استراتيجية التخصيص... رافعة تطوير الخدمات اللوجيستية بالسعودية

محللون لـ«الشرق الأوسط»: ترسخ مكانة المملكة منصةً عالميةً تربط 3 قارات

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)
TT

استراتيجية التخصيص... رافعة تطوير الخدمات اللوجيستية بالسعودية

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)

جاء إعلان بدء تنفيذ «الاستراتيجية الوطنية للتخصيص» في نهاية الشهر الماضي ليضع الختم الرسمي على نهج جديد ومستدام في القطاعات كافة، ويصبح رافعةً لتطوير منظومة النقل والخدمات اللوجيستية في السعودية، وليؤكد التزام المملكة بتمكين القطاع الخاص بوصفه شريكاً أصيلاً في التنمية.

هذا الإقرار الاستراتيجي ليس مجرد تنظيم إداري، بل يعدُّ «محركاً تشريعياً» يمنح المنظومة القوة لتعزيز تنافسيتها الدولية، وتحويل مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية من طموحات مستقبلية إلى واقع اقتصادي ملموس، يرسخ مكانة المملكة بوصفها منصةً لوجيستيةً عالميةً تربط 3 قارات وفق «رؤية 2030».

أصل هذا الحراك يعود إلى عام 2018، حين أُطلق برنامج التخصيص بوصفه أحد البرامج الأساسية لتحقيق الرؤية؛ بهدف تسريع التنفيذ وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية. وبحلول نهاية عام 2025، نجح البرنامج في استكمال خطته بنجاح، ليصبح ثاني برامج الرؤية التي تستوفي مستهدفاتها، دافعاً نمو الاقتصاد الوطني عبر تحديد الأصول والموارد القابلة للتخصيص في قطاعات حيوية تشمل المياه، والنقل، والصحة، والتعليم، مما رفع جودة الخدمات المُقدَّمة ووفر فرص عمل واستثمارات نوعية.

وقد تجلَّى أثر البرنامج في تأسيس بنية صلبة تُعظِّم النتائج، أبرزها تأسيس المركز الوطني للتخصيص واعتماد «نظام التخصيص». وقد أسهمت هذه الأطر في تنظيم الإجراءات النظامية، وحصر الأصول والخدمات وتهيئة القطاعات لتكون جاهزة لأعمال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومع استكمال البرنامج أعماله رسمياً، تتولى اليوم «الاستراتيجية الوطنية للتخصيص» والمركز الوطني قيادة المرحلة المقبلة لتوسيع نطاق الإنجاز واكتشاف مزيد من الفرص الاستثمارية.

الشراكة... حجر الزاوية في تنويع الاقتصاد

تعتمد الرؤية السعودية في التخصيص على نموذج «الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)»، وهو المسار الهادف إلى تطوير الأداء الاقتصادي من جهة، ورفع مشاركة القطاع الخاص في إدارة وملكية المرافق والخدمات التي تتبع للقطاع العام في السعودية من جهة أخرى. وتهدف المملكة من خلالها إلى رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 10 في المائة بحلول عام 2030، مرتكزة على فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والمحلية لإدارة المرافق، مما يرفع جودة الخدمة ويُحقِّق ميزةً تنافسيةً للمملكة في خريطة التجارة الدولية.

ولم تكن هذه الطموحات لتقف عند حدود الاستراتيجيات، بل تُرجمت فعلياً على أرض الواقع؛ حيث أعلن وزير النقل والخدمات اللوجيستية صالح الجاسر، أن استثمارات القطاع الخاص، المحلية والدولية، في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية بالمملكة قد تجاوزت 280 مليار ريال (74.7 مليار دولار). وقد أسهمت هذه الاستثمارات المليارية في رفع مساهمة النقل والخدمات اللوجيستية لتُشكِّل ما نسبته 6.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

وفي أحدث التطورات في هذا الملف، أعلنت شركة «مطارات القابضة» السعودية، بالتعاون مع «المركز الوطني للتخصيص»، طرح مشروع تطوير مطار الأمير نايف بن عبدالعزيز الدولي في القصيم، بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود خلال افتتاحه صالة السفر الداخلية بمطار الأمير نايف بن عبد العزيز الدولي (واس)

التخصيص تنعش القطاع اللوجيستي

في قراءة تحليلية لواقع القطاع، أكد المختص في الخدمات اللوجيستية وسلاسل الإمداد، نشمي الحربي، لـ«الشرق الأوسط»، أن سياسات التخصيص باتت المحرك الرئيسي في تحويل القطاع اللوجيستي السعودي إلى بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية؛ فـ«ضخ القطاع الخاص لاستثمارات تجاوزت 18 مليار ريال (4.8 مليار دولار) من أجل تطوير الموانئ والمناطق اللوجيستية، بالتوازي مع تقليص زمن فسح البضائع إلى أقل من 24 ساعة عبر منصة (فسح)، قد أسهما في رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ لتصل إلى 40 مليون حاوية»، وهو ما أثمر عن قفزة المملكة 17 مرتبة في مؤشر الأداء اللوجيستي للبنك الدولي، معززةً بذلك الثقة العالمية وجاذبية أكبر خطوط الشحن الدولية.

وكان الجاسر أشار في «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، إلى أن 80 في المائة من الاستثمارات المستهدفة في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية ستأتي من القطاع الخاص، موضحاً أن من ضمن الشراكات الجديدة التي تم توقيعها أخيراً، عقوداً في القطاع البحري والموانئ مع القطاع الخاص بما يتجاوز 18 مليار ريال، مبيّناً أن النسبة العظمى من الاستثمارات في الموانئ تتم عبر القطاع الخاص.

شبكة النقل في السعودية (وزارة النقل)

وشدد الحربي على أن استراتيجية التخصيص في المنظور السعودي ليست مجرد «عامل مساعد»، بل هي «الضمانة الأساسية» لتحويل المملكة إلى مركز لوجيستي عالمي؛ فهي الأداة الفعّالة لجلب التمويل والخبرات التشغيلية العالمية، والمحرك لتبني الابتكارات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، مما يخلق بيئةً تنافسيةً تضمَّن تحسين جودة الخدمات وخفض التكاليف، وهو ما يرسخ مكانة المملكة بوصفها وجهةً رائدةً لوجيستياً.

وبناءً على ما ذكره الحربي، استطاع تخصيص الموانئ والمطارات معالجة التحديات التاريخية، والقضاء على فترات التأخير في التخليص الجمركي التي كانت تصل سابقاً إلى 9 أيام. وأكد أن تطبيق أفضل الممارسات العالمية رفع الكفاءة التشغيلية للموانئ بنسبة 71 في المائة، مع تعزيز الربط اللوجيستي المتكامل بين السكك الحديدية والطرق لضمان تدفق سلس للبضائع يواكب تطلعات المستقبل.

التخصيص وجاذبية القطاع اللوجيستي

من جهته، يرى الخبير اللوجيستي، المهندس حسن آل هليل، أن سياسات التخصيص في السعودية لم تكن مجرد إجراء إداري، بل أسهمت بشكل حاسم في تحويل القطاع إلى بيئة جاذبة لكبرى شركات الشحن العالمية عبر إحداث تغييرات استراتيجية شاملة.

ويفصل آل هليل هذه المكتسبات في محاور عدة؛ أولها تحسين الكفاءة التشغيلية، حيث سمح إسناد إدارة الموانئ والمطارات للقطاع الخاص بتقليص زمن الشحن وخفض التكاليف التشغيلية، مما رفع القدرة التنافسية للسوق السعودية. وثانيها تطوير البنية التحتية بضخ استثمارات ضخمة في تحديث الموانئ والمستودعات وأنظمة النقل الذكي، مما أتاح لشركات الشحن العالمية مرافق متقدمة وسهلة الاستخدام.

معالجة التحديات التقليدية والبيروقراطية

واستعرض آل هليل كيف نجح التخصيص في معالجة «التحديات التقليدية» التي واجهت التدفق اللوجيستي تاريخياً، موضحاً أن دخول القطاع الخاص أدى إلى رفع كفاءة العمليات وتقليل الاختناقات، فأصبحت الخدمات أكثر تنظيماً وسرعة في الشحن والتفريغ والتخزين، مما خفَّف من التأخيرات التي كانت تواجهها العمليات سابقاً.

كما أشار إلى دور التخصيص في تسهيل الإجراءات الجمركية عبر إدخال شركات خاصة لإدارة التخليص، مما قلّل من البيروقراطية وسرّع الإجراءات وأوجد شفافية أكبر، وهو عنصر حاسم لجذب اللاعبين الدوليين. وأضاف أن هذا المسار شجَّع الاستثمار الأجنبي عبر وضع أطر قانونية واضحة، عزَّزت ثقة شركات النقل العالمية للمساهمة في مشروعات لوجيستية كبرى.

منطقة لوجيستية تابعة لشركة «ميرسك» بالسعودية (موقع شركة «ميرسك»)

التخصيص و«الربط الثلاثي»

وحول ما إذا كان التخصيص يمثل الضمانة الوحيدة للربط بين القارات الثلاث، يؤكد آل هليل أن التخصيص «عنصر أساسي وقاعدة صلبة»، لكنه يعمل ضمن منظومة متكاملة. ويرى أن التحول إلى مركز لوجيستي عالمي يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التقنية والمطارات والمستودعات الذكية، وربطها بشبكات نقل متكاملة براً وبحراً وجواً.

ويشدد آل هليل على أهمية التكامل بين السياسات التنظيمية المرنة وتطوير القوى البشرية المتخصصة في اللوجيستيات الحديثة. وبذلك، يصبح التخصيص في رؤيته «الأساس الضروري» الذي يتكامل مع التكنولوجيا والتنظيم والكوادر البشرية لتحقيق رؤية المملكة بوصفها مركزاً عالمياً يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بكفاءة وفاعلية.

تحفيز الابتكار والخدمات الرقمية

وأكد آل هليل أن المنافسة الناتجة عن التخصيص حفَّزت على تعزيز الابتكار وتقديم خدمات متميزة مثل التتبع الرقمي والخدمات المتكاملة للنقل والتخزين، مما رفع مستوى جاذبية السوق دولياً. ويخلص إلى أن تحويل إدارة الموانئ والمطارات إلى نموذج مختلط بين القطاعين العام والخاص لم يعالج فقط التحديات التقليدية، بل خلق بيئة أكثر فاعلية ومرونة وجاذبية للاستثمارات العالمية، داعماً بذلك نمو الاقتصاد الوطني.

قفزات الشحن الجوي والتوسع الجغرافي

لم يقتصر أثر هذا الحراك على الموانئ البحرية فحسب، بل امتد ليشمل وسائط النقل كافة؛ حيث تعكس المؤشرات الميدانية طفرةً في الشحن الجوي الذي قفز بمعدل 34 في المائة سنوياً ليصل إلى 1.2 مليون طن. هذا التكامل وضع المملكة في المركز الرابع بين الأسواق الناشئة في مؤشر «أجيليتي» اللوجيستي لعام 2025، وعزَّز طموحها في دخول قائمة الـ10 الكبار عالمياً. وبالتوازي مع هذا التفوق الدولي، شهد الداخل السعودي توسعاً جغرافياً استراتيجياً بإضافة 30 مركزاً لوجيستياً جديداً، مما أسهم في خلق منظومة توظيف ضخمة تضم اليوم أكثر من 651 ألف موظف.

ميناء الملك عبد الله (الشرق الأوسط)

ممكنات التحوّل وتذليل التحديات

هذه النتائج الملموسة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ثمرة عمل مؤسسي يقوده برنامج «تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)»؛ الذي يمثل منذ انطلاقه في 2019 القاعدة الأساسية لتحسين البنية التحتية ورفع الطاقة الاستيعابية. ويعمل البرنامج كـ«مُمكن هيكلي» يربط الشبكات المحلية بالإقليمية، ويسهِّل حركة البضائع عبر الحدود، مما يضمن تقديم خدمات بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك على حد سواء.

ويسعى البرنامج من خلال إشراك القطاع الخاص إلى خفض تكلفة الشحن بالربط بين الشبكات المحلية والإقليمية، وتسهيل إجراءات الفسح وحركة البضائع عبر الحدود، مع ضمان تقديم خدمات التوزيع المحلي بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك.

ولضمان استدامة هذا الزخم وتذليل أي عقبات قد تواجه القطاع الخاص، جاء تأسيس «مجلس الشراكة اللوجيستي» ليكون بمثابة حلقة الوصل التفاعلية بين المستثمر وصانع القرار؛ حيث يعمل المجلس على تحويل مرئيات الميدان إلى سياسات وقرارات ترفع كفاءة المنظومة الوطنية وتضمن بقاءها في طليعة التنافسية الدولية.

ختاماً، تتجاوز السعودية اليوم مفهوم «مشغل المرافق» التقليدي لتصيغ فصلاً جديداً في تاريخ الخدمات اللوجيستية العالمية. فالتحول الهيكلي القائم على التخصيص والشراكات الاستراتيجية لا يهدف فقط لتعزيز الكفاءة، بل يرسخ مكانة المملكة يوصفها حلقة وصل عالمية لا غنى عنها في سلاسل الإمداد المستقبلية، محققاً بذلك الجوهر الحقيقي لـ«رؤية 2030» في بناء اقتصاد مزدهر ومستدام.


مقالات ذات صلة

ميامي تستضيف قمة «مستقبل الاستثمار» غداً وتناقش تأثير رأس المال في التحولات العالمية

خاص محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان خلال مشاركته في قمة سابقة لمبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

ميامي تستضيف قمة «مستقبل الاستثمار» غداً وتناقش تأثير رأس المال في التحولات العالمية

تستعد مدينة ميامي الأميركية لاستضافة النسخة الرابعة من قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار– الأولوية» (FII PRIORITY) خلال الفترة من 25 إلى 27 مارس (آذار) الحالي.

مساعد الزياني (ميامي (الولايات المتحدة))
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)

«أديس» السعودية تعلق مؤقتاً عمل منصات حفر بحرية في الخليج وسط حرب إيران

علّقت شركة «أديس القابضة» السعودية عمل بعض منصات الحفر البحرية التابعة لها في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مؤقت، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (واس)

السعودية تُعلق الشروط الملاحية لـ30 يوماً دعماً لتدفق الأعمال البحرية في الخليج

علّقت السعودية تطبيق شرط سريان الشهادات والوثائق المطلوبة لإصدار أو تجديد التراخيص الملاحية، دعماً لتدفق الأعمال البحرية في الخليج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة الرياض (واس)

خاص مرونة السياسات وشرايين النقل... «درع» الاقتصاد السعودي في وجه أزمة «هرمز»

في وقتٍ يغرق العالم في أتون اضطراب غير مسبوق، وبينما تترنح سلاسل التوريد تحت وطأة إغلاق مضيق هرمز، برز الاقتصاد السعودي كنموذج استثنائي للصمود والمرونة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

رئيس «بلاك روك» يحذر من ركود عالمي إذا وصل سعر النفط لـ150 دولاراً

فينك يتحدث خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 بواشنطن (أرشيفية-رويترز)
فينك يتحدث خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 بواشنطن (أرشيفية-رويترز)
TT

رئيس «بلاك روك» يحذر من ركود عالمي إذا وصل سعر النفط لـ150 دولاراً

فينك يتحدث خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 بواشنطن (أرشيفية-رويترز)
فينك يتحدث خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 بواشنطن (أرشيفية-رويترز)

قال الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لاري فينك، إن أسعار النفط قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، مما قد يتسبب في «ركود عالمي» إذا «ظلت إيران تشكل تهديداً»، حتى بعد انتهاء الحرب.

وأضاف فينك، في مقابلة مع بودكاست على «بي بي سي»، نُشر يوم الأربعاء: «إذا أُوقفت الحرب، ومع ذلك ظلت إيران تشكل تهديداً؛ تهديداً للتجارة، وتهديداً لمضيق هرمز، وتهديداً للتعايش السلمي في منطقة مجلس التعاون الخليجي، فأعتقد أننا قد نشهد سنوات من أسعار النفط التي تتجاوز 100 دولار، وتقترب من 150 دولاراً، وهو ما سيكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد».

وظلت أسعار النفط متقلبة، وشهدت ارتفاعاً حاداً منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. إلا أن الأسعار انخفضت بنحو 4 في المائة، يوم الأربعاء، بعد تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة أرسلت إلى إيران مقترحاً من 15 بنداً يهدف إلى إنهاء الحرب، مما عزز احتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وأدت الحرب إلى توقف شبه تام لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، الذي ينقل عادةً نحو خُمس إمدادات الغاز والنفط الخام في العالم، مما تسبَّب فيما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط على الإطلاق.


لاغارد: «المركزي الأوروبي» مستعد لتدخُّل حاسم لمواجهة تداعيات الحرب على التضخم

لاغارد تتحدث في المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في 19 مارس الحالي (أ.ب)
لاغارد تتحدث في المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في 19 مارس الحالي (أ.ب)
TT

لاغارد: «المركزي الأوروبي» مستعد لتدخُّل حاسم لمواجهة تداعيات الحرب على التضخم

لاغارد تتحدث في المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في 19 مارس الحالي (أ.ب)
لاغارد تتحدث في المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في 19 مارس الحالي (أ.ب)

أكَّدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن البنك لن يتردد في اتخاذ إجراءات «حاسمة وسريعة» إذا ما أدَّى الارتفاع الحالي في أسعار الطاقة إلى موجة تضخم أوسع نطاقاً، مشددة في الوقت ذاته على أن التزام البنك بتحقيق معدل تضخم يبلغ 2 في المائة على المدى المتوسط هو «التزام مطلق وغير مشروط».

وفي خطاب ألقته خلال مؤتمر «مراقبي البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت، أوضحت لاغارد أن منطقة اليورو تواجه «عالماً مختلفاً» يسوده يقين منخفض بسبب اندلاع الحرب في إيران. وقالت: «ما زلنا نقيم الآثار الناجمة عن هذا النزاع، ولن نتخذ أي إجراء قبل الحصول على معلومات كافية حول حجم الصدمة ومدى استمرارها وطريقة انتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي».

وأشارت لاغارد إلى أن التوقعات التي كانت تشير قبل أسابيع قليلة إلى نمو صلب وتضخم مستقر عند 1.9 في المائة، تبدلت بفعل المخاطر الجيوسياسية، وأضافت أن البنك يراقب من كثب احتمالات انتقال تكاليف الطاقة العالية إلى الأجور وتوقعات التضخم، محذِّرة من «أثر العدوى» الذي قد يحول صدمة الطاقة العابرة إلى تضخم هيكلي.

سيناريوهات «حافة الهاوية»

وكشفت رئيسة «المركزي الأوروبي» عن سيناريوهات وضعها خبراء البنك لمواجهة التطورات؛ حيث يفترض السيناريو «الشديد» استمرار الحرب لفترة أطول وتوسع نطاقها، مما قد يرفع التضخم السنوي بمقدار 3 نقاط مئوية إضافية في عام 2027، ويؤدي إلى تباطؤ ملحوظ في النمو.

وحذَّرت لاغارد من اقتراب «حافة الهاوية» في إمدادات الطاقة، مشيرة إلى أن احتياطيات النفط العالمية بدأت في التناقص، وأن آخر ناقلات الغاز المسال التي غادرت الخليج قبل اندلاع الحرب بدأت في الوصول إلى وجهاتها، مما يعني أن التأثير الكامل لنقص الإمدادات سيبدأ في الظهور فعلياً الآن.

مرونة في السياسة النقدية

وعلى عكس موقف البنك في عام 2022، أكَّدت لاغارد أن «المركزي الأوروبي» اليوم أكثر «رشاداً وجهوزية»، حيث يتبع نهجاً يعتمد على البيانات «اجتماعاً تلو الآخر» دون التزام مسبق بمسار معين لأسعار الفائدة. وقالت: «لسنا في الوضع نفسه الذي كنا عليه قبل أربع سنوات؛ فلدينا استراتيجية بنيت لعالم يسوده عدم اليقين، وخياراتنا متدرجة وتعتمد على شدة الصدمة».

واختتمت لاغارد كلمتها بالتأكيد على أن البنك لن يقف مشلولاً أمام حالة عدم اليقين، موضحة أنه إذا تبين أن الانحراف عن هدف التضخم سيكون كبيراً ومستداماً، فإن الاستجابة ستكون «قوية وبقدر الضرورة»، لضمان عدم ترسُّخ الأسعار المرتفعة في النسيج الاقتصادي لمنطقة اليورو.


الأسهم الأوروبية ترتفع 1 % مع توقعات هدنة في الشرق الأوسط

رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع 1 % مع توقعات هدنة في الشرق الأوسط

رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

ارتفعت الأسهم الأوروبية بنسبة 1 في المائة، يوم الأربعاء، بقيادة أسهم قطاعي السفر والخدمات المالية، وسط توقعات بخفض التصعيد في الصراع بالشرق الأوسط، رغم استمرار المخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية للحرب.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.3 في المائة ليصل إلى 586.73 نقطة، بحلول الساعة 08:12 بتوقيت غرينتش، بعد أن استعاد المؤشر جزءاً من خسائره التي سجلها يوم الثلاثاء، وفق «رويترز».

وجاء قطاع السفر والترفيه، الذي تضرَّر في وقت سابق من الشهر، من أبرز الرابحين بزيادة قدرها 2 في المائة، بينما ارتفعت أسهم البنوك بنسبة 1.6 في المائة. كما سجلت شركات الطيران الحساسة لأسعار النفط، مثل «لوفتهانزا» والخطوط الجوية الفرنسية، مكاسب بلغت 2.4 في المائة و3.7 في المائة على التوالي.

وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إحراز تقدم في جهود التفاوض على إنهاء الحرب مع إيران، في حين أكد مصدر أن واشنطن قدَّمت لطهران مقترح تسوية من 15 بنداً. ومع ذلك، سادت حالة من الحذر، بعد أن نفت إيران إجراء أي محادثات مباشرة، حيث صرح متحدث باسمها بأن الولايات المتحدة «تتفاوض مع نفسها».

ولا يزال الغموض يكتنف إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، الذي ظل معزولاً إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب. وعلى الرغم من انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 100 دولار، فإن التأثيرات طويلة الأجل للارتفاع الأخير قد تستمر في التأثير على الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، ارتفع سهم شركة الأدوية الإسبانية «غريفولز» بنسبة 8.1 في المائة بعد إعلانها موافقتها على طرح أسهم شركتها الأميركية المتخصصة في الأدوية الحيوية، للاكتتاب العام الأولي.