الجزائر تبدأ تطبيق إجراءات نزع الجنسية من المعارضين المتهمين بـ«الخيانة»

حقوقيون حذروا من تبعاتها بحجة أنها قد تقود «انعدام الجنسية» لبعض المواطنين

البرلمان الجزائري أطلق تحركات قوية بغرض إدخال تعديل على قانون الجنسية الصادر عام 1970 يتضمن إسقاطها عن معارضين (البرلمان)
البرلمان الجزائري أطلق تحركات قوية بغرض إدخال تعديل على قانون الجنسية الصادر عام 1970 يتضمن إسقاطها عن معارضين (البرلمان)
TT

الجزائر تبدأ تطبيق إجراءات نزع الجنسية من المعارضين المتهمين بـ«الخيانة»

البرلمان الجزائري أطلق تحركات قوية بغرض إدخال تعديل على قانون الجنسية الصادر عام 1970 يتضمن إسقاطها عن معارضين (البرلمان)
البرلمان الجزائري أطلق تحركات قوية بغرض إدخال تعديل على قانون الجنسية الصادر عام 1970 يتضمن إسقاطها عن معارضين (البرلمان)

منذ أن أطلق الرئيس الجزائري تصريحه المثير بخصوص «التعاون ضد خائن الدار»، في 25 سبتمبر (أيلول) 2025، انطلقت تحركات قوية في البرلمان، بغرض إدخال تعديل على قانون الجنسية الصادر عام 1970، يتضمن إسقاطها عن معارضين، تتهمهم السلطات بـ«العمالة لصالح جهات معادية»، وبـ«المس بوحدة واستقرار البلاد».

دخل تشريع «إسقاط الجنسية» حيّز التنفيذ في الجزائر، أمس (الثلاثاء)، بصدور النص الجديد في «الجريدة الرسمية»، على أثر تصديق البرلمان عليه في 22 يناير (كانون الثاني) الماضي.

الرئيس الجزائري اتهم الكاتب بوعلام صنصال بالخيانة (الرئاسة)

وانصب الجدل بخصوص القانون على «مادته 22»، التي تنص على أنه «يمكن إسقاط الجنسية الجزائرية عن كل شخص اكتسبها» في حالتين: الأولى إذا أُدين الشخص المعني «بفعل يصنف جناية، أو جنحة تمس بالمصالح الأساسية للجزائر أو بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة». والحالة الثانية إذا أُدين في الجزائر أو في الخارج بجناية يعاقب عليها بعقوبة تساوي أو تفوق 5 سنوات سجناً».

ويوضح القانون أن إسقاط الجنسية «لا يطبّق إلا إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى المعني قد وقعت خلال مدة 10 سنوات، ابتداءً من تاريخ اكتسابه الجنسية الجزائرية، ولا يمكن النطق به إلا خلال أجل 5 سنوات، ابتداءً من تاريخ تلك الأفعال».

6 أعمال تسبب التجريد من الجنسية

تتضمن مادة أخرى أن كل جزائري «توجد ضده مؤشرات خطيرة ومتطابقة تثبت أنه ارتكب خارج التراب الوطني، أفعالاً خطيرة، ولم يضع حداً لها رغم الإنذار الذي وُجّه إليه من قبل الحكومة الجزائرية»، يمكن أن يتعرض لإسقاط الجنسية.

البرلماني صاحب مقترح تعديل قانون الجنسية (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ويُعدد القانون 6 حالات: إذا قام بشكل واضح وصريح بأعمال من شأنها «المساس الجسيم بمصالح الجزائر أو بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة واستقرار مؤسساتها، أو بوحدة الشعب أو برموز ثورة التحرير الوطنية»، أو «مارس علناً أنشطة معادية للجزائر»، وإذا أظهر «بقصد الإضرار بمصالح الجزائر، ولاءه لدولة أخرى، أو أعلنه رسمياً، أو أثبت بشكل لا لبس فيه عزمه على التنصل من أي ولاء للجزائر». وأيضاً إذا قدّم «خدمات لدولة أخرى أو قبل منها أموالاً، أو مزايا بهدف الإضرار بمصالح الجزائر»، وإذا تصرّف لصالح «قوات عسكرية أو أمنية أجنبية، أو قدم لها مساعدة من شأنها الإضرار بمصالح الجزائر». وإذا تعاون مع «دولة أو جهة معادية للجزائر»، وإذا «تولّى قيادة مجموعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية، أيّاً كان «شكلها أو تسميتها، أو مارس فيها نشاطاً، أو انضم إليها، أو موّلها أو روج لها بأي وسيلة كانت، بما يمسّ بمصالح الجزائر».

رئيس «ماك» فرحات مهني مستهدف بخطوة سحب الجنسية الجزائرية (ناشطون)

وينص القانون على أنه في حال ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في هذه المادة داخل الجزائر، يمكن إسقاط الجنسية الجزائرية الأصلية «إذا كان مرتكبها في حالة فرار خارج التراب الوطني». وفي حالات «الخيانة، أو التخابر مع قوة أجنبية، أو حمل السلاح ضد الجزائر، أو المساس بالوحدة الوطنية والسلامة الترابية للجزائر، أو الانتماء بأي صفة كانت إلى كيانات أو منظمات إرهابية، وكذلك كل فعل يمسّ بأمن الدولة واستقرارها، وفقاً للتشريع المعمول به»، يمكن إسقاط الجنسية عن كل مواطن جزائري ارتكب هذه الأفعال، حتى وإن لم يكن يحمل جنسية أخرى.

ووفقاً «للمادة 23» من هذا القانون، لا يمكن إسقاط الجنسية الجزائرية «إلا بعد إخطار الشخص المعني، ومنحه إمكانية تقديم ملاحظاته الكتابية بكل الوسائل القانونية، بما فيها وسائل الاتصال الإلكترونية، خلال أجل 30 يوماً، ابتداءً من انقضاء مهلة الإنذار المنصوص عليها في المادة 22 مكرر، إذا بقي دون جدوى». ويمنح الشخص المعني بالإنذار مهلة للامتثال لا تقل عن 15 يوماً ولا تتجاوز 60 يوماً».

ترحيب وتوجس

تباينت ردود الفعل حول القانون؛ حيث دعمت الأحزاب الموالية القرار كخطوة استباقية لتحصين «الأمن القومي» ضد «حروب الجيل الرابع» والمنصات الخارجية.

في المقابل، عبرت أحزاب المعارضة عن توجس شديد، محذرة من «مطاطية» المصطلحات القانونية، التي قد تؤول سياسياً لاستهداف المعارضين وتجريدهم من حقوق المواطنة. ومن جهته، دق المجتمع المدني ومنظمات حقوقية ناقوس الخطر، واصفاً الترسانة التشريعية بـ«الزجرية»، مع التحذير من تبعاتها، التي قد تؤدي إلى حالات «انعدام الجنسية» لبعض الجزائريين.

الكاتب بوعلام صنصال (حسابات ناشطين متعاطفين معه)

وتعود خطوة إسقاط الجنسية عمن لا تتفق معهم السلطة إلى البرلماني هشام صفر عن «الغالبية الرئاسية»، الذي أطلق مقترح تعديل قانون الجنسية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مستلهماً دعوته من التصريحات المثيرة للرئيس عبد المجيد تبون، التي حث فيها الجزائريين على «التعاون ضد خائن الدار»، وكان يقصد الكاتب بوعلام صنصال الفرنسي- الجزائري، الذي أدانته المحاكم بالسجن لسبع سنوات، بتهمة «المس بالوحدة الوطنية». وتم الإفراج عنه في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعفو رئاسي خاص، بعد أن قضى عاماً في السجن.

كما ربط مراقبون طرح هذا التعديل، الذي جاء في توقيت حرج، بخطوة أخرى أثارت قلقاً بالغاً لدى صناع القرار في الجزائر؛ وتتعلق بإعلان «حركة تقرير مصير القبائل» (ماك) من باريس عما وصفته بـ«دولة القبائل المستقلة». وهذه الخطوة التي قادها زعيم التنظيم فرحات مهني، المقيم بفرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً رفقة مئات من ناشطيه، حوّلت ملف «إسقاط الجنسية» من مجرد مقترح تشريعي إلى سلاح سياسي وقانوني مباشر لمواجهة دعوات الانفصال، والتحركات التي تدار من وراء البحار».

واللافت أن هذه الإجراءات الصارمة متصلة بشكل قوي بالتوترات، التي تميز علاقات الجزائر بجيرانها خصوصاً المغرب ومالي، وبشركاء أساسيين خاصة فرنسا.

جانب من مظاهرة في باريس نظمها دعاة الانفصال (ناشطون)

غير أن الصرامة التي ميزت إجراءات إسقاط الجنسية، رافقتها في المقابل «إشارات تهدئة» أعلنت عنها الرئاسة مطلع العام؛ حيث أطلقت مبادرة لتسوية أوضاع مئات المعارضين والنشطاء في الخارج، لا سيما في أوروبا. وتشمل هذه المبادرة، التي تشرف عليها القنصليات، إسقاط تهم «المساس بالوحدة الوطنية»، وإلغاء أحكام قضائية سابقة، مقابل تعهدات كتابية بوقف النشاط المعارض.

ويبدو أن هذه الخطوة تهدف إلى عزل «الرؤوس الراديكالية» وتجريدها من حاضنتها، من خلال فتح باب «العودة الطوعية»، وإعادة إدماج الشباب الذين انخرطوا في المعارضة نتيجة ظروف معينة».


مقالات ذات صلة

أحزاب جزائرية تندد بـ«تصفية سياسية» مع اقتراب الانتخابات المحلية

شمال افريقيا الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)

أحزاب جزائرية تندد بـ«تصفية سياسية» مع اقتراب الانتخابات المحلية

تثير عملية دراسة ملفات الترشح والمصادقة عليها التي تجريها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» تحسباً للانتخابات المحلية احتجاجاً واسعاً داخل الطبقة السياسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية أنغولا هزمت الجزائر في نصف نهائي «أمم أفريقيا لكرة الصالات» (كاف)

أنغولا تهزم الجزائر وتتأهل لمونديال كرة الصالات

انتزع منتخب أنغولا بطاقة التأهل لكأس العالم لكرة القدم داخل الصالات بفوز درامي على نظيره الجزائري بنتيجة 3/ 2، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا الرئيس تبون يقر خطة لمواجهة الغلاء في مجلس الوزراء (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر تقرّ خطة عاجلة لكبح التضخم واحتواء مخاوف الاحتقان الاجتماعي

أطلق الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، خطة تدابير عاجلة لمواجهة الارتفاع القياسي للأسعار؛ وذلك بهدف حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتفادي أي توترات اجتماعية...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية اتحاد العاصمة الجزائري إلى مجموعات الكونفيدرالية (نادي اتحاد العاصمة)

«الكونفيدرالية الأفريقية»: اتحاد العاصمة يتأهل إلى دور المجموعات بعد انسحاب بانثرز

تأهل اتحاد العاصمة الجزائري إلى دور المجموعات من كأس الكونفيدرالية الأفريقية، بعدما تأكد انسحاب منافسه بانثرز ممثل غينيا الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رجال إطفاء يواجهون حرائق شرق الجزائر في يوليو 2026 (الحماية المدنية)

الجزائر توجّه اتهامات غير مسبوقة لباريس بشأن «حملات الاستقطاب»

تبدو تصريحات من موقوفَين جزائريين كأنها اتهامات رسمية جديدة موجهة إلى فرنسا، بخصوص «توظيف عملاء بهدف ضرب استقرار البلاد»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الحكومة المصرية تواصل خطط التوسع العمراني رغم انتقادات «الإشغال»

«منتدى مصر» يتطرق إلى انتقادات طالت التوسع العمراني في مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
«منتدى مصر» يتطرق إلى انتقادات طالت التوسع العمراني في مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية تواصل خطط التوسع العمراني رغم انتقادات «الإشغال»

«منتدى مصر» يتطرق إلى انتقادات طالت التوسع العمراني في مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
«منتدى مصر» يتطرق إلى انتقادات طالت التوسع العمراني في مصر (رئاسة مجلس الوزراء)

دافع رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، الثلاثاء، عن توجُّه الدولة نحو التَّوسُّع العمراني، في مواجهة انتقادات وتساؤلات عن جدوى هذا المسار وأولويته، مشيراً إلى «حتميته في ظلِّ الزيادة السكانية»، ومؤكداً أن الحكومة ماضية في تدشين المدن الجديدة حتى عام 2050، ليصل عددها إلى 39 مدينة جديدة، مقارنة بـ27 مدينة حالياً.

وتولي الحكومات المصرية عنايةً لافتةً بملف العمران، منذ عام 2014، فقد دشنَّت كثيراً من المدن، ومهَّدت الطرق ودشنَّت الكباري؛ بهدف إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية الداخلية، وفي مقدمة هذه المدن «العاصمة الإدارية الجديدة»، التي باتت مركزاً للحكم، وانتقل إليها الوزراء كافة، وكثير من المؤسسات الحيوية.

وتطرَّقت الحكومة إلى الملف، الذي لطالما واجه انتقادات إثقال ميزانية الدولة بمشروعات غير مُنتجة، ضمن فعاليات اليوم الثاني لـ«منتدى مصر»، والذي تطلقه الحكومة على مدار أيام لعرض إنجازاتها، والاستماع إلى تساؤلات المواطنين والإجابة عنها.

وبدأ مدبولي حديثه عن فلسفة حكومته في تدشين المدن الجديدة باستعراض تاريخي للزيادة السكانية الكبيرة التي تشهدها مصر، والتي دفعت الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات إلى بدء هذا التوجُّه، قائلاً: «في بداية القرن العشرين كان عدد سكان مصر أقل من 10 ملايين نسمة على هذه المساحة نفسها، ثم أصبح عدد السكان نحو 18 مليوناً مع بزوغ ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، وحالياً وصل العدد إلى 110 ملايين نسمة، فتخيلوا الوضع إذا ظلت المساحة المعمورة كما هي مع ازدياد أعداد السكان بهذا الحجم».

ويتفق الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، مع «حتمية تدشين مدن عمرانية جديدة لاستيعاب الزيادة السكانية التي تشهدها مصر»، لكنه رغم ذلك وجَّه انتقادات إلى الكيفية، التي دُشِّنت بها هذه المدن في السنوات الأخيرة، والتي تخطَّت الامتداد العمراني للمدن المأهولة، وذهبت إلى مناطق صحراوية مجهولة، ومُدَّت إليها البنية التحتية من صرف صحي ومُهِّدت الطرق، بما استنفد مبالغ طائلة، بينما لا تشهد إشغالات سكانية تتلاءم مع حجم الإنفاق، على حدِّ قوله لـ«الشرق الأوسط».

مشروعات إسكان كثيرة تنفَّذها الحكومة المصرية (وزارة الإسكان)

وردَّ رئيس الوزراء المصري على هذه الانتقادات، قائلاً إن «15 مليون مصري يقطنون اليوم في المدن الجديدة القائمة بشكل دائم، من واقع عدادات الكهرباء التي يتم شحنها، فبخلاف 3.3 مليون عداد، هناك أكثر من 350 ألف عداد تجاري وصناعي وإداري، وغير ذلك من الأنشطة الأخرى، وهو ما يعنى أن عدد السكان المقيمين بالفعل بالمدن الجديدة يتراوح بين 14 و15 مليون نسمة من القاطنين، فضلاً عن المترددين يومياً على هذه المدن للعمل بها».

وفسَّر الباحث في الاقتصاد، محمد مهدي عبد النبي، تصريح رئيس الوزراء حول الإشغالات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه يعتمد على معادلة خاصة بعدادات الكهرباء الموجودة في الوحدات، باعتبار أن كل وحدة يسكنها في المتوسط من 3 إلى 4 أفراد، ومن ثم فهو رقم تقريبي استدلالي، قد لا يعكس الوجود الفعلي للسكان.

والأمر نفسه تطرَّق إليه فوزي بقوله: «ليس كل مَن لديه وحدة وعداد في المدن الجديدة يسكن فيها، فكثير لديهم وحدات لكنهم حتى الآن يعيشون في المناطق المزدحمة بالسكان».

وأضاف فوزي أن الحكومة تتعامل مع المدن الجديدة على أنها شيء واحد، فتدخل في حسابها المدن التي لم تعد جديدة، بل أصبحت مأهولة بالسكان، مثل مدينة 15 مايو التي هي امتداد لمدينة حلوان (جنوب القاهرة)، ومدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، وهذه المدن بدأ تدشينها في عصر سابق، ولا يمكن النظر إليها بالمقياس نفسه عند النظر للمدن، التي دُشنِّت في العصر الحالي، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية (شرق القاهرة).

وتُقدَّر تكلفة «العاصمة الإدارية» بنحو 58 مليار دولار، وفق تقديرات رسمية.

وأوضح مدبولي أن المدن الجديدة «ليست خاوية، فمدينة القاهرة الجديدة يقترب عدد السكان بها من 3 ملايين نسمة، ويوجد في 6 أكتوبر مليونا نسمة، وهذا يوضح أن المدن الجديدة أصبحت مدناً مليونية»، لافتاً إلى أنه بناء على ذلك أصبح من الضروري البدء في التخطيط لتنفيذ مدن جديدة أخرى، وهي ما يُطلق عليها مدن «الجيل الرابع»؛ ذلك أن المدن التي تم إنشاؤها منذ عام 2014 كانت تمثل الأجيال الثلاثة طبقاً لأعمارها الزمنية، مضيفاً: «عندما تم بدء إنشاء المدن في الثمانينات من القرن الماضي، استفدنا نحن منها الآن، واليوم نعمل على بناء مدن جديدة تستفيد منها الأجيال القادمة».

نسبة الإشغال السكاني في المدن الجديدة محل جدل بمصر (وزارة الإسكان المصرية)

واتفق الباحثان، الاقتصادي والاجتماعي، على أنَّ تطرُّق الحكومة إلى هذا الملف حالياً هو محاولة لإبرازه ضمن «إنجازاتها»، في وقت يواجه فيه القطاع العقاري مخاطر كبيرة. ودعا الباحث الاقتصادي الحكومة إلى تبني ما جاء من مقترحات في هذا المنتدى، في ظلِّ تأخر تنفيذ كثير من المشروعات لتعثر المطورين، ومنها فصل أموال كل مشروع عن الآخر.

ودافع مدبولي عن الجدوى الاقتصادية من هذه التَّوسُّعات العمرانية، قائلاً إنها من أهم القطاعات التي توفر فرص عمل سريعة، فهي مرتبطة بأكثر من 100 صناعة، وتستمر فرص العمل حتى بعد تشغيل المدن والمشروعات، بما يسهم في تحريك الاقتصاد.

ولم يتجاهل مدبولي الحديث عن «العاصمة الإدارية»، حيث استعرض مخطط نقل الحكومة من وسط القاهرة، وكيف خضع لدراسة معمقة، لافتاً إلى أن مكان العاصمة الإدارية كان ضمن 5 أماكن مرشحة لنقل المصالح الحكومية إليها، ووقع الاختيار عليه بناء على توصية الخبراء بوصفه «الخيار الأفضل، بالنظر إلى ما يتيحه من فرص للتوسع العمراني المستقبلي».


«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
TT

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

تترقب الأسواق في مصر ما ستؤول إليه أسعار الجنيه أمام الدولار عقب تراجع العملة المحلية بنحو 2 في المائة خلال أسبوع، لتسجل أدنى مستوى معدّل لها في غضون 5 شهور، وتقترب من «قفزة قياسية» بلغت 55 جنيهاً مقابل الدولار الواحد، وسط مخاوف عبّر عنها اقتصاديون من تأثيرات كبيرة جراء الاضطرابات والصراعات المستمرة في المنطقة.

وسجل سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه ارتفاعاً جديداً، الثلاثاء، إذ وصل إلى 54 جنيهاً و50 قرشاً في بعض البنوك، وذلك في ظل ارتفاع سعر الدولار عالمياً، وتخارج الأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية. وقد انعكس ذلك مباشرة على حركة الأسعار في الأسواق، إذ ارتفعت سلع رئيسية مثل الزيت والمعكرونة والأرز، والفول والدقيق والبيض واللحوم والدواجن، وفق بيانات «بوابة أسعار السلع المحلية والعالمية»، التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، الثلاثاء.

وتأتي هزات الجنيه أمام الدولار وانعكاسه على الأسواق، بالرغم من ارتفاع صافي الاحتياطات الأجنبية لتسجل مستوى قياسياً جديداً عند 57.35 مليار دولار خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال أول 8 أشهر من العام الحالي، لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 33.9 مليار دولار.

في هذا السياق، يرى رئيس شعبة المحمول والاتصالات بالغرفة التجارية في القاهرة، محمد طلعت، أن هناك عوامل عديدة تساهم في ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة مثلاً، بينها ارتفاع أسعار الدولار مقابل الجنيه، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار مكونات الهواتف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتي تشهد طفرة عالمية في الأسعار، وغيرها من عناصر الإنتاج، وهو ما يقود للإعلان عن قوائم جديدة لأسعار الهواتف كل أسبوعين تقريباً.

وقال طلعت لـ«الشرق الأوسط»، إن شركات المحمول «ما زالت تعتمد على أسعار قديمة للجنيه أمام الدولار، والآن تبدأ الشركات في إعادة تسعير الهواتف وفقاً للأسعار الجديدة المُعلنة من جانب البنوك المصرية»، لافتاً إلى أن الهواتف المصنّعة في مصر «سوف تشهد ارتفاعات أيضاً جراء الاعتماد على مدخلات إنتاج مستوردة من الخارج».

وتوقع طلعت أن تشهد الأجهزة الكهربائية ارتفاعات مماثلة، في حال استمرار تراجع الجنيه، لكنه أشار إلى أنها حتى الآن لم تشهد زيادات كبيرة بخلاف الهواتف المحمولة.

البنك المركزي المصري (الصفحة الرسمية)

وقبل أيام كشف رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الغرف التجارية، جورج زكريا، في تصريحات لصحف محلية، عن تراجع حاد في مبيعات الأجهزة الكهربائية بالسوق المصرية، تجاوز 60 في المائة منذ النصف الثاني من أغسطس (آب) الماضي، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار، وازدياد الأعباء المعيشية، أثرا بشكل ملحوظ على حركة الشراء، وأديا إلى حالة من الركود داخل القطاع.

كما أعلنت رابطة «تجار السيارات في مصر» عن ارتفاع طال أيضاً السيارات، بنسبة تتراوح ما بين 5 في المائة إلى 10 في المائة منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نتيجة تحركات سعر الدولار وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وذلك بالتزامن مع عودة ظاهرة «الأوفر برايس» لقطاع واسع من العلامات التجارية.

وترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة سمر عادل، أن الأسواق في مصر والعالم تعاني حالة من الاضطراب، نتيجة الصراعات المتزايدة وأزمات مرور سلاسل الإمداد في البحر الأحمر، مشيرة إلى ما أن تعانيه الأسواق في مصر الآن بدأت تداعياته منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية قبل أربع سنوات، مشيرة إلى أن استمرار التوترات سيقود لمزيد من تراجع الجنيه أمام الدولار، وبالتالي مزيد من الارتفاعات في الأسعار جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج المستوردة من الخارج.

وأوضحت سمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الرقابة الداخلية من جانب الحكومة على الأسواق تكتسب أهمية كبيرة في هذا التوقيت، نتيجة اتجاه التجار لرفع الأسعار، مع ضرورة التحكم في الزيادات بما لا يضاعف الأعباء على المواطنين، إلى جانب تبني خطط ترويجية للسياحة لجذب العملة الصعبة، بما يلبي الاحتياجات المحلية.

وتوقع تقرير أعدته وكالة «رويترز» تسارع وتيرة تضخم أسعار الغذاء عالمياً خلال الأشهر المقبلة، واستمرار الضغوط حتى عام 2027، في ظل اضطرابات حركة الشحن المرتبطة بالحرب، وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة، ومخاوف تراجع الإنتاج الزراعي بفعل ظاهرة «إل نينيو» المناخية.

مخاوف في مصر من ارتفاعات جديدة في الأسعار مع تراجع الجنيه أمام الدولار (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه التقارير والتوقعات بعد أن أنعش قرار الحكومة المصرية تثبيت أسعار الوقود، الأسبوع الماضي، آمال المواطنين في تهدئة الأسواق، إذ قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها، الخميس الماضي، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي.

وتواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفّضة، عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة انطلقت في سبتمبر الماضي، وتستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.

في المقابل ترى الخبيرة المصرفية، سهر الدماطي، «أن تراجع الجنيه أمام الدولار ليس بالكبير، ولن تكون له تأثيرات كبيرة على الأسواق»، مشيرة إلى أن المشكلات الجيوسياسية في مناطق عديدة حول العالم تترك تأثيرها على كثير من الدول، بما فيها مصر، خصوصاً مع التوترات الحالية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وأوضحت الدماطي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة عدم اليقين بشأن تهدئة الصراعات في المنطقة، وانعكاس ذلك على أسعار النفط عالمياً، «تجعل هناك تأثيرات على العملة المحلية في مصر، ومن الصعب التنبؤ بمستقبل الجنيه أمام الدولار».

ومؤخراً عدّل صندوق النقد الدولي توقعاته لمتوسط سعر الدولار أمام الجنيه المصري بالزيادة خلال الأعوام المالية اللاحقة، ليبلغ 55.96 جنيه في 2027 - 2028، و57.02 جنيه في 2028 - 2029، و57.76 جنيه في 2029 - 2030، و58.51 جنيه في 2030 - 2031.


15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
TT

15 عاماً على مقتل القذافي... تركة سياسية ثقيلة ما زالت تبحث عن «وريث»

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)
الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية من رويترز)

تحل اليوم الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بينما لا يزال أنصار نظامه يبحثون عن شخصية تحمل إرثه السياسي، بعد اغتيال نجله سيف الإسلام في الزنتان في فبراير (شباط) الماضي، منهياً آمالاً عُلّقت عليه منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية التي تعثرت أواخر عام 2021.

في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وقع القذافي في قبضة مقاتلين معارضين بمدينة مصراتة، قبل أن يُقتل في ظروف رافقت نهاية نظام استمر أكثر من 4 عقود، وخلّف سقوطه فراغاً سياسياً وسط أنصار نظامه السابق، الذين رأوا في سيف الإسلام أبرز ممثلي هذا التيار.

صورة التُقطت لسيف الإسلام القذافي في 19 نوفمبر 2011 (رويترز)

وتعززت هذه الرهانات مع إعلان سيف الإسلام ترشحه للرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لكن اغتياله أعاد فتح سؤال الخلافة داخل التيار، من دون أن تتبلور في الأفق شخصية تحظى بإجماع أنصاره.

ويعيش أنصار النظام رحلة بحث عن وريث سياسي، وفق المحلل السياسي حسام فنيش في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، خصوصاً مع تداول أسماء أبنائه عائشة والساعدي ومحمد، بينما تبدو حظوظ هانيبال الأقل، بعد مقتل شقيقيهما خميس وسيف العرب خلال انتفاضة 2011».

برز التطور الأهم في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع ظهور اسم عائشة القذافي، في حملات لأنصار النظام السابق على منصات التواصل، سعياً إلى تقديمها كوجه محتمل للمرحلة المقبلة. واستند مروّجون لهذا الطرح إلى استطلاع إلكتروني مفتوح، أظهرت نتائجه المتداولة تقدمها بفارق تجاوز 30 ألف صوت عن أقرب منافسيها، من دون معلومات موثقة عن حجم العينة أو تمثيلها للرأي العام.

محمد القذافي نجل الزعيم الليبي الراحل (صفحته الشخصية على «فيسبوك»)

وأيّد عقيلة دلهوم، رئيس فريق الإعلام وحقوق الإنسان باللجنة الوطنية للحقيقة في قضية مقتل سيف الإسلام، طرح اسمها، معتبراً أن الاستطلاع يعكس رمزية عائلة القذافي لدى شريحة من الليبيين، واستياءً من الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية.

وتقيم عائشة في سلطنة عُمان رفقة شقيقها محمد، بعيدة عن النشاط السياسي العلني بعد أن اتجهت إلى الفن التشكيلي، وعرضت أعمالاً تستحضر والدها وشقيقها المعتصم في متحف الدولة للفن الشرقي بموسكو عام 2024، قبل إقامة معرض في مسقط خلال العام الحالي.

لكن اثنين من أبرز رموز النظام السابق تحفّظا عن التعليق على دعوات ترشحها، وقال أحدهما لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن الانتخابات الرئاسية لا يزال مبكراً، متسائلاً: «أين انتخابات الرئاسة حتى الآن في ظل تعثر العملية السياسية في ليبيا؟».

واستبعد اللواء ميلاد حسين الفقهي، المتحدث السابق ومدير التوجيه العام السابق في الجيش الليبي، اعتبار الحملات قراراً جماعياً داخل التيار. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدعوات لا تزال مجرد تحركات فردية لبعض الأنصار، ولم تستقر على خيار يحظى بإجماعهم، مضيفاً أن عائشة «مواطنة ليبية لها حق الترشح مثل غيرها، وتحديد ممثل أنصار النظام السابق يبدأ بقرار العائلة، ثم التشاور داخل أوساط التيار، قبل أن يكون الفصل للناخبين».

عائشة القذافي أمام إحدى لوحاتها بمعرضها الفني السابق بسلطنة عمان (حسابات موالية لأسرة القذافي)

ولم يقتصر تداول الأسماء على عائشة؛ إذ ظهرت دعوات عبر صفحات لأنصار النظام السابق لتقديم الساعدي القذافي، المقيم في تركيا، خياراً محتملاً، غير أن الساعدي أعلن في منشور، عبر منصة «إكس» في يونيو (حزيران) الماضي، عدم رغبته في ممارسة العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات، أو دعم أي طرف، وقال إنه يكتفي بحياة عادية يتابع فيها طلب العلم، متمنياً التوفيق لمن يختاره الليبيون لقيادة البلاد.

وأُفرج عن الساعدي من سجون طرابلس عام 2021، بعد احتجازه منذ تسليمه من النيجر في مارس (آذار) 2014، على خلفية اتهامات تتعلق بقمع الانتفاضة.

أما محمد القذافي، الابن الأكبر لمعمر القذافي من زوجته الأولى، فتحية نوري خالد، فقد عاد إلى الظهور عبر منصات التواصل بعد مقتل شقيقه، مطالباً بكشف نتائج التحقيقات في الجريمة. وتحدث، الشهر الماضي، عن معلومات بشأن خلية تخريبية، ضُبطت في طرابلس واحتمال ارتباطها بالاغتيال، داعياً المنظمات الدولية المختصة إلى التحقيق، وكشف الملابسات.

وروجت صفحات محسوبة على النظام السابق لمحمد بوصفه شخصية محتملة للمرحلة المقبلة، ووصفته صفحة «القذافي يتكلم» بأنه رجل مرحلة يبحث فيها الليبيون عن دولة قوية ومستقلة، بينما أعلن المدون أحمد فراج تأييده له مستقبلاً.

لكن الناشطة رانيا القذافي وصفت الحديث عن تقدمه إلى الواجهة السياسية بأنه مجرد شائعات، مؤكدة أنه لا يرغب في خوض الانتخابات أو تولي منصب، وأن اهتمامه ينحصر في تمني عودة الأمن والاستقرار، ولمّ الشمل.

وكان محمد، المولود عام 1970، قد تولى رئاسة اللجنة الأولمبية الليبية، كما ترأس مجلس إدارة الشركة العامة للبريد والاتصالات السلكية واللاسلكية.

الساعدي القذافي (صفحة شقيقه محمد عبر «فيسبوك»)

بعيداً عن ليبيا، وفي لبنان تحديداً، لا يزال هانيبال القذافي يمثل أحد فصول تركة العائلة تعقيداً، ويبدو حتى الآن خارج الحسابات، وفق فنيش، بعدما أمضى نحو 10 سنوات محتجزاً على خلفية قضية اختفاء رجل الدين والسياسي اللبناني، موسى الصدر ورفيقيه عام 1978، قبل الإفراج عنه.

هانيبال القذافي (رويترز)

وبين هذه الترشيحات، يرى بعض أنصار النظام السابق أن القذافي لم يترك تركة سياسية بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من القيم والمبادئ الوطنية والقومية. ويعبّر الكاتب والباحث الليبي الموالي للنظام السابق، مصطفى الفيتوري عن هذه الرؤية بقوله لـ«الشرق الأوسط» إن «كل من يؤمن بتلك المبادئ يستطيع أن يكون وريثاً له، بما يتجاوز عائلته وأبناءه».