واشنطن وطهران تحرزان «تقدماً»... ومفاوضات فنية بفيينا الأسبوع المقبل

لقاء مباشر بين ويتكوف وعراقجي... وتباين بشأن «صفر تخصيب»

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر في جنيف (رويترز - الخارجية العمانية)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر في جنيف (رويترز - الخارجية العمانية)
TT

واشنطن وطهران تحرزان «تقدماً»... ومفاوضات فنية بفيينا الأسبوع المقبل

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر في جنيف (رويترز - الخارجية العمانية)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يلتقي بالمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترمب جاريد كوشنر في جنيف (رويترز - الخارجية العمانية)

اختتمت الجولة الثالثة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، الخميس، بعد إحراز «تقدم ملحوظ» في مسار التفاوض، حسبما أعلن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي الذي يقوم بدور الوسيط.

وأجرى مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على دفعتين. وبدأت الاجتماعات صباح الخميس واستمرت نحو ثلاث ساعات، قبل توقف لساعات لإجراء مشاورات، واستؤنفت المفاوضات مساء أمس وانتهت بعد نحو ساعة ونصف الساعة.

وكتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في منشور على منصة «إكس» أن يوم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران اختُتم بعد إحراز «تقدم ملحوظ» في مسار التفاوض.

وأضاف أن المحادثات ستُستأنف قريباً بعد إجراء مشاورات في العاصمتين المعنيتين، مشيراً إلى أن مناقشات على المستوى الفني ستُعقد الأسبوع المقبل في فيينا.

وأعرب عن امتنانه لجميع المعنيين بجهودهم، بمن فيهم المفاوضون، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، والحكومة السويسرية المضيفة.

ومن جانبه، قال عراقجي إن الجولة الثالثة من المفاوضات مع الولايات المتحدة في جنيف كانت «من أكثر الجولات جدية وطولاً»، إذ استمرت نحو أربع ساعات صباحاً ونحو ساعتين بعد الظهر، وجرت بشكل غير مباشر عبر الوسيط العُماني بدر البوسعيدي، وبمشاركة غروسي في بعض الجوانب الفنية.

وأضاف أنه تم إحراز «تقدم جيد» خلال المحادثات المكثفة، مؤكداً أن الجانبين دخلا «بجدية في عناصر وصياغة اتفاق» فيما يتعلق بالملف النووي ورفع العقوبات. وأشار إلى التوصل إلى تفاهم بشأن بعض القضايا، مع استمرار الخلاف حول قضايا أخرى، لافتاً إلى أن مستوى الجدية لدى الطرفين كان أوضح من السابق سعياً إلى حل تفاوضي.

وأوضح عراقجي أن الفرق الفنية ستبدأ أعمالها الاثنين في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، بهدف التوصل إلى إطار فني لبعض المسائل، فيما ستُجرى مشاورات في العاصمتين تمهيداً لعقد الجولة الرابعة الأسبوع المقبل. كما أكد أن طهران عرضت بوضوح مطالبها بشأن رفع العقوبات وآلية تخفيفها.

وقال البوسعيدي إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين تبادلوا «أفكاراً بناءة وإيجابية» خلال محادثات جنيف اليوم، مشيراً إلى أن الجانبين قررا رفع الجلسة لأخذ استراحة، على أن تُستأنف في وقت لاحق، معرباً عن أمله في إحراز مزيد من التقدم.

وأبلغ مسؤول إيراني رفيع المستوى «رويترز» بأن الطرفين قد يتوصلان إلى إطار عمل لاتفاق نووي إذا فصلت واشنطن بين «القضايا النووية وغير النووية»، مضيفاً أن الخلافات المتبقية يجب ​تضييقها خلال الجولة الثالثة من المحادثات في جنيف.

ومع بدء الجولة الثالثة، أوضحت الخارجية العمانية أن «اللقاء تناول استعراض مرئيات ومقترحات الجانب الإيراني، إلى جانب ردود واستفسارات الفريق التفاوضي الأميركي بشأن معالجة العناصر الرئيسية لبرنامج إيران النووي والضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق يشمل الجوانب الفنية والرقابية كافة».

ونقلت عن البوسعيدي قوله: «المساعي مستمرة بصورة حثيثة وبروح بناءة، في ظل انفتاح المتفاوضين على أفكار وحلول جديدة بصورة غير مسبوقة، وتهيئة الظروف الداعمة للتقدم نحو اتفاق عادل بضمانات قابلة للاستدامة».

كما التقى البوسعيدي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الهيئة التابعة للأمم المتحدة المكلفة بمراقبة الأنشطة النووية. وأبدى الدبلوماسي العُماني إشارات إيجابية رداً على سؤال بشأن تفاؤله بالمحادثات. ونشرت عُمان لاحقاً صوراً لويتكوف وكوشنر خلال اجتماعهما مع الوسيط، في إشارة إلى انطلاق المحادثات.

من جهتها، قالت وكالة «إرنا» الرسمية إن «الهيئة الإيرانية تتابع المفاوضات بأقصى درجات الدقة وبواقعية مستمدة من التجارب السابقة». وأفاد مصدر مطلع لشبكة «سي إن إن»، بأن ويتكوف وعراقجي عقدا «محادثات مباشرة» في جنيف، على هامش الجولة الثالثة، دون أن يحدد مدة اللقاء أو جدول أعماله. وفي وقت لاحق، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني بأنه جرى في إطار «اللياقة الدبلوماسية».

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعقد اجتماعاً مع وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في جنيف (أ.ف.ب)

تباين بشأن التخصيب

يدفع ترمب نحو وقف كامل لتخصيب اليورانيوم الإيراني، إضافة إلى إدراج برنامج الصواريخ الباليستية ودعم طهران لجماعات مسلحة إقليمية ضمن المحادثات. لكن إيران تصر على أن تظل المفاوضات محصورة في القضايا النووية، مؤكدة أن برنامجها مخصص لأغراض سلمية بحتة.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للصحافيين الأربعاء إن إيران «تحاول دائماً إعادة بناء عناصر» من برنامجها النووي. وأضاف أن طهران لا تخصب اليورانيوم حالياً، «لكنها تحاول الوصول إلى النقطة التي يمكنها فيها في نهاية المطاف القيام بذلك».

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن الطرفين ما زالا منقسمين بشدة، حتى فيما يتعلق بنطاق تخفيف العقوبات الصارمة وتسلسله.

ودخلت الولايات المتحدة المحادثات مطالبةً بأن يظل أي اتفاق نووي دائماً وغير محدد المدة، بخلاف القيود التي رُفعت تدريجياً بمرور الوقت بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عهد الرئيس باراك أوباما، إضافة إلى تخلي إيران عن مخزونها البالغ نحو 10 آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب.

وأشارت المصادر إلى أن واشنطن أبدت استعداداً لإظهار قدر من المرونة بشأن مطلب طهران الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، شرط إثبات عدم وجود مسار نحو تصنيع سلاح نووي وفقاً لموقع «أكسيوس».

من جهتها، ذكرت شبكة «سي إن إن»، أن المحادثات ركزت على ردم الفجوات حول ملف التخصيب. وقال مصدر مطلع للشبكة إن المفاوضين الأميركيين أصرّوا خلال الجولة غير المباشرة في جنيف الخميس على «تقييد» تخصيب إيران لليورانيوم، مع ضمان آليات تحقق طويلة الأمد لبرنامجها النووي.

ووفق المصدر، قدمت إيران «مقترحات مفصلة» لمعالجة المخاوف الأميركية بشأن أنشطتها النووية، إلى جانب «أفكار» تستجيب لمطالب واشنطن. ونقلت «سي إن إن» عن مصادر مطلعة أن طهران كانت تستعد لطرح مقترح يقضي بتعليق التخصيب بين ثلاث وخمس سنوات، يعقبه انضمام إلى اتحاد إقليمي للتخصيب منخفض المستوى، مع السماح لمفتشين دوليين بمراقبة الالتزام.

كما أشارت الشبكة إلى أن مسؤولين أميركيين أعربوا عن عدم وضوح موقف طهران في عدد من النقاط، وتساؤلات حول ما إذا كان المرشد الإيراني علي خامنئي سيوافق على أي صيغة اتفاق.

وأوضحت «سي إن إن» أن المسؤولين الإيرانيين يدركون أن أي تفاهم يجب أن يسمح لترمب بإعلان تحقيق إنجاز يتجاوز اتفاق 2015، وهو ما يفسر طرح أفكار تتضمن تعاوناً اقتصادياً وإتاحة فرص استثمار وشراء سلع أميركية.

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد نقلت عن مسؤولين قولهم إن المفاوضين الأميركيين، في المحادثات الجارية حالياً في جنيف، يُتوقع أن يوضحوا أن على إيران تفكيك مواقعها النووية الرئيسية الثلاثة، فوردو ونطنز وأصفهان، وتسليم كامل ما تبقى لديها من يورانيوم مخصب إلى الولايات المتحدة. وشارك الجيش الأميركي في ضرب المواقع الثلاثة في إطار الحرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو (حزيران).

فريق المفاوضين الإيرانيين يصل إلى القنصلية العمانية مقر المحادثات في جنيف (الخارجية الإيرانية)

وتصر إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم، لكنها تطرح مقترحات لتهدئة الولايات المتحدة، من بينها خفض مستوى التخصيب إلى 1.5 في المائة بدلاً من نحو 60 في المائة حالياً، أو تعليق التخصيب لعدة سنوات، أو معالجته عبر اتحاد إقليمي مقره إيران.

وتصر الولايات المتحدة على «صفر تخصيب»، لكن فريقها التفاوضي قد يكون منفتحاً على السماح لإيران بإعادة تشغيل مفاعل نووي في طهران لمعالجة مستويات منخفضة جداً من التخصيب لأغراض طبية، حسب مسؤولين أميركيين.

في هذا السياق، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أربعة مسؤولين إيرانيين، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أن طهران تدرس طرح مقترح يتضمن تعليق بعض أنشطتها النووية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، على أن تنضم لاحقاً إلى اتحاد نووي إقليمي، مع الإبقاء على مستوى محدود جداً من التخصيب عند نحو 1.5 في المائة لأغراض بحثية طبية. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا الطرح يحظى بإجماع داخل مؤسسات صنع القرار في إيران. وأضاف المسؤولون أن المقترح قد يشمل أيضاً خفض مخزون يُقدَّر بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب على مراحل، مع السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالإشراف على التنفيذ.

وأشار مسؤولون إيرانيون إلى أن طهران قد تعرض حوافز اقتصادية، من بينها شراء طائرات ركاب أميركية، وفتح الباب أمام استثمارات أميركية في قطاعات الطاقة والنفط والغاز، فضلاً عن إتاحة الوصول إلى بعض المناجم التي تحتوي على معادن مثل الليثيوم. وقالوا إن المرشد علي خامنئي منح موافقة مبدئية على السماح بدخول شركات أميركية، وهو تحول - إن تأكد - قد يمثل تغييراً في السياسة المعلنة سابقاً.

ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من تفاصيل العرض أو من مدى استجابة الأطراف الأخرى له.

وسارعت وسائل إعلام إيرانية إلى نفي ما ورد في وسائل إعلام أجنبية. وقال إلياس حضرَتي، مسؤول دائرة الإعلام في الرئاسة الإيرانية، إن المفاوضات تجري في «أجواء جدية» مع الدخول في التفاصيل الفنية، مؤكداً استمرار التخصيب وفق احتياجات البلاد، ورفض نقل المواد إلى الخارج، مع طرح خيار «التقييد» على الطاولة، والتشديد على أولوية رفع العقوبات، على أن تُعلن تفاصيل إضافية قريباً.

من جانبها، أفادت مراسلة التلفزيون الرسمي الإيراني بأن حق إيران في استخدام الطاقة النووية السلمية «لا يزال قائماً»، مؤكدة أن «قدرة إنتاج الوقود ستُحفظ». وأضافت أن موضوع نقل المواد المخصبة الإيرانية إلى خارج البلاد «مرفوض تماماً ولن يتم»، ومشددة على تمسك طهران برفع العقوبات. وأشارت إلى أن «أجواء التناقض والشك لا تزال قائمة في المفاوضات». وذكرت أن هذه الجولة من المفاوضات «شهدت اختلافات مقارنة بالجولات السابقة».

من جهته، أكد إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن بلاده «لن تتراجع بأي حال من الأحوال عن مسألة التخصيب». وقال إن الحزمة المقترحة من إيران إلى الولايات المتحدة «تأخذ في الاعتبار جميع الخطوط الحمراء واستراتيجيات النظام الإسلامي في المجال النووي»، مضيفاً أن «موضوع التخصيب لن يتوقف إطلاقاً».

وأشار إلى أن الحزمة المقترحة من إيران تتضمن بنوداً تتعلق برفع العقوبات، وتهيئة فرص استثمار، وشراكات اقتصادية، والاستفادة من القدرات الاقتصادية للبلاد، بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية للشعب الإيراني.

وتابع: «إذا دخل الطرف المقابل المفاوضات بعقلانية وبما يخدم مصالح الشعب الإيراني، فإن هذه الحزمة يمكن أن تمهد لاتفاق شامل. أما إذا استُخدمت المفاوضات ذريعة لإجراءات تخريبية أو ضغوط جديدة، فإن الجمهورية الإسلامية ستواصل مسارها بيقظة كاملة»، وفق ما نقلته وكالة «إرنا».

«في متناول اليد»

ومع بدء المحادثات، قال علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني ورئيس لجنة الدفاع العليا، إن التوصُّل إلى اتفاق فوري «في متناول اليد» إذا كان جوهر المفاوضات يتمثل في التزام إيران بعدم تصنيع سلاح نووي.

وأوضح شمخاني، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا الأمر «ينسجم مع فتوى المرشد ومع العقيدة الدفاعية لإيران»، مضيفاً أن وزير الخارجية عباس عراقجي «يحظى بالدعم والصلاحيات الكافية لإبرام مثل هذا الاتفاق».

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن الجولة ستقتصر على مناقشة الملف النووي ورفع العقوبات عن طهران.

وقال إسماعيل بقائي إن «موضوع المفاوضات يركز على الملف النووي»، مضيفاً أن طهران ستسعى إلى رفع العقوبات وتأكيد حق إيران في «الاستخدام السلمي للطاقة النووية». وأضاف أيضاً أن الوفد الإيراني نقل هذه المواقف إلى وزير الخارجية العُماني، الذي يتولى الوساطة في المفاوضات.

لكن روبيو قال إن رفض طهران مناقشة برنامجها للصواريخ الباليستية يمثل «مشكلة كبيرة» سيتعين التعامل معها في نهاية المطاف، مضيفاً أن هذه الصواريخ «مُصمَّمة فقط لضرب أميركا» وتُشكِّل تهديداً لاستقرار المنطقة.

وقال روبيو للصحافيين في سانت كيتس في وقت متأخر من مساء الأربعاء: «إذا لم نتمكَّن حتى من إحراز تقدم في البرنامج النووي، فسوف يكون من الصعب إحراز تقدم في ملف الصواريخ الباليستية أيضاً».

ويريد الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني، ويرى أن الفرصة سانحة في ظل تصاعد الضغوط الداخلية على طهران عقب احتجاجات واسعة الشهر الماضي.

وتأمل إيران أيضاً في تجنب الحرب، لكنها تؤكد حقها في تخصيب اليورانيوم، وترفض مناقشة قضايا أخرى مثل برنامجها للصواريخ الباليستية بعيدة المدى أو دعمها لجماعات مسلحة مثل «حماس» و«حزب الله».

وقالت إيران إنه في حال تعرضها لهجوم أميركي، فإن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة ستعد أهدافاً مشروعة، ما يعرّض عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين للخطر. كما هددت بمهاجمة إسرائيل، ما قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية جديدة في الشرق الأوسط.

وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الأربعاء: «إذا كان هناك تفكير في السماح لإيران بتخصيب محدود جداً لحفظ ماء الوجه، فليذهب ذلك إلى الجحيم».

مخاوف من تصعيد عسكري

إذا فشلت المحادثات، فإن عدم اليقين يكتنف توقيت أي هجوم أميركي محتمل. وإذا كان الهدف من العمل العسكري المحتمل هو الضغط على إيران لتقديم تنازلات في المفاوضات النووية، فليس من الواضح ما إذا كانت الضربات المحدودة ستنجح.

أما إذا كان الهدف هو إزالة قادة إيران، فمن المرجح أن تلتزم الولايات المتحدة بحملة عسكرية أكبر وأطول. ولم تظهر أي علامات علنية على التخطيط لما سيحدث بعد ذلك، بما في ذلك احتمال حدوث فوضى في إيران.

كما يظل الغموض قائماً بشأن ما قد يعنيه أي عمل عسكري بالنسبة للمنطقة ككل. فقد ترد طهران على الدول الحليفة للولايات المتحدة في الخليج أو إسرائيل. وارتفعت أسعار النفط في الأيام الأخيرة جزئياً بسبب هذه المخاوف، حيث يبلغ سعر خام برنت القياسي حالياً نحو 70 دولاراً للبرميل. وكانت إيران قد قالت في الجولة الأخيرة من المحادثات إنها أوقفت مؤقتاً حركة المرور في مضيق هرمز، المدخل الضيق للخليج العربي الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالمياً.

وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» يومي الثلاثاء والأربعاء ونشرتها «أسوشييتد برس» أن السفن الأميركية التي ترسو عادة في البحرين، مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية، كانت جميعها في عرض البحر. وأحال الأسطول الخامس الأسئلة إلى القيادة المركزية للجيش الأميركي التي رفضت التعليق. وقبل هجوم إيران على قاعدة أميركية في قطر خلال الأيام الأخيرة من حرب يونيو (حزيران)، قام الأسطول الخامس بالطريقة نفسها بنشر سفنه في البحر لحمايتها من أي هجوم محتمل.

وأفادت شبكة «فوكس نيوز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، بأن مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية في البحرين خفّض عدد العاملين فيه إلى مستوى «الحد الأدنى الضروري للمهام»، وذلك قبيل احتمال تنفيذ ضربات أميركية ضد إيران.

وغادرت حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد آر. فورد»، أكبر ‌حاملة طائرات أميركية، ميناء قرب جزيرة كريت اليونانية الخميس باتجاه شواطئ قرب حيفا في شمال إسرائيل، ومن المتوقع وصولها الجمعة. وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة أرسلت أيضاً نحو 12 طائرة من مقاتلات (إف 22) الشبح إلى إسرائيل، وهي أول مرة تنشر فيها واشنطن طائرات حربية هناك، استعداداً لعمليات حربية محتملة. ولم تعلن إدارة ترمب رسمياً عن إرسال هذه المقاتلات.

وقال ترمب في 19 فبراير (شباط) إن على إيران التوصُّل إلى اتفاق خلال 10 إلى 15 يوماً، محذراً من «عواقب وخيمة» في حال عدم القيام بذلك.


مقالات ذات صلة

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين واشنطن وتل أبيب بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية لا تزال مستمرة

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز) p-circle

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في شهرين.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أعلنت إيران إبقاء عشرات الوحدات القتالية والإسنادية في مواقع متقدمة على حدودها، بالتزامن مع مراجعة خططها الدفاعية وتعزيز تحصيناتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (طهران- لندن)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.


إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

​نقلت وسائل إعلام حكومية في إيران، الأحد، عن ‌الأمين العام ‌للمجلس ​الأعلى ‌للأمن القومي ⁠محسن ​رضائي قوله ⁠إن رد الولايات المتحدة على الشروط ⁠السبعة التي طرحتها ‌طهران ‌لإعادة ​فتح ‌مضيق ‌هرمز «غير كافٍ». وأضاف رضائي أن على واشنطن ‌توضيح القضايا التي لا تزال ⁠غامضة بالنسبة ⁠لطهران. وكان الوفد الإيراني المشارك في الاجتماع السنوي لقادة العالم بالأمم المتحدة، الشهر الماضي، قد اقترح اتفاقاً معجلاً يشبه مذكرة التفاهم التي انهارت بعد أيام من توقيع الولايات المتحدة وإيران عليها في يونيو (حزيران). ورُفض الاقتراح الجديد، لكن الجانبين واصلا التواصل عبر وساطة. كما هدد رضائي باستهداف «الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى في المنطقة» إذا اندلع قتال عنيف مجدداً.

ورأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات». وقال بزشكيان في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى، ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات». وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات. وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما بوسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط) الماضي.


هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
TT

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)

تتسارع مؤشرات التصعيد بين واشنطن وطهران على أكثر من جبهة، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

فبينما كشفت تقارير أميركية عن استعداد البنتاغون لخيارات تسمح باستئناف عمليات قتالية واسعة ضد أهداف إيرانية، أعلنت وزارة الدفاع رفع الحصيلة الرسمية للعسكريين الأميركيين الذين تُوفوا في العمليات المرتبطة بالحرب إلى 21، وعدد الجرحى إلى 865، وسط انتقادات في الكونغرس لطريقة إعلان الخسائر وتكلفة المواجهة.

وتزامن ذلك مع انتقال الحصار البحري ضد إيران إلى مرحلة أعلى صرامة، بعدما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» تعطيل سفينة حاولت مغادرة ميناء إيراني واختراق الحصار في خليج عُمان، في مؤشر على استعداد واشنطن لاستخدام القوة لوقف حركة الصادرات. وفي المقابل، واصلت طهران تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يجعل الممر النفطي الأهم في العالم ضمن ساحات الضغط المتبادل.

وعلى الجبهة الاقتصادية، شددت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على «أسطول الظل» وشبكات نقل النفط وتمويله، في محاولة لإغلاق المنافذ التي استخدمتها إيران سنواتٍ للالتفاف على العقوبات. وتراهن واشنطن على أن تراجع عائدات النفط، وتضييق قنوات التعامل مع الصين والإمارات وتركيا، سيزيدان الضغوط على النظام.

وهكذا؛ تبدو الاستراتيجية الأميركية كأنها تتحرك على 3 مسارات متوازية: الاستعداد العسكري، وخنق صادرات النفط، وملاحقة الأموال وشبكات الالتفاف. لكن السؤال يبقى عمّا إذا كان تراكم هذه الضغوط قادراً على تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية؛ أي تغيير حسابات طهران الاستراتيجية.

وكان هذا السؤال محور ندوة نظمها برنامج «إيران إنترناشيونال إنسايت» بالشراكة مع مؤسسة «أميركا أبرود ميديا»، بمشاركة كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية، وباتريك كلاوسون، الباحث البارز مستشار الأبحاث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، ومحمد ماشين تشيان، كبير المحللين الاقتصاديين في «إيران إنترناشيونال».

واتفق الخبراء الثلاثة على أن إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية أعلى تعقيداً من جولات العقوبات السابقة، لكن تقديراتهم أظهرت فارقاً مهماً بين إضعاف قدرة النظام في الحصول على الموارد، وإجباره على تغيير أهدافه السياسية والأمنية.

النفط في قلب المعركة

وزير النفط الإيراني المستقيل محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

يرى كلاوسون أن أحد أهم المتغيرات في المواجهة الحالية يتمثل في تزامن القيود على صادرات النفط مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة؛ مما يجعل قدرة طهران على امتصاص الضغوط أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.

وأشار إلى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أقر بتعذر تصدير النفط خلال المرحلة الأولى من الحصار، قبل أن تتمكن إيران من إيجاد وسائل لتصدير كميات محدودة. ووفق كلاوسون، فقد استطاعت طهران لمدة الاعتماد على النفط المخزن على متن ناقلات، إضافة إلى مخزونات موجودة في الصين، لكن هذه الكميات لا تمثل بديلاً دائماً عن تدفق الصادرات.

ولا تقتصر المشكلة على النفط؛ إذ تعتمد إيران بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الطاقة. وقد تصبح الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز أخطر مع دخول فصل الشتاء، خصوصاً إذا اضطرت السلطات إلى زيادة الاعتماد على زيت الوقود الثقيل، أو «المازوت»، لتشغيل محطات الكهرباء.

وهنا تتحول أزمة الطاقة من مشكلة بشأن الإيرادات الحكومية، إلى أزمة تمس الصناعة والكهرباء والاستهلاك اليومي، بما يضاعف التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للمواجهة.

أما ماشين تشيان، فيرسم صورة أشد قتامة لحجم الضغوط المالية، مقدراً أن ما بين 21 و23 مليار دولار من عائدات الصادرات لم تعد إلى إيران، وأن استمرار الحصار قد يحرمها من عشرات المليارات الإضافية من الإيرادات النفطية.

وتكمن أهمية هذه الخسائر في أن النفط لا يمول الموازنة الحكومية فقط، بل يوفر أيضاً العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، ويساعد السلطات في الدفاع عن العملة المحلية، وتمويل المؤسسات العسكرية والأمنية وشبكات النفوذ الإقليمي.

«تجار العقوبات» المستفيدون من الالتفاف

يعترض «الصقور» على رفع العقوبات عن إيران من دون تنازلات منها (رويترز)

لكن النقاش الذي شهدته الندوة تجاوز السؤال التقليدي عن مقدار النفط الذي تستطيع إيران بيعه، إلى سؤال أعقد: مَن المستفيد داخل إيران من العقوبات نفسها؟

يرى ماشين تشيان أن سنوات العقوبات أوجدت طبقة من الوسطاء المختصين في الالتفاف على القيود الدولية، سواء أكان عبر تهريب النفط، أم استخدام الشركات الوهمية، أم إدارة التحويلات المالية المعقدة. وأطلق عليهم وصف «تجار العقوبات»، في إشارة إلى رجال أعمال ووسطاء راكموا ثروات من العمولات الكبيرة التي يحصلون عليها مقابل نقل الأموال والسلع عبر قنوات غير رسمية.

وتطرح هذه الظاهرة مفارقة مهمة؛ إذ إن العقوبات التي يُفترض أن تضغط على النظام قد تؤدي، في الوقت نفسه، إلى نشوء جماعات اقتصادية تستفيد من استمرارها. وكلما ازدادت صعوبة التجارة الرسمية، ارتفعت قيمة الأشخاص والشركات القادرين على تجاوز القيود.

وهنا تبرز النقطة التي ركزت عليها بيتسوف، انطلاقاً من خبرتها السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية. ففي تقديرها، ينبغي عدم قياس نجاح العقوبات بعدد الأفراد والشركات المدرجين على قوائمها، بل بقدرة واشنطن على تنفيذها فعلياً وضرب الشبكات التي تتيح للنظام الحصول على الأموال.

وحذرت بأن العقوبات التي لا تُنفذ بفاعلية قد تنتهي بتحميل المواطنين الإيرانيين العبء الأكبر، بينما تستمر النخب المرتبطة بمراكز القوة في الاستفادة من الاقتصاد غير الرسمي. ولذلك؛ تركز الاستراتيجية الأعلى فاعلية، من وجهة نظرها، على الوسطاء والبنوك والشركات وشبكات النقل التي تمثل حلقة الوصل بين الاقتصاد الإيراني والأسواق العالمية.

الصين منفذ تحت الضغط

وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني في بكين يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

تحتل الصين موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، بعدما أصبحت السوق الأهم للنفط الإيراني. لكن بيتسوف تحذر من النظر إلى هذه العلاقة بوصفها شرياناً مفتوحاً تستطيع طهران الاعتماد عليه دون قيود. فالمصافي الصينية المستقلة تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة، بينما تبقى أجزاء من العائدات داخل النظام المالي الصيني وباليوان؛ مما يحد من قدرة إيران على استخدامها بحرية. كما تتجنب المؤسسات المالية الصينية الكبرى التعرض للعقوبات الأميركية؛ مما يدفع إيران نحو بنوك أصغر وشركات وسيطة وقنوات مالية أعقد.

وتساعد هذه المعطيات، وفق كلاوسون، في تفسير أهمية الحصار البحري. فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسات المالية الصينية الكبرى، تستطيع الولايات المتحدة استهداف حركة النفط نفسها قبل وصوله إلى المشترين. وبذلك يصبح «الحصار» أداة مكملة لـ«العقوبات»: يستهدف الأول حركة السلعة، فيما تستهدف الثانية حركة الأموال.

وتشير الإجراءات التي اتخذتها دول في المنطقة ضد الشركات والوسطاء المرتبطين بإيران إلى تقلص المساحات التي كانت تستخدمها طهران للوصول إلى النظام المالي العالمي. وبالتالي، لا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى إيران على العثور على دولة مستعدة للتعامل معها، بل تتمثل أيضاً في إيجاد نظام مالي وتجاري قادر على استيعاب حجم اقتصادها من دون الخضوع للضغط الأميركي.

ويمتد أثر الضغوط، وفق المشاركين، إلى شبكة حلفاء طهران في المنطقة. وأشارت بيتسوف إلى مؤشرات على ضغوط مالية تواجه «حزب الله» اللبناني في الوفاء ببعض التزاماته المالية والاجتماعية، فيما يرى ماشين تشيان أن قدرة إيران في المحافظة على بعض علاقاتها الإقليمية تعتمد جزئياً على استمرار تدفق الأموال.

لكن تراجع الموارد لا يعني تلقائياً انهيار هذه الشبكات. فالجماعات التي بنت، على مدى سنوات، مصادر تمويل محلية ومصالح اقتصادية خاصة، يمكنها الاحتفاظ بقدرتها على العمل حتى مع تراجع الدعم الإيراني؛ وإن بمستوى أقل. ويُبرز ذلك المعضلة بين تقليص القدرات وإنهاء النفوذ.

هل يتغير سلوك النظام الإيراني؟

تتباين تقديرات الخبراء بشأن قدرة الضغوط الاقتصادية على إحداث تحول سياسي أو استراتيجي في طهران.

تحذر بيتسوف من افتراض أن تدهور الوضع الاقتصادي سيؤدي تلقائياً إلى تغيير في سلوك النظام. فالتاريخ يقدم نماذج لأنظمة استطاعت تحميل مجتمعاتها تكاليف اقتصادية كبيرة مع المحافظة على أولوياتها الأمنية. لكنها ترى أن الضغط يصبح أكبر تأثيراً عندما يصل إلى المؤسسات والنخب التي يعتمد عليها النظام نفسه، خصوصاً إذا بدأت قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتوفير الامتيازات، وتمويل الأجهزة المرتبطة بها، في التراجع.

أما كلاوسون، فيرى مساحة أكبر للمساومة. ويشير إلى أن القيادة الإيرانية سبق أن تراجعت عن مواقف أعلنت في البداية أنها غير قابلة للتفاوض، ولذلك لا يستبعد قبول طهران بتنازلات في «الملف النووي» إذا أصبحت تكلفة الرفض مرتفعة بما يكفي. ومن بين السيناريوهات التي طرحها إمكان قبول تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية.

في المقابل، يبدو ماشين تشيان أكبر تشككاً في إمكانية تحقيق تحول استراتيجي شامل بالضغط الاقتصادي وحده. فمن وجهة نظره، يرتبط «البرنامج النووي» و«النفوذ الإقليمي» بطبيعة النظام الإيراني ورؤيته دورَه، وليس بمجرد حسابات اقتصادية يمكن تغييرها مقابل تخفيف العقوبات.

ويلخص هذا الاختلافُ المعضلةَ التي تواجه واشنطن. فالولايات المتحدة تستطيع رفع تكلفة السياسات الإيرانية، وخفض عائدات النفط، وملاحقة الوسطاء، وتقييد الوصول إلى الدولار والأسواق الدولية، وربما إضعاف قدرة طهران على تمويل حلفائها. لكنّ أياً من هذه الإجراءات لا يضمن وحده أن تختار القيادة الإيرانية تغيير أهدافها، بدلاً من خفض الإنفاق الداخلي وتحميل المجتمع تكلفة المواجهة.

ومع ارتفاع الخسائر الأميركية واستمرار الاستعداد العسكري في المنطقة، يبرز سؤال بشأن الخطوة التالية إذا لم ينجح الحصار والعقوبات في تغيير حسابات طهران. ويتفق الخبراء الثلاثة على أن العقوبات لا يمكن عدّها بديلاً بسيطاً عن الحرب، بل هي جزء من معركة استنزاف أوسع تتوقف نتائجها على دقة الاستهداف، وتعاون الشركاء، وإغلاق منافذ الالتفاف، والأهم قدرة الضغط الاقتصادي على الوصول إلى دوائر صنع القرار.

وبذلك؛ قد لا يكون المقياس الحقيقي لنجاح استراتيجية واشنطن عدد براميل النفط التي تمنع إيران من بيعها، ولا حجم الأموال التي تُجمدها، بل ما إذا كانت هذه الخسائر ستغير في نهاية المطاف الحسابات التي تتخذ طهران على أساسها قراراتها النووية والعسكرية والإقليمية.