غرق فرقاطة إيرانية قبالة سريلانكا بعد ضربة أميركية

عمليات بحث عن عشرات المفقودين

سيارات الإسعاف تحمل المصابين إلى مستشفى جالي في سريلانكا (أ.ف.ب)
سيارات الإسعاف تحمل المصابين إلى مستشفى جالي في سريلانكا (أ.ف.ب)
TT

غرق فرقاطة إيرانية قبالة سريلانكا بعد ضربة أميركية

سيارات الإسعاف تحمل المصابين إلى مستشفى جالي في سريلانكا (أ.ف.ب)
سيارات الإسعاف تحمل المصابين إلى مستشفى جالي في سريلانكا (أ.ف.ب)

غرقت فرقاطة إيرانية قبالة السواحل الجنوبية لسريلانكا، فيما أعلنت السلطات السريلانكية إنقاذ عدد من البحارة وانتشال جثث من موقع الحادث، بينما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث عن مفقودين، في حادث يأتي على وقع الحرب الأميركية-الإسرائيلية الدائرة ضد إيران.

وقال وزير الخارجية السريلانكي، فيجيتا هيراث، أمام البرلمان، إن الفرقاطة الإيرانية «أيريس دينا» غرقت بعد أن أطلقت نداء استغاثة قبالة ساحل مدينة جالي في جنوب الجزيرة. وأوضح أن نحو 180 شخصاً كانوا على متن السفينة، مشيراً إلى أن القوات السريلانكية تمكنت من إنقاذ 32 بحاراً إيرانياً ونقلهم إلى المستشفى الرئيسي في جنوب البلاد لتلقي العلاج.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر في البحرية ووزارة الدفاع السريلانكية أن شخصاً واحداً لقي حتفه وأصيب 78 آخرون، فيما بقي 101 في عداد المفقودين، بعد هجوم يُعتقد أنه استهدف السفينة قبالة الساحل السريلانكي. غير أن متحدثاً باسم البحرية السريلانكية قال إن هذه الأرقام «غير دقيقة»، مؤكداً أن 32 شخصاً فقط جرى إنقاذهم وأنهم يتلقون العلاج في المستشفى.

وقال مصدر في البحرية السريلانكية، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالحديث إلى وسائل الإعلام، إن «79 شخصاً تم إنقاذهم ونقلهم إلى المستشفى، أحدهم في حالة خطرة»، مضيفاً أنه يُعتقد أن 101 آخرين ما زالوا في عداد المفقودين بعد غرق السفينة. وأفادت المصادر بأن أحد المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى توفي لاحقاً متأثراً بجروحه.

المتحدث الإعلامي باسم البحرية السريلانكية القائد بوديكا سامباث يتحدث خلال مؤتمر صحافي بعد إنقاذ أشخاص من السفينة العسكرية الإيرانية «أيريس دينا» (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن السفينة أطلقت نداء استغاثة قبالة ساحل جالي فجر الأربعاء، وأن عمليات الإنقاذ بدأت قرابة الساعة السادسة صباحاً. وقال متحدث باسم البحرية السريلانكية إن الناجين أصيبوا بجروح ويتلقون العلاج في مستشفى حكومي بمدينة جالي الساحلية.

وأوضح المتحدث أن البحرية تلقت نداء الاستغاثة من السفينة الإيرانية وأبلغت سلاح الجو، قبل إطلاق عملية مشتركة للبحث والإنقاذ. وأضاف أن القوات السريلانكية ركزت أولاً على إنقاذ الأرواح على متن السفينة الإيرانية، على أن يتم التحقيق لاحقاً في أسباب الحادث، مشيراً إلى أن البحرية لم ترصد أي سفينة أو طائرة أخرى في منطقة الحادث. وقال: «نأمل أن نتمكن من إنقاذ المزيد من الأشخاص وسنواصل عمليات البحث حتى نتأكد من ذلك».

وأعلنت البحرية السريلانكية لاحقاً العثور على «عدد من الجثث» في المنطقة التي غرقت فيها السفينة، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن بقية أفراد الطاقم. وقال الناطق باسم البحرية بوديكا سامباث للصحافيين في كولومبو: «عثرنا على عدد من الجثث في المنطقة حيث غرقت السفينة»، مؤكداً أن العملية جاءت استجابة لنداء استغاثة في إطار التزامات سريلانكا الدولية في مجال البحث والإنقاذ البحري.

وأضاف أن موقع الحادث يقع ضمن منطقة البحث والإنقاذ التابعة لسريلانكا في المحيط الهندي. وذكرت مصادر في البحرية السريلانكية ووزارة الدفاع أن السفينة ربما تعرضت لهجوم من غواصة، وأن ما لا يقل عن 101 شخص في عداد المفقودين، غير أن متحدثاً باسم البحرية نفى صحة هذه التقارير ورفض تأكيد سبب غرق السفينة.

وحسب وزير الخارجية السريلانكي، وصلت سفينة إنقاذ إلى موقع الحادث في أقل من ساعة، على بُعد نحو 40 كيلومتراً جنوب ميناء جالي، غير أن الفرقاطة كانت قد غرقت بالكامل تقريباً عندما وصلت فرق الإنقاذ، ولم يتبقَ في الموقع سوى بقعة نفط واسعة على سطح البحر.

وقال مسؤول في وزارة الدفاع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نواصل البحث، لكننا لا نعرف حتى الآن ما الذي حدث لبقية أفراد الطاقم»، مشيراً إلى أن الآمال في العثور على مزيد من الناجين تتضاءل.

وقال مدير مستشفى «كارابيتيا» في جالي، إس.دي.رانغا، إن المستشفى استقبل 32 بحاراً مصاباً، مضيفاً أن هناك تقارير عن احتمال سقوط قتلى، لكن المستشفى لم يستقبل سوى المصابين الذين تم إنقاذهم.

السفينة العسكرية الإيرانية «أيريس دينا» راسية في ميناء ريو دي جانيرو يوم 28 فبراير 2023 (أرشيفية - رويترز)

وأشارت تقارير إلى أن الفرقاطة الإيرانية كانت قد شاركت في مناورات عسكرية بميناء فيساخاباتنام شرق الهند قبل الحادث. وأثار نائب معارض في البرلمان السريلانكي تساؤلات حول ما إذا كانت السفينة قد تعرضت لهجوم في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، لكن الحكومة لم تقدم رداً مباشراً على ذلك.

وفي سياق متصل، نقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين قولهم إن الجيش الأميركي نفذ ضربة ضد سفينة حربية إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وأكدت البحرية السريلانكية أن عملية الإنقاذ نُفذت وفق الالتزامات البحرية الدولية، مشيرة إلى أن السلطات لن تنشر تسجيلات مصورة للعملية نظراً لارتباطها بجيش دولة أخرى.

وفي الوقت نفسه، عززت الشرطة الإجراءات الأمنية في محيط المستشفى الذي نقل إليه البحارة المصابون في جالي.

ويأتي الحادث في وقت تتسع فيه تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ السبت الماضي، التي امتدت آثارها إلى عدد من دول المنطقة.

وتؤكد سريلانكا التزامها الحياد في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، وكانت قد دعت مراراً إلى الحوار لحل النزاعات في المنطقة.

ويعمل أكثر من مليون سريلانكي في دول الشرق الأوسط، ما يجعل استقرار المنطقة مهماً للاقتصاد السريلانكي، الذي يعتمد على تحويلات العمالة في الخارج، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد عام 2022.


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يشن ضربات ضد إيران رداً على استهداف سفينة في مضيق هرمز

الولايات المتحدة​ مقاتلة من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط (أرشيفية - الجيش الأميركي)

الجيش الأميركي يشن ضربات ضد إيران رداً على استهداف سفينة في مضيق هرمز

أعلن الجيش الأميركي، اليوم (الأحد)، أنه بدأ بشن جولة جديدة من الضربات ضد إيران، في أعقاب هجوم إيراني على سفينة حاويات في مضيق هرمز. أعلن الجيش الأميركي، اليوم،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)

ملامح «مسار آمن» في «هرمز»

تبلورت أمس ملامح لتأمين مسار آمن لملاحة السفن التجارية في مضيق هرمز، وذلك تماشياً مع جهود الوساطة الأخيرة التي أدت إلى عودة واشنطن وطهران إلى التفاوض في أعقاب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

«الحرس الثوري» يعلن إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر»

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الأحد)، أنه أغلق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر» بعد استهدافه سفينة بإطلاق نار تحذيري خلال عبورها «مسارا غير مصرح به».

شؤون إقليمية مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

مؤثرون غربيون في جنازة خامنئي أشعلوا الغضب في واشنطن

أثار حضور شخصيات أميركية تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي غضباً في واشنطن، وسط دعوات لملاحقة مؤثرين بتهم الخيانة العظمى عبر تمويل رقمي مشبوه لكسر عزلة طهران.

كوثر وكيل (لندن)
شؤون إقليمية ناقلة نفطية تمر بمضيق «هرمز» في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

واشنطن تسعى لتعهد إيراني بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز

ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن وزير الخارجية الإيراني وصل إلى سلطنة عمان، اليوم (السبت)، لبحث الترتيبات المتعلقة بضمان المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ملامح «مسار آمن» في «هرمز»

مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)
مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)
TT

ملامح «مسار آمن» في «هرمز»

مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)
مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)

تبلورت أمس ملامح لتأمين مسار آمن لملاحة السفن التجارية في مضيق هرمز، وذلك تماشياً مع جهود الوساطة الأخيرة التي أدت إلى عودة واشنطن وطهران إلى التفاوض في أعقاب التصعيد العسكري الذي ساد خلال الأيام الماضية.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بحث أمس في سلطنة عُمان الترتيبات المتعلقة بضمان المرور الآمن للسفن عبر المضيق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحصول على تعهد مكتوب وعلني من طهران بحرية الملاحة، وتأمين عبور الممر المائي الحيوي.

وذكر موقع «أكسيوس» الأميركي أمس، أن إيران وعُمان تناقشان بياناً يتعلق بفتح «الممر الأوسط» في المضيق أمام السفن التجارية.

من جهة أخرى، قال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن الوسطاء يحاولون ترتيب مكالمة هاتفية بين إيران والولايات المتحدة وقطر وباكستان، على أن تتم أثناء وجود عراقجي في عُمان. كما أفادت شبكة «سي بي إس نيوز» بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترمب، من المتوقع أن يقودوا المحادثات مع عراقجي.

إلى ذلك، هدّد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، أمس، بالثأر لدماء والده وسلفه علي خامنئي الذي قُتل في اليوم الأول من الهجمات الأميركية - الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) على إيران.

وقال مجتبى في رسالة: «نقطع عهداً بأن نأخذ بثأر دمك الطاهر (...) هذا الثأر هو إرادة أمتنا، وهو حاصل لا محالة».


«الحرس الثوري» يعلن إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر»

زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

«الحرس الثوري» يعلن إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر»

زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الأحد)، أنه أغلق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر» بعد استهدافه سفينة بإطلاق نار تحذيري خلال عبورها «مسارا غير مصرح به»، وفق ما أفادت وكالة «إرنا» الرسمية الإيرانية للأنباء.

وتهدد هذه الخطوة بتعقيد جهود إنقاذ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في ظل تبادل الطرفين الضربات والتهديدات.

وأفاد موقعا «أكسيوس» و«بوليتيكو» بأن واشنطن منحت طهران مهلة تنتهي السبت لوقف إطلاق النار على السفن التجارية في مضيق هرمز والإقرار رسميا بأن الممر المائي مفتوح.

ويعد مستقبل مضيق هرمز عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق نهائي، إذ تصر طهران على السيطرة على حركة الملاحة فيه، في حين تطالب واشنطن بحرية الملاحة دون قيود.

وقالت بحرية الحرس الثوري في بيان أن «السفينة أصيبت بطلقات تحذيرية وتوقفت"بعد تجاهلها تعليمات متكررة باستخدام مسار معتمد، وفقا للبيان الذي نقلته وكالة «إرنا».

أضاف البيان «في أعقاب هذا الحادث (..) سيُغلق مضيق هرمز حتى إشعار آخر وحتى انتهاء التدخلات الأميركية في المنطقة، ولن يُسمح لأي سفن بالمرور عبره».

كما توعد «الحرس الثوري» بأنه سيستهدف «قواعد جديدة للعدو في المنطقة» في حال شنت القوات الأميركية هجمات جديدة ضده بذريعة هذا الحادث.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، اذ يمر عبره نحو خُمس حركة التجارة العالمية للنفط والغاز المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه مصدر قلق كبير لأسواق الطاقة.

وأغلقت إيران المضيق أمام الملاحة التجارية خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما ساهم في ارتفاع حاد في أسعار النفط وعرقلة حركة الملاحة البحرية في المنطقة.

وتُصر إيران على حقها في تنظيم حركة المرور عبر المضيق، وقد أعلنت عن خطط لفرض رسوم على السفن التي تستخدمه.

وصرح مسؤولون إيرانيون مرارا بأنه لن تكون هناك عودة إلى نظام الملاحة غير المقيدة الذي كان سائدا قبل الحرب.

وبموجب القانون الدولي، لا يُسمح للدول عموما بفرض رسوم عبور على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.


مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟
TT

مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

في الوقت الذي كانت فيه المقاتلات الأميركية تستأنف ضرباتها المركزة ضد الأصول البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» في مضيق هرمز لتدمر ما تبقى من الهدنة المؤقتة، كانت العاصمة الإيرانية طهران تشهد فصلاً جديداً من فصول الحرب السياسية الرقمية.

فتحت طهران ذراعيها لاستقبال نحو 400 مدون ومؤثر أجنبي، جُيِّشوا بعناية فائقة لغسل سمعة النظام، وإعادة إنتاج روايته الرسمية أمام ملايين المتابعين في الغرب حسب ما نشرته «الإندبندنت» و «التايمز».

هذا التوظيف الفج لـ«دبلوماسية المؤثرين» الغربيين حوّل مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى منصة «بروباغندا» مفتوحة للهجوم على الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأثار هذا المشهد غضباً سياسياً غير مسبوق في واشنطن، وسط اتهامات صريحة للمشاركين بلعب دور «الطابور الخامس» والترويج لكيانات مصنفة إرهابياً في توقيت عسكري بالغ الحرج.

وتحولت الجنازة الممتدة لعدة أيام إلى منصة إيرانية لشن «حرب روايات» رقمية تهدف إلى إظهار تماسك النظام والدفاع عن موقفه في مواجهة واشنطن وتل أبيب.

وفي خطوة عكست توظيف طهران لوسائل التواصل الاجتماعي كأداة سياسية، لكسر العزلة الدولية المفروضة عليها والترويج لخطابها السياسي.

هندسة السردية البديلة والهروب من العزلة

كشفت كواليس الحشد الإعلامي الإيراني عن استراتيجية مدروسة وممنهجة. أكد رئيس «منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية، محمد مهدي إيماني بور، في تصريحات نقلتها وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن طهران تعمدت تجاوز وسائل الإعلام التقليدية لصالح من وصفهم بـ«المؤثرين والمدونين المستقلين».

ويرى خبراء معهد الدراسات الأمنية القومية (INSS) أن هذه الخطوة تعد مؤشراً واضحاً على إدراك النظام لعزلته وشعبيته المتآكلة في الداخل، فبدلاً من لفت الأنظار إلى حملات القمع الأمني وقطع الإنترنت التي طالت المحتجين في أوقات سابقة، حاولت طهران استخدام هؤلاء «السُّذج» من الغرب لالتقاط زوايا تصوير محددة توحي بتماسك النظام والتفاف الجماهير حوله في معركته ضد واشنطن حسب «ذا جيروزاليم بوست».

من فلوريدا وموسكو.. قادة «شيوعية ماغا» في ساحات طهران

لم يكن الحضور الأميركي في الجنازة عفوياً، إذ برز اسم الناشط السياسي المثير للجدل جاكسون هينكل.

هينكل، البالغ من العمر 26 عاماً، والذي كان يُصنف سابقاً كأحد نشطاء البيئة، تحول إلى الترويج لتيار هجين يُعرف بـ«شيوعية ماغا» الداعم للرئيس الصيني شي جين بينغ.

وظهر هينكل في تسجيلات بثتها شبكة «آر تي» الروسية من ساحة «انقلاب» بطهران وهو يقود جموع المشيعين بهتافات حماسية باللغة الإنجليزية تطالب بسقوط الولايات المتحدة والصهيونية، رافعاً راية حمراء تعبر عن الانتقام، كما نشر ذلك على حسابه على منصة «إكس». ويواجه هينكل، الذي يقيم في موسكو هرباً من الملاحقات القانونية، انتقادات حادة لاستغلاله منصته التي تضم 3.8 مليون متابع على «إكس» للترويج لـ«الحرس الثوري»، ومهاجمة إدارة دونالد ترمب.

ولم يكن هينكل الممثل الوحيد لهذا التيار. شاركه في قيادة الهتافات شريكه في تأسيس ما يُسمى «الحزب الشيوعي الأميركي» الجديد، كريستوفر هيلالي.

هيلالي، الذي يشغل رسمياً منصب مسؤول محلي ومنتخب في ولاية فيرمونت، ويمتد نشاطه التدريسي إلى الدراسات الاجتماعية، دافع بصراحة في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» عن إرث خامنئي.

ورأى هيلالي أن ممارسات النظام الإيراني لم تكن قمعاً، بل كانت «دفاعاً مشروعاً عن البلاد ضد محاولات تغيير النظام العنيفة التي تقودها المخابرات الأميركية والإسرائيلية».

انقلابات آيديولوجية... الحجاب وسردية «أعظم قائد»

شهدت القائمة أيضاً وجوهاً عكست التحولات الراديكالية لبعض عناصر اليسار الأميركي المتطرف. كان من أبرزها الناشطة كالا والش، التي بدأت مسيرتها السياسية كمتطوعة شابة في الحملة الرئاسية للسيناتورة الديمقراطية البارزة إليزابيث وارن.

والش ظهرت في طهران مرتدية الحجاب التقليدي، وبثت مقاطع فيديو عبر حساباتها الرسمية وصفت فيها خامنئي بأنه «أعظم قائد مناهض للإمبريالية عاش في عصرنا الحالي»، معتبرة أن الحشد الجماهيري يمثل استفتاءً شعبياً على ولاء الإيرانيين للثورة الإسلامية.

هذه التصريحات فتحت عليها نار الانتقادات في شبكات التلفزة الغربية. هاجمها المذيع جيمس مورو عبر شبكة «سكاي نيوز»، واصفاً موقفها بأنه «سقوط أخلاقي جديد لليسار المتطرف» الذي بات يتماهى مع أنظمة ثيوقراطية تقمع حقوق النساء بشكل صارخ.

كما انضم إلى الوفد الإعلامي غير الرسمي الصحافي ماكس بلومنثال، مؤسس موقع «غرايزون»، والناشطة البريطانية بشرى شيخ. وعمل هؤلاء على ترويج السردية الإيرانية بالكامل وتصوير الجنازة على أنها الأضخم في التاريخ الحديث لإحراج واشنطن.

سخط في واشنطن ودعوات لمقصلة «قانون الخيانة»

قوبلت هذه المشاهد الآتية من طهران بموجة غضب عارمة في الأوساط المحافظة والمقربة من الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس دونالد ترمب، حيث طالب سياسيون ومحللون أميركيون بفتح تحقيقات فورية وإصدار مذكرات توقيف بحق هؤلاء النشطاء بموجب القوانين الفيدرالية الصارمة.

وفي هجوم فوري عبر الفضاء الرقمي، أعادت الباحثة الاستراتيجية البارزة في معهد هادسون بواشنطن، ريبيكا هاينريشس، مشاركة مقاطع فيديو هينكل في طهران، مكتفية بتوجيه اتهام صريح ومباشر بالخيانة عبر الاستشهاد بالمادة 18 من القسم 2381 من القانون الفيدرالي الأميركي، وهو البند الذي يلوح بعقوبة الإعدام لكل مواطن يقدم عوناً أو تأييداً لأعداء الولايات المتحدة.

بالتوازي مع ذلك، طالبت الناشطة المحافظة لورا لومر بإلغاء جوازات سفر المشاركين وملاحقتهم بتهمة انتهاك «قانون لوغان» الذي يحظر على المواطنين غير المفوضين التفاوض أو التواصل مع حكومات أجنبية في حالة نزاع مع واشنطن، فضلاً عن تهمة الترويج والتعاون مع تنظيمات مدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية.

ومن جانبهم، أشار خبراء مكافحة التجسس، ومن بينهم الخبير جوناثان هاكيت، لصحيفة «ذا جيروزاليم بوست» إلى أن استراتيجية إيران الحالية تماثل تماماً أساليب «المؤتمرات الهوليودية» التي كان ينظمها النظام سابقاً لجذب الأصوات الغربية، موضحاً أن طهران تعمد إلى إخفاء مصادر تمويل هذه الرحلات الفاخرة وتغطية نفقات هؤلاء المؤثرين عبر شبكات معقدة من العملات المشفرة لتجنيبهم الملاحقة المصرفية والقانونية في بلدانهم.

التمويه الرقمي في مواجهة الطائرات المسيرة

يعيد هذا المشهد إلى الأذهان أساليب الدعاية السوفياتية القديمة خلال الحرب الباردة، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

فبينما كان الشارع الإيراني يعاني تداعيات الصراع العسكري المباشر وشلل حركة الملاحة البحرية، نجحت الأجهزة الدعائية في طهران في اختراق الفضاء الرقمي الغربي مستغلة مناخ الحريات هناك.

واستخدمت مواطنين أميركيين كأدوات لتسويق صورة «الدولة المقاومة»، في حين يرى الشارع الأميركي في هؤلاء النشطاء مجرد أدوات «بروباغندا رخيصة» وظفتها طهران لغسل سمعتها الدولية والتغطية على أزماتها البنيوية العميقة.