هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
TT

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

في أحد أقسام سجن «عوفر» الإسرائيلي قرب رام الله وسط الضفة الغربية، لم يتوان أحد الوجوه القيادية في «حماس»، عن مهاجمة قيادة الحركة وخاصةً يحيى السنوار، بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تسبب فيه من نتائج كارثية على الفلسطينيين عموماً، والأسرى خصوصاً، الذين تعرضوا لتعذيب شديد وسحب كل الامتيازات التي كانت متاحة لهم.

الشخصية القيادية الحاصلة على دكتوراه ومختص بالعلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، والشأن الإسرائيلي، وغالبيتها شهادات حصل عليها خلال رحلة أسره السابقة التي امتدت لسنوات طويلة بعد أن اعتقل عام 2002 وحُكم عليه بالمؤبد 4 مرات، هو من سكان طمون شمال الضفة. وكان أبعد إلى قطاع غزة خلال صفقة جلعاد شاليط عام 2011، قبل أن يُعتقل من مجمع الشفاء الطبي في شهر مارس (آذار) 2024. وكان الرجل على علاقة جيدة مع السنوار خاصةً بعد تحريرهم من السجون الإسرائيلية، إلى جانب قيادات أخرى من «حماس» بينها علي العامودي الأسير المحرر الذي يقود حالياً «حماس» في غزة.

لم تكتفِ تلك الشخصية بالانتقاد الحاد لسياسة السنوار، بل وجه شتائم للعديد من قيادات «حماس» ولقطاع غزة، حسبما نقل عنه أسرى آخرون في حديث لـ«الشرق الأوسط»، حيث كانوا برفقته في السجن، قبل أن يفرج عنهم وعنه لاحقاً في صفقات التبادل.

وقامت شخصيات من «حماس» بمراجعة الأسير المحرر بما صدر عنه، فقال إنه قام بذلك تحت ضغط التحقيق الإسرائيلي، ليتم لاحقاً استبعاده من مهام كانت موكلة إليه بسبب سلوكه داخل السجن.

أسرى فلسطينيون يلوّحون بأيديهم بعد الإفراج عنهم من سجن «عوفر» الإسرائيلي 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

لا مكان للرأي الآخر

اللافت أن هذا الشخص كان أحد أعضاء لجنة «دعم القرار السياسي» التي شكلها السنوار، كما كان مرشحاً عن الحركة في الانتخابات الفلسطينية العامة التي كانت ستُجرى في مايو (أيار) 2021، قبل أن يلغيها الرئيس محمود عباس. كذلك كان مسؤولاً عن مركز دراسات خاص بالشأن العبري يتبع للحركة، وكانت «حماس» تستخدمه لفترات طويلة كوجه إعلامي مهم ينقل رسائلها بشكل أو بآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لسياساتها.

وفي «حماس» ثمة رأي غالب بأن تلك «حالة فردية»، ولا تمثل إجماعاً داخل الحركة وفي أطرها المختلفة، وهو ما فتح سؤالاً جديداً، حول ما إذا كانت الحركة تقبل أي مراجعات أو أنها تشعر بالندم لهجومها الذي فتح حرباً إسرائيلية خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل.

تقول مصادر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المراجعات الطفيفة لما جرى قد حدث بالفعل بين الأطر القيادية، لكن لم يستطع أي قيادي تحمل مسؤولية اتخاذ موقف واضح يعارض ما جرى، لأسباب عدة منها الخشية من كيل الاتهامات له، فيما انتقد البعض فقط عدم إشراك القيادات السياسية بالهجوم.

بينت المصادر أن قيادة «حماس» السياسية لم يكن لديها علم بتفاصيل هجوم السابع من أكتوبر، وكانت أيدت فقط فكرة تنفيذ هجوم استباقي ضد إسرائيل التي كانت تخطط بدورها لعملية استباقية ضد القيادات آنذاك، كما فعلت مع «الجهاد الإسلامي». لكن قيادة الحركة لم تكن على اطلاع بالتفاصيل وعلى حجم الهجوم وتوقيته، مستدلةً بذلك على الزيارة التي كان سيقوم بها وفد كبير برئاسة إسماعيل هنية إلى العراق في ذلك اليوم، قبل أن يتم تأجيل الزيارة بسبب الهجوم.

ولم يُبدِ أي قيادي في «حماس» خلال لقاءات صحافية، أي معارضة أو تعبير عن ندم الحركة إزاء ذلك الهجوم، بل كان هناك دعم إعلامي شامل له واعتبار أنه أعاد القضية الفلسطينية للواجهة مجدداً، ومنع تعمق إسرائيل في اتفاقيات التطبيع مع دول عربية وإسلامية، وأجهض مخططاتها بهذا الشأن.

لافتة تُصوّر زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار خلال مظاهرة احتجاجية ضد إسرائيل في صنعاء (إ.ب.أ)

رواية واحدة لـ«الطوفان»

أصدرت «حماس» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2025، كتاباً أطلقت عليه «رواية طوفان الأقصى... عامان من الصمود وإرادة التحرير»، باللغتين العربية والإنجليزية، سردت فيه أسباب هجوم السابع من أكتوبر، وما تخلله من أحداث، وما تبعه من نتائج وحرب إسرائيلية استمرت عامين، معتبرةً أن ما جرى في ذلك اليوم «لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل لحظة ميلاد مجيد، وانبعاث وعي حر لا خداع فيه ولا تزييف»، مؤكدةً تمسكها بـ«المقاومة»، مضيفةً: «بعد عامين من الإبادة والصمود، تتجلى روايتنا واضحة جلية: شعبٌ لا يُمحى، ومقاومةٌ باقية ولا تُهزم، وذاكرةٌ لا تُنسى».

وأضافت في مقدمة روايتها التي تضمنت 8 فصول أبرزها دوافع وسياقات الهجوم: «إن الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى أرضِهم، ليست حُلماً، بل هدف تقره كل المواثيق الدولية والإنسانية، واستحقاقٌ تاريخي وسياسي يفرضه شعب صمد تحت الإبادة ولم ينكسر».

وباستمرار تواظب منصات «حماس» الإعلامية على نشر مقتطفات من تلك الرواية التي لاقت عند نشرها انتقادات كثيرة من معارضي ومنتقدي الحركة، سواء من الكتّاب والمثقفين أو بعض النشطاء المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

شعور بالخذلان

ما يمكن تأكيده على الأقل في المرحلة الراهنة، أن قادة «حماس»، وإن كانوا يشعرون بقسوة ما جرى للغزيين، فإنهم لا يستطيعون سوى الظهور مؤيدين لما جرى، باعتبار أنها حركة تمتلك فكرة «المقاومة المسلحة» منذ تأسيسها، كما أنها تشعر بـ«الخذلان» من أطراف ما يسمى «محور المقاومة»، خاصةً في ظل الحديث المتكرر إعلامياً عن «وحدة الساحات». وذلك الشعور ينسحب أيضاً على بعض الفلسطينيين من أهالي الضفة الغربية والقدس وسكان الخط الأخضر، الذين شاركوا بما عرف بمعركة «سيف القدس» عام 2021، التي يبدو أن نتائجها على سكان تلك المناطق كان له وقع خاص منع تحركهم ميدانياً ضد إسرائيل.


مقالات ذات صلة

السنوار توقَّع رداً إسرائيلياً «نووياً» على «7 أكتوبر»

المشرق العربي صورة مجمعة لرسالة منسوبة إلى قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

السنوار توقَّع رداً إسرائيلياً «نووياً» على «7 أكتوبر»

كشفت جهات استخبارية بتل أبيب مضامين رسالة ادّعت أنها كتبت بخط يد قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار، توقع فيها رداً إسرائيلياً نووياً على غزة بعد 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

خاص لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر 2023.

نذير رضا (بيروت)
خاص لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ) p-circle 03:39

خاص هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

مثّل هجوم السابع من أكتوبر نقطة تحول فارقة في مشهد الأمن الإقليمي فلم تقتصر تداعياته على الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بل امتدت لتطال جوهر معادلات الردع الإيراني.

عادل السالمي (لندن)
خاص عناصر من سلاح الجو الأردني يسقطون رزم المساعدات من طائرة نقل فوق غزة (رويترز)

خاص بين الإغاثة والدبلوماسية... الأردن يطوي عامين من القفز فوق الجمر

منذ بداية الحرب، سعى الأردن لتقديم جهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والضرورية للمدنيين في غزة، وصعَّد لهجته الدبلوماسية، محذراً من المساس بالوضع في الضفة والقدس.

محمد الرواشدة (عمَّان)

إنقاذ 22 شخصاً إثر غرق قارب مهاجرين قبالة السواحل اللبنانية

سفينة تابعة للبحرية اللبنانية ترافق عائلات مهاجرين مفقودين خلال جولة قرب موقع البحث عن حطام قارب غارق قبالة طرابلس عام 2022 (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية اللبنانية ترافق عائلات مهاجرين مفقودين خلال جولة قرب موقع البحث عن حطام قارب غارق قبالة طرابلس عام 2022 (رويترز)
TT

إنقاذ 22 شخصاً إثر غرق قارب مهاجرين قبالة السواحل اللبنانية

سفينة تابعة للبحرية اللبنانية ترافق عائلات مهاجرين مفقودين خلال جولة قرب موقع البحث عن حطام قارب غارق قبالة طرابلس عام 2022 (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية اللبنانية ترافق عائلات مهاجرين مفقودين خلال جولة قرب موقع البحث عن حطام قارب غارق قبالة طرابلس عام 2022 (رويترز)

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الثلاثاء، إنقاذ أكثر من عشرين شخصاً قبالة سواحل شمال البلاد بعد تعطّل مركبهم خلال محاولة تهريب بطريقة غير نظامية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأورد الجيش، في بيان، أن بحريته أنقذت بمشاركة الدفاع المدني والصليب الأحمر «22 شخصاً أثناء محاولة تهريبهم بطريقة غير شرعية على متن مركب بعد تَعَطُّله قبالة شاطئ مدينة طرابلس»، عاصمة شمال لبنان.

وأشار إلى مواصلة العمل «لإنقاذ سائر الركاب» دون أن يحدّد عددهم.

وكانت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية أفادت بأن أكثر من عشرين من ركاب القارب هم سوريون والآخرون لبنانيون.

ويبحث المهاجرون وطالبو اللجوء الذين يغادرون لبنان بالقوارب، عن حياة أفضل في أوروبا، وغالباً ما يتوجّهون إلى جزيرة قبرص الواقعة في شرق البحر المتوسط على مسافة أقل من 200 كيلومتر من السواحل اللبنانية.

وأدى النزاع الذي اندلع في سوريا عام 2011 بعد قمع الحكومة لاحتجاجات سلمية مناهضة لحكم بشار الأسد، إلى مقتل أكثر من نصف مليون شخص وتشريد نحو نصف عدد السكان.

ورغم عودة الاستقرار نسبياً بعد إطاحة الأسد أواخر عام 2024، ما زال نحو 1.12 مليون سوري لاجئين في لبنان، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

وتقدّر المفوضية أن نحو 400 ألف سوري عادوا من لبنان في عام 2025.

وفي لبنان، دفع الانهيار الاقتصادي أواخر عام 2019 وتدهور الأحوال المعيشية، كثيراً من اللبنانيين إلى اختيار طريق الهجرة غير النظامية.

وأعلن الجيش اللبناني خلال السنوات الماضية إحباط محاولات عدّة لتهريب مهاجرين عبر البحر.


إسرائيل تغلق قنصلية بريطانيا في القدس رداً على معاقبة المستوطنات

عناصر من القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً في أحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً في أحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ب)
TT

إسرائيل تغلق قنصلية بريطانيا في القدس رداً على معاقبة المستوطنات

عناصر من القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً في أحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً في أحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ب)

في حين كانت إسرائيل تنتظر قرارات بريطانية فرنسية ضد المستوطنات، جُوبهت بتحالف يضم 12 دولة أكدت عزمها على فرض قيود على «تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي».

وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الثلاثاء، أن إسرائيل ستغلق القنصلية البريطانية في القدس؛ رداً على العقوبات التي فرضتها المملكة المتحدة على المستوطنات في الضفة الغربية.

وجاء إعلان ساعر الخطوة في جزء من سلسلة إجراءات مضادة ضد المملكة المتحدة، بسبب قرارها حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية.

وفي بيان له، قال ساعر إن إسرائيل ستقوم أيضاً بطرد ممثلي المملكة المتحدة من مركز عسكري مشترك معنيّ بمراقبة وقف إطلاق النار في غزة، وستُنهي برامج التدريب البريطانية لقوات الأمن، التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

بالإضافة إلى ذلك، ستمنع إسرائيل دخول 12 مسؤولاً بريطانياً منتخَباً، إلى جانب مواطنين بريطانيين آخرين قال عنهم ساعر إنهم «متورطون في أنشطة مُعادية للسامية ومعادية لإسرائيل».

وأعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، أمام مجلس العموم، الثلاثاء، أن بلاده ستفرض «حظراً على استيراد المنتجات الآتية من المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة»، موضحاً أن الخطوة تأتي في إطار تحرك منسّق مع دول أخرى.

وواكب ميليباند إعلانه الحظر مع اتهامه الحكومة الإسرائيلية بـ«غض الطرف» عن «تطهير عِرقي» يُنفذه مستوطنون في الضفة الغربية. وقال إن «الحكومة البريطانية تقرّ بأن تطهيراً عِرقياً جارياً في الضفة الغربية، يُنفذه مستوطنون إرهابيون».

وأضاف: «غضّت الحكومة الإسرائيلية الطرف عن هذا الوضع في كثير من الأحيان، والأسوأ من ذلك أن بعض أعضائها أدلوا بتصريحات واتخذوا إجراءات تهدف إلى دعم التهجير القسري للفلسطينيين».

وشدد على أن «الموقف الرسمي للحكومة البريطانية هو أن الاحتلال غير شرعي»، مضيفاً: «لا أعتقد أن الشعب البريطاني يريد أن ندعم الاحتلال من خلال القبول في متاجرنا ومحالّنا الاستهلاكية بمنتجات مصدرها المستوطنات».

وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند معلناً حظر استيراد البضائع من المستوطنات غير الشرعية بالأراضي الفلسطينية المحتلة (أ.ف.ب)

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي: «إن الاتهامات التي وجّهها وزير الخارجية في البرلمان البريطاني مستهجَنة وكاذبة».

تحرك واسع يضم 12 دولة

ورغم أن تل أبيب كانت تعلم أن لندن تقود جهوداً لضم أكبر عدد من الدول إلى قرار فرض قيود وعقوبات على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة؛ لكن ما يشبه المفاجأة ظهر في ردود الأفعال الإسرائيلية.

وإلى جانب بريطانيا، أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن «باريس ستُنهي علاقاتها التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية»، قبل أن ينضم إلى المبادرة البريطانية، إلى جانب فرنسا، كل من كندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وآيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد.

وأصدرت الدول الـ12 بياناً مشتركاً قالت فيه إن الدول «تؤكد عزمها على فرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي».

وهاجمت الدول «إجراءات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية» قائلة إنها «تُقوّض إمكانية تحقيق حل الدولتين»، محذّرة من أن الوضع «يتدهور بسرعة في ظل مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسيع المستوطنات، بما في ذلك قرار طرح مناقصات لمشروع الاستيطان في منطقة (E1)».

ودعت الدول الحكومة الإسرائيلية إلى «وقف توسع المستوطنات وتوسيع الصلاحيات الإدارية في الضفة الغربية فوراً، وضمان محاسبة المسؤولين عن أعمال عنف المستوطنين، والتحقيق في الادعاءات الموجّهة ضد قوات الأمن الإسرائيلية».

وشدّد بيان الدول على أن هذا القرار جاء نتيجة «مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين، وتوسع المستوطنات».

جاءت قرارات الدول رغم تحذيرات مسبقة في إسرائيل التي كانت تتوقع أن تنضم فرنسا وكندا فقط إلى البريطانيين قبل أن تُفاجأ بحجم الجبهة الأوروبية إلى جانب كندا.

هجوم إسرائيلي حاد

وقبل الإعلان البريطاني ضد المستوطنات، حاول الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هيرتسوغ كبح المسألة، بقوله إن أي إجراء من هذا القبيل يُعد تدخلاً في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وقال هيرتسوغ: «هذا خطأ فادح، وانحياز للجانب الخطأ من التاريخ، ويمثل تدخلاً سافراً في الانتخابات الديمقراطية لدولة ذات سيادة، ولن يخدم هذا التدخل أحداً، بل سيضرّ الفلسطينيين ضرراً مباشراً، للأسف، إذ سيَحرمهم من فرص العمل والتجارة. وفي نهاية المطاف، سيقوّض مصالح وأمن الدول المُحبة للحرية».

وتابع: «العقوبات ليست حلاً، بل الحوار هو الحل. أقول لجميع الحكومات الأجنبية: توقفوا! ابتعدوا عن طريق العقوبات والمقاطعة المسدود، واتجهوا نحو الحوار البنّاء والتعاون».

جاءت تصريحات هيرتسوغ في حفل تكريم «للاحتفال بمرور 30 ​​عاماً على مشاركة إسرائيل في برنامج الاتحاد الأوروبي للبحث والابتكار، هورايزون أوروبا».

وكانت إسرائيل تعرف أن بريطانيا تعمل على إقناع دول أخرى بالانضمام إليها وفرض عقوبات على إسرائيل، بهدف إثارة رد فعل عنيف ومنع إسرائيل من الرد بقوة.

نتنياهو وهرتسوغ يحضران مراسم تأبين لشرطي إسرائيلي قُتل في معارك مع «حماس» (رويترز)

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية؛ بينها «يديعوت» و«كان»، قبل الإعلان، إنه من المتوقع انضمام فرنسا وكندا، وأن التقديرات تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي أقل حماساً لفرض عقوبات قبل الانتخابات، معتقداً أن هذه الخطوة ستصب في مصلحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

لكن بعد الإعلان الكبير من 12 دولة قالت «يديعوت» إن ذلك مثّل انهياراً دبلوماسياً.

وخرج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وقال إنه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرد على جرأة بريطانيا بإغلاق «القنصلية البريطانية في القدس التي تعمل لصالح السلطة الفلسطينية»، وفق وصفه.

وكان بن غفير قد اقترح كذلك اعتراف إسرائيل بسيادة الأرجنتين على جُزر فوكلاند المتنازَع عليها، وفرض عقوبات على بريطانيا العظمى ما دام احتلال الجزر قائماً.

واتهم بن غفير لندن بـ«سرقة» الجزر و«سرقة أموال الشعب الأرجنتيني».

وإلى جانب بن غفير، دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى طرد السفير البريطاني من إسرائيل، وقال: «لن نكون ممسحة لحكومة مُعادية للسامية»، مضيفاً: «لقد انتهى الانتداب البريطاني على إسرائيل».

ترحيب فلسطيني وعربي... ونأي أميركي

ورحّبت الرئاسة الفلسطينية، في بيان، بقرار فرض العقوبات على التجارة، ووصفتها بأنها خطوة «مهمة» لمواجهة منظومة الاستيطان ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين. وعدَّت الرئاسة الفلسطينية القرار «خطوة مهمة لمواجهة منظومة الاستيطان»، مؤكدة «ضرورة اتخاذ خطوات عملية وملموسة لمساءلة المسؤولين عن جرائم الاستيطان وعنف المستعمرين».

كذلك رحبت مصر بالقرار البريطاني، وأكدت «خارجيتها» أنها «خطوة مهمة تعكس الالتزام بأحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتسهم في التصدي للأنشطة الاستيطانية غير القانونية ومحاولات فرض واقع جديد على الأرض في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية».

وحدات سكنية تظهر خلال افتتاح مستوطنة جديدة بمجمع غوش عتصيون الاستيطاني بالقرب من مدينة بيت لحم الفلسطينية بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

وأوضح البيان أن مصر تؤكد «أن استمرار التوسع الاستيطاني يُقوّض وحدة الأراضي الفلسطينية وإمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، وتجدد تأكيد أن تحقيق السلام العادل والدائم يقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

من جهته، نأى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، عن التعليق المباشر أو إدانة قرار الدول الـ12، واكتفى بإدانة «التوترات» التي تشهدها الضفة.

وأكد روبيو أن واشنطن لن تنضم إلى دول غربية تقودها بريطانيا قرّرت فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية. وقال روبيو، للصحافيين، قبيل مغادرته بلاده في زيارة إلى أميركا اللاتينية: «بطبيعة الحال، لن نقوم بما قامت به المملكة المتحدة». وأضاف: «لكننا نتشارك هدف الاستقرار. لا نريد أن نرى حالياً أي شيء يزعزع الاستقرار أو يؤدي إلى زيادة التوترات حالياً في الضفة الغربية، في وقت تشهد المنطقة كثيراً من الأحداث».


«تجويع صامت»... أكثر من 90 % من الغزيين عاجزون عن شراء الغذاء

الدخان يتصاعد بعد استهداف منزل بغارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد استهداف منزل بغارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

«تجويع صامت»... أكثر من 90 % من الغزيين عاجزون عن شراء الغذاء

الدخان يتصاعد بعد استهداف منزل بغارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد استهداف منزل بغارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

على الرغم من أن إعلان وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في غزة كان يتضمن السماح بدخول السلع الغذائية والمساعدات بشكل متواصل، يعاني أهالي القطاع من واقع إنساني صعب على صعيد توفر المواد الغذائية، إلى جانب التدهور الصحي المستمر.

واتهم المكتب الإعلامي الحكومي التابع لحكومة «حماس» في غزة، في بيان صحافي، الثلاثاء، إسرائيل بممارسة ما أسمتها بـ«سياسة التجويع الصامت» بحق المدنيين بالقطاع من خلال تطبيق «هندسة التجويع» عبر منع إدخال المساعدات أو السماح بإدخالها جزئياً وبنسب ضئيلة جداً لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان المتفاقمة.

وأوضح أن أكثر من 95 في المائة من المواطنين في غزة باتوا يعتمدون بشكل كلي وحصري على المساعدات، في حين أن أكثر من 90 في المائة منهم فقدوا قدرتهم الشرائية تماماً ولا يستطيعون شراء الغذاء، مما يجعلهم «مرتهنين لما يدخل من إعانات لتلبية رمقهم والحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية.

وبيَّن أن إسرائيل تتعمد منع إدخال مئات الآلاف من الشاحنات في أسلوب تجويعي واضح وممنهج، حيث إن ما يسمح بإدخاله لا يتجاوز 35 في المائة فقط مما تم الاتفاق عليه، مبيناً أنه على مدار 330 يوماً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم تسمح سوى بمرور 69.387 شاحنة مساعدات وغذاء فقط، وذلك من أصل 198.000 شاحنة كان من المفترض دخولها إلى القطاع بموجب الاتفاق.

عامل فلسطيني يرمم متجراً متضرراً من الحرب في مدينة غزة 6 سبتمبر2026 (أ.ب)

وحمَّل المكتب إسرائيل وكل الدول والجهات الداعمة لها المسؤولية عن هذا «التجويع الممنهج»، مطالباً المؤسسات والمنظمات الدولية بضرورة إيضاح حقيقة هذه «الجريمة البشعة» للرأي العام العالمي وكشف أبعاد الكارثة.

ودعا المكتب الإعلامي الحكومي، المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والوسطاء، والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، إلى ضرورة ممارسة ضغط فوري وحقيقي على إسرائيل لإجبارها على العدول عن «سياسة التجويع»، والالتزام بما تم التوقيع عليه لضمان تدفق شاحنات الغذاء والمساعدات بشكل عام.

أسعار مرتفعة

وفي السياق، أكد مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة تجارة وصناعة غزة، خليل عطاالله، أن قطاع غزة لا يزال يعاني من أوضاع اقتصادية هشة جراء الاستمرار في فرض القيود على القطاع الخاص وحركة المعابر والأفراد، مبيناً أن المشهد الاقتصادي الحالي يمثل محاولة للبقاء على قيد الحياة وليس اقتصاداً طبيعياً، حيث بات العديد من القطاعات مدمراً بالكامل نتيجة منع إدخال مستلزمات الإنتاج والتشغيل اللازمة للعمل.

وأشار عطاالله في تصريحات للإذاعة الرسمية الفلسطينية، الثلاثاء، إلى أن مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية شهد ارتفاعات غير مسبوقة تجاوزت 200 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مترافقاً مع وصول معدلات البطالة إلى نحو 80 في المائة. مضيفاً: «إن تكاليف المعيشة المرتفعة وضآلة فرص الدخل انعكستا سلباً على قدرة المنشآت التجارية على الاستمرار وعلى الحركة العامة للسوق».

طفل فلسطيني يراقب تصاعد الدخان بعد استهداف منزل بغارة إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين وسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وحول أسباب الأزمة، أوضح عطاالله أن حصر عمليات الاستيراد في عدد محدود جداً من التجار يتراوح بين 10 و13 تاجراً بعد أن كان يضم زهاء 2000 مستورد قبل الحرب، خلق بيئة مشجعة للاحتكار ورفع الأسعار، لافتاً إلى أن 95 في المائة من المواد المسموح بدخولها تقتصر على السلع الاستهلاكية والغذائية، في حين تستمر القيود الصارمة على مدخلات الإنتاج والمواد الخام.

وبيَّن أن هناك محاولات من بعض منشآت القطاع الخاص للصمود واستعادة جزء من أنشطتها رغم شح الإمكانيات، إلا أنها تتصادم باستمرار بالقيود وتكلفة التشغيل العالية، مما أدى مؤخراً إلى تراجع بعض الأنشطة الاقتصادية وإغلاق عدد من المنشآت والمطاعم لعدم قدرتها على تحمل الأعباء المالية.

الواقع الصحي

صحياً، قالت وزارة الصحة بقطاع غزة، إن الحرب خلَّفت أعداداً كبيرة من الإصابات المعقدة، بينها نحو 5 آلاف حالة بتر، إضافة إلى 300 حالة إصابة عصبية ونخاعية، مشيرةً إلى أن هناك نحو 10 آلاف مصاب بحاجة إلى برامج تأهيل مكثفة وطويلة الأمد.

وبينت أن استهداف المؤسسات الصحية وخروج معظم مراكز التأهيل المتخصصة عن الخدمة، إلى جانب النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية، يهدد حياة المرضى والمصابين بمضاعفات خطرة، في وقت تعيق فيه القيود المفروضة على حركة السفر تلقي العلاج المتخصص خارج القطاع.

فلسطينيون جرحى وذووهم في وقفة احتجاجية أمام مستشفى الشفاء في مدينة غزة يطالبون بالسماح للمرضى والجرحى بالسفر للعلاج في يوليو 2026 (د.ب.أ)

ويأتي ذلك كله على وقع استمرار التصعيد الميداني بغزة، حيث قتل مسن نتيجة إطلاق نار من آليات إسرائيلية جنوب خان يونس، فيما أعلن وفاة أسير محرر متأثراً بجروحه إثر إصابته في غارة استهدفته يوم الجمعة الماضي في خان يونس.

وأصيب 4 مواطنين بجروح إثر تدمير طائرات حربية منزلاً طلبت من سكانه إخلاءه في منطقة بطن السمين جنوب خان يونس، بينما دُمر منزل آخر في مخيم البريج وسط قطاع غزة بعدما طلُب أيضاً إخلاؤه. فيما أصيب مواطن بقصف سطح منزل في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، دون سابق إنذار، كما تم قصف أرض زراعية بالقرب من مخيمات للنازحين في محيط شارع 10 بحي الشيخ عجلين جنوب غربي المدينة.

وتسبب قصف المنزلين في خان يونس والبريج بدمار كبير في منازل أخرى مجاورة. فيما نقلت القناة الـ12 العبرية عن مصادر عسكرية زعمها أن تلك الأهداف عبارة عن «مخازن أسلحة، وأماكن لوجود صواريخ».