انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

اجتماع أمني يبحث انتشار قوى الأمن الداخلي والحواجز

عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
TT

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)
عناصر من «قسد» في الحسكة شمال شرقي سوريا الثلاثاء خلال الانسحاب من خطوط المواجهة ضمن اتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

بدأت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بسحب قواتها من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة تنفيذاً للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و«قسد»، بحسب مواقع إخبارية ومجموعة صور نشرتها وكالة «رويترز».

وكانت قوات «قسد» بدأت في وقت سابق من يوم الثلاثاء التجهيز لسحب قواتها من ريف الحسكة الجنوبي، وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام محلية انسحاب عناصر «قسد» من حاجز دوار البانوراما جنوب المدينة تمهيداً لتسليمه للأمن العام. وذلك بعد عقد اجتماع أمني بين قوات الأمن الداخلي «الأسايش» وقوات الأمن السوري لبحث كيفية انتشار قوى الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، بحسب وكالة «نورث برس».

مصادر أمنية سورية قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن تنفيذ الاتفاق جارٍ بشكل جيد وكذلك تنفيذ الدمج، ورشحت «قسد» أسماء للاندماج كألوية في وزارة الدفاع، وهناك عناصر من الأسايش سينضمون إلى الأمن العام في المناطق ذات الغالبية الكردية.

انسحاب مركبة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية من خطوط المواجهة في الحسكة بسوريا 10 فبراير تنفيذاً لاتفاق مع الحكومة السورية (رويترز)

وبدأت قوات «قسد» الثلاثاء، بسحب قواتها العسكرية وقطعها الثقيلة من خطوط التماس في مدينة الحسكة، خاصة المناطق الجنوبية ومنها محيط دوار البانوراما، ليكون ذلك جزءاً من وقف إطلاق النار الدائم والبدء في عملية الدمج التدريجي، وذلك تنفيذاً لاتفاق 30 يناير (كانون الثاني) 2026.

وقال الباحث المختص بالشؤون السورية، محمد سليمان، إن هذا الانسحاب يشمل سحب القوات العسكرية من داخل مدينة الحسكة إلى ثكنات متفق عليها خارجها، في الدرباسية وعامودا ومحيط القامشلي، بينما تتولى قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية الانتشار في مراكز المدن، الحسكة والقامشلي لتنفيذ الدمج الأمني.

ولفت الباحث في مركز الدراسات «جسور» إلى أن «قسد» ترى أن الانسحاب «يقتصر على قواتها العسكرية فقط، مع بقاء الأسايش لإدارة الأمن داخل المدينة، بينما تعدّ الحكومة الاتفاق أنه جدول لتطبيق انسحاب كامل لقسد من الأحياء. كما سينسحب الجيش السوري إلى مناطق في محيط الحسكة ومنها الشدادي، مع الحفاظ على حظر دخول القوات العسكرية إلى المدن، خاصة المناطق ذات الأغلبية الكردية».

مجندة في قوات الأمن الداخلي الكردية تسير في الرميلان الغنية بالنفط في اليوم الذي زار فيه وفد من الحكومة السورية المدينة لتفقد حقول النفط الاثنين (رويترز)

وقال الباحث سليمان إنه حالياً هناك «عملية جدولة لضم عناصر الأسايش ودمجهم بشكل تدريجي وهذا محدد في الاتفاق، حيث سيتم دمج الأسايش في هيكل وزارة الداخلية السورية مع الحفاظ على رواتبهم وتثبيتهم ليكونوا موظفين».

وأفادت تقارير إعلامية، الثلاثاء، بعقد اجتماع أمني بين قيادة قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وقوى الأمن الداخلي السوري، بحث تطبيق الاتفاق، ونقلت وكالة «نورث برس» عن مصدر أمني قوله إن المحور الرئيسي للاجتماع كان «الاتفاق على كيفية انتشار قوى الأمن الداخلي في مدينة الحسكة، وذلك قبيل انسحاب القوات العسكرية منها»، كذلك، الحواجز المشتركة عند مداخل مدينة الحسكة، بالإضافة إلى بحث آليات الانتشار في البلدات الواقعة جنوب الحسكة بعد انسحاب قوات الجيش السوري من تلك المناطق.

موظفون من شركة النفط السورية يتحدثون لوسائل الإعلام إلى جانب عناصر من قوات الأمن الداخلي الكردية خلال زيارة وفد حكومي سوري لمنطقة الرميلان الغنية بالنفط 9 فبراير (رويترز)

وتعدّ المرحلة الجاري تنفيذها الثانية ضمن خطة تنفيذ الاتفاق وتشمل تسلّم الدولة لآبار النفط ومطار القامشلي، على أن تليها مرحلة ثالثة تتضمن إشراف الدولة على المعابر الحدودية، وخاصة معبر نصيبين مع تركيا ومعبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق.

وبثت وكالة «رويترز» صوراً قالت إنها لانسحاب قوات «قسد» من جنوب الحسكة تنفيذاً لبنود الاتفاق مع الحكومة السورية. ويشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية للطرفين من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات «قسد» إضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني «عين العرب» ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، إلى جانب الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

معبر سيمالكا الحدودي شمال شرقي سوريا مع العراق (متداولة)

وفي وقت سابق، أوضح قائد قوات «قسد» مظلوم عبدي، أنه سيتم تشكيل فرقة من قـوات قسد تتألف من ثلاثة ألوية، تشمل لواء في الحسكة ولواء في القامشلي ولواء في المالكية «ديريك»، وأن مديري وموظفي الإدارة الذاتية سيبقون على رأس عملهم، مشيراً إلى أن موظفي معبر سيمالكا سيستمرون في أداء مهامهم، على أن يشرف وفد من دمشق على بعض الشؤون المتعلقة بالدولة مثل فحص جوازات السفر.


مقالات ذات صلة

إردوغان يؤكد عزمه زيارة سوريا قريباً ودعم تركيا لاستقرارها

شؤون إقليمية الرئيس التركي مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع في أول زيارة له إلى تركيا فبراير 2025 (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكد عزمه زيارة سوريا قريباً ودعم تركيا لاستقرارها

كشف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن عزمه زيارة سوريا خلال الفترة المقبلة، مشدداً على دعم تركيا لتعزيز استقرارها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عناصر أمن يتابعون عودة أكراد سوريين في مخيمات نزوح بالحسكة إلى مدينة رأس العين الحدودية الشمالية الشرقية (أ.ف.ب)

توترات الحسكة تختبر انتقال «الدمج» من التفاهمات إلى التنفيذ

انتشار كثيف من قوات «قسد» في شوارع مدينة الحسكة، وفق وسائل إعلام محلية؛ وذلك بعد التوترات التي فجرتها أزمة عودة نازحي رأس العين...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي تلويح لقوافل النازحين العائدين إلى رأس العين في الحسكة بموجب اتفاق يناير بين (قسد) والحكومة السورية (رويترز)

عودة أكثر من 400 عائلة إلى رأس العين بعد شغب يوم الاثنين

أعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب رفع حظر التجوال في مدينة عين العرب «كوباني» بعد انتهاء العمليات الأمنية، وعودة أكثر من 400 عائلة رأس العين بالحسكة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع قائد «قسد» مظلوم عبدي مع مقاتليه الذين يرتدون الزي العسكري لوزارة الدفاع السورية ضمن خطوات الاندماج فبراير الماضي (مواقع تواصل)

دفعة ثالثة من عناصر «قسد» تلتحق بدورة تدريبية تمهيداً للالتحاق بـ«الفرقة 60»

توجهت الدفعة الثالثة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى ريف دمشق للالتحاق بدورة عسكرية، تمهيداً لدمجهم في «الفرقة 60» التابعة للجيش العربي السوري.

سعاد جرَوس (موسكو)
المشرق العربي محمد الجاسم أبو عمشة مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة (أرشيفية)

ماذا كان وراء «استنفار الجيش السوري» الثلاثاء؟

تزامن التوتر مع عملية نقل قوات عسكرية «روتينية تدريبية» للوحدات المنتشرة على الحدود السورية، شرقاً مع العراق وغرباً مع لبنان وفُسّرت الأمور بأنها حالة استنفار

منصور حسين (دمشق)

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
TT

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)

قبل عدة أسابيع، بينما الوضع السياسي متأزم والموقف غامض حول واقع «خطة السلام» في غزة، عاد الفلسطيني فادي أبو قطة، إلى القطاع بعد قضاء نحو عام ونصف العام في مصر للعلاج إثر إصابته خلال الحرب.

عبّر أبو قطة لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادته بالاجتماع مع ذويه، والعودة لأرضه حتى وهي على حالها مدمرة، قائلاً إنه لم يستطع البقاء بعيداً أكثر، فعاد قبل الوصول لمتبرع يتكفل بتركيب طرفين صناعيين له بدلاً من يديه المبتورتين: «كنت أتمنى أقدر أن أحتضن طفلتي لما قابلتها».

الشاب الثلاثيني مثله مثل آلاف الفلسطينيين في مصر، ينتظرون شهوراً من وقت تسجيل أسمائهم للعودة حتى حلول موعد سفرهم، بترقب لا يخففه التعنت الإسرائيلي سواء معهم على المعبر، أو في إتمام خطة السلام التي وصلت إلى حالة من الجمود.

ووصلت الدفعة الـ75 من الفلسطينيين العائدين لقطاع غزة إلى معبر رفح البري صباح الأحد، تمهيداً لعودتهم إلى القطاع، وهي العملية التي تستغرق «ساعات»، حسب مصدر مصري مطلع على سير الإجراءات في معبر رفح، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائدين يصلون إلى المعبر فجراً بصحبة مندوب من السفارة الفلسطينية في القاهرة، وينتظرون ساعات حتى يتم التنسيق بين الجانبين المصري والإسرائيلي.

ولفت المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه كونه غير مصرح له التحدث للإعلام، إلى أن «البعض لا يتمكنون من العبور من أول مرة، وتتم إعادتهم من قبل الإسرائيليين لحين الفوج المقبل، الذي قد يستغرق عدة أيام، فتستضيفهم عائلات مصرية في سيناء حتى لا يضطروا للعودة للقاهرة وقطع هذه المسافة مجدداً»، مضيفاً أن «الجانب الإسرائيلي ما زال يتعنت مع مرور المساعدات والفلسطينيين على حد سواء، سواء العائد من مصر للقطاع، أو الخارج من القطاع لتلقي العلاج في مصر».

وبلغ عدد العائدين إلى قطاع غزة في الدفعة الأخيرة، 90 شخصاً، مقابل استقبال 38 مريضاً و36 مرافقاً لهم، وفق موقع «الشروق» المصري.

شاحنة مساعدات من الهلال الأحمر المصري قبل مرورها للقطاع (الهلال الأحمر المصري)

ما زال أبو قطة، يتذكر تفاصيل رحلته الطويلة في يوليو (تموز) الماضي، من القاهرة لشمال سيناء، وانتظاره وقتاً طويلاً أمام المعبر، وقضاء ساعات طويلة والقلق يسيطر عليه، خوفاً من ألا يسمح له بالعبور.

ويرى الخبير الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والأسير الفلسطيني المحرر، أسامة الأشقر، أن استمرار تدفق العائدين من مصر إلى قطاع غزة، رغم التعنت الإسرائيلي وأوضاع القطاع، أكبر دليل على أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم، ومُصرون على العودة بغض النظر عن خطورة الأوضاع، أو احتمالية اتساع العمليات الإسرائيلية والخروقات في ظل تأزم حكومة نتنياهو.

وتواصل إسرائيل خروقاتها يومياً في قطاع غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، فيما عُرف بـ«خطة السلام»، أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي قامت على 15 بنداً، إذ قُتل أكثر من 1200 فلسطيني وأصيب المئات.

ويضيف الأشقر أن أعداد الفلسطينيين المُسجلين بياناتهم للعودة، أكثر من 25 ألف فلسطيني؛ وفق مصادره في السفارة.

وغادر أكثر من 100 ألف فلسطيني قطاع غزة إلى مصر خلال الحرب، من الجرحى ومرافقيهم، وفق تقديرات فلسطينية.

وتابع الأشقر أن «التعنت الإسرائيلي الحالي في تنفيذ بنود اتفاق وقف النار مرتبط بالانتخابات الداخلية، مع تراجع شعبية نتنياهو وحكومته وفق ما توضحه معظم استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي».

وتتضمن المرحلة الثانية انسحاب إسرائيل من القطاع، وسحب سلاح حركة «حماس»، وإدارة القطاع من قبل مجلس سلام تم إعلان تشكيله في وقت سابق.

استقبال دفعة جديدة من الفلسطينيين للعلاج في مصر (الهلال الأحمر المصري)

ويضيف الخبير الفلسطيني أن «جهود الوسطاء حالياً سواء في مصر أو قطر أو الولايات المتحدة تعمل على كبح جماح نتنياهو، والحيلولة دون انفجار الأوضاع».

ودخل اتفاق غزة مرحلة جديدة نهاية يوليو (تموز) الماضي، بعد الوصول لتفاهمات بين الوسطاء وحركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بشأن ترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذي تعثر تنفيذه مع اندلاع «حرب إيران».

وأعلن ترمب الشهر الماضي إحراز تقدم فيما يتعلق بخطته لإنهاء حرب غزة التي وافقت عليها إسرائيل وحركة «حماس»، العام الماضي، وهي خطة تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح «حماس»، وتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لتأمين القطاع.


قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
TT

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، عاد (الأحد) نحو 1077 نازحاً من مخيمات منطقة الدانا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا إلى مناطقهم الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق. وفي الوقت نفسه، تنخرط الحكومة في دفع مسار عودة النازحين شمال شرقي البلاد إلى مناطقهم الأصلية، بموجب الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية»، بالتزامن مع احتفال أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء لأول مرة بعد عودتهم إلى قريتهم التي هُجِّروا منها قبل 14 عاماً.

قافلة العودة «217» إلى إدلب (الدفاع المدني السوري)

وضمت قافلة «إدلب 217»، للعودة الطوعية من مخيمات الشمال، 217 عائلة من 79 مخيماً في منطقة الدانا، وتوجهت إلى 30 موقعاً في ريف إدلب، وموقع واحد في ريف حماة، ومثله في ريف دمشق، وفق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية. وأشارت الوزارة إلى أن هذه القافلة تأتي ضمن الجهود المستمرة لدعم عودة الأهالي إلى مناطقهم وتعزيز الاستقرار في المجتمعات المحلية، في إطار رؤية «سوريا بلا مخيمات»، وتنفيذ المرسوم رقم «59» المتعلق بتأهيل المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية.

وانطلقت القافلة، الأحد، تحت رعاية محافظة إدلب، وبالتعاون بين مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، ومنظمة «مزن»، و«المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، و«الهلال الأحمر العربي السوري»، ومديرية الطوارئ والكوارث.

ومنذ أكثر من شهر، تستمر حركة قوافل العودة الطوعية من مخيمات الشمال، وفق تصريح مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، أحلام الرشيد، لوكالة «سانا» الرسمية، لافتةً إلى أن معظم القوافل تتجه إلى ريف إدلب الجنوبي.

احتفالات أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء (سانا)

من جهة أخرى، احتفل أهالي قرية الغسانية التابعة لمنطقة خان شيخون بعيد رقاد السيدة العذراء في 15 أغسطس (آب) الحالي، للمرة الأولى بعد عودتهم رسمياً من النزوح القسري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وكان أهالي القرية قد نزحوا منها بشكل جماعي مع اشتداد المعارك في منطقتهم بين عامي 2011 و2012، واتجهوا إلى محافظات اللاذقية وحلب ودمشق أو إلى خارج البلاد. ووفق مصادر إعلامية محلية، كان الاحتفال مميزاً، إذ جاء بعد أشهر من العودة والعمل على ترميم المنازل والأبنية المهدمة.

مخيم في إدلب عام 2023 (أرشيفية الأمم المتحدة)

ولا يزال التدمير وتضرر البنى التحتية للخدمات الأساسية، مثل شبكات المياه والكهرباء، دون عودة آلاف المهجرين إلى مناطقهم. ويقيم نحو مليون سوري في نحو 1150 مخيماً شمال سوريا، ضمن ظروف معيشية قاهرة، منها 801 مخيم في ريف إدلب، و349 في ريف حلب.

وأطلق الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مايو (أيار) الماضي خطة «سوريا بلا مخيمات» بوصفها استراتيجية شاملة تهدف إلى إنهاء كامل لملف النزوح الداخلي، وتفكيك كل مخيمات النازحين في البلاد، والوصول إلى حلول مستدامة بحلول عام 2027.

وتدعم الأمم المتحدة خطة «سوريا بلا مخيمات»، حسب تصريح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، برهم صالح، الذي تعهد خلال زيارته مخيمات الشمال في الحادي عشر من شهر أغسطس (آب) الحالي بالعمل وبالتعاون مع المنظمات الدولية الأخرى والدول المانحة على «استحصال الدعم المطلوب لتمكين سوريا من التعافي، والسوريين من تجاوز تحديات الماضي».

برهم صالح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الأمم المتحدة)

ووفق أرقام «الأمم المتحدة»، عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى مناطقهم بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، علماً بأن إجمالي المهجرين قسرياً داخل وخارج سوريا خلال سنوات الحرب تجاوز 13.5 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من 50 في المائة من إجمالي عدد السكان.

وحسب تقارير حقوقية ودراسات دولية، شهدت سوريا خلال فترة الصراع مشروعات تغيير ديموغرافي ممنهجة، ولم تكن حركة النزوح واللجوء عارضاً جانبياً للمعارك، بل وظّفتها أطراف عدة لإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية على أساس طائفي وقومي تنسجم مع واقع تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ تتبع لأطراف النزاع المحلية والإقليمية.

ولا تزال رغبة النازحين واللاجئين السوريين في العودة تواجه معوقات معقدة، وبالإضافة إلى الدمار تبرز قضايا نزاعات الملكية العقارية، في المناطق التي تم فيها الاستيلاء على الملكيات وفق قوانين استثنائية أو توطين نازحين من منطقة في منازل نظرائهم في منطقة أخرى.

وفيما تعمل الحكومة، بالتعاون مع منظمات وجهات دولية، على إزالة الركام وإعادة تأهيل البنى التحتية، تعمل هيئات حقوقية حالياً على إبطال مفاعيل قوانين استثنائية سابقة لتمكين العائدين من استعادة منازلهم وأراضيهم التي جرى الاستيلاء عليها أو إعادة تخصيصه. فهل تتمكن سوريا من اجتياز هذه العوائق المعقدة، وتطوي فعلياً صفحة ما خلفته مشروعات التغيير الديموغرافي.


لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لم يكن قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني يوم الأربعاء، مجرد خطوة تشريعية لإطلاق آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكّل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، وعدم تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى، خصوصاً بعد حالة الاعتراض التي أبدتها جهات سياسية ونيابية، وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».​

الاستثناءات... بين موقوفين ومحكومين

تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، لكونها ترسم حدّاً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، خصوصاً تجّار المخدرات وسارقي المال العام، وبين موقوفين ومحكومين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم، علماً بأن مراجع قانونية عليا لا تخفي «الالتباس الكبير بين جرائم شمل العفو العام مرتكبيها وسيعودون إلى الحريّة قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على الملاحقين بموجبها الاستفادة من هذا العفو».

وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقط الدعوى العامة عنهم وحذف العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، ثمّة أهمية كبرى للجرائم التي استثناها العفو العام وأبقى محاكمتهم سارية المفعول، وأبرزها: الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب خلال الجلسة التشريعية (الشرق الأوسط)

جرائم المخدرات

يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار، وهو استثناء يعكس تشدداً تشريعياً تجاه الجرائم التي ينظر إليها على أنها لا تمس فرداً أو مجموعة محددة فحسب، بل ترتبط بأمن المجتمع وصحة أفراده وبشبكات إجرامية عابرة للحدود، أدت في مرحلة من المراحل إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية، وتسببت (الشبكات) في حظر الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى دول الخليج العربي، التي استهدفتها بعدد كبير من شحنات «الكبتاغون».

هذا الاستثناء من أبرز النقاط التي أثارت تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك - الهرمل، بينهم عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي». وأبدى أسفه للاستثناءات التي تضمّنها، لأنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور.

واعتبر زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي، ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وقال: «نحن راعينا كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع، منذ أكثر من 100 عام، حين دفعتهم للذهاب إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».

وتشكّل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، وتظهر الأرقام أن العدد الأكبر منهم من منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى البيانات الموجودة على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أنه «لمجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف، يؤدي ذلك حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة».

وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم، وهذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.

«عدالة القانون»

هذه الاستثناءات تمنح القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا القانون رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، معتبراً أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، وهذا سيرهق المحاكم التي تنظر فيها، وتتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».

استفادة فورية

ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري، أو تباعاً، وأولهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، غير أن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف شهر مايو (أيار) 2028، ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 والصادر بحقه حكم بالمؤبد في عام 2021، بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدّة للتفجير، والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية - السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً، وحسن أبو علفة المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في شهر فبراير (شباط) 2014، ولم يصدر حكم بحقه حتى الآن.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أبرز الموقوفين غير المستفيدين

أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو، فهم: نوح زعيتر أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي جرى توقيفه إثر العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (وهو 12 سنة سجنية من دون محاكمة)، وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم، والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.

من هنا، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو من استثناهم، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.