بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

«كمّاشة» شيكاغو وصدمة واشنطن تُطفئان وقود المضاربات الصينية في أسبوع البورصات الأعنف

بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

بصمة «شنغهاي»... كواليس انهيار الذهب واهتزاز أركان «الملاذ الآمن»

بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)
بائعة تعدِّل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)

استيقظت الأسواق العالمية، يوم الاثنين، على مشهد وصفه المحللون بـ«حمام دم» في الذهب والفضة والمعادن الأخرى، حيث تواصل نزيف الأسعار الذي بدأ في عطلة نهاية أسبوع وُصفت بأنها «الأكثر وحشية» في تاريخ البورصات الحديث. وبينما كان المستثمرون يراقبون الشاشات بانتظار قمم قياسية جديدة للذهب، جاءت الضربة من «الغرف التقنية» لبورصة شيكاغو التجارية (CME)، لتنهي رحلة صعود أسطورية حطمت الأرقام القياسية، وتكشف عن هشاشة النظام المالي عندما يتحول «الملاذ الآمن» إلى ساحة لمضاربات «خارجة عن السيطرة».

ساعة «آسيا» تكسر قواعد الجاذبية

لم يعد المحللون في لندن ونيويورك ينامون؛ فخلال الأسابيع الماضية، كانت «ساعة التداول الآسيوية» هي المحرك الوحيد للعالم. جيوش من المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط الصينية اندفعت نحو المعادن، لا كتحوط فحسب، بل كرهان تصاعدي حاد (Parabolic) أدى إلى فك ارتباط الأسعار بأساسيات العرض والطلب. ووفقاً لتقارير «بلومبرغ»، فإن هذا الاندفاع خلق «فقاعة سيولة» جعلت الذهب والفضة يُتداولان بأسعار تفوق قيمتيهما العادلة بمسافات شاسعة، مدفوعةً بـ«أموال ساخنة» كانت تبحث عن بديل للدولار وعن ملاذ بعيداً عن أزمات العقارات المحلية في الصين.

ويوم الاثنين، تجسَّد «الانهيار العظيم» في أرقام تاريخية؛ فقد تراجعت الفضة بنسبة 26 في المائة في أكبر سقوط يومي في تاريخها، بينما سجل الذهب أسوأ أداء يومي له منذ عام 1983 بهبوطه الحاد. هذا النزيف لم يكن سوى تصحيح مؤلم لسوق تشبعت بالمضاربات حتى فقدت توازنها، حيث فقد الذهب نحو 900 دولار من قيمته منذ وصوله إلى ذروته التاريخية عند 5594 دولاراً الأسبوع الماضي.

سعر الذهب في جهاز «متجر الذهب الذكي» الموجود داخل مركز تجاري بشنغهاي (أ.ف.ب)

لعبة شنغهاي

لم يعد سرّاً أن مركز ثقل المعادن النفيسة قد غادر «وول ستريت» و«حي لندن المالي» ليستقر في بورصة شنغهاي للذهب. فخلال العام الأخير، تحولت الصين إلى «صانع للسعر» يفرض إيقاعه على العالم. تجلَّت هذه القوة في ظاهرة «العلاوة السعرية»، حيث استمر تداول الذهب في شنغهاي بأسعار تزيد بـ40 دولاراً إلى 100 دولار للأوقية على الأسعار العالمية، مما جذب الذهب المادي من مخازن الغرب نحو الشرق، وجفف السيولة في الأسواق التقليدية.

وعلى عكس الغرب، اندفعت في الصين جيوش من صغار المستثمرين عبر تطبيقات التداول، مستخدمين حسابات «الرافعة المالية» بمستويات خطيرة. وعندما بدأت بوادر التصحيح، تحولت هذه الجيوش إلى «قوة بيع قسرية» لتغطية خسائرها. وفي منطقة «شويبي» بمدينة شنتشن، القلب النابض لتجارة السبائك، كانت الطوابير البشرية الطويلة هي ميزان الحرارة الحقيقي؛ إذ بدأ الانهيار فعلياً عندما قررت صناديق الأسهم الصينية الخروج الجماعي لجني الأرباح قبل عطلة رأس السنة الصينية، مما أطلق شرارة «تأثير الدومينو» التي وصلت أصداؤها إلى نيويورك.

تدخل قسري من البنوك الصينية

مع وصول المضاربات إلى ذروة غير مسبوقة، لم تكتفِ السلطات الصينية بمراقبة الشاشات، بل أوعزت لكبار المقرضين في البلاد بالتدخل الفوري عبر سلسلة من الإجراءات التنظيمية الصارمة التي استهدفت «تجفيف» منابع السيولة الساخنة في سوق التجزئة.

ومن هذه الإجراءات:

- رفع سقف الدخول (الهوامش المصرفية): اتخذت مؤسسات مالية عملاقة، وفي مقدمتها بنك التعمير الصيني (CCB) والبنك الصناعي والتجاري الصيني (ICBC)، قراراً برفع الحد الأدنى للإيداع المطلوب لفتح حسابات تداول المعادن الثمينة. هذا الإجراء استهدف بشكل مباشر صغار المستثمرين، حيث جعل «تكلفة الرهان» أعلى من قدرة الكثيرين، مما أجبرهم على التوقف عن بناء مراكز شرائية جديدة.

- نظام «الحصص» والتحكم في التدفقات: في خطوة استثنائية، طبَّقت البنوك ما يُعرف بـ«نظام الحصص القسري» على منتجات ادخار الذهب (مثل خدمة Ruyi Gold). هذا يعني أن البنك يضع سقفاً يومياً لكمية الذهب التي يمكن للأفراد شراؤها أو الاستثمار فيها، وهو ما خلق حالة من «الاختناق المنظم» للطلب، وأرسل إشارة واضحة إلى الأسواق بأن الدولة لن تسمح باستمرار الصعود «البارابولي» أو الصاروخي.

- تعليق الاشتراكات والتحذير من المخاطر: قامت عدة صناديق استثمارية صينية بتعليق قبول «اشتراكات جديدة» بشكل كامل، وذلك لإدارة فائض السيولة وتجنب الانفجار السعري الناتج عن الازدحام. وتزامن ذلك مع حملة إعلامية من البنوك تحث المستثمرين على «زيادة الوعي بالمخاطر»، في لغة تعكس قلق السلطات من تحول الذهب إلى فقاعة قد تنفجر في وجه المدخرين الصينيين قبيل عطلة رأس السنة القمرية.

- مواءمة الأسعار مع السوق العالمية: عملت المصارف الصينية بالتنسيق مع بورصة شنغهاي للذهب (SGE) على تضييق الفجوة السعرية (Premium) التي كانت قائمة، من خلال رفع تكلفة تمويل العقود الآجلة محلياً. هذا الإجراء قلّل من جاذبية «المتاجرة بالفارق السعري» التي كانت تجذب الذهب من لندن إلى شنغهاي، مما أسهم في إعادة التوازن المفقود للسيولة العالمية.

لقد كان هذا التدخل بمنزلة «اعتراف رسمي» من الدولة بأن الفقاعة بلغت حد الانفجار، مما أجبر المستثمرين الصينيين على التراجع، تاركين الأسواق العالمية في مواجهة آثار الإعصار بعد سحب «الوقود الصيني» من محرك الأسعار.

ينتظر الزبائن لبيع مجوهراتهم الذهبية في جهاز «متجر الذهب الذكي» المُثبّت داخل مركز تجاري بشنغهاي (أ.ف.ب)

«كمّاشة» الهوامش

تزامن هذا الانفجار الميداني مع إجراءات تقنية صارمة من بورصة شيكاغو، التي رفعت «متطلبات الهامش» على عقود الذهب والفضة. في لغة السوق، يعني هذا القرار رفع قيمة «العربون» أو الضمان النقدي الذي يجب على المستثمر الاحتفاظ به في حسابه للبقاء في الصفقة.

هذا الإجراء وضع آلاف المتداولين، خصوصاً صغار المستثمرين والمضاربين المعتمدين على الرافعة المالية، في مأزق حرج؛ فإما ضخ سيولة نقدية ضخمة فوراً لتغطية الفارق، وإما مواجهة «نداء الهامش». وبسبب جفاف السيولة الفورية، تدخلت أنظمة البورصة آلياً لتنفيذ عمليات «تصفية قسرية»؛ حيث بيعت العقود بأسعار السوق المتدنية لتغطية الضمانات، مما خلق «حلقة مفرغة» أو ما يعرف بـ«Feedback Loop»؛ فكل عملية بيع قسرية تخفض السعر أكثر، مما يطلق نداءات هامش جديدة لمستثمرين آخرين. وهكذا تهاوت الأسعار في سحق متسارع للسيولة.

صدمة وورش

وعلى الجانب الآخر من المشهد، جاءت الضربة القاضية من واشنطن لتعصف بالتوقعات المستقبلية؛ حيث أدى ترشيح الرئيس دونالد ترمب لكيفن وورش لتولي رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» خلفاً لجيروم باول إلى إعادة رسم خريطة السياسة النقدية الأميركية. ووفقاً لتحليلات «سي إن بي سي»، يُصنف وورش في الأسواق بوصفه «صقراً» نقدياً بامتياز، لا يكتفي بالميل لرفع الفائدة فحسب، بل يتبنى نهجاً متشدداً يهدف إلى «تشديد الميزانية العمومية للفيدرالي» وتقليص السيولة في النظام المالي.

هذا الترشيح أطلق شرارة صعود قوي للدولار الأميركي، وبما أن المعادن النفيسة تُسعَّر بالدولار وترتبط معه بعلاقة عكسية، فقد أصبحت الأونصة أكثر تكلفة للمشترين حول العالم. شعر المستثمرون فجأة بأن «المظلة الحمائية» التي وفّرها «الفيدرالي» لسنوات عبر ضخ السيولة قد رُفعت تماماً؛ مما دفعهم إلى التخلص من الذهب والهروب نحو العملة الخضراء، معتبرين أن عهد «الفائدة المنخفضة والسيولة الرخيصة» قد انتهى بقدوم وورش.

ولم تنجُ الأصول الأخرى من هذا الإعصار؛ فقد تهاوت عملة البتكوين لتقترب من مستوى 77 ألف دولار، فاقدةً بريقها كـ«ذهب رقمي» مع فرار المستثمرين من المخاطر. وحسب تقارير «ياهو فاينانس»، فقدت سوق العملات المشفرة نحو 1.7 تريليون دولار من قيمتها، في إشارة إلى هشاشة هذه الأصول أمام قوة الدولار.

سبائك ذهبية في أحد بيوت السبائك بمدينة مومباي (أ.ف.ب)

توقعات المصارف الكبرى

رغم حدة النزيف، لا تزال كبرى المؤسسات المالية العالمية تتمسك بنظرة متفائلة حيال مستقبل المعدن الأصفر، معتبرةً أن ما يحدث «زلزال في العقود الورقية» لا يمس القيمة الهيكلية للأصول الفعلية. وفي هذا السياق، أكد مصرف «جي بي مورغان» في مذكرة حديثة أنه لا يزال «مقتنعاً تماماً» بتفاؤله تجاه الذهب على المدى المتوسط، متوقعاً أن يدفع طلب البنوك المركزية والمستثمرين الأسعار للوصول إلى مستوى 6300 دولار للأوقية بحلول نهاية العام الجاري.

ويرى البنك الأميركي أن الاتجاه العالمي لتنويع الاحتياطيات لا يزال قائماً وبقوة، متوقعاً أن تبلغ مشتريات البنوك المركزية نحو 800 طن في عام 2026. هذا التوجه الهيكلي يعزز الأداء المتفوق للأصول الحقيقية مقابل «الأصول الورقية» التي تعصف بها تقلبات البورصات.

وفي ذات الاتجاه، حافظ «دويتشه بنك» على موقفه المتفائل رغم موجة الهبوط الحالية، مؤكداً تمسكه بتوقعاته السابقة التي تضع سعر الذهب عند مستوى 6000 دولار، معتبراً أن الأساسيات الاقتصادية لا تزال تدعم الصعود على المدى الطويل.

أما فيما يخص الفضة، التي هوت من قمتها التاريخية عند 121.64 دولار، فقد بدا الحذر واضحاً في نبرة «جي بي مورغان»؛ حيث أشار البنك إلى صعوبة تحديد العوامل المحركة بدقة في الوقت الراهن، لكنه استبعد أن تتخلى الفضة تماماً عن مكاسبها، متوقعاً استقرارها في المتوسط عند مستويات تتراوح بين 75 و80 دولاراً للأوقية، لتبقى فرصة استثمارية مواتية مقارنةً بالأسعار السابقة.

هل انتهت الرحلة؟

رغم قسوة المشهد، يرى محللون من «جي بي مورغان» و«ساكسو بنك» أن ما يحدث هو «تصحيح صحي» لتفريغ رغوة المضاربات. وكشفت التقارير من ألمانيا عن استمرار الطوابير لشراء الذهب المادي، مما يشير إلى أن الثقة في قيمة المعدن الجوهرية لم تهتز. تترقب الأسواق الآن رد فعل بورصة شنغهاي بعد تدخل المصارف الصينية لفرض قيود على حصص الشراء؛ فهل سيعود الطلب الصيني لإنقاذ الموقف مع اقتراب السنة الصينية الجديدة، أم أن الرحلة الجامحة قد بلغت نهايتها؟

في الخلاصة، استيقظ العالم في فبراير (شباط) 2026 ليكتشف أن «الملاذ الآمن» يمكن أن يهتز بعنف عندما يقرر المضاربون في الشرق جني أرباحهم دفعة واحدة بالتزامن مع تشديد تقني ونقدي في الغرب. إنها لحظة إعادة تقييم شاملة، حيث تخرج «الأموال الساخنة» المعتمدة على الاقتراض، ليبقى في السوق فقط المستثمرون ذوو النفس الطويل والذهب المادي الصامد في وجه «العقود الورقية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«المادة 301» تعود إلى الواجهة... واشنطن تبدأ تحقيقات موسعة لاستعادة سلاح الرسوم

الاقتصاد حاويات شحن في ميناء بيونغتايك، كوريا الجنوبية (رويترز)

«المادة 301» تعود إلى الواجهة... واشنطن تبدأ تحقيقات موسعة لاستعادة سلاح الرسوم

أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحقيقين تجاريين واسعي النطاق يستهدفان «الفائض في القدرة الصناعية» لدى 16 من كبار الشركاء التجاريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خزانات تخزين النفط في محطة سينوبك النفطية في تسينغ يي بهونغ كونغ (د.ب.إ)

الصين ترفع واردات النفط الخام تحسباً لاضطرابات الإمدادات

اشترت الصين كميات أكبر من النفط الخام في أول شهرين من العام، حيث واصلت تخزين النفط تحسباً لانقطاع الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلة نفط خام تُوجَّه إلى رصيفها بمحطة النفط في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

«وان هوا» الكيميائية الصينية تعلن «القوة القاهرة» على إمداداتها إلى الشرق الأوسط

أعلن ممثل عن شركة «وان هوا» الكيميائية الصينية، يوم الاثنين، حالة «القوة القاهرة» على إمداداتها لعملائها في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد لوحة مكتوب عليها: لا تصدير لرقائق «نيكسبريا» في ميناء صيني (إكس)

الصين تحذّر من عجز عالمي في الرقائق الإلكترونية

أثارت وزارة التجارة الصينية احتمال حدوث أزمة أخرى في سلسلة التوريد العالمية لأشباه الموصلات بسبب «نزاعات جديدة» بين شركة «نيكسبريا» ووحدتها الصينية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد عامل يمر بجوار أنابيب النفط في مصفاة بمدينة ووهان بمقاطعة هوبي (رويترز)

هل طلبت الصين من مصافي النفط تعليق الصادرات؟

أفادت وكالة «بلومبرغ» أن الصين طلبت من أكبر مصافي النفط لديها تعليق صادرات الديزل والبنزين، وذلك في ظلّ خطر نشوب أزمة في إمدادات الطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).


صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات إمدادات النفط الناجمة عن الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني المستمر إلى تصاعد المخاوف بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي»، بلغت قيمة التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم العالمية 7.05 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025، الذي شهد تدفقات خارجة بلغت 46.68 مليار دولار، وفق «رويترز».

وتجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، في وقت تعاني فيه أسواق النفط العالمية ما وصفه المتداولون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعد أن توقفت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل شبه كلي.

في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف في وول ستريت باسم «مقياس الخوف»، إلى 28.15 نقطة في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعكس ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق.

وعلى صعيد التدفقات الإقليمية، سجلت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات خارجة بنحو 7.77 مليار دولار، بعد صافي مبيعات أسبوعية بلغ 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما سحب المستثمرون نحو 7.71 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.15 مليار دولار.

أما صناديق الأسهم القطاعية فسجلت صافي مبيعات بلغ 2.71 مليار دولار، مع تخارج المستثمرين من صناديق القطاع المالي والرعاية الصحية بقيمة 2.31 مليار دولار و1.31 مليار دولار على التوالي، في حين اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات داخلة بلغت 1.31 مليار دولار.

وقال راي شارما-أونغ، نائب الرئيس العالمي لحلول الأصول المتعددة في شركة «أبردين» للاستثمارات، إن التراجع الأخير في أسواق الأسهم في شمال آسيا يبدو غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية. وأضاف أن استقرار المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى انعكاس سريع في مراكز الاستثمار ومعنويات المستثمرين، ما قد يفتح المجال أمام انتعاش قوي في المنطقة.

في المقابل، تراجعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات العالمية إلى أدنى مستوى لها في عشرة أسابيع عند 5.72 مليار دولار. وسجلت صناديق السندات عالية العائد صافي مبيعات بقيمة 3.17 مليار دولار، وهو أكبر تدفق خارجي أسبوعي منذ منتصف أبريل (نيسان) 2025.

وعلى النقيض، ارتفعت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع، مسجلة 5.75 مليار دولار، في حين جذبت صناديق أسواق المال 6.93 مليار دولار، محققة تدفقات إيجابية للأسبوع السابع على التوالي مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.

ومع ذلك، شهدت صناديق السلع المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة صافي تدفقات خارجة قدرها 2.84 مليار دولار، بعدما سجلت صافي مبيعات خلال ثلاثة أسابيع من الأسابيع الأربعة الماضية.

كما تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط بيعية، حيث سحب المستثمرون نحو 2.69 مليار دولار من صناديق الأسهم بعد موجة شراء صافية استمرت 11 أسبوعاً. وأظهرت بيانات شملت 28,809 صندوقاً أن صناديق السندات في الأسواق الناشئة سجلت أيضاً تدفقات خارجة أسبوعية صافية بلغت 656 مليون دولار.

وفي التفاصيل، تعرضت صناديق الأسهم الأميركية لضغوط بيعية للأسبوع الثاني على التوالي، وباع المستثمرون ما قيمته 7.77 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع، بعد صافي مبيعات بلغ نحو 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. وجاء ذلك بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار النفط؛ إذ ارتفع الخام الأميركي بنسبة 9.7 في المائة يوم الخميس، لتصل مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 42.88 في المائة، وسط ما وصفه المتداولون بأكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعدما كادت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز أن تتوقف بالكامل.

وعلى مستوى القطاعات، سجلت صناديق الأسهم ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صافي تدفقات خارجة بلغت 20.98 مليار دولار و405 ملايين دولار و8 ملايين دولار على التوالي، في حين استقطبت صناديق الأسهم متعددة رؤوس الأموال تدفقات داخلة أسبوعية صافية قدرها 9.32 مليار دولار.

كما تخلى المستثمرون عن صناديق أسهم النمو بقيمة 4.48 مليار دولار، بينما واصلوا التوجه نحو صناديق القيمة للأسبوع الخامس على التوالي، بضخ استثمارات بلغت 2.91 مليار دولار.

في المقابل، حافظت صناديق السندات على جاذبيتها للأسبوع العاشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بنحو 8.21 مليار دولار. واستقطبت صناديق السندات الحكومية وصناديق الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو 4.05 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 24 ديسمبر.

كما جذبت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل وصناديق ديون البلديات صافي مشتريات بقيمة 2.77 مليار دولار و614 مليون دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، سجلت صناديق أسواق المال الأميركية تدفقات داخلة صافية تقارب 1.5 مليار دولار، ليواصل المستثمرون ضخ السيولة فيها للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل سعيهم إلى الملاذات الأكثر أماناً.