الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مؤسسات تشهد إحدى كبرى عمليات التحوّل التقني في تاريخها

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


مقالات ذات صلة

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

إعلام على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة،

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة.

أنيسة مخالدي (باريس)
إعلام شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟