رهان «من يرمش أولاً» يختبر واشنطن وطهران في «هرمز»

الحصارات البحرية «مملة دائماً... حتى يحدث شيء ما»

صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)
صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)
TT

رهان «من يرمش أولاً» يختبر واشنطن وطهران في «هرمز»

صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)
صورة جوية تُظهر سفناً راسية عند مضيق «هرمز» كما شوهدت من محافظة مسندم في سلطنة عمان 25 مايو (رويترز)

يظهر التاريخ العسكري أنَّ الحصارات البحرية تتطلب صبراً طويلاً. وهذه ليست من الميزات التي يتمتَّع بها صناع القرار في واشنطن.

فعندما فرض الرئيس دونالد ترمب حصاراً على الموانئ الإيرانية في أبريل (نيسان) 2026، لم تكن النتيجة السريعة التي كان يسعى إليها - إعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة التجارية - ممكنة التحقيق. ويقول خبراء عسكريون إنَّ إنهاك الخصم عبر الحصار قد يستغرق أشهراً أو حتى سنوات، وبالتأكيد ليس بضعة أسابيع.

كان لدى إيران، التي تمتلك آلاف الأميال من الحدود البرية مع 7 دول مجاورة، وشرياناً تجارياً يصلها بحليفتها روسيا عبر بحر قزوين، بدائل متعددة. ولذلك استمرَّت المواجهة.

وقال مايكل كونيل، المُتخصِّص في الشؤون العسكرية الإيرانية بمركز التحليلات البحرية في فرجينيا: «من الصعب إخضاع خصم بسرعة عبر الحصار. إنَّه نوع من الأساليب التي تنجح بمرور الوقت، لكنه ليس حلاً سريعاً».

والآن، مع ظهور مؤشرات على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من اتفاق سلام، أصبح رفع الحصار الأميركي وإعادة فتح المضيق من بين الأولويات القصوى. وإذا تمَّ التوصُّل إلى اتفاق، فسينهي ذلك واحدةً من أكثر المواجهات البحرية غرابةً في العصر الحديث: حالة جمود متوترة، ليست سلاماً ولا حرباً شاملة، بين خصمين غير متكافئين، استخدم كل منهما أوراق ضغطه في البحر.

زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق «هرمز» (أ.ف.ب)

«من يرمش أولاً؟»

وقد اتسمت هذه المواجهة بنمط صراع أصبح مألوفاً في عصر الاضطرابات التكنولوجية، قدرة الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام والصواريخ الإيرانية على ردع ترسانة الولايات المتحدة من حاملات الطائرات النووية والمقاتلات المتطورة، التي تضم أطقماً بشرية بحجم بلدات صغيرة.

كما سلط الجمود البحري الضوء على حقيقة قديمة في الحروب: من الصعب تحقيق نصر سريع دون السيطرة على أراضٍ على اليابسة. فالمواجهة البحرية تمثل محاولةً لخنق اقتصادي وتجاري عبر البحر، تبدو ظاهرياً بلا دماء، لكنها تنطوي على تكاليف ومخاطر خفية للطرفين.

وفي هذا السياق، شدَّد الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط (سنتكوم)، على قيمة الضغط الاقتصادي، خلال شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأسبوع الماضي.

وقال إنه لم يكن هناك «أي تبادل تجاري» من وإلى الموانئ الإيرانية، مضيفاً أن ذلك «يضغط اقتصادياً على إيران، ويخلق نفوذاً قوياً للمفاوضات الجارية».

لكن إيران أيضاً قادرة على إلحاق أضرار اقتصادية. فاعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل التوريد العالمية يعني أنَّ تعطيل إيران لصادرات مثل الأسمدة والهيليوم، والأهم النفط والغاز، كان له أثر عالمي.

وقال مايكل كونيل: «لقد تحوَّلت المسألة إلى صراع إرادات لمعرفة مَن سيرمش أولاً».

ويُعدُّ الحصار عملاً حربياً بموجب القانون الدولي؛ لذلك يبقى خطر التصعيد، سواء كان مقصوداً أم لا، قائماً دائماً. وقد تجلى ذلك، الأربعاء الماضي، عندما أطلقت إيران 4 طائرات مسيّرة هجومية فوق مضيق «هرمز»، بينما نفَّذ الجيش الأميركي غارات جوية على محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة في مدينة بندر عباس الساحلية.

وكانت تلك المرة الثانية خلال 3 أيام التي تنفِّذ فيها القوات الأميركية ضربات في جنوب إيران، بما في ذلك ضد قوارب إيرانية حاولت زرع ألغام.

ويتلقى ضباط البحرية الأميركية على متن السفن الحربية تدريبات متكررة على مثل هذه التحذيرات، مع تذكير دائم بما حدث خلال الحرب الإيرانية - العراقية عام 1988، حين أدت سلسلة من الأخطاء إلى اعتقاد طراد أميركي أن رحلة تجارية إيرانية كانت طائرة مقاتلة معادية، فأُسقطت فوق «هرمز»؛ مما أدى إلى مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 290 شخصاً.

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق «هرمز» (غيتي)

تكاليف وإرهاق

تفرض الحرب البحرية أعباء كبيرة. فبالنسبة لإيران، يُشكِّل تقييد تدفق السلع من وإلى البلاد ضغطاً هائلاً على اقتصاد كان يعاني أصلاً حتى قبل اندلاع الحرب، رغم وجود مسارات تجارية بديلة.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإنَّ إرسال السفن للدوريات في مياه بعيدة عن الوطن لا يكلّف كثيراً فحسب، بل يرهق السفن والأطقم أيضاً. فعلى سبيل المثال، عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» هذا الشهر بصعوبة بعد 10 أشهر شاقة في شمال الأطلسي والبحر المتوسط والكاريبي والبحر الأحمر، ما أظهر كيف يمكن للاستهلاك والتآكل أن يفرضا تكاليف على قوة عظمى توسع انتشارها أكثر من اللازم.

وقال مايك فرانكن، نائب الأميرال المتقاعد الذي قاد سابقاً سرب مدمرات: «البحرية الأميركية قادرة على إنجاز أمور مذهلة لفترات مذهلة، لكن الأمور تبدأ بالتآكل على الأطراف، وقد كنا نعمل بوتيرة عملياتية مرتفعة جداً».

هناك أيضاً فرص استراتيجية ضائعة. فالسفن المستخدمة في حصار إيران، وكذلك البحّارة الذين يشغلونها، لا يمكن استخدامهم في مهام أخرى. وقد شكّلت زيارة ترمب الأخيرة إلى الصين تذكيراً بأنَّ شرق آسيا لا يزال منطقة ذات أهمية استراتيجية، حيث تعتمد دول حليفة مثل كوريا الجنوبية واليابان، وخصوصاً تايوان، بدرجات متفاوتة على الردع البحري الأميركي.

وأخيراً، فإنَّ وجود خصمين في حالة توتر ثابتة يخلق خطر التصعيد غير المقصود، نتيجة سوء تقدير نابع من القلق أو الارتباك أو فقدان التركيز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية، هذا الأسبوع، إنَّها أعادت توجيه 111 سفينة تجارية، وعطَّلت حتى الآن 4 سفن كانت متجهةً إلى الموانئ الإيرانية. كما هاجمت القوات الإيرانية مُدمِّرات أميركية مزوَّدة بصواريخ موجهة خلال عبورها مضيق «هرمز» باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة وقوارب صغيرة. وأكدت القيادة المركزية أنَّ السفن الأميركية صدَّت الهجوم بنجاح. كما أطلقت إيران النار على سفن من دول أخرى حاولت عبور المضيق؛ ما تسبب في بعض الأضرار.

وتشارك نحو 20 سفينة حربية أميركية في الحصار، بما في ذلك حاملتا الطائرات «جورج بوش» و«إبراهام لنكولن»، إضافة إلى مدمرات صاروخية، وسفن إنزال، وسفن قتال ساحلي، وكاسحات ألغام، وسفن تموين وإمداد؛ للحفاظ على جاهزيتها القتالية.

قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس (أ.ف.ب)

«الحصار أمر ممل»

من السوابق المشابهة للجمود الحالي في مضيق «هرمز» ما عُرف بـ«حرب الناقلات» في ثمانينات القرن الماضي، حين امتدت الحرب بين إيران والعراق إلى الخليج العربي. ورغم أنَّ الولايات المتحدة لم تكن طرفاً مباشراً في القتال، فإنَّها انجرت إلى النزاع عندما بدأت بمرافقة ناقلات النفط المدنية عبر المضيق؛ ما أدى في النهاية إلى مأساة إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية.

وإذا استمرت المواجهة الحالية، فإنَّ لهذه الاستراتيجية تكاليف مباشرة تتمثل في تزويد السفن الموجودة في المنطقة بالغذاء والوقود والذخيرة، إضافة إلى الحاجة إلى إبقاء الطائرات المسيّرة والمروحيات والمقاتلات وطائرات الاستطلاع في الجو باستمرار. كما يحصل البحّارة ومشاة البحرية والطيارون على بدلات مخاطر قتالية.

أما بالنسبة للبحّارة، فإنَّ الجمع بين فترات طويلة من الملل تتخللها لحظات توتر وضغط قد يكون مرهقاً للغاية.

وقال أندرو لامبرت، أستاذ التاريخ البحري في كلية كينغز: «الحصار أمر ممل جداً. أنت فقط تبقى منتظراً حدوث شيء ما».

وقال جيمس آر. هولمز، رئيس قسم الاستراتيجية البحرية في الكلية الحربية البحرية: «هناك تأثيرات متسلسلة ناتجة عن إبقاء أعداد كبيرة من الأصول العسكرية في مواقعها لفترات طويلة».

وأشار إلى الانتشار الطويل لحاملة الطائرات «جيرالد فورد»، وافترض أن الحاملة قد تواجه مشكلات هندسية غير متوقعة في أثناء الصيانة. وخلال وجودها في البحر، تعرَّضت السفينة لأعطال ميكانيكية في معدات إطلاق واستعادة الطائرات على سطح الطيران. كما دمَّر حريق كبير منطقة نوم لمئات البحَّارة، وظهرت شكاوى بشأن نقص الغذاء وتأخر البريد؛ ما أدى إلى تراجع المعنويات.

وأضاف هولمز أن الولايات المتحدة ستجد صعوبةً في إعادة فتح التجارة عبر المضيق دون التوصُّل إلى تفاهم مع إيران، قائلاً: «كما تحتاج إليه إيران للحفاظ على قبضتها على المضيق هو عدد كافٍ من أسطولها الصغير، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة الساحلية، لإبقاء شركات الشحن وشركات التأمين في حالة توتر. ونادراً ما تنجح أي حملة عسكرية في نزع سلاح الخصم بالكامل ما لم يحدث تغيير للنظام».

أما لامبرت، أستاذ كلية كينغز، فقال إن التكاليف ستستمر في الارتفاع كلما طال أمد المواجهة: «لأن شيئاً عنيفاً على نطاق واسع لا يحدث حالياً، فإنَّ إغراء ترك الوضع يستمر يمثل مشكلة حقيقية».

*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب) p-circle

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

رأى وزير الخارجية التركي، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ) p-circle

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

قال وزير خارجية ألمانيا إن برلين وباريس ولندن مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي. ودعا إلى دعم السعودية واليمن في الدفاع عن نفسيهما.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها.ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.