كيف تخطط الصين للهيمنة على التجارة العالمية بعد مرحلة ترمب؟

بكين تسعى لعقد 20 اتفاقية تجارة حرة وسط الرسوم الجمركية الأميركية

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)
TT

كيف تخطط الصين للهيمنة على التجارة العالمية بعد مرحلة ترمب؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزير الأعمال والتجارة بيتر كايل خلال زيارة شنغهاي بالصين في يناير الماضي (رويترز)

ترى الصين فرصة سانحة لتحويل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من مسألة ضدها إلى فائدة لمصلحتها، وذلك عبر إعادة تشكيل التجارة العالمية بطرق تحمي اقتصادها؛ البالغ 19 تريليون دولار، من الضغوط الأميركية على المدى البعيد.

ووجدت «رويترز» أن بكين تستغل حالة عدم اليقين التي أحدثها ترمب، في محاولة لدمج قاعدة الصين الصناعية الضخمة في أكبر التكتلات الاقتصادية بالعالم، بما في ذلك «الاتحاد الأوروبي» ودول الخليج، و«اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ». تتضمن هذه الجهود تسريع وتيرة إبرام نحو 20 اتفاقية تجارية، استغرقت سنوات كثيرة من الإعداد، على الرغم من المخاوف الواسعة النطاق بشأن فائض الإنتاج الصيني، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الأسواق، وضعف الطلب المحلي.

ويكشف تحليل أجرته «رويترز» لمائة مقال باللغة الصينية، كتبها باحثون تجاريون مدعومون من الدولة منذ عام 2017، عن مسعى ممنهج من قبل مستشاري السياسة الصينيين إلى محاكاة السياسة التجارية الأميركية وتحييد استراتيجية الاحتواء التي تنتهجها واشنطن. وتطبق الصين الآن هذه الخطة.

وكانت الاتفاقية التي جرى التوصل إليها مع كندا خلال زيارة رئيس الوزراء، مارك كارني، بكين في يناير (كانون الثاني) الماضي، والتي تخفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، أولى الاتفاقيات الكثيرة التي تهدف إلى كسر النفوذ الأميركي، وفقاً لمقابلات مع 10 أشخاص، من بينهم مسؤولون صينيون ودبلوماسيون تجاريون.

* هدف يستحق الثمن

وقال مسؤول صيني معلقاً على أجندة ترمب التجارية: «لا تقاطع خصمك عندما يرتكب خطأً». ويُظهر التقرير، المُستند إلى أكثر من ألفي ورقة بحثية بشأن استراتيجيات التجارة، التي حظيت بموافقة «الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية» وجامعة بكين، وهما الجهتان الاستشاريتان لكبار القادة، أن خبراء السياسة العامة يُقرّون عموماً بأن التغيير الهيكلي المؤلم ثمنٌ يستحق الدفع مقابل هيمنة الصين طويلة الأمد على التجارة العالمية. وقال دبلوماسيان غربيان إن بكين، في حال نجاحها، يُمكنها قلب سياسة التجارة الأميركية، التي استمرت أكثر من عقد من الزمن، رأساً على عقب، وذلك بوضع نفسها في قلب نظامٍ متعدد الأطراف جديدٍ تُشكّله الصين.

وقالت أليسيا غارسيا هيريرو، الباحثة في «مركز بروجيل للأبحاث»: «أمام الصينيين فرصة ذهبية الآن».

وعند سؤاله عن نهج الصين، قال مسؤول أميركي لوكالة «رويترز» إنه ليس من المُستغرب أن تسعى الدول ذات الفوائض التجارية الكبيرة إلى الحفاظ على العولمة. وأضاف: «يعمل الرئيس ترمب على إصلاح المشكلات التي سببتها العولمة للولايات المتحدة، بينما تسعى دول أخرى إلى تعزيزها مع تراجع حرية الوصول إلى أسواقها».

* الركائز الأساسية

ويعكس هذا التحولُ في لهجة الصين حساباتِها. فقبل عام، كانت بكين تستحضر ماو تسي تونغ وقدرته على صد الغرب في الحرب الكورية بالدعاية العسكرية. والآن، بينما تستعد الصين لاستقبال ترمب في أبريل (نيسان) المقبل، يُجري دبلوماسيوها جولات حول العالم لحث الشركاء التجاريين على الانضمام إليها في الدفاع عن التعددية والتجارة الحرة. وفي يناير الماضي، أوفدت الصين كبير دبلوماسييها إلى ليسوتو، التي فرض عليها ترمب في البداية تعريفة جمركية بنسبة 50 في المائة، للتعهد بالتعاون التنموي. ويوم السبت، ذكرت وسائل الإعلام الرسمية أن الصين ستطبّق «صفر» تعريفات جمركية على الواردات من 53 دولة أفريقية. وفي الوقت نفسه، تروج الصين لأنظمة جمركية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لجيرانها، وتعمل على تطوير البنية التحتية الرقمية التي تدعم التجارة... وتؤكد هذه التحركات هدفاً محدداً في وثائق السياسة؛ هو ترسيخ مكانة الصين في التجارة العالمية لدرجة لا تسمح للشركاء بالانفصال تحت ضغط الولايات المتحدة.

وكتب ني فينغ، الباحث في «معهد الدراسات الأميركية» التابع لـ«الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية»، عام 2024: «في مواجهة المنافسة الاستراتيجية الأميركية مع الصين، ينبغي أن يصبح (منع الانفصال) محور تركيز الصين الرئيسي». ويعمل المسؤولون الصينيون حالياً على تسريع وتيرة المحادثات التجارية المتوقفة. ومنذ عام 2017، تتفاوض الصين مع دول كثيرة من بينها هندوراس وبنما وبيرو وكوريا الجنوبية وسويسرا.

وصرح المتحدث باسم وزارة التجارة، هي يونغ تشيان، لوكالة «رويترز»، خلال زيارة كارني، دون الخوض في التفاصيل: «نحن على استعداد للتفاوض بشأن اتفاقيات تجارية واستثمارية ثنائية وإقليمية مع الدول والمناطق المهتمة». وفاجأ وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، المفاوضين الأوروبيين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بطرحه احتمالية إبرام اتفاقية تجارة حرة مع «بروكسل» خلال محادثات مع نظيره الإستوني. وفي يناير الماضي، اتفق رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، مع الرئيس الصيني، شي جينبينغ، على إطلاق دراسة جدوى لـ«اتفاقية تجارة الخدمات» التي من شأنها تخفيف الحواجز أمام الشركات البريطانية. وصرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأنه سيسعى إلى إقامة «شراكات استراتيجية» مع الصين خلال رحلة الأسبوع المقبل.

* فائض ضخم

من جهة أخرى، جعل وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، الانضمام إلى «الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ» أولويةً قصوى. وتعود جذور هذه الاتفاقية إلى «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ» المدعومة من الولايات المتحدة، التي طُوّرت جزئياً لمواجهة الصين قبل انسحاب واشنطن منها عام 2017. لكن الفائض التجاري الصيني الضخم يُعقّد الأمور؛ إذ يخشى بعض الدول الأعضاء أن يستغلّ المصنّعون الصينيون تحسّن وصولهم إلى الأسواق لتهريب فائض السلع منخفضة التكلفة إلى الخارج، في حين لا يزال الطلب المحلي في الصين ضعيفاً.

وأقرّت ويندي كاتلر، كبيرة المفاوضين في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بشأن «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ»، بوجود فرصة سانحة أمام بكين لدعم التجارة والتعددية، لكنها قالت إن الصين بحاجة إلى تجاوز مجرد الكلام. وقالت كاتلر لوكالة «رويترز»: «مع اختلالاتها التجارية الهائلة، فضلاً عن بعض الإجراءات القسرية التي تتخذها الآن ضد دول مثل اليابان، يصعب تصوّر كيف ستُطبّق هذه الاتفاقية على أرض الواقع».

ورفض دبلوماسي تجاري أوروبي رفيع المستوى مبادرات بكين، ووصفها بأنها «دعاية صينية بحتة»، مؤكداً أن «بروكسل» لا تنوي إبرام أي اتفاقية تجارية. إلا إن المستشارين الصينيين لم يتراجعوا. وفي حديثه لوكالة «رويترز»، أشار أحدهم إلى أن «الاتحاد الأوروبي» والصين تفاوضا على اتفاقية استثمار تاريخية عام 2020 خلال الولاية الأولى لترمب. إلا إن الاتفاقية جُمّدت عام 2021 قبل دخولها حيز التنفيذ وسط خلاف بشأن عقوبات حقوق الإنسان.


مقالات ذات صلة

وزير الاقتصاد الياباني: التعاون مع السعودية ضرورة لضمان أمن الطاقة العالمي

الاقتصاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني ريوسي أكازاوا أثناء كلمته في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وزير الاقتصاد الياباني: التعاون مع السعودية ضرورة لضمان أمن الطاقة العالمي

أكد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لضمان أمن الطاقة العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في افتتاح منتدى الطاقة الدولي في الرياض (تركي العقيلي)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن الرياض تمثل عاصمة أمن الطاقة، مشيراً إلى أن هذه المكانة تعكس جهود المملكة والعاملين والعاملات في القطاع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري متسوقون في مركز تجاري بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لماذا يشعر الناس بأنهم أفقر بينما الاقتصاد ينمو؟

الأرقام تقول إن الاقتصادات تنمو، والإنتاج يرتفع، والتكنولوجيا تحقق قفزات غير مسبوقة، والثروات الخاصة تبلغ مستويات قياسية، ولكن...

أنطوان الحاج
شمال افريقيا العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا  عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

أعاد إنفاق المؤسسات الليبية الجدل بشأن أولويات توزيع المال العام، وسط انتقادات للبذخ الحكومي وشكاوى معيشية تتزامن مع إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم المالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة


افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)
TT

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة


افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم مهما كانت الظروف، واصفاً الرياض بأنها «عاصمة أمن الطاقة»، ومشدداً على أن ضمان الإمدادات يتطلب تعاوناً دولياً وتنسيقاً بين الدول المنتجة والمستهلكة.

وجاءت تصريحات الأمير عبد العزيز خلال افتتاح الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أمس، ضمن فعاليات أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يناقش تحديات الأسواق ومستقبل القطاع في ظل المتغيرات الجيوسياسية وتنامي الطلب العالمي. وتتواصل فعاليات أسبوع الطاقة، اليوم، مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين للطاقة، بمشاركة وزراء ومسؤولين وقادة شركات وخبراء ومستثمرين.


منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
TT

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)

أكد المتحدثون في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أهمية ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، وتعزيز الاستثمارات في مختلف منظوماتها، ورفع مرونة البنية التحتية وسلاسل الإمداد، بما يدعم استقرار الأسواق ويعزز القدرة على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية. وشددوا على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتطوير قدرات الإنتاج والتكرير والنقل والتخزين، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة وتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة.

وفي مؤشر على أهمية المنتدى بوصفه منصة للحوار الدولي في قطاع الطاقة، رحّب الأمين العام للمنتدى، إلى جانب الوزراء والوفود المشاركة، بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى عضويته، تأكيداً لدوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات، وفقاً لبيان وزارة الطاقة السعودية.

جاء ذلك خلال الاجتماع الذي استضافته الرياض تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد»، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض».

وافتتح وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أعمال الاجتماع، مؤكداً أن المملكة أثبتت قدرتها على ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، ومواصلة الاستثمار والاستعداد لمواجهة مختلف الظروف والتحديات. وأشار إلى أن الرياض باتت عاصمة لأمن الطاقة عالمياً، وأن المملكة ماضية في الوفاء بالتزاماتها وتعزيز موثوقية الإمدادات في مختلف الظروف.

وأوضح أن خط أنابيب شرق-غرب يجسد نهج المملكة في تعزيز مرونة منظومة الطاقة؛ إذ يوفر مساراً بديلاً لنقل الإمدادات إلى الأسواق العالمية عبر ينبع على البحر الأحمر.

وشدد الأمير عبد العزيز على أن أمن الطاقة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً وتنسيقاً دوليين فاعلين، مؤكداً أنه يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصادات واستدامة نموها وقدرتها التنافسية. واستشهد بالتقلبات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة في عام 2008، بوصفها دليلاً على أهمية الحوار والاستثمار والاستعداد المسبق لمواجهة تغيرات الأسواق وضمان تلبية الطلب.

وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية منتدى الطاقة الدولي بوصفه منصة تجمع الدول المنتجة والمستهلكة ودول العبور، بما يتيح مناقشة التحديات وفهم وجهات النظر المختلفة وتحديد مجالات التعاون العملي الداعمة لأمن الطاقة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

ولفت إلى أن تطوير البنية التحتية للطاقة يستغرق سنوات، وأن تعزيز مرونتها يتطلب الاستثمار والاستعداد قبل الحاجة إليها، محذراً من أن تكلفة عدم الاستعداد قد تكون أكبر بكثير على الاقتصاد العالمي من تكلفة الاستثمار المسبق. وأكد أن أمن الطاقة يستدعي الاستثمار في مختلف مكونات المنظومة، بما يشمل قدرات التكرير والنقل وخطوط الأنابيب والبنية التحتية، موضحاً أن نهج المملكة يشمل البترول والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية والطاقة الحرارية الأرضية.

مشاركة دولية ومناقشات حول أمن الطاقة

ترأس الأمير عبد العزيز بن سلمان الاجتماع بمشاركة جيلبرتو بيكيتو فراتين، وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، والسيناتور هاينيكن لوكبوبيري، وزير الدولة للموارد البترولية في نيجيريا، فيما حضر الجلسة الافتتاحية المهندس جاسم الشيراوي، الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي.

وشهد الاجتماع مشاركة وزراء طاقة من مختلف أنحاء العالم، وقادة في القطاع، ورؤساء منظمات دولية، لبحث أمن الطاقة واستقرار الأسواق والاستثمار، وتعزيز الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة في ظل المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية.

وعبّر الوزراء وممثلو قطاع الطاقة المشاركون عن تضامنهم مع المملكة العربية السعودية وشعبها، عقب الهجمات التي استهدفت البنية التحتية المدنية، مؤكدين أن انعقاد الاجتماع في الرياض يجسد مرونة المملكة ويعكس روح الوحدة والالتزام المشترك.

كما رحب الأمين العام للمنتدى والوزراء والوفود المشاركة بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى المنتدى، تأكيداً لأهمية دوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات.

وتضمن برنامج الاجتماع جلسات حوارية تناولت قضايا أمن الطاقة وأساسيات الأسواق ومرونة سلاسل الإمداد والتغيرات في العرض والطلب. وأدار الجلسة الأولى الدكتور دانيال يرغن، نائب رئيس مجلس إدارة «إس آند بي غلوبال»، فيما أدارت الجلسة الثانية الدكتورة أمريتا سين، مؤسسة شركة «إنرجي أسبكتس» ومديرة بحوث أسواق الطاقة فيها، وركزت على الاستثمار والتجارة في حلول الطاقة المستدامة، وسبل تعزيز إتاحة الطاقة النظيفة والموثوقة بتكلفة ميسورة.

وتناولت الجلسة الختامية دور الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة وأهمية شفافية البيانات في دعم استقرار أسواق الطاقة. ووفقاً لبيان وزارة الطاقة، أكدت الجلسة أهمية المسؤولية المشتركة عن أمن الطاقة، واستدامة الاستثمار في مختلف منظومات الطاقة، ودعم مسارات طاقة مستدامة وميسورة التكلفة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

أولويات الاستثمار ومرونة سلاسل الإمداد

أكدت المناقشات أهمية تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز مرونة البنية التحتية، إلى جانب الاستثمار في الإنتاج والتكرير والغاز الطبيعي المسال وشبكات الكهرباء والتخزين، والتوسع في التقنيات الجديدة وسلاسل إمداد المعادن الحرجة. كما تناولت دور التجارة والتقنيات في دعم مسارات الطاقة المختلفة، وفقاً للأولويات والظروف الوطنية لكل دولة.

وفي إطار تعزيز الشفافية وتطوير البيانات المتعلقة بأسواق الطاقة، شهد «أسبوع الطاقة في الرياض» انعقاد الاجتماع السابع لرؤساء المنظمات المشاركة في مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (JODI)، التي يتولى منتدى الطاقة الدولي تنسيق أعمالها.

وناقش الاجتماع خريطة طريق المبادرة للفترة من 2026 إلى 2030، الهادفة إلى تعزيز قدرات الدول على تقديم البيانات، وتوفير معلومات أكثر شمولاً وحداثة عن البترول والغاز، بما في ذلك بيانات المخزونات والمنتجات المكررة. كما رحب الوزراء المشاركون باستمرار التعاون ضمن برنامج العمل الثلاثي المشترك بين وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة الدولي ومنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك).

ويُعدّ منتدى الطاقة الدولي، الذي تتخذ أمانته العامة من الرياض مقراً لها، أكبر تجمع عالمي لوزراء الطاقة، ومنصة رئيسية للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة العالمي عبر حوار مفتوح وشامل يغطي مختلف مصادر الطاقة وتقنياتها ومنظوماتها.


يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
TT

يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»

أكد نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال» (S&P Global)، الدكتور دانيال يرغن، أن استقرار أسواق الطاقة يمثل مبدأً أساسياً في نهج السعودية، مشيراً إلى أن الرياض تتبنى رؤية طويلة الأجل للسوق، وتسعى إلى الحد من التقلبات الحادة في الأسعار، سواء صعوداً أو هبوطاً.

وقال يرغن، خبير الطاقة الحائز جائزة بوليتزر، في حديث لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في العاصمة السعودية، إن التحول في قطاع الطاقة لا يعني الاستغناء عن مصادر الطاقة التقليدية، بقدر ما يعني إضافة إمدادات جديدة إلى مزيج الطاقة العالمي، بما يتيح تلبية الطلب المتنامي. وأوضح أن الجزء الأكبر من نمو الطلب المتوقع سيأتي من الدول النامية، وقد يصل حجمه إلى ما يعادل إضافة نظام طاقة بحجم الصين إلى الطلب العالمي، الأمر الذي يستدعي استثمارات كبيرة وحلولاً متنوعة، في ظل عدم قدرة مصدر واحد للطاقة على تلبية احتياجات العالم بمفرده.

وفيما يتعلق بتطورات أسواق النفط على المدى القريب، أوضح يرغن الذي يرأس مؤتمر «سيراويك» أحد أبرز المؤتمرات الدولية المعنية بصناعة الطاقة، أن الضغوط الراهنة تتركز بصورة أكبر في سوق الديزل، نتيجة محدودية قدرات التكرير، وليس بسبب نقص فوري في إمدادات النفط الخام. وأضاف أن التوترات الجيوسياسية، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات في منطقة الخليج، أسهمت في زيادة حساسية أسواق الديزل للتطورات السياسية، في ظل أهمية هذا الوقود للاقتصادات والصناعات وقطاع النقل.

وعن أبرز الملفات المطروحة على الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، أشار يرغن إلى أن أمن الطاقة محور رئيسي للنقاش، بمفهوم يتجاوز ضمان تدفق الإمدادات ليشمل حماية البنية التحتية للطاقة، وضمان استمرارية تشغيلها، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، والاستفادة من التكنولوجيا في مواجهة التحديات المتزايدة.

وأضاف أن الاستثمار والتقنية والقدرة على تلبية الطلب العالمي هي من أبرز القضايا المطروحة، إلى جانب ضرورة تبني نقاش أكثر واقعية بشأن تحول الطاقة، يأخذ في الحسبان المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، بدلاً من الاكتفاء بأهداف وُضعت قبل 11 عاماً في ظل ظروف مختلفة.

وتعكس هذه القضايا، حسب محاور حديثه، التحدي الذي تواجهه أسواق الطاقة العالمية في المرحلة المقبلة: الموازنة بين أمن الإمدادات واستقرار الأسواق من جهة، ومواكبة التحول في منظومة الطاقة وتلبية الطلب المتزايد من جهة أخرى، بما يتطلب استثمارات مستدامة وتعاوناً دولياً وحلولاً تراعي اختلاف احتياجات الدول وظروفها الاقتصادية.