عسكري في حماية السفن المؤمن عليها سيؤدي حتماً إلى انهيار الأداة المالية، وتكبيد الخزانة الأميركية تعويضات هائلة، ما ينقل شرارة الأزمة من مضائق البحار إلى قلب النظام المالي العالمي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

وكالة إيرانية: مذكرة التفاهم مع أميركا تتضمّن رفع العقوبات وتستبعد مناقشة برنامج الصواريخ

شؤون إقليمية إيرانيون يمرون أمام لوحة إعلانية سياسية في طهران - إيران 11 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وكالة إيرانية: مذكرة التفاهم مع أميركا تتضمّن رفع العقوبات وتستبعد مناقشة برنامج الصواريخ

أعلنت وكالة «مهر» الإيرانية أن مذكرة التفاهم مع واشنطن تشمل التزام أميركا برفع العقوبات وسحب قواتها من المناطق حول إيران ورفع الحصار البحري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مضخة تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل نفط حوض بيرميان بالقرب من ميدلاند تكساس (رويترز)

النفط يقفز بعد تهديد ترمب بضربة قاسية لإيران والسيطرة على بنيتها التحتية

ارتفعت أسعار النفط العالمية يوم الخميس فور صدور تصريحات حادة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد فيها أن الولايات المتحدة ستضرب إيران «بقوة شديدة الليلة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)

خاص صدمة «هرمز» تضرب اقتصادات الخليج... والسعودية تتصدر المشهد في 2026

تقف اقتصادات مجلس التعاون الخليجي في مواجهة مباشرة مع تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفق البنك الدولي.

هلا صغبيني (الرياض)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 10 يونيو 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ترمب يعلق الهجوم على إيران ويبقي الحصار البحري

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، عن تنفيذ ضربات كانت مقررة على إيران مساء الخميس، بعد ساعات من تلويحه بضرب طهران «بقوة شديدة».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي تتحدث في مؤتمر صحافي (إ.ب.أ)

اليابان تعلن تأمين إمدادات النفط حتى مارس 2028

أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، الخميس، أن اليابان نجحت في تأمين إمدادات مستقرة من النفط الخام حتى نهاية مارس (آذار) 2028...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

مؤشر شنغهاي المركب يسجل أول مكاسب أسبوعية منذ شهر

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
TT

مؤشر شنغهاي المركب يسجل أول مكاسب أسبوعية منذ شهر

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

انتعشت الأسهم الصينية وأسهم هونغ كونغ يوم الجمعة، حيث حقق مؤشر شنغهاي المركب أول مكاسبه الأسبوعية منذ شهر، متأثراً بالمكاسب الواسعة في الأسواق الآسيوية بعد إلغاء الولايات المتحدة هجومها المخطط له على إيران.

وأغلق مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية مرتفعاً بنسبة 1.2 في المائة، بينما ارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 1.1 في المائة. وعلى مدار الأسبوع، أنهى مؤشر شنغهاي المركب التداولات مرتفعاً بنسبة 0.09 في المائة، بينما انخفض مؤشر «سي إس آي 300» بنسبة 0.8 في المائة.

وارتفع مؤشر هانغ سينغ القياسي في هونغ كونغ بنسبة 1.9 في المائة، لكنه انخفض بنسبة 1 في المائة خلال الأسبوع، مسجلاً خسارته الأسبوعية الخامسة على التوالي، مدفوعاً بشكل رئيسي بالتوترات الجيوسياسية والمخاوف بشأن رفع أسعار الفائدة الأميركية.

وتصدرت أسهم الشركات المرتبطة بالذهب وشركات الوساطة وقطاع الدفاع قائمة الرابحين، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة و3.5 في المائة و2.6 في المائة على التوالي.

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الخميس بأن الولايات المتحدة وإيران قد توقعان اتفاق سلام في نهاية هذا الأسبوع، من شأنه إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، إلا أن إيران أكدت أنها لم تتوصل إلى قرار نهائي بشأن الاتفاق.

وشهدت أسهم شركات الفضاء التجارية المدرجة في بورصة الفئة «أ» ارتفاعاً ملحوظاً يوم الجمعة، مدفوعةً بزخم الإدراج المرتقب لشركة «سبايس إكس». وقفز سهم شركة «أفيك تشنغدو» للطائرات بنسبة 11 في المائة، بينما ارتفع سهم شركة «تشنغدو سبيسون» للإلكترونيات بنسبة 10 في المائة.

وعلى الرغم من التفاؤل المحيط بالتداولات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، يتوقع المستثمرون أن تظل الأسواق الصينية متقلبة على المدى القريب، وذلك بسبب المخاوف بشأن طلب المستهلكين والغموض التنظيمي، لا سيما فيما يتعلق بسياسات تدفق رؤوس الأموال والتكنولوجيا.

وقالت كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي السوق في مجموعة «مان»، في توقعات منتصف العام: «لا يزال هناك بعض التردد من جانب المستثمرين الأجانب في شراء الأصول الصينية في ظل تطور البيئة التنظيمية في الصين».

وارتفع مؤشر شنتشن الأصغر بنسبة 0.99 في المائة، وارتفع مؤشر تشينيكست المركب للشركات الناشئة بنسبة 0.5 في المائة، وارتفع مؤشر ستار 50 لشنغهاي، الذي يركز على التكنولوجيا، بنسبة 0.05 في المائة.

• اليوان يرتفع

ومن جانبه، ارتفع اليوان الصيني مقابل الدولار يوم الجمعة بعد انخفاض حاد في قيمة الدولار خلال الليل عقب إلغاء الولايات المتحدة ضربات جديدة على إيران، مما يجعله على المسار الصحيح لتحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 0.3 في المائة. وانخفض الدولار إلى أدنى مستوى له في أسبوع مقابل العملات الرئيسية وسط تزايد الآمال في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

وارتفع اليوان الصيني في السوق المحلية بنسبة 0.09 في المائة ليصل إلى 6.7656 مقابل الدولار، وذلك بحلول الساعة 02:57 بتوقيت غرينتش، بعد أن تراوح سعره بين 6.7640 و6.7682 يوان للدولار.

وأشار محللو شركة «نان هوا فيوتشرز» في مذكرة لهم إلى أن إشارات ترمب الإيجابية بشأن اتفاق السلام خففت من مخاوف التضخم وضغطت على مؤشر الدولار. وأضافوا أن البيانات القوية للصادرات الصينية «عززت الأساس لارتفاع قيمة اليوان».

وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المتوسط عند 6.8109 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ 10 فبراير (شباط) 2023، وأقل بـ 469 نقطة من تقديرات «رويترز». ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بحد أقصى 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط الثابت يومياً. ويرى المحللون أن نمو الصادرات الصينية وتضخم أسعار المصانع سيظلان قويين على الأرجح لفترة من الوقت بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، مما يدعم العملة.

وقال مالي تشيفاكول، الخبير الاقتصادي في الأسواق الناشئة لدى بنك «جيه سافرا ساراسين»، في مذكرة: «دعمت دورة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي الفائض التجاري الصيني، ودفعت اليوان الصيني إلى الارتفاع»، وقد عدّل البنك الخاص هدفه لسعر صرف الدولار مقابل اليوان بنهاية العام إلى 6.5، ويتوقع مزيداً من الارتفاع في عام 2027.

ويستقر اليوان مقابل الدولار هذا الشهر، ولكنه ارتفع بنسبة 3.4 في المائة حتى الآن هذا العام، ليحوم قرب أعلى مستوى له في ثلاث سنوات. وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.7665 يوان للدولار، بانخفاض قدره 0.05 في المائة تقريباً خلال التداولات الآسيوية.


أوروبا والصين تبحثان «هدنة اقتصادية» قبل «قمة السبع»

شعار مجموعة السبع على ذراع أحد أفراد الأمن على الحدود الفرنسية السويسرية قبل انعقاد القمة المقبلة (أ.ف.ب)
شعار مجموعة السبع على ذراع أحد أفراد الأمن على الحدود الفرنسية السويسرية قبل انعقاد القمة المقبلة (أ.ف.ب)
TT

أوروبا والصين تبحثان «هدنة اقتصادية» قبل «قمة السبع»

شعار مجموعة السبع على ذراع أحد أفراد الأمن على الحدود الفرنسية السويسرية قبل انعقاد القمة المقبلة (أ.ف.ب)
شعار مجموعة السبع على ذراع أحد أفراد الأمن على الحدود الفرنسية السويسرية قبل انعقاد القمة المقبلة (أ.ف.ب)

قبل أيام من انعقاد «قمة مجموعة السبع» في فرنسا، التي يُتوقع أن تضع الصين في صدارة النقاشات الاقتصادية العالمية، برزت محاولة فرنسية لفتح نافذة حوار مع بكين، وتجنب انزلاق العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والصين نحو مزيد من التصعيد التجاري. وفي مكالمة عبر الفيديو استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحت عنوان «التقارب العالمي من أجل النمو»، دعت الصين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والحفاظ على بيئة تجارية مفتوحة، بينما حذرت أوروبا من أن الاختلالات الاقتصادية العالمية باتت تتطلب معالجات مشتركة لتجنب اضطرابات أوسع في الاقتصاد الدولي.

وشارك نائب رئيس الوزراء الصيني تشانغ قوه تشينغ في الاجتماع، في خطوة وُصفت بأنها غير معتادة بالنظر إلى الانتقادات المتكررة التي توجهها بكين لمجموعة السبع، والتي تعتبرها إطاراً لا يعكس التوازن الحقيقي للاقتصاد العالمي.

جاءت المشاركة الصينية في توقيت حساس؛ إذ تستعد الدول الصناعية الكبرى لمناقشة كيفية التعامل مع الفوائض التجارية الصينية الضخمة والتدفقات المتزايدة من الصادرات منخفضة الأسعار إلى الأسواق الغربية.

وأكد المسؤول الصيني أن بلاده ستواصل الانفتاح الاقتصادي ومشاركة فرص التنمية مع شركائها التجاريين، داعياً إلى توفير بيئة تجارية «حرة وميسرة» تقوم على احترام المزايا النسبية لكل دولة. كما شدد على أن الصين ترى في التعاون الاقتصادي وسيلة أساسية لتعزيز الاستقرار العالمي في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد الدولي.

أما ماكرون، الذي يستضيف «قمة السبع» في مدينة إيفيان الفرنسية بين 15 و17 يونيو (حزيران)، فحاول توجيه رسالة مزدوجة؛ فمن جهة، دعا إلى تعاون دولي أوسع لمعالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية، ومن جهة أخرى أوضح أن تجاهل هذه الاختلالات قد يقود إلى تعديلات اقتصادية ومالية حادة تهدد الاستقرار العالمي. وقال إن التنسيق بين الاقتصادات الكبرى أصبح ضرورة وليس خياراً، محذراً من أن ترك الاختلالات تتفاقم قد يؤدي إلى تصحيح فوضوي في الأسواق العالمية.

• قلق أوروبي

تأتي هذه التحركات في وقت يتزايد فيه القلق الأوروبي من اتساع الفائض التجاري الصيني ووصول الشركات الصينية إلى مستويات متقدمة في الصناعات التكنولوجية التي كانت تمثل تقليدياً نقاط قوة أوروبية؛ فخلال السنوات الأخيرة عززت الصين حضورها في قطاعات السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم والطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة، ما أثار مخاوف متزايدة لدى الصناعات الأوروبية من فقدان حصتها السوقية أمام منافسين صينيين يتمتعون بقدرات إنتاجية ضخمة وأسعار أكثر تنافسية.

ويصف بعض المحللين هذه التطورات بأنها «الصدمة الصينية الثانية»، في إشارة إلى موجة المنافسة الصناعية التي شهدها العالم في العقد الأول من الألفية، عندما اجتاحت المنتجات الصينية منخفضة التكلفة الأسواق الغربية، وأدَّت إلى إغلاق مصانع وخسارة وظائف في عدد من الاقتصادات المتقدمة. لكن الاختلاف هذه المرة يتمثل في أن المنافسة لم تعد تقتصر على الصناعات التقليدية منخفضة القيمة، بل امتدت إلى قطاعات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة التي تعتمد عليها أوروبا في استراتيجيتها الاقتصادية المستقبلية.

وفي مواجهة هذه المخاوف، تواصل بكين الدفاع عن نموذجها الاقتصادي، رافضة الاتهامات الغربية بأنها تدعم شركاتها بصورة غير عادلة.

وتؤكد الصين أن نجاح صادراتها يعود إلى الكفاءة الصناعية وسلاسل التوريد المتطورة، وليس إلى الدعم الحكومي، كما تقول الدول الغربية. كما تتهم الولايات المتحدة وأوروبا بتقويض قواعد التجارة الدولية من خلال الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية التي تستهدف المنتجات الصينية.

• تباين واسع

غير أن الموقف الأوروبي لا يزال بعيداً عن التوافق الكامل؛ فبينما تدفع بعض الدول الأوروبية نحو تبني إجراءات أكثر صرامة لحماية الصناعات المحلية، تفضل دول أخرى نهجاً أكثر حذراً لتجنب الإضرار بالعلاقات التجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وتبرز ألمانيا باعتبارها المثال الأوضح على هذا الانقسام. فألمانيا، التي تُعد أكبر اقتصاد في أوروبا وأحد أكبر المصدرين إلى السوق الصينية، ظلت لسنوات مترددة في دعم فرض رسوم جمركية واسعة على المنتجات الصينية خشية تعرُّض شركاتها الصناعية لردود فعل انتقامية في السوق الصينية. لكن مع تزايد المنافسة المباشرة بين شركات السيارات الصينية ونظيراتها الألمانية، بدأت أصوات سياسية واقتصادية داخل ألمانيا تدعو إلى موقف أكثر تشدداً تجاه بكين.

وتدرك الحكومات الأوروبية أن العلاقة مع الصين باتت أكثر تعقيداً من مجرد علاقة تجارية؛ فالقارة تعتمد على الصين في سلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن النادرة والبطاريات والعديد من المكونات الصناعية الأساسية، بينما تحتاج الصين إلى الأسواق الأوروبية للحفاظ على زخم صادراتها، في ظل تباطؤ الطلب العالمي والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

لهذا السبب، تحاول باريس وعدد من العواصم الأوروبية الدفع نحو ما يمكن وصفه بـ«إعادة توازن» للعلاقة الاقتصادية، بدلاً من فك الارتباط الكامل مع الصين. وهو النهج الذي سعى ماكرون إلى التأكيد عليه خلال لقائه الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، أواخر العام الماضي، حين دعا إلى معالجة الاختلالات التجارية بشكل تعاوني لتجنب اللجوء إلى سياسات حمائية أوسع.

ومع اقتراب انعقاد «قمة السبع»، ثم اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي مباشرة بعدها، تبدو الصين في قلب النقاش الاقتصادي العالمي؛ فبينما ترى بكين أن نجاحها الصناعي لا ينبغي أن يكون موضع عقاب، تعتبر أوروبا والولايات المتحدة أن استمرار الفوائض التجارية الصينية يهدد توازن الاقتصاد العالمي ومستقبل قطاعات صناعية استراتيجية.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو مكالمة ماكرون مع المسؤولين الصينيين محاولة أخيرة لاستكشاف مساحة مشتركة بين التعاون والمنافسة، قبل أن تتخذ أوروبا قرارات قد تعيد رسم شكل العلاقات الاقتصادية مع الصين خلال السنوات المقبلة؛ فالصراع التجاري يتصاعد، لكن المصالح المتبادلة لا تزال أكبر من أن تسمح بقطيعة كاملة بين أكبر قوة صناعية في آسيا وأكبر سوق موحدة في العالم.


إدراج تاريخي مرتقب لـ«سبايس إكس» في «وول ستريت» اليوم

شعار شركة «سبايس إكس» مع رسم بياني صاعد للأسهم في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
شعار شركة «سبايس إكس» مع رسم بياني صاعد للأسهم في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
TT

إدراج تاريخي مرتقب لـ«سبايس إكس» في «وول ستريت» اليوم

شعار شركة «سبايس إكس» مع رسم بياني صاعد للأسهم في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)
شعار شركة «سبايس إكس» مع رسم بياني صاعد للأسهم في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

تستعد شركة «سبايس إكس»، اليوم الجمعة، لتنفيذ أكبر طرح عام أولي في تاريخ أسواق المال، وسط إقبال قوي من المستثمرين الأفراد والمؤسسات، ما يعزز التوقعات بإنجاز قياسي للعملية.

ومن المقرر أن تُقام مراسم خاصة صباح الجمعة في ساحة «تايمز سكوير» بمقر بورصة «ناسداك»، حيث سيتم إدراج أسهم الشركة رسمياً. ولم تكشف «سبايس إكس» عن هوية كبار التنفيذيين الذين سيحضرون الحدث.

ووفق حساب «Elon Musk's Jet Tracking» المتخصص في تتبع طائرة إيلون ماسك على منصة «بلوسكاي»، فقد وصل الرئيس التنفيذي للشركة إلى منطقة نيويورك منذ يوم الثلاثاء.

وأكدت الشركة، الخميس، أنها تستهدف جمع 75 مليار دولار عبر الطرح. كما تمتلك الشركة، التي يقع مقرها في مدينة ستاربيس بولاية تكساس، خيار زيادة عدد الأسهم المطروحة في حال استمرار الطلب القوي، ما قد يرفع حصيلة الطرح إلى 86 مليار دولار.

وتُقدّر القيمة السوقية الحالية لـ«سبايس إكس» بنحو 1.765 تريليون دولار، ما يضعها ضمن أكبر عشر شركات مدرجة في العالم من حيث القيمة السوقية.

ورغم هذه الأرقام الضخمة، يرى جاي ريتر، المتخصص في الاكتتابات العامة بجامعة فلوريدا، أن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع السهم بشكل قوي عند بدء التداول.

وأضاف: «يبدو أن طلب المستثمرين المؤسسيين يفوق بأربعة أضعاف عدد الأسهم المخصصة لهم فعلياً».

ومن المتوقع ألا يبدأ التداول الرسمي قبل منتصف جلسة الصباح، لإتاحة الوقت أمام البنوك المشاركة في الطرح لتوزيع الأسهم المكتتب بها.

ثقة كبيرة رغم الانتقادات

وتعكس «سبايس إكس» ثقتها بنجاح الطرح عبر تخصيص حصة كبيرة من الأسهم الجديدة للمستثمرين الأفراد، الذين يُعتقد أنهم مستعدون لضخ ما يصل إلى 100 مليار دولار في أسهم الشركة، وفقاً لوكالة «بلومبرغ».

ويتبنى هؤلاء المستثمرون رؤية إيلون ماسك في بناء تكتل تكنولوجي ضخم متعدد القطاعات، يجمع بين الصواريخ والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والإنترنت الفضائي ومنصات التواصل الاجتماعي.

إيلون ماسك خلال مشاركته في معرض «فيفاتك» بباريس عام 2023 (أ.ف.ب)

لكن الشركة شهدت تباطؤاً في النمو خلال العام الماضي، كما سجلت خسائر تقارب خمسة مليارات دولار في عام 2025، نتيجة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وقال ريتر: «إذا نظرنا إلى البيانات المالية فقط، فمن الصعب تبرير هذا التقييم المرتفع، لكن السوق لا يمنح هذه القيمة إلا إذا آمن بالرؤية المستقبلية المتفائلة للشركة».

ويشير محللون إلى أن رهان ماسك لا يقتصر على أعمال حالية مثل صاروخ «فالكون» وخدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، بل يمتد إلى أسواق مستقبلية لم تتشكل بعد، مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء.

كما لا توجد شركة أخرى بهذا الحجم تتحدث بجدية عن مشاريع استعمار القمر أو المريخ كما تفعل «سبايس إكس».

وكتب محللو شركة «ويدبوش سيكيوريتيز» أن إدراج «سبايس إكس» يمثل محطة مهمة لقطاع التكنولوجيا، في وقت تدخل فيه ثورة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة.

وقد يؤدي استقبال إيجابي للسهم في أولى جلسات التداول إلى رفع ثروة إيلون ماسك فوق حاجز التريليون دولار، في سابقة تاريخية غير مسبوقة.

وبحسب حسابات صحيفة «واشنطن بوست»، فقد تجاوز ماسك هذا المستوى بالفعل، فيما لا تزال مجلة «فوربس» تقدر ثروته دون ذلك.

دعوات لتعليق الطرح

في المقابل، دعت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية إلى تعليق عملية الإدراج مؤقتاً لإجراء مراجعات إضافية والتأكد من عدم تضليل المستثمرين.

وقال نبيل أحمد، من منظمة «أوكسفام» في الولايات المتحدة: «امتلاك شخص واحد ثروة تتجاوز تريليون دولار لا يتماشى مع اقتصاد عادل أو ديمقراطية سليمة».

نمو الإيرادات... لكن الخسائر تضغط

ارتفعت إيرادات «سبايس إكس» بنسبة 33 في المائة العام الماضي لتصل إلى 18.67 مليار دولار، حيث شكّلت خدمة «ستارلينك» نحو 60 في المائة من الإجمالي، مدعومة بنحو 10.3 ملايين مستخدم وأكثر من 9600 قمر اصطناعي.

لكن اندماج الشركة مع شركة «إكس إيه آي» الخاسرة أدى إلى تسجيل صافي خسارة بلغ 4.94 مليار دولار في 2025، مقارنة بتوقعات سابقة بتحقيق أرباح في 2024.

منظر عام لمبنى تابع لـ«سبايس إكس» قبيل الطرح العام الأولي للشركة في مدينة ستاربيس بولاية تكساس (رويترز)

وتيرة إطلاق غير مسبوقة

انتقلت «سبايس إكس» من إطلاق واحد في عام 2006 إلى أكثر من عمليتي إطلاق أسبوعياً حالياً، لتتفوق بفارق كبير على منافسيها، ما عزز مكانتها شريكاً رئيسياً لـ«ناسا» والبنتاغون.

ويعزى هذا التوسع إلى صاروخ «فالكون 9» القابل لإعادة الاستخدام، بينما تعمل الشركة على تطوير «ستارشيب»، أكبر صاروخ في العالم المصمم لنقل البشر والبضائع على نطاق غير مسبوق.

كما يُعد «فالكون هيفي»، الذي يجمع ثلاث وحدات من «فالكون 9»، من أقوى الصواريخ التشغيلية، إذ يستطيع حمل نحو 64 طناً مترياً إلى المدار الأرضي المنخفض.

رهان على «ستارشيب» ومستقبل الفضاء

يرتكز التقييم المرتفع للشركة على مركبة «ستارشيب» القادرة على حمل أكثر من 100 طن متري إلى المدار، ما يجعلها عنصراً أساسياً في خطط الشركة المستقبلية، بما في ذلك إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في الفضاء.

وشهدت الرحلة التجريبية الأخيرة لـ«ستارشيب» في مايو (أيار) خطوة مهمة قبل الإدراج، بعدما نجحت في نشر نماذج أقمار اصطناعية وإتمام هبوط متحكم به في المحيط الهندي، رغم بعض التحديات التقنية.