سانشيز يسير عكس التيار الأوروبي في حرب إيران

ناطق إسباني لـ«الشرق الأوسط»: لا نتوقع انتقاماً أميركياً

إسبان يتظاهرون ضد مشاركة إسرائيل في مؤتمر تكنولوجي ببرشلونة الاثنين (أ.ب)
إسبان يتظاهرون ضد مشاركة إسرائيل في مؤتمر تكنولوجي ببرشلونة الاثنين (أ.ب)
TT

سانشيز يسير عكس التيار الأوروبي في حرب إيران

إسبان يتظاهرون ضد مشاركة إسرائيل في مؤتمر تكنولوجي ببرشلونة الاثنين (أ.ب)
إسبان يتظاهرون ضد مشاركة إسرائيل في مؤتمر تكنولوجي ببرشلونة الاثنين (أ.ب)

بعد ساعات قليلة من إعلان باريس وبرلين ولندن استعدادها لشنّ «ضربات عسكرية دفاعية متناسبة» ضد إيران، في حال تعرّضت مصالحها للخطر، فاتحة بذلك الباب أمام احتمال مشاركتها إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب على إيران، في حال توسّعها، اتخذ رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، قراراً جريئاً بالسير عكس التيار الأوروبي، وهو ما عدّه دبلوماسي مُخضرم في مدريد مجازفة سياسية متقدمة تبقى تبِعاتها معلَّقة بالمستقبل.

كان سانشيز قد أعلن أن بلاده لن تساهم، بأي شكل من الأشكال، في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ لأنها لا تستند إلى قرار صادر عن «الأمم المتحدة»، ولا تحظى حتى بموافقة «الكونغرس» الأميركي. وقال إنه أعطى أوامره بعدم السماح للقوات الأميركية باستخدام قاعدتيْ «روتا» و«مورون» في العمليات العسكرية الجارية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال مؤتمر صحافي في نهاية اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي ببروكسل 23 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وفي حديث هاتفي خاص مع «الشرق الأوسط»، ظُهر الثلاثاء، قال ناطق باسم وزارة الخارجية الإسبانية إن الولايات المتحدة تعرف جيداً موقف إسبانيا، الذي يستند إلى تعارض هذه الحرب مع القانون الدولي، وأن الحكومة الإسبانية لا تتوقع أي رد انتقامي من الإدارة الأميركية التي لم يصدر عنها أي تعليق حتى الآن على قرار سانشيز «الذي أعرب عن استعداده لتحمُّل تبعاته في حال حصولها»، كما قال الناطق.

وكان وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل آلباريس، قد رفض دعوة «الحزب الشعبي» المُعارض للانضمام إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا في التوجه المشترك نحو الاستعداد لمؤازرة القوات الأميركية عند الاقتضاء. وفي تسريب إعلامي على لسان أحد الوزراء بحكومة سانشيز، جاء ما يلي: «من قال إنه يتوجب علينا أن نكون بجانبهم حتى إذا كانوا على خطأ، وهم كذلك. كثيرون في أوروبا والولايات المتحدة يفكرون مثلنا. هذه الحرب لا مغزى لها، وهي لا تهدف إلى إحلال الديمقراطية في إيران. نحن نتحدث عن رئيس يتصرف بدافع من اليأس، ويواجه احتمالات جدية بهزيمة مُدوّية في الانتخابات الوسطية المقبلة، بعد قرار المحكمة العليا إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها».

وقال مصدر مقرَّب من سانشيز في رئاسة الحكومة: «إن موقفنا هو الذي أعرب عنه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وبلدان أوروبية أخرى وقسم كبير من الرأي العام الأميركي. لا أحد يعرف ما هو الهدف الحقيقي لهذه الحرب. في البداية قالوا لنا إنه تغيير النظام، والآن إنه القضاء على القدرات النووية الإيرانية التي كانوا أكدوا أنهم قضوا عليها في العملية العسكرية السابقة».

طائرة نقل أميركية على مدرج القاعدة «مورون» في جنوب إسبانيا (أرشيفية-رويترز)

وكان زعيم «الحزب الشعبي» المُعارِض، ألبرتو فيخو، قد أكد أنه يدعم العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية؛ «لأن سقوط طاغية هو نبأ سارّ، ولن نقف أبداً بجانب نظام داسَ على كرامة النساء، وقتل أكثر من ثلاثين ألف متظاهر في الاحتجاجات الأخيرة»، وهو ما ردّ عليه سانشيز بالقول: «يمكن أن نقف ضد نظام بغيض كالنظام الإيراني، وأيضاً ضد التدخل العسكري».

انتقاد إسرائيلي

وسارعت إسرائيل إلى انتقاد سانشيز، الذي قال وزير خارجيتها، جدعون ساعر، إن رئيس الحكومة الإسبانية بعد تلقّيه التهاني من «حماس» ومن «الحوثيين»، يتلقى، اليوم، التهنئة والشكر من إيران. وأضاف: «هل هذا هو الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ؟»، فيما بدا رداً على ما قالته الممثلة الأميركية المعروفة، سوزان ساراندون، نهاية الأسبوع الماضي، في برشلونة، بأن سانشيز يقف في الجانب الصحيح من التاريخ، منوّهة بمواقفه الأخلاقية وحُسن بصيرته السياسية.

لكن الهجوم الأشرس على موقف رئيس الحكومة الإسبانية جاء على لسان العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ الأميركي، ليندسي غراهام، الذي قال: «إن الحكومة الإسبانية أصبحت النموذج الذي تتبعه القيادات الأوروبية الضعيفة والمثيرة للشفقة، والتي فقدت بُوصلتها بتوجيه الانتقادات إلى الولايات المتحدة وتعجز عن إدانة النظام الإرهابي في إيران». وأضاف: «سيسجل التاريخ أين وقفت إسبانيا عندما حاول الرئيس دونالد ترمب إسقاط النظام الأكثر دموية منذ الحرب العالمية الثانية».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع نظيره الإسباني بيدرو سانشيز في القدس (أرشيفية-أ.ف.ب)

وردّت الحكومة الإسبانية على تصريحات غراهام، المعروف بقربه من ترمب، بالقول: «التفرد بقرار الحرب خارج الشرعية الدولية، التي تُمثلها الأمم المتحدة، يصبّ في مصلحة بوتين وعدوانه على أوكرانيا، والكل الآن يتغاضى عن تبعات هذه السابقة. في حرب العراق وقفت الحكومة الإسبانية، التي كان يرأسها خوسيه ماريا آزنار، بجانب واشنطن، بينما عارضت ألمانيا وفرنسا وحاولتا إقناع الأميركيين بالعدول عن الحرب، ودار نقاش دولي حول الموضوع دام أربعة أشهر، واجتماعات في الأمم المتحدة لتشكيل تحالف دولي. أما اليوم فلا شيء من كل ذلك، إنها حرب من غير هدف، ومن غير حسابات، ويمكن أن تكون تداعياتها كارثية على أوروبا».

في غضون ذلك، يميل الاتجاه العام في أوروبا إلى الاصطفاف بجانب الحليف الأميركي، مع الاكتفاء ببعض «الشكوك» في شرعية العمليات العسكرية وحول أهدافها، مثل المستشار الألماني فريدريك ميرتس الذي قال: «هذا ليس وقت إعطاء الدروس للحلفاء».

لكن إسبانيا، التي ذهبت أبعد من حلفائها الأوروبيين في انتقاد حرب ترمب وبنيامين نتنياهو، ليست وحدها، بل تؤيدها بلدان أخرى في الاتحاد مثل آيرلندا والسويد وسلوفينيا والدنمارك، والأمين العام لمجلس أوروبا آلان بيرسيت، الذي قال: «إننا نشهد مرحلة تفكيك النظام القانوني الدولي، وإخضاع العلاقات بين الدول للنزوات وسلطان الأقوياء».


مقالات ذات صلة

تركيا ترشح فريدون سينيرلي أوغلو لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة

شؤون إقليمية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مصافحاً رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو (الأمم المتحدة)

تركيا ترشح فريدون سينيرلي أوغلو لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة

رشحت تركيا الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فريدون هادي سينيرلي أوغلو، لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وفق ما ذكرت وكالة الأناضول التركية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
العالم نائبة الرئيس الكوستاريكية السابقة ريبيكا غرينسبان (رويترز)

غرينسبان تعزز تقدمها باستطلاع لمنصب أمين عام الأمم المتحدة

أظهر استطلاع غير رسمي أجراه مجلس الأمن، اليوم، أن ريبيكا غرينسبان نائبة الرئيس الكوستاريكي ​السابقة عززت تقدمها في سباق الترشح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا الملف الليبي كان حاضراً في مباحثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المسؤولين الروس في موسكو خلال مشاركته في القمة الروسية - الأفريقية (إ.ب.أ)

القاهرة توازن تحركاتها بين واشنطن وموسكو لحلحلة الأزمة الليبية

توازن القاهرة تحركاتها الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو للتعامل مع المبادرات المطروحة، سعياً لدفع التسوية السياسية وإنهاء الانقسام الليبي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وصدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خلال بدء «فلينتلوك 2026» في سرت الليبية منتصف أبريل الماضي (أفريكوم)

«أفريكوم» تؤكد دعم توحيد الجيش الليبي للحفاظ على «أمن المنطقة»

تتزايد المساعي الأميركية لحث القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها على اتخاذ خطوات ملموسة لتوحيد الجيش، بالتوازي مع تفاهمات سياسية تستهدف تثبيت الاستقرار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا استأنفت مصر وتركيا مناورات «بحر الصداقة» في سبتمبر 2025 بعد توقف 13 عاماً (وزارة الدفاع التركية)

تركيا تعلن عن إجراء مناورة «بحر الصداقة» مع مصرالشهرالمقبل

أعلنت تركيا أن مناورة «بحر الصداقة 2026» البحرية المشتركة مع مصر ستجري في الفترة بين 4 و9 نوفمبر (تشرين الثاني) رغم الخلاف على ترسيم الحدود مع ليبيا

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...