«هدوء تكتيكي» قد يسبق حرباً طويلة في العراق

المسيَّرات أحرقت السماء من أربيل حتى السماوة... و«بنك أهداف» يشمل «ما يؤذي» الأميركيين

شخص قرب حريق بينما يشتبك متظاهرون مع قوات الأمن العراقية خلال محاولتهم الاقتراب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
شخص قرب حريق بينما يشتبك متظاهرون مع قوات الأمن العراقية خلال محاولتهم الاقتراب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

«هدوء تكتيكي» قد يسبق حرباً طويلة في العراق

شخص قرب حريق بينما يشتبك متظاهرون مع قوات الأمن العراقية خلال محاولتهم الاقتراب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
شخص قرب حريق بينما يشتبك متظاهرون مع قوات الأمن العراقية خلال محاولتهم الاقتراب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

بعد ليلة عراقية مشتعلة (ليل الأحد - الاثنين) بين أنصار المرشد الإيراني علي خامنئي ومصالح عراقية وأميركية، تجاوز الجميع الصدمة وهدأ قليلاً اندفاع الانتقام.

ومع حلول نهار الاثنين بدا أن قراراً اتُخذ بالعودة إلى «واقعية الفصائل»، ريثما تعود الاتصالات مع «الحرس الثوري» الإيراني إلى مسارها، ووضع تصور لحرب طويلة محتملة تتضمن «بنك أهداف» قد لا يكون جميعها متاحاً أو سهل المنال.

قيل إن قادة جماعات متنفذة أمروا محتجين ناقمين على الولايات المتحدة بسبب قتلها المرشد الإيراني، بالانسحاب بعد ليلتين من محاصرة المنطقة الخضراء وسط بغداد، بينما كانوا يحاولون شق الطريق نحو سفارة واشنطن. وانتقل المشهد في غضون ساعات إلى «الهدوء الذي يسبق مرحلة غامضة مفتوحة على كل شيء».

منذ ليل السبت كان العشرات يتدفقون تدريجياً إلى بوابات المنطقة الخضراء. وبلغت ذروة التجمعات ليل الأحد عند مدخل «الجسر المعلق» وسط بغداد، القريب من موقع السفارة الأميركية.

كان من الواضح أن سلوك القوات الأمنية يعكس أوامر مشددة بـ«إدارة الغضب»، على حد تعبير مسؤول عراقي.

متظاهرون وسط الغاز المسيل للدموع بينما يحاول أنصار جماعات مسلحة عراقية التقدم نحو السفارة الأميركية الواقعة بـ«المنطقة الخضراء» في بغداد (رويترز)

منتصف ليل الأحد – الاثنين، خرج المحتجون عن السياق. شوهد عدد منهم يطلق الرصاص الحي على تحصينات القوات الحكومية، وأُضرمت نيران عند مقتربات المنطقة الخضراء.

لاحقاً، قالت وزارة الداخلية إن «عناصر مندسة» بين المحتجين أطلقوا النار على القوات الأمنية المكلفة حمايتهم، وأُصيب 13 تلقوا العلاج في المستشفيات، دون أن يشير إلى أن عدداً من المحتجين تعرض إلى الرصاص الحي أيضاً، وفق شهود عيان.

كانت لحظة نادرة. ليس بسبب الصدام بين الطرفين الذين يختلط بينهما الولاء والمصالح والانتماءات الحزبية والفصائلية، بل المشهد المركب بين حكومة يدعمها تحالف مقرب من إيران، تقف حائلاً فوق جسر بغدادي بين الفصائل وعدوها الأميركي.

قالت مصادر متقاطعة بين جهات سياسية وأمنية عراقية، إن «الحكومة وجهت أوامر مشددة برسم حدود للاحتجاج غير قابلة للكسر، وميدانياً شددت على حبس أي قائد أمني يفشل في منع إطلاق الرصاص والصواريخ والمسيّرات».

شخص يركل عبوة غاز مسيل للدموع بينما يشتبك متظاهرون مع قوات الأمن العراقية خلال محاولتهم الاقتراب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

أمراء جزر بلا قيادة

لكن أنصار إيران في العراق تحولوا أمراء جزر منفصلة ومعزولة من دون قيادة عمليات مركزية، بينما كان «الحرس الثوري» تحت ضغط الهجمات الإسرائيلية والأميركية. لتبدأ موجة غير منضبطة من الهجمات؛ «كل من لديه القدرة عصف سماء العراق بالمسيرات من أربيل حتى السماوة».

كانت التقارير الأميركية مساء الأحد تؤكد أن «الحرس الثوري» الإيراني لم يعد يمتلك مقراً لقيادة عملياته؛ ما فتح الجبهات الحليفة على الارتجال في محاولة الثأر.

في بغداد، استهدفت هجمات الفصائل قاعدة فيكتوريا الأميركية، القريبة من مطار بغداد الدولي. وفي البصرة هوجمت منظومة رادارات، وفي الناصرية أوردت تقارير استخبارية أن قاعدة «الإمام علي» العسكرية التي تضم وحدات من الجيش ورادارات، تعرضت أيضاً إلى هجمات باستخدام المسيرات المفخخة.

أما أربيل، فقد تحملت طوال يومين «أكبر فاتورة لمقتل خامنئي». تحدثنا مع ضابط كردي فجر الأحد عن مستوى الهجمات وتأثيرها. قال إنه «لم يعد يُحصي عددها... كل نصف ساعة رشقة مسيَّرات».

حسب المعلومات المتوفرة من مصادر أميركية وكردية، فإن هجمات المسيَّرات تركزت على مبنى القنصلية الأميركية الجديد في أربيل، وقاعدة حرير العسكرية التي تضم قوات أميركية بعضها انسحب أخيراً من قواعد «عين الأسد» و«التنف» و«الشدادي».

وبدرجة أقل، تعرض محيط مطار أربيل الدولي إلى هجمات. عدد من المسيَّرات رشق منازل وطرقاً يسلكها المدنيون.

في العموم، لم تحقق غالبية الهجمات اختراقات نوعية في المنشآت الثلاث بسبب الدفاعات الجوية، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي منح قاعدة حرير – على سبيل المثال – من الجهة الشرقية جبلاً ساعدها نسبياً على تعطيل عدد من الهجمات.

في المقابل، تعرضت ليل الأحد مواقع يُعتقد أنها تابعة للفصائل المسلحة في بلدة القائم غرب البلاد، والسماوة جنوباً قرب الحدود مع المملكة العربية السعودية، وبلدة الوجيهية في محافظة ديالى شرقاً قرب الحدود مع إيران، وفي نهار الاثنين تعرضت مواقع في جرف الصخر جنوب بغداد، والكرمة غرب الأنبار، إلى هجمات صاروخية.

تقول مصادر أمنية إن القوات الأميركية عالجت مخازن مسيّرات وصواريخ، في حين تعتقد أوساط فصائلية أن إسرائيل شاركت أيضاً في الرد على هجمات الفصائل.

تصاعد الدخان واللهب قرب «مطار أربيل الدولي» في كردستان العراق عقب تفجيرات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة الأحد (د.ب.أ)

حصار أرخى قبضته

في صباح الاثنين، لم تتراجع حدة الإجراءات الأمنية في محيط المنطقة الخضراء، بل إن آليات عسكرية نصبت حواجز خرسانية عند بوابات استراتيجية، لكن الحشد الفصائلي الغاضب أرخى قبضة حصاره. ومع استمرار الهجمات الإيرانية ظهرت إشارات على تحول ما في الوقائع الميدانية.

يقول كثيرون في بغداد إن ما يحدث الآن «هدوء تكتيكي ما بعد الصدمة» بعد ورود معلومات بأن «الحرس الثوري» بدأ يلتقط أنفاسه وسيعيد قريباً قنوات الاتصال الاعتيادية مع الوكلاء العراقيين.

وحسب مصادر متقاطعة، فإن الفصائل العراقية لديها تفسير لهجوم «حزب الله» اللبناني ليلة الأحد - الاثنين، «لقد عادت الاتصالات. والحزب اللبناني تلقى رسالة ثم تحرك»، في إشارة إلى رسالة مركزية مماثلة في طريقها إلى الجماعات العراقية.

تقول تقديرات أميركية إن الرد الإيراني على مقتل خامنئي سيخمد قليلاً في غضون أيام قليلة، ربما لأسباب لوجيستية أو بغرض الانشغال بالمرحلة الانتقالية ما بعد المرشد، لكن ترجيحاً مناقضاً يسود الأوساط الشيعية في بغداد، يفيد بأن حرباً طويلة ستكون احتمالاً قائماً، بل مرجحاً أكثر من غيره.

بالنسبة إلى علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فإن بلاده أعدت نفسها «أكثر من أميركا لحرب طويلة الأمد».

«بنك أهداف»... وأكثر

الحال، إن هذا النوع من الحروب يتطلب «بنك أهداف» كما يقدر قيادي شيعي في «الإطار التنسيقي»، «ليس جميعها في متناول المنتقمين لمقتل خامنئي في هذه الظروف».

أين ستضرب الفصائل العراقية؟ قد يشمل بنك الأهداف «ما يؤذي» الأميركيين. على المدى المتوسط، القنصلية الأميركية في أربيل وقاعدة حرير العسكرية في أربيل، وقاعدة فيكتوريا في بغداد، دون أن تكون هناك أي قيمة لاستهداف قاعدة «عين الأسد» في الأنبار التي أفرغها الأميركيون في وقت سابق.

وقد تنتقل العمليات الفصائلية في نطاق حرب طويلة محتملة إلى استثمارات أميركية في حقول النفط والغاز في عموم البلاد، إلا أن ضرب السفارة الأميركية في بغداد قد يُحفظ إلى مرحلة حاسمة من الصراع وفق تقديرات سيحددها لاحقاً «الحرس الثوري» كما تنقل مصادر من أجواء الفصائل. وبين جميع هذه المراحل قد تتحمس فصائل إلى تنفيذ موجة اغتيالات ضد «أعداء إيران».

ستشكل هذه التوقعات أكبر تحدٍ للحكومة التي يقودها محمد شياع السوداني لتصريف الأعمال؛ إذ ستكون في موقع وسط بين جماعات شيعية تمثل القوام الأساسي لها وتدفع نحو مزيد من التصعيد في الحرب، وبين الأميركيين، إلى جانب بروز تحالف عربي بدأت الهجمات الإيرانية على مصالحه تدفعه إلى التشكل، حسب ما يتوقع مسؤول حكومي سابق.


مقالات ذات صلة

مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية تدخل أسبوعاً حاسماً

المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المكلف بالحكومة علي الزيدي في 28 أبريل 2026 (رويترز)

مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية تدخل أسبوعاً حاسماً

يدخل المشهد السياسي العراقي أسبوعاً بالغ الحساسية، يُتوقع أن يُحسم فيه مصير تمرير الحكومة الجديدة من عدمه.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)

ضغوط أميركية تعقّد مهمة الزيدي قبيل إقرار الحكومة العراقية

تصاعدت الضغوط الأميركية على الحكومة العراقية المقبلة بالتزامن مع تحركات المكلف تشكيلها علي الزيدي لعرض برنامجه الوزاري وتقديم كابينته الحكومية إلى البرلمان.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي صورة لمصفاة الشعيبة النفطية جنوب غرب البصرة بالعراق (رويترز-أرشيفية)

العراق ينفي اتهاماً أميركياً بدعم مسؤول حكومي لإيران في الالتفاف على العقوبات

نفت وزارة النفط العراقية اتهام الولايات المتحدة لنائب الوزير علي معارج البهادلي بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية

«مناصب الترضية» تُفجر خلافات قبيل التصويت على الحكومة العراقية

تتصاعد في العراق مؤشرات الخلاف المبكر حول تشكيلة الحكومة الجديدة التي يسعى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي إلى تمريرها داخل البرلمان.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ورئيس فصيل «النجباء» أكرم الكعبي في طهران خلال ديسمبر 2018 (موقع المرشد)

واشنطن تضغط لتجريد فصائل عراقية من نفوذها العسكري والمالي

تواصل الولايات المتحدة الأميركية ضغوطها الشديدة على العراق لمجابهة الفصائل المسلحة الموالية لإيران...

فاضل النشمي (بغداد)

تدمير إسرائيل منزلاً بغزة يعيد مشاهد ليالي الحرب الصعبة

فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

تدمير إسرائيل منزلاً بغزة يعيد مشاهد ليالي الحرب الصعبة

فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

عاش سكان قطاع غزة لحظات عصيبة بعد إصدار إسرائيل أوامر إخلاء لمنزلين في منطقتين مختلفتين، قبل أن تدمر أحدهما، بينما عزفت عن استهداف الآخر لأسباب لم تتضح، في أول إجراء من نوعه يُتخذ منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وأعاد مشهد خروج السكان من منازلهم وإخلائها وهم في حالة من الهلع والخوف الشديدين، وذلك في ساعات المساء المتأخر من ليل الجمعة – السبت، مشاهد مماثلة شكلت حالة من التوتر غير المسبوق الذي عاشه سكان قطاع غزة خلال الحرب التي استمرت عامين.

وعند نحو الساعة العاشرة من مساء الجمعة، تلقى 3 مواطنين اتصالات من ضباط جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، يطالبون بإخلاء منازلهم في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تمهيداً لقصف منزل أحد جيرانهم، الأمر الذي أدى لحالة من الهلع الشديد وسط تضارب الأنباء فيما إذا كان ذلك مجرد اتصال من مجهولين أم أنه حقيقي، الأمر الذي دفع في النهاية السكان للإخلاء بمن فيهم صاحب البيت الذي فوجئ بذلك.

يقول محمد أبو فول، أحد جيران صاحب المنزل الذي يعود للغزي أحمد الأضم، إنه وعائلته خرجوا من المنزل مسرعين، ولم يحملوا سوى بعض الوثائق، وانتظروا في الشارع أكثر من ساعة حتى تعرض المنزل المستهدف لصاروخ من طائرة مسيرة، قبل أن تقوم طائرة حربية بتدميره بالكامل.

فلسطينيون يعاينون الدمار في المنزل الذي دمرته إسرائيل في مخيم الشاطئ للاجئين السبت (أ.ب)

ويوضح أبو فول لـ«الشرق الأوسط» أن المنطقة عبارة عن مربع سكني مكتظ بالسكان والمنازل التي يقطن فيها الآلاف من المواطنين من أصحابها وأقاربهم النازحين من مناطق أخرى، مشيراً إلى أن الدمار كان هائلاً.

ووصف أبو فول تلك اللحظات بأنها كانت صعبة جداً على عائلته المكونة من 9 أفراد، بينهم 3 أطفال، مشيراً إلى أن حالة من الخوف سيطرت على جميع السكان الذين تضررت منازلهم كلها والتي يقارب عددها أكثر من 15، جميعها ملاصقة لبعضها البعض.

واضطرت عائلات تضررت منازلها للمبيت في منازل عائلات أخرى ومراكز إيواء مؤقتاً لحين إحصاء الأضرار التي لحقت بمنازلهم، بعدما قضت تلك العائلات أوقاتها في الشارع وسط ظروف قاسية بعد تشريدهم قسراً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر ميدانية أن المنزل يعود لناشط في حركة «الجهاد الإسلامي»، ويعمل تاجراً بسيطاً في الأسلحة والعتاد العسكري إلى جانب معدات أخرى بهدف التجارة والتربح وليس لأغراض تتعلق بالعمل المسلح ضد إسرائيل.

وبعد نحو ساعة، ورد اتصال جديد يطالب بإخلاء منزل في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، يعود للغزي محمود أبو العطا، شقيق القيادي في «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي»، بهاء أبو العطا، الذي كانت إسرائيل قد اغتالته عام 2019.

واضطرت عشرات العوائل لإخلاء منازلها لساعات طويلة وهي في العراء، وبعضها لجأ لمراكز إيواء في مدارس قريبة لحين قصف المنزل، الذي لم يتعرض لأي هجوم إسرائيلي بشكل مفاجئ، قبل أن تبلغ منظمات دولية بتوقيف النشاط بدون معرفة الأسباب.

وتقدر مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من هذه الخطوة الإسرائيلية، كشف فيما إذا كان في المنزل أحد المطلوبين لها وتحديداً شقيق أبو العطا الذي تلاحقه إسرائيل منذ بداية الحرب ولم تنجح في اغتياله، حتى خلال مدة وقف إطلاق النار وآخرها منذ أسابيع.

ويقول الشاب إبراهيم المنسي، من سكان محيط المنزل الذي كان مهدداً بالقصف، إنه وأفراد عائلته عاشوا 3 ساعات من الرعب خوفاً من أن يتضرر منزلهم المتضرر بالأساس جزئياً؛ ما يؤدي لفقدانهم إياه بعد أن تركوا كل شيء بداخله، ولم يأخذوا معهم سوى هواتفهم النقالة وأوراقهم الرسمية الثبوتية، وبعض المال لديهم.

فلسطيني يجلس داخل مبنى متضرر غداة غارة إسرائيلية على مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وأدت هذه الأحداث، التي لم يشهد قطاع غزة لها مثيلاً منذ توقف الحرب بشكل جزئي، في ظل استمرار الخروقات، إلى حالة من الشعور بالخوف من إمكانية عودة إسرائيل لهذه السياسة الخطيرة التي قد تشكل خطراً بهدف تدمير ما تبقى من منازل في القطاع الذي يشهد أكبر حالة دمار له منذ عقود طويلة.

وقال المنسي لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد هناك مراكز إيواء أو منازل تؤوي من سيتم تشريدهم بفعل هذه السياسة التي في حال اتبعتها إسرائيل فستكون وبالاً على حياة الغزيين».

ولم يستبعد مراقبون أن تلجأ إسرائيل لتنفيذ عمليات مماثلة خلال الأيام المقبلة، بهدف الضغط على حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية لتسليم سلاحها، ضمن خطة ممنهجة اتبعتها سابقاً خلال الحرب وفي حروب سابقة لانتزاع مواقف جديدة من الفصائل التي تتشبث بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية، بينما تصر حكومة بنيامين نتنياهو للحصول على وثيقة موقعة من الفصائل تلتزم فيها بنزع سلاحها قبل التقدم بأي خطوات، وتربط إعمار القطاع بذلك.

وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، يبدو أن إسرائيل ستدخلنا في مرحلة جديدة، وهي مزيد من الضغط، بداية من توسيع الخط الأصفر، وتكثيف الاغتيالات، واليوم قصف البيوت بذريعة ضرب البنية التحتية، والأهم ضرب السلم المجتمعي من خلال العصابات داخل الأماكن السكنية.


سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، أن البلدين أحرزا تقدماً كبيراً في معالجة القضايا العالقة بينهما، وانه بحث مع الشرع متابعة تنفيذ الاتفاقية حول السجناء، والتشدد في ضبط الحدود ومنع التهريب، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين إلى لبنان.

واستقبل الرئيس أحمد الشرع، السبت، سلام في قصر الشعب بدمشق، بحضور وفدَين وزاريَّين من البلدين.

وأفادت وكالة «سانا» الرسمية السورية، بأنه خلال اللقاء «جرى بحث سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، بما يخدم المصالح المشتركة، وتعزيز التنسيق الأمني لدعم الاستقرار ومواجهة التحديات، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية، والقضايا ذات الاهتمام المشترك».

سلام

وقال سلام في مطار دمشق الدولي بعد اختتام زيارته دمشق: «سعدت، والوفد الحكومي المُرافق، بزيارة سوريا العزيزة واللقاء بفخامة الرئيس أحمد الشرع الذي استقبلنا أيضاً في اجتماع موسّع ضمّ أعضاء الوفد اللبناني ونظراءهم السوريين، بعد محادثاتهم الثنائية»، موضحاً: «زرنا دمشق لمواصلة التشاور والعمل على تعزيز العلاقات اللبنانية - السورية على الصُعد كافة، وهي علاقات مبنية على الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين وعلى المصالح المشتركة».

الشرع يستقبل سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وأكد سلام: «أحرزنا تقدماً كبيراً في معالجة قضايانا المشتركة، لا سيما ما كان عالقاً منها، وذلك بروح طيّبة وحرص على التعاون بلا تحفّظ ولا تردّد. وإنني على ثقة بأن نتائجها الملموسة ستظهر قريباً».

وأضاف: «جاءت زيارتنا اليوم ليس فقط لمتابعة ما بدأناه منذ عام وأكثر، بل لإطلاق مبادرات جديدة في العمل المشترك وللتأكيد، مرّة أخرى، على أهميّة العلاقة بين الدولتين في كل المجالات وعلى مستوى المؤسسات الرسمية المعنية جميعها»، مضيفاً: «نحن ندرك تمام الإدراك أن تمتين العلاقة من دولة إلى دولة يفتح الباب واسعاً أمام التفاعل والتشارك بين القوى الحيّة في البلدين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية».

وأشار رئيس الحكومة اللبنانية إلى «إننا بحثنا في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة على أكثر من صعيد واتفقنا على اهمية استمرار التشاور بشأنها لما فيه مصلحة البلدين»، مضيفاً: «بحثنا أيضاً خلال هذه الزيارة متابعة تنفيذ الاتفاقية الموقّعة بين البلدين حول نقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سوريا، وتداولنا في مواصلة العمل من أجل معالجة قضية الموقوفين السوريين، وكشف مصير المفقودين والمخفيّين قسراً في كلا البلدين. وأكدنا ضرورة التشدد في ضبط الحدود السورية - اللبنانية ومنع التهريب بكل أشكاله، فضلاً عن المسائل المتعلّقة بالمعابر وتيسير حركة العابرين والبضائع».

وتوقف الطرفان عند «ضرورة استمرار الحوار والتعاون في تسهيل العودة الآمنة الكريمة للنازحين السوريين إلى ديارهم وتنظيم العمالة السورية مع لبنان».

النقل البري

وقال سلام: «تباحثنا على نحو تفصيلي في قضايا النقل البرّي والشاحنات، والنقل المشترك وسيارات الأجرة، والربط السككي بين سوريا ولبنان، والمعابر الحدودية والجسور، وتدارسنا بصورة خاصة الاحتياجات الملحّة، لجهة تشغيل الجسور الحدودية وتنظيم الحركة عليها، وسُبل تلبيتها دون إبطاء. كما تابعنا مناقشة المعالجات الضرورية لمشكلات التفتيش والمعاينة على الحدود وغيرها مما تسبّبت بها بعض التدابير والإجراءات المتعلّقة بالقيود على انتقال البضائع بين البلدين. وشدّدنا على أهمية رفع العوائق أمام كل ما يُلحق الضرر بمصالح الطرفين».

جانب من لقاء الشرع وسلام الذي ضم وزراء لبنانيين وسوريين (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وبحث المسؤولون اللبنانيون والسوريون أيضاً في قضية الرسوم المفروضة على الصادرات ورسوم الترانزيت. وقال سلام: «تمّ الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات المواصفات والمعايير الفنية والفحوصات المخبرية، واتفقنا أيضاً على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية، بما في ذلك التجارة التفضيلية بين البلدين وتشجيع الاستثمارات. واستقرّ الرأي على الإسراع في إطلاق مجلس أعمال لبناني - سوري مشترك على أن يُعقد اجتماع له في دمشق خلال الأسابيع المقبلة».

وتناولت المباحثات اللبنانية - السورية تفعيل وتحسين سبل الربط الكهربائي لتسهيل استجرار لبنان الكهرباء من سوريا وعبرها، وإبرام اتفاقية عبور غاز طبيعي، والسعي إلى تحقيق ذلك في أقرب فرصة ممكنة، حسبما قال سلام. وقال: «ننشئ لجاناً فنية مشتركة ونكثف التواصل على المستوى الوزاري».

وتشهد العلاقات السورية - اللبنانية مرحلة جديدة من التعاون وإعادة التأسيس، تميزت بزيارات رسمية متبادلة رفيعة المستوى، بهدف تعزيز مسار العلاقات الأخوية القائمة على الاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وتفعيل التعاون المشترك في عديد من الملفات الحيوية والقضايا المشتركة التي تهم البلدين.

الشرع يستقبل سلام في القصر الرئاسي في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إسرائيل توسّع الملاحقات إلى حدود بيروت... ومجازر متنقلة جنوباً

استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)
استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)
TT

إسرائيل توسّع الملاحقات إلى حدود بيروت... ومجازر متنقلة جنوباً

استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)
استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)

وسّع الجيش الإسرائيلي زخم الملاحقات بالمسيرات إلى جنوب بيروت، للمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حيث نفذ غارتين على أوتوستراد السعديات الذي يربط الجنوب ببيروت، وغارة أخرى على طريق الشوف في جبل لبنان، بموازاة مجازر في الجنوب، راح ضحيتها أكثر من 15 شخصاً.

وبدا هذا التصعيد، السبت، الأكبر منذ بدء الهدنة في 17 أبريل (نيسان) الماضي، بالنظر إلى أن الملاحقات والعمليات العسكرية والأمنية تركزت بشكل أساسي في محافظتي الجنوب والنبطية، بدءاً من مسافة 10 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية وحتى 40 كيلومتراً منها، ولم تخترقها إلا ثلاث ضربات، استهدفت اثنتان منها البقاع في شرق لبنان، فيما استهدفت واحدة الضاحية الجنوبية لبيروت، وقال الجيش الإسرائيلي إنه اغتال قائد وحدة «الرضوان» في «حزب الله»، الأربعاء الماضي.

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة أرنون بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

جنوب بيروت

وتبعد السعديات مسافة 15 كيلومتراً عن بيروت، وتقع على الخط السريع الذي يربط العاصمة بالجنوب. وتمثل الضربات التي استهدفت المنطقة، السبت، انتقالاً من مرحلة إلى أخرى، في إشارة إلى توسعة نطاق الملاحقات والقصف خارج المنطقة التي بقيت محصورة فيها على مدى نحو 20 يوماً. وأسفرت ضربتان بفارق 40 دقيقة، عن مقتل ثلاثة أشخاص، فيما أسفرت ضربة أخرى استهدفت خط الشوف في منطقة «ملتقى النهرين» التي تربط الساحل بجبل لبنان، عن مقتل ثلاثة أشخاص أيضاً.

ويُنظر إلى هذا التصعيد على أنه الأوسع والأضخم، كونه تزامن مع ضربات أخرى بالمسيرات في منطقة صور في جنوب لبنان، حيث قتل شخص في استهداف مسيرة لدراجة نارية، وفي مدينة النبطية، حيث لاحقت مسيرة، دراجة نارية يستقلها سوري وطفلته، واستهدفتهما بثلاثة صواريخ ما أسفر عن مقتلهما، حسبما أفادت وزارة الصحة العامة، كما استهدفت مسيرة سيارة في منطقة برج رحال في شمال مدينة صور، أسفرت عن مقتل 3 أشخاص. كذلك، سجل قصف بالمسيرات في بلدات المنصوري (جنوب صور)، وصفد البطيخ وحداثا (غرب بنت جبيل).

مجزرتان في الجنوب

وإلى جانب القصف بالمسيرات، تزايدت الغارات الجوية التي أدت إلى وقوع مجزرتين في بلدتي حبوش والسكسكية. وفيما تم توثيق 3 أشخاص قتلوا في استهداف لمنزل في حبوش (غرب النبطية)، استهدفت غارة عنيفة منزلاً في السكسكية يأوي ثلاث عائلات من النازحين من بلدة جبشيت، ما أسفر عن إصابة 13 شخصاً، بينهم عدد من القتلى المدنيين، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

عمال إغاثة يحاولون انتشال مصابين من تحت أنقاض منزل دمرته غارة إسرائيلية في بلدة السكسكية بجنوب لبنان (متداول)

ويتزامن القصف مع إنذارات إخلاء جديدة أصدرها الجيش الإسرائيلي، بلغت منذ وقف إطلاق النار، 74 بلدة في عمق جنوب لبنان، ويصل بعضها إلى أطراف مجرى نهر الزهراني على بعد نحو 10 كيلومترات عن مدينة صيدا. وتعرضت البلدات الخاضعة لإنذارات لقصف جوي أدى إلى تدمير واسع بالممتلكات، ومن بينها بيوت تراثية في قضاء النبطية.

«حزب الله»

وتأتي هذه الهجمات ضمن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل الماضي لمدة 10 أيام، قبل تمديده حتى 17 مايو (أيار) الحالي. ورغم ذلك، تواصل إسرائيل قصفها اليومي الذي يخلف قتلى وجرحى، إلى جانب عمليات نسف واسعة لمنازل في عشرات القرى والبلدات جنوبي لبنان.

دبابات إسرائيلية تناور داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويرد «حزب الله» على تلك الخروقات بعمليات عسكرية، غالباً ما تكون بالمحلقات الإنقضاضية التي تستهدف جنوداً وآليات إسرائيلية في المناطق المحتلة بجنوب لبنان، وإطلاق القذائف المدفعية والرشقات الصاروخية باتجاه التجمعات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

وقال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسن فضل الله: «إننا في موقع دفاعي عن وجودنا ومصيرنا في مواجهة عدوان إسرائيلي على بلدنا، وإن هناك مرحلة جديدة لا تقبل فيها المقاومة العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار) (أي قبل اندلاع جولة الحرب الجديدة مع إسرائيل)، فعندما يعتدي على قرانا وعلى ضاحيتنا، فإن على العدو أن يتوقع رداً»، في إشارة إلى حرية الحركة الإسرائيلية باستهداف الأشخاص والمناطق اللبنانية تحت ذريعة «إحباط هجمات» أو «الدفاع عن النفس».

وقال: «ما تقوم به المقاومة، ومهما كانت الأثمان والتحديات، فإن المقاومة لن تسمح بالعودة إلى المرحلة الماضية». ودعا الحكومة اللبنانية «لأن ننطلق جميعاً من قاعدة وطنية عنوانها التفاهم الوطني حول الخيارات، وتجميد الخلافات الداخلية، واعتبار العدوان الإسرائيلي على بلدنا هو تهديد وجودي للبنان، وأن نتائجه لا تقتصر على منطقة أو على طائفة أو على فئة، وأن نذهب جميعاً إلى أولوية وطنية واحدة، وهي وقف العدوان، وتحرير الأرض، وعودة النازحين، واستعادة الأسرى، والتفاهم بعد ذلك على سُبل الحماية الوطنية».