ليبيا في ذكرى «ثورة فبراير»... احتفالات لا تخفي «دماء الصراعات»

واشنطن تتعهد العمل مع الشركاء لدعم جهود تجاوز الانقسامات

في أجواء اختلطت فيها «مشاعر النصر» لدى البعض بحالة من الحزن عند آخرين على دماء سيف الإسلام القذافي (أ.ف.ب)
في أجواء اختلطت فيها «مشاعر النصر» لدى البعض بحالة من الحزن عند آخرين على دماء سيف الإسلام القذافي (أ.ف.ب)
TT

ليبيا في ذكرى «ثورة فبراير»... احتفالات لا تخفي «دماء الصراعات»

في أجواء اختلطت فيها «مشاعر النصر» لدى البعض بحالة من الحزن عند آخرين على دماء سيف الإسلام القذافي (أ.ف.ب)
في أجواء اختلطت فيها «مشاعر النصر» لدى البعض بحالة من الحزن عند آخرين على دماء سيف الإسلام القذافي (أ.ف.ب)

«بحسابات متباينة»، احتفل الليبيون بالذكرى الخامسة عشرة لـ«ثورة 17 فبراير (شباط)»، التي أسقطت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، في أجواء اختلطت فيها «مشاعر النصر» لدى البعض بحالة من الحزن والحسرة عند آخرين على دماء سيف الإسلام القذافي، التي سفكت قبل أسبوعين.

وحرصت مؤسسات ليبية وسفارات أجنبية وشخصيات عديدة على تهنئة الليبيين بهذه الذكرى، بينما استغلت «منظمة العفو الدولية» المناسبة، لتطالب بتقديم «مشتبه في تورطهم في جرائم قتل وتعذيب وإخفاء قسري، وغيرها من الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة».

«ميدان الشهداء» بوسط العاصمة الليبية طرابلس حيث تجرى الاحتفالات السنوية بذكرى الثورة (أ.ف.ب)

وكانت الحكومتان المتنازعتان على السلطة قد اتفقتا -دون تنسيق- على جعل الثلاثاء يوم عطلة رسمية في ليبيا. وفيما أعلنت «الوحدة» أن رئيسها عبد الحميد الدبيبة سيلقي مساءً كلمة متلفزة إلى الشعب بمناسبة «الثورة» وحلول شهر رمضان، قال عبر حسابه على «إكس» إن «فبراير لم تكن يوماً عابراً في ذاكرة الوطن، بل بذرة حرية سكنت وجدان الليبيين. واليوم نغرس بذوراً أخرى في تربة هذه الأرض الطيبة ليكبر معنى البناء، كما كبر معنى التغيير، وليتجدد الأمل كلما أشرقت شمس على غصن أخضر».

ولا تزال قطاعات ليبية منشغلة بالبحث عن قتلة سيف القذافي، من بينهم أبناء وشيوخ قبيلته، الذين بحثوا مع النائب العام، الصديق الصور، الاثنين، تطورات الجريمة، وشددوا على «ضرورة كشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وتحديد جميع الملابسات والأطراف المتورطة، بما يضمن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون».

صورة أرشيفية لاحتفالات الليبيين بذكرى 17 فبراير (أ.ف.ب)

وتسيطر حالة من الحزن على أنصار نظام القذافي، لا سيما أن هذه الذكرى الأليمة تأتي بعد أسبوعين من اغتيال سيف الإسلام في مدينة الزنتان، التي يرى البعض أن سفك دمه فيها «يعد فصلاً من فصول الصراع على السلطة»، في بلد يعاني من تشعب «دماء الصراعات»، التي لا تقتصر على «النزاع السلطوي» والحسابات المتباينة، بل تتمدد في الأنحاء بتمدد التشكيلات المسلحة، الباحثة عن مزيد من النفوذ والمال.

وهنأ مجلس النواب الليبي الشعب بذكرى «الثورة»، مبدياً اعتزازه بـ«تضحيات أبناء الوطن الذين قدموا أرواحهم في سبيل الحرية والعدالة، وبناء دولة القانون والمؤسسات». وجدد المجلس في بيانه، الثلاثاء، تأكيده على «مواصلة العمل من أجل تحقيق تطلعات الشعب في الاستقرار والتنمية»، داعياً الجميع إلى «التكاتف من أجل ترسيخ قيم المصالحة والوحدة الوطنية، والسير قدماً نحو مستقبل مزدهر».

مجلس النواب هنأ الشعب الليبي بذكرى «الثورة» مبدياً اعتزازه بـ«تضحيات أبناء الوطن» (النواب)

واستغل محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، هذه الذكرى للتأكيد على «حماية أهدافها»، وقال إن المسؤولية «تقتضي التمسك بالشرعية والدفاع عن مبدأ التوافق، ورفض كل الإجراءات الأحادية التي تهدد وحدة الدولة وتقوض المسار الديمقراطي». وغمز تكالة من قناة مجلس النواب، وأبرز في كلمة متلفزة أن «أخطر ما يواجه الدول بعد الثورات محاولات الالتفاف على إرادة الشعوب، وإفراغ المؤسسات من مضمونها، ومصادرة حق الأمة في اختيار قادتها»، لافتاً إلى أن «الشرعية لا تمنح بقرارات منفردة ولا تفرض بقوة الأمر الواقع، بل تستمد من الإرادة الحرة للشعب واحترام الاتفاقات السياسية، والالتزام بالقواعد الدستورية التي تنظم العلاقة بين مؤسسات الدولة».

استغل محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة هذه الذكرى للتأكيد على «حماية أهدافها» (المجلس)

وعشية الذكرى، كانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد هنأت الشعب الليبي، وأعربت عن تقديرها لتطلعاته الصامدة نحو مستقبل يسوده السلام والديمقراطية والازدهار، لكنها قالت إن «التطورات الأخيرة تسلط الضوء على أهمية الحوار الصادق، وتقديم التنازلات، والقيادة المسؤولة». ورأت أن «استمرار الوضع الراهن ينطوي على مخاطر جسيمة تهدد تماسك ليبيا واستقرارها»، وقالت إن الوقت «حان للقادة الليبيين كافة لمعالجة التحديات السياسية الجوهرية، التي تسببت في هذه الأزمات، والالتزام بمسار سياسي يضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار».

قطاعات ليبية واسعة بحثت مع النائب العام الصديق الصورتطورات جريمة مقتل سيف الإسلام القذافي (مكتب النائب العام)

كما نوهت البعثة بأنه «بعد مرور خمسة عشر عاماً، لا يزال عزم الليبيين منصباً على العيش بكرامة في ظل مؤسسات موحدة وخاضعة للمساءلة، وتمثل إرادة الشعب أمراً جلياً»، وشددت على أنه «في خضم الاستقطاب السياسي المستمر، والجمود المؤسسي، والصعوبات الاقتصادية، تأتي هذه الذكرى لتؤكد الحاجة الملحة لتجاوز الانقسامات وإعادة بناء رؤية وطنية مشتركة».

ودخل تيار «يا بلادي» على ذكرى الاحتفال بالثورة، مشدداً على أن «وحدة التراب الليبي وسلامة أراضينا وسيادتنا الوطنية هي من أسمى مبادئ ثورتنا، وهي الامتداد الطبيعي لما ناضل وجاهد من أجله الآباء المؤسسون الأوائل»، وقال: «لن نسمح بالمساس بها أو التفريط فيها تحت أي ذريعة، ولن نرضى أن تكون ليبيا ميداناً للصراعات الإقليمية والدولية، أو مطمعاً للمتربصين مهما تعددت الشعارات أو تبدلت الألوان».

وعبر التيار - الذي سبق أن أسسه رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، نوري أبو سهمين عام 2020 - عن «رفضه القاطع لما يُتداول من تسريبات حول لقاءات وترتيبات سياسية برعاية دولية، تهدف إلى فرض صيغ اندماج، أو شراكات قسرية بين سلطات الأمر الواقع»، ورأى أن ذلك «تجاوزٌ صارخ لإرادة الليبيين، وتغافلٌ مرفوض عن الجرائم الجسيمة، التي ارتُكبت بحق الوطن من قتل وتهجير قسري وانتهاك للحرمات وتعطيل متعمّد للإعلان الدستوري».

وحرصت جل السفارات الأجنبية في ليبيا -من بينهم الفرنسية والألمانية- على تهنئة الشعب بذكرى «الثورة». وأكد القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت أن بلاده «تظل ملتزمة بدعم تطلعات الشعب الليبي نحو مستقبل يسوده السلام والازدهار». وقال عبر حسابه على «إكس»: «سنواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء الليبيين والدوليين لدعم الجهود، التي يقودها الليبيون لتجاوز الانقسامات، وتوحيد المؤسسات الوطنية، وتعزيز الاستقرار».

من جهتها رأت منظمة العفو الدولية أنه بعد مرور 15 عاماً على «ثورة الليبيين ضد الحكم القمعي للقذافي، لا يزال الإفلات الممنهج من العقاب يغذّي الجرائم، التي يشملها القانون الدولي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الميليشيات والجماعات المسلحة». وقالت إنه «بدلاً من تقديم المشتبه في تورطهم في جرائم القتل والتعذيب إلى العدالة في محاكمات عادلة، قُتل بعضهم أو ما زالوا طلقاء».


مقالات ذات صلة

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

شمال افريقيا وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

فتحت «خلية طرابلس» باباً واسعاً للسجال وتبادل الاتهامات بين أطراف بالأزمة الليبية وسط تكتم رسمي على نتائج التحقيقات وتضارب الروايات بشأن الجهة التي تقف خلفها

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)

أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

ضربت أمطار وسيول غزيرة مناطق ليبية عديدة، ما أسفر عن وفاة 3 أشخاص من أسرة واحدة، وسط تحذيرات من استمرار التقلبات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)

بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

بحث بالقاسم حفتر، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» في ليبيا، مع وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، وضع «خطة عاجلة» لإنهاء أزمة الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

اتسعت مساحة التباين داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا بشأن الطريق إلى الانتخابات المؤجلة بعدما أبدى رئيس حكومة «الوحدة» دعماً لمسار «4+4».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد عبد السلام القريو خلال اجتماع مع مراقبي التربية والتعليم يوم الأحد الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

زيادة رواتب حرس المنشآت النفطية الليبية تغضب قطاعات مدنية

تصاعدت في ليبيا، الأربعاء، انتقادات معلمين وأطباء لقرار حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، زيادة مرتبات منتسبي جهاز حرس المنشآت النفطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
TT

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال الرئيسية في السودان، في مقابل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستمرار مناوشات محدودة على عدد من المحاور، وذلك بعد التقدم الذي حققه الجيش وتراجع «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان خلال الأيام الماضية.

ووفقاً لشهود ومصادر ميدانية، شهدت محاور العمليات تراجعاً نسبياً في حدة القتال البري، عقب الجولة الأخيرة من المعارك الواسعة في شمال كردفان، التي أحدثت تغييرات مهمة في خريطة السيطرة، وحقق الجيش خلالها تقدماً ملحوظاً، أحكم من خلاله سيطرته على عدد من البلدات، وعزز تأمين مدينة بارا ومحيطها وطريق الصادرات، كما فتح خط الإمداد الرابط بين أم درمان والنيل الأبيض وشمال كردفان وصولاً إلى مدينة الأُبيّض، في حين تراجعت «قوات الدعم السريع» باتجاه الشمال والشمال الغربي.

وذكرت المصادر أن اندفاعة الجيش غرب مدينة الأُبيّض توقفت بصورة مفاجئة بعد وصول قواته إلى بلدة أم صميمة، إثر تعرضها لضغط عسكري مضاد أجبرها على التراجع باتجاه مشارف الأُبيّض. ولم تُسجل منذ ذلك الحين محاولة كبيرة جديدة للتقدم على هذه الجبهة.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرقاً) يوم 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وفي تطورات ميدانية أخرى، أفاد نشطاء بأن الجيش تراجع من محيط مدينتَي سودري والمزروب، بعد أن كان قد وسّع خطوطه الدفاعية في عدد من البلدات المحيطة بهما، في حين عادت «قوات الدعم السريع» إلى بلدة المزروب الاستراتيجية التي كانت قد انسحبت منها خلال العملية العسكرية الواسعة للجيش.

وفي محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على مواقعه، وقالت مصادر موالية له إن قواته صدت هجمات لـ«الدعم السريع»، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية حالت دون تحقيقها تقدماً جديداً، في حين لا تزال «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها تسيطر على مدينتَي الكرمك وقيسان.

وشهد هذا المحور أيضاً خلال الأيام الأخيرة تراجعاً في حدة المواجهات البرية المباشرة، في حين استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية.

حرب المسيّرات

وأعلن الجيش، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» طويلة المدى من طراز «FH-95». وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة في بيان إن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرة، وذلك بعد أيام من تعرض مدينة الأُبيّض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية.

ويقول سكان في ولاية شمال كردفان إن «قوات الدعم السريع» كثفت هجماتها بالطائرات المسيّرة على مدن خاضعة لسيطرة الحكومة في الولاية، ما أدى إلى تعطيل جوانب من الحياة اليومية، وفاقم الشعور بانعدام الأمن لدى السكان.

وسجلت «رويترز» لقطات تظهر آثار هجمات كبيرة وقعت خلال الشهر الحالي على مدينتين تقعان على خط المواجهة. ووصف سكان تلك الهجمات بأنها جزء من موجة جديدة واضحة من الضربات، بعد أسابيع بدا خلالها أن «قوات الدعم السريع» قلّصت استخدام المسيّرات تحت وطأة ضغوط دولية.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في الحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؛ إذ يستخدم كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تقنيات حديثة باتت جزءاً أساسياً من حروب أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا.

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها طرفا الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر على تزايد التكلفة البشرية لهذا النوع من الهجمات مع اتساع نطاق استخدامها بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في مدينة أم روابة، الخاضعة لسيطرة الحكومة في شمال كردفان، وهي الولاية الواقعة في وسط السودان، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تعرف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معنيّ بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 أشخاص قُتلوا وأصيب عشرات آخرون في استهداف المحكمة التي تعرضت لدمار واسع، في حين تناثرت أعمدة الواجهة وأجزاء من أحد أبرز مباني المدينة في محيط المكان. وبعد ذلك بيوم واحد، استهدفت طائرة مسيّرة كلية التنمية والعلوم التكنولوجية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى تدمير سقفها وإلحاق أضرار واسعة بمبانيها.

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ، وهو يقف وسط الدمار في حين كان عمال يزيلون الأنقاض، إن حارس أمن قُتل في الهجوم، وإن ثماني قاعات للمحاضرات تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: «فقدنا غفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف ثماني قاعات، حصل فيها دمار كامل»، مشيراً إلى أن أجزاء أخرى من الكلية تعرضت بدورها لدمار واسع. وعبرت أمنية أبو القاسم، وهي طالبة كانت قد أدت امتحاناً في الكلية قبل يوم واحد من الهجوم، عن حزنها وهي تقف بجانب الأنقاض، وقالت: «تدمرت كل الكلية، نحس أن أحلامنا تدمرت ومستقبلنا تدمر!».

مبنى محكمة في مدينة أم روابة بشمال كردفان تعرض لقصف بمسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في 16 سبتمبر (رويترز)

وفي مستشفى بمدينة أم روابة، روى صلاح بخيت، الذي سُحقت ذراعه وأصيب جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، أنه لجأ إلى المدينة بحثاً عن الأمان بعدما فرّ من الأُبيّض، التي تعرضت على مدى أشهر في وقت سابق من العام لهجمات بالمسيّرات، في خضم محاولة «قوات الدعم السريع» تشديد الضغط عليها.

وهكذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المواجهات البرية المباشرة على عدد من الجبهات، باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دوراً متزايداً في الحرب، سواء في استهداف المواقع العسكرية أو في ضرب مدن ومنشآت مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، بما ينقل جانباً متزايداً من تكلفة الحرب إلى السكان والمنشآت الحيوية.


«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)
TT

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

فتح ضبط «الخلية التخريبية» في العاصمة الليبية طرابلس باب السجال وتبادل الاتهامات بين طرفي النزاع بشأن الجهة التي تُحرّكها وتدعمها، وسط تكتم من جهات التحقيق الرسمية.

وسبق أن أعلنت حكومة «الوحدة» في 6 سبتمبر (أيلول) الحالي تفكيك خلية تضم 5 عناصر من ليبيين وأجانب متورطين في هجمات بمُسيّرات على خزانات نفط ومحطة كهرباء بطرابلس والزاوية، من دون صدور إيضاحات إضافية حول نتائج التحقيقات منذ ذلك الوقت.

وعلى خلفية الانقسام، تعاني ليبيا من حالة تجاذب تنتشر خلالها «الشائعات» يغذيها صمت رسمي وتنافس سياسي بين شرق البلاد وغربها، الأمر الذي سهّل على البعض إقحام اسم صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بأنه «هو من يقف خلف الخلية»، وهو الأمر الذي وصفه عمر بوسعدة، المحلل السياسي، بـ«اتهامات عبثية لم تعد حيلة تنطلي على أحد».

الدبيبة مع قادة أمنيين وعسكريين ليبيين في طرابلس يناير الماضي (مكتب رئيس الحكومة)

وكانت وزارة الدفاع التابعة لـ«الوحدة» قالت إنها «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

وأمام تكتم النيابة العامة في ليبيا على مجريات التحقيق مع الخلية الموقوفة، انتقلت «اتهامات مرسلة» من السرية إلى العلن، مع تبني بعض الشخصيات روايات تناقلتها وسائل إعلام خارجية، ما فتح الباب أمام سجالات حادة.

وزعم الناشط الليبي أحمد الزروق أن «كتيبة طارق بن زياد»، التابعة لـ«الجيش الوطني»، هي «من تقف خلف (الخلية التخريبية) التي استهدفت المنشآت الحيوية في طرابلس، بهدف خلق الأزمات في العاصمة طرابلس».

وأفاض الزروق، وهو أحد أبناء عمومة سيف الإسلام القذافي، في حديث ضمّنه تسجيلاً مصوراً، وقال إن الخلية يقف خلفها صدام حفتر، وتضم إسبانياً و4 ليبيين، ونشر أسماءهم، والمهام المكلفين بها.

لقاء سابق مع الراحل سيف الإسلام القذافي في مقر إقامته بالزنتان مع أحمد الزروق (حساب الزروق)

وتبنت «قناة الليبية» التابعة لشركة «الغد» الإعلامية القريبة من الراحل سيف الإسلام القذافي، رواية الزروق، كما أنها نقلت عما سمّتهم بمصادر إفراج سلطات طرابلس عن الإسباني المتهم بالتورط في الخلية بضغط من صدام.

ونفى مصدر أمني مقرب من «الجيش الوطني» صحة هذه الاتهامات، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية في ليبيا تتجه نحو الاستقرار؛ وإنهاء الانقسام قريباً عبر إجراء الانتخابات».

ويعتقد المصدر الأمني، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث إلى وسائل الإعلام، أن «هناك أطرافاً في ليبيا مصلحتها مع الفُرقة والتشتت وليس الاستقرار»، متسائلاً: كيف تجتمع القيادات العسكرية والأمنية في بنغازي وطرابلس على ضرورة إنهاء الانقسام ويحدث هذا؟

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

وفي 19 سبتمبر الحالي، كشف رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عن مخاطبة المحكمة الجنائية الدولية رسمياً للحصول على دعم فني وتقني وقانوني يُعزّز التحقيقات الوطنية بشأن الخلية.

ويرى بوسعدة في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «البيانات المفبركة والاتهامات العبثية أصبحت بصمة عجز» صادرة مما سماها بـ«غرف صناعة الوهم»؛ التي قال إنها «كلما شعرت بالانحسار السياسي والإفلاس الميداني، لجأت إلى خلط الأوراق وفبركة السيناريوهات».

ويعتقد بوسعدة أن الحديث عن علاقة صدام بالخلية «ليس مجرد كلام عارٍ عن الصحة، بل هو محاولة بائسة للتغطية على واقع أن الفريق يتحرك اليوم من أرضية صلبة؛ ويمتلك أوراقاً تفاوضية حقيقية فرضت حضورها في أكبر عواصم القرار الدولية والإقليمية».

وانتهى بوسعدة إلى أن «هذه الادعاءات» الصادرة عما سمّاهم بـ«زمر المرتهنين للخارج وأصحاب المشاريع الهدامة ليست سوى ردة فعل من أي تقارب ليبي - ليبي حقيقي ينهي هيمنتهم، ويسقط المظلات الأمنية والسياسية التي يتكسبون منها على حساب الوطن».

وكان المنفي قال في بيانه إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

احتراق منشأة نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة يوم 12 أغسطس الماضي (أ.ب)

وحينها، تمسّكت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» بمسار التحقيقات التي تجريها النيابة العامة، نافيةً وجود أي مساعٍ للتفاوض بشأن القضية. وأكدت الوزارة «استمرار التحريات لكشف المتورطين والجهات المرتبطة بالخلية التخريبية».

وسارعت صفحات موالية لطرفي الأزمة على مواقع التواصل الاجتماعي في تبني أخبار متعارضة؛ جهة تزعم إطلاق سراح سلطات طرابلس «الخلية التخريبية»، وأخرى ترى أنها لا تزال قيد التوقيف، وهو ما يؤكده الناشط أنس الزيداني عبر حسابه على «فيسبوك».

وفتحت قضية الخلية باب السجال بين الأطراف الليبية، إذ وجهت صفحة تحمل اسم «خالد بن الوليد الليبي» اتهامات إلى الزروق، الذي يعيش في بريطانيا، ورأت أنه «كان سبباً في تسهيل عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي بعد زيارته في الزنتان».

وسبق وتصاعد الخلاف بين العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق» التي كانت تحمي سيف الإسلام في الزنتان، وبين الزروق، وذلك على خلفية ملابسات تتعلق بزيارة الزروق إلى مقر إقامة سيف الإسلام قبل مقتله.

ويعتقد كثيرون في الأوساط الليبية أن زيارة الزروق إلى مقر سيف بالزنتان، والتقاطه صورة معه ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كانت وراء التعرف على مكانه؛ مما ساعد قاتليه على الوصول إليه واغتياله.

وللعلم، فإن وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، وأكدت «التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها».


أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)
غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)
TT

أمطار وسيول تضرب مدناً ليبية وتودي بحياة 3 أشخاص

غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)
غرق سيارة تقل أسرة ليبية من 3 أفراد في وادي زقار جنوب سوكنة (صفحات ليبية مقربة من أسرة الضحايا)

أودت أمطار غزيرة تحوّلت إلى سيول جارفة في مناطق تمتد من جنوب ليبيا إلى وسطها، بحياة 3 أشخاص من أسرة واحدة، بينهم طفلة، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع، وتحذيرات من استمرار التقلبات الجوية.

واجتاحت السيول، خلال الساعات الماضية، المناطق الواقعة بين غيلان وبراك الشاطئ والجفرة، كما ارتفع منسوب المياه في عدد من الأودية والمسارات، ما أدّى إلى تعذر الحركة، وإغلاق طرق تربط بين مناطق جنوبية عدة.

ونشر المركز الوطني للأرصاد الجوية عبر حسابه الرسمي على منصة «فيسبوك» الخميس، مشاهد مصورة توثق اندفاع السيول في أرجاء بلدة درج، غرب ليبيا، محذراً من استمرار هطول الأمطار الرعدية على مناطق الشمال الغربي والجنوب بشدة تتراوح بين المتوسطة والغزيرة، ما يرفع احتمالية تدفق السيول وجريان الأودية في عدة مناطق.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن فرق الإنقاذ تمركزت في مناطق غيلان و«الـ25» وبوابة الفات (مفرق سوكنة) والجفرة؛ للتعامل مع تداعيات السيول وتقديم المساعدة للعالقين.

كما تحدّثت صفحات محلية عن وفاة المواطن عمر بركة وزوجته وابنته، إثر غرق سيارتهم في سيول وادي زقار جنوب سوكنة جنوب ليبيا، في حين نعت شخصيات اجتماعية وسياسية الضحايا، مشيرة إلى أن الأسرة تنحدر من منطقة غيلان.

وقالت الدكتورة رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«التجمع السياسي الوطني فزان»: «أنعى أهلي وإخوتي ضحايا السيول الجارفة في غيلان وبراك الشاطئ والجفرة؛ 3 أرواح من بيت واحد، من بينهم طفلة بريئة لم تكتمل ضحكتها بعد، جرفها السيل كما يجرف كل مرة أحلامنا البسيطة».

وانتهت رانيا الصيد قائلة في تصريح صحافي: «نحن في فزان، نفرح بالمطر ثم نبكيه، لأنه يكشف هشاشة حالنا، وانعدام قدراتنا في مواجهة التقصير».

وأعادت السيول المبكرة إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بضعف البنية التحتية وشبكات تصريف المياه في مناطق الجنوب، خصوصاً مع تكرار تأثر بعض الطرق والأودية بالتقلبات الجوية الموسمية، ودائماً ما تعمق السيول الجارفة مدن ليبية، لا سيما في الجنوب، أزمة المواطنين هناك.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتابع فيه الجهات المعنية تطورات الحالة الجوية، وسط دعوات إلى توخي الحذر وتجنب مجاري السيول والأودية، لا سيما مع التحذيرات من احتمال استمرار هطول الأمطار في بعض المناطق.