«رحلة في الذاكرة»... معرض ينطلق من المولد الشعبي إلى الحلم المعاصر

سردية تشكيلية تضم 55 لوحة تستلهم التراث

استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)
استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)
TT

«رحلة في الذاكرة»... معرض ينطلق من المولد الشعبي إلى الحلم المعاصر

استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)
استلهام الفلكلور في تجربة تشكيلية إنسانية (الشرق الأوسط)

يفتح الفنان المصري، زكريا القاضي، في معرضه الجديد «رحلة في الذاكرة» الأبواب الواسعة على الذاكرة المصرية، ليس بوصفها أرشيفاً للماضي فقط، بل كرحلة إنسانية ممتدة بلا نهاية.

ومن خلال نحو 55 لوحة يستضيفها «غاليري ضي» يستلهم القاضي التراث والفن الشعبي؛ حيث تتجلى الخصوصية المصرية من خلال الرموز والعناصر المستلهمة من إرثه الثقافي، وتبدو اللوحات كمساحات قصصية مفتوحة تسرد لنا أكثر من حكاية.

وخلال ذلك يشعر المتلقي وكأنه يتجول داخل مولد شعبي أو احتفال جماعي؛ حيث تتقاطع الوجوه، وتتعدد «الحواديت»، وتتجاور المشاهد.

مشاهد وتفاصيل متنوعة وغنية يستدعيها الفنان من ذاكرته التي يعدّها «رحلة لها بداية من دون نهاية؛ فما دام المرء على قيد الحياة تبقى هذه الرحلة مستمرة» وفق تعبيره. ويقول القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «هي رحلة تتكثف فيها اللحظات، وتومض المحطات، وتلح الصور الشعبية والتراثية على الوعي؛ لتخرج في صياغات بصرية نابضة بالحياة، وتحث عليها، من خلال محاولة استعادتها في أرض الواقع».

لوحات مشبعة باللون والحكاية والحنين (الشرق الأوسط)

وتشكل اللوحات في مجموعها سردية بصرية عن الإنسان المصري، الذي يتمتع بطبقات حضارية متراكمة، كما وصفه المفكر الراحل جمال حمدان، وجاء القاضي ليقدم محاولة تشكيلية لصهر هذا الإرث المتعدد في بوتقة معاصرة تؤكد أن الاستلهام هو الطريق إلى الخصوصية.

وعلى الرغم من أن التراث موضوع أثير لدى الفنان، فإن تناوله له في هذا المعرض جاء مختلفاً عن تجاربه السابقة، وهو ما يُرجِعه إلى «اختلاف الفكرة نفسها؛ فقد استحضرتُ محطات كثيرة من حياتي كانت مخفية؛ لأن المرء عندما يكبر يصبح في حالة تأمل داخلي أكثر مما كان، كما أنه يميل إلى تحليل وتوضيح ما يدور حوله من مشكلات حياتية».

ويتابع: «باختصار هي حالة من (النوستالجيا) للعادات والتقاليد ودفء العلاقات والتجمعات في عالم معاصر يتجه أكثر فأكثر إلى العزلة، ولذلك فإن المحور الأساسي لأعمالي يحمل بُعداً عميقاً للجانب الإنساني».

يفسر ذلك تجاور وتحاور الشخوص في لوحاته وكأنهم متلاصقون، بينما تحيط بهم العناصر والأشكال المستلهمة من الفن الشعبي، وهو ما يفسره قائلاً: «ذلك هو ما تربَّينا عليه في مصر: (الجار للجار) و(الصديق رفيق الدرب)، فقد كنا في حالة تلاحم، وكان كل منا يشعر بمشكلات الآخر، ويحاول أن يجد حلولاً لها. الآن اختلف الأمر».

المهرج مثقل بالتجربة ولا يبعث على الضحك (الشرق الأوسط)

ولا يقتصر الجانب الإنساني على الحنين وحده، بل يبرز كذلك أحوال البسطاء والمهمشين، ويتناول معاناة الإنسان اليومية في سعيه وراء لقمة العيش.

من هنا يظهر «البلياتشو» على سبيل المثال في بعض التكوينات لا كمهرج باعث على الضحك، إنما ككائن حزين، مثقل بالتجربة، فيما يتحول مركب الورق، تلك المفردة الطفولية الحالمة، إلى رمز للسفر الداخلي، يقول: «إنه حلم الهروب من الواقع إلى فضاء أكثر رحابة».

وإذا كان من الواضح لزائر المعرض أن تجربة الفنان زكريا القاضي تنطلق من خصوصية مصرية واعية، بوصفها فضاءه الثقافي والوجداني الأول، فكذلك من اللافت أنه حين يقدم رؤيته الفنية القائمة على استلهام التراث يفعل ذلك ليس بوصفه إطاراً محلياً مغلقاً، بل مدخل للتعبير عن قضايا إنسانية أوسع؛ حيث تمتد اللوحات لتلامس الإنسان في جوهره، وهمومه المشتركة.

تكوينات تحاور التراث وتفتح أفقاً معاصراً (الشرق الأوسط)

وتحضر الحيوانات والطيور، بما لها من دلالات رمزية متجذرة في الوعي الجمعي؛ فالثور على سبيل المثال يحيل إلى الصراع والقوة، والحمام إلى السلام، والحصان إلى النبل والفروسية، في حين تأتي هذه العناصر مندمجة داخل التكوين، متجاوزة إطارها الزخرفي كضرورات جمالية وفكرية تخدم بنية العمل ومعناه.

يولي الفنان اهتماماً خاصاً بسطح اللوحة، الذي يصفه بأنه شريك في الحوار الإبداعي؛ إذ يتعامل معه كمساحة مشحونة بطاقة كامنة، تفرض أحياناً مسارها الخاص على الفكرة. وتساهم خشونة السطح واستخدام السكين في بناء كتل لونية كثيفة، تنقل الإحساس الإنساني مباشرة، وتختصر كثيراً من الشرح، ليصبح الملمس واللون لغة قائمة بذاتها.

ورغم ما تحمله بعض الأعمال من شجن وحزن، فإن طاقة اللون تبقى محتفظة بقدر من الإيجابية والأمل، في انسجام مع رؤية فنية لا تعتمد على منظور تقليدي أو مصدر إضاءة واحد، بل تستلهم الإرث الحضاري المصري؛ حيث الإضاءة تنبع من قلب اللوحة نفسها، لا من خارجها.

الفنان المصري زكريا القاضي (الشرق الأوسط)

ولا يتوقف تأثر القاضي بالحضارة المصرية القديمة وحدها، إنما يستوقفنا تمتع اللوحات بكثافة تفاصيلها وخلفياتها الغنية التي تستحوذ على عين المتلقي، في سمة تذكِّر بتقاليد الفنان الشعبي المصري، وبالفن الإسلامي على السواء، حيث لا يترك الفراغ بلا معنى.

ففي الإرث الفني الإسلامي البصري يصبح امتلاء السطح بالزخارف والتفاصيل انعكاساً لحالة روحية متصلة بالتصوف، وبفكرة الذكر المستمر، حيث لا مساحة للصمت أو الخواء.

وبينما ينشغل الفنان الشعبي بزخم سردي داخلي يدفعه إلى ملء كل جزء من اللوحة، بوصفه عنصراً ضرورياً في استكمال الحكاية البصرية. وهكذا أيضاً يبدو السطح التشكيلي لدى القاضي مشغولاً بالكامل، إلى حد أن كل جزء أو «تفصيلة» فيه يمكن أن تُقرأ كعمل مستقل، في تعبير صادق عن مخزون بصري ووجداني متراكم، يتغذى بوضوح على تأثيرات الفن الإسلامي والشعبي ويعيد صياغتهما في رؤية معاصرة.


مقالات ذات صلة

«في الحل والترحال»... رحلة فنية تربط الجزيرة العربية بالعالم

يوميات الشرق من الأعمال في البينالي (أليساندرو برازيل - مؤسسة بينالي الدرعية)

«في الحل والترحال»... رحلة فنية تربط الجزيرة العربية بالعالم

تحول حي جاكس بالدرعية حيث تقام فعاليات النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، الخميس، إلى خلية نحل دائبة الحركة حيث افتُتحت قاعات العرض وانطلق الزوار…

عبير مشخص (الرياض) عمر البدوي
يوميات الشرق لوحات منوَّعة شهدها المعرض (الشرق الأوسط)

الدرعية تحتفي بالفنّ... «مسند» يفتح نافذة جديدة على الإبداع

خلال المعرض، عُرِض عدد من القطع الفنّية النادرة، والأعمال الفنّية المقتناة، إضافة إلى مخطوطات محلّية

بدر الخريف (الرياض)
يوميات الشرق معرض الكتاب استقبل مئات الآلاف في دورته الجديدة (الشرق الأوسط)

«سفر العذارى» ليوسف زيدان تثير «زوبعة» في «القاهرة للكتاب»

فجَّرت رواية «سفر العذارى» للكاتب يوسف زيدان «زوبعة» في الدورة الـ57 من «معرض القاهرة الدولي للكتاب».

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق توثيق لمرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية (الشرق الأوسط)

«بدايات» معرض عن بواكير الحركة الفنية السعودية ورواد تجربتها الحداثية

يقوم معرض افتتح أبوابه الثلاثاء في المتحف الوطني بالرياض وتنظمه هيئة الفنون البصرية تحت اسم «بدايات» بتوثيق مرحلة تأسيس بدايات الحركة الفنية السعودية وروادها.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق جانب من ندوات جيل يكتب العالم بطريقته (الشرق الأوسط)

«القاهرة للكتاب» يراهن على قُراء «جيل زد» بمنصات جديدة

لجأت أجنحة النشر في معرض «القاهرة الدولي للكتاب» هذا العام إلى أدوات مبتكرة مثل «صندوق الدنيا» لجذب الزوار بصرياً وتراثياً.

منى أبو النصر (القاهرة )

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.


جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
TT

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)

مَن يتابع مسلسل «ليل» المُعرّب، لا بد أن يلفته دور «نورس» الذي يؤدّيه الممثّل جو طراد، حاملاً في ملامح وجهه ولغة جسده كل ما يمكن أن يجسّده الشرّ من معانٍ.

ويزيد من تألّقه في هذا الدور، الذي بناه خصيصاً للشخصية، إطلالته بشَعر معقوص وملامح جامدة أقرب إلى «بوكر فايس»، ممّا يرسّخ لدى المتابع صورة الشرير منذ اللحظة الأولى. ويخبر جو طراد «الشرق الأوسط» أنه أدرك، من خلال موقف صادفه أخيراً، مدى تأثُّر الناس بهذا الدور، قائلاً: «كنتُ أسير في شوارع إسطنبول، ولاحظت طفلاً عربياً يحاول الاختباء مني خلف والديه. اقتربتُ منه وتحدّثتُ إليه بلطف، لكنه بقي متسمّراً في مكانه يحدّق بي مردّداً اسم (نورس). وعندما نادت والدته بالاسم نفسه، متفاجئة بلقائي، ضحكت قائلة: (إنك تثير فينا الرعب ونحن نتابعك في مسلسل ليل). وتبيّن لاحقاً أنّ العائلة كويتية في زيارة خاصة إلى إسطنبول».

وبالفعل، يعكس جو طراد أبعاد هذه الشخصية بأداء تمثيلي مُتقن، فيستمتع المُشاهد بكل حلقة يشارك فيها، إذ يتحوَّل «نورس» إلى محور أساسي للأحداث، ويتحكّم بصورة غير مباشرة بمسارها، جاذباً المُشاهد العربي بأسلوبه التمثيلي.

ويعلّق: «لم يسبق أن لعبتُ دوراً يسكنه الشرّ تماماً. قُدّمتُ شخصيات تنزلق نحو الشرّ لأسباب نفسية، لكن مع نورس كان الأمر مختلفاً. هو شخصية تتنقّل بين طباع متناقضة، وتقدّم أكثر من وجه. يُخفي حقيقته المُرّة بمرونة لافتة؛ يكون لطيفاً مع مَن يحتاج إليهم، وقاسياً وظالماً مع آخرين للوصول إلى أهدافه، ممّا يتطلّب الغوص في أعماق هذه الشخصية».

في مسلسل «ليل» يجسّد طراد شخصية «نورس» الشرير (صور الممثل)

ويشير إلى أنّ شخصية «نورس»، رغم عدم ظهورها في جميع حلقات المسلسل، تبقى المحور الأساسي للأحداث، واصفاً إياها بـ«الجوكر» القادر على إقناع الآخرين بأي وجه يتقمّصه.

ويُجسّد جو طراد دوره مستخدماً أدوات تمثيلية متعدّدة، من نبرة صوته إلى حضوره ونظراته، مُسخّراً إياها لخدمة الشخصية. ويقول: «تكمن صعوبة الدور في تقديمه من دون مبالغة، وهو خطأ شائع يقع فيه عدد كبير من الممثلين. لكنني استطعت أخذه إلى مساحة مختلفة، لا تشبه حتى الشخصية الأصلية في المسلسل التركي (ابنة السفير)». ويضيف: «اطّلعتُ سريعاً على بعض حلقات النسخة التركية، وكنتُ مقتنعاً بقدرتي على تقديم (نورس) بشكل أفضل، فقرّرتُ بناء الشخصية بأسلوبي الخاص. أضفت إليها الغموض والقوة، ممّا جعلها أكثر إثارة، وأظهرتُ جانبها العاطفي الخالي من أي مشاعر أو أحاسيس. ومع ضيق الوقت وسرعة التصوير، كان عليَّ تقديم أفضل ما لدي من دون إعادات، اختصاراً للوقت».

يعتب على عدم تقديره من بلده لبنان (صور الممثل)

وعن الحلقات المقبلة، يعد طراد المشاهدين بمفاجآت، مؤكداً أنّ التصوير لا يزال جارياً، وأنّ أحداثاً مفصلية ستتخلّل بقية العمل مُحمَّلة بجرعات عالية من التشويق. أمّا عن نهاية مسلسل «ليل»، وما إذا كانت ستُحدث صدمة شبيهة بتلك التي رافقت نهاية «سلمى»، فيُجيب: «بعد خبرة طويلة في الأعمال المعرّبة، أستطيع القول إنّ (ليل) يسير بإيقاع سريع لا يبعث على الملل. أتابعه شخصياً بحماسة لأنّ إيقاعه جديد ومختلف، وينتمي إلى مدرسة درامية مغايرة. وأنا واثق بأنّ الحلقات المقبلة ستحافظ على هذا المنحى، ممّا سيقود إلى نهاية تشبه العمل وتنسجم مع روحيته وطريقة تنفيذه».

اليوم، ينظر جو طراد إلى الساحة الدرامية اللبنانية من موقع المُراقب، في ظلّ غيابه عنها منذ فترة بسبب إقامته الدائمة في تركيا. وعن ملاحظاته، يقول: «أصفّق للتطوّر الذي تحقّقه الدراما اللبنانية، لا سيما أنني أنتمي إلى هذه العائلة منذ بداياتي. ابتعدتُ أخيراً لانشغالي بعملي في إسطنبول، وصرتُ أرى الأمور من منظور إقليمي أكثر منه محلّياً. لكن عندما أشارك في عمل معرَّب، أكون في موقع تمثيل بلدي لبنان، وانتشار اسمي اليوم يشمل مختلف الدول العربية، حيث يُشار إليّ على أنني ممثل لبناني».

عمَّر طراد شخصية «نورس» بأدواته التمثيلية (صور الممثل)

حتى الآن، صوَّر جو طراد نحو 500 حلقة معرّبة، عبر أدوار متنوّعة. ويقول: «تعبتُ واجتهدت للوصول إلى ما أنا عليه اليوم، وأعتقد أنّ هذا الجهد يستحق التقدير». وعن غياب تكريمه، يوضح: «لا أملك علاقات عامة مع الجهات المنظمة للجوائز تسهم في حضوري لديها، ولديّ عتب على عدم تقديري من بلدي».

وعن استعداده للمشاركة في أعمال درامية محلية، يختم: «سبق أن تعاونت مع شركة (الصبّاح)، ولم تُتح لي الفرصة بعد للعمل مع (إيغل فيلمز). لكن إذا تواصلت معي أي شركة إنتاج لبنانية، فلن أتأخر عن تلبية هذه الرغبة».


أحمد زاهر: «لعبة وقلبت بجد» جرس إنذار للأُسر ضدَّ مخاطر الألعاب الإلكترونية

في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)
في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)
TT

أحمد زاهر: «لعبة وقلبت بجد» جرس إنذار للأُسر ضدَّ مخاطر الألعاب الإلكترونية

في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)
في لقطة مع أسرته بمسلسل «لعبة وقلبت بجد» (الشركة المنتجة)

أكد الفنان المصري أحمد زاهر أنّ مسلسل «لعبة وقلبت بجد» يُعد جرس إنذار للأسر للانتباه إلى أولادهم وما يمارسونه داخل غرفهم المغلقة، بعدما تحوَّلت الألعاب الإلكترونية إلى خطر حقيقي، لا يهدّد الأطفال وحدهم، وإنما يمتدّ إلى الأسرة والمجتمع.

وقال، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إنه بصفته أباً لم يكن على علم بمخاطر هذه الألعاب، قبل قراءة سيناريو المسلسل الذي تحمَّس له بشدّة، وعدَّه فرصة لتقديم دور مختلف بعيداً عن أدوار الشرّ التي قدَّمها في السنوات الأخيرة. وأضاف: «نجاح العمل تمثَّل في قوة تأثيره على الأسرة والأولاد، وفي اهتمام مجلس الشيوخ بمناقشة قضيته، وأتمنّى حظر لعبة (روبلوكس) في مصر أسوةً بعدد من الدول العربية».

ويؤدّي أحمد زاهر في المسلسل شخصية «شريف»؛ رب الأسرة المكافح، الذي يكتشف تورّط طفله في مشكلة خطيرة تعرّضه للابتزاز، وعندما يحاول إنقاذه، ينكشف أمامه العالم الخفي للألعاب الإلكترونية. ويتكوَّن المسلسل من 30 حلقة، وحقَّق اهتماماً لافتاً، واحتلَّ قائمة الأكثر مشاهدة على منصة «وتش ات».

ويعترف زاهر بأنه في الواقع كان منشغلاً عن متابعة نوعية الألعاب التي يمارسها أطفاله، مشيراً إلى أنّ المسلسل دفعه إلى إعادة النظر في هذا الأمر. وقال: «عندما قرأتُ الفكرة قبل اكتمال كتابة السيناريو، شعرتُ بالقلق، وسألت بناتي إن كنَّ يلعبن لعبة (روبلوكس)، وعندما أكدن ذلك، أوقفتها فوراً. أذهلني أنني لم أكن مهتمّاً بمعرفة الألعاب التي يلعبنها، رغم أنني كنت دائماً قريباً منهن في تفاصيل حياتهن. هذا الغياب لم يكن غيابي وحدي، بل غيابنا جميعاً، فنحن نطمئنّ لأنّ أولادنا في البيت، لكننا لا ننتبه إلى أنهم في عزلة تامة عنّا، وهذه لم تعد ألعاباً بريئة، إذ قد تُقحم الأسرة كلّها في مآسٍ إنسانية».

ولم يكتفِ زاهر بقراءة السيناريو، بل واصل البحث بنفسه في عالم الألعاب الإلكترونية، ليكتشف ما وصفه بأمور «مخيفة». وقال: «سنخوض في هذا العالم بشكل أعمق في الحلقات المقبلة، ومع ذلك لم نقدّم سوى 30 في المائة ممّا يحدث فعلياً، لأنّ هناك أشياء أخطر لا يمكن عرضها أو التطرُّق إليها على شاشة التلفزيون».

وأشار إلى المناقشات المكثَّفة التي جمعته بالمخرج حاتم محمود وفريق العمل من الكُتّاب الشباب، موضحاً: «لا أحب المباشرة في الفنّ. نريد إيصال رسائل حقيقية، لكن من خلال دراما مشوّقة وممتعة، وهذا ما حرصنا عليه».

الفنان أحمد زاهر يُحذّر من «العزلة الإلكترونية» (حسابه على «فيسبوك»)

وعَدَّ زاهر شخصية «شريف» تجربة جديدة مقارنة بأدواره السابقة، قائلاً: «قدَّمت مؤخراً شخصيات شريرة كثيرة، واعتقد البعض أنني لا أجيد سوى هذا النوع من الأدوار، لكن هذا العمل يطرح قضية تمسُّ كلّ أسرة مصرية وعربية، وتتعلَّق بأولادنا ومستقبلهم».

وتحدَّث عن المَشاهد التي فقد فيها «شريف» زوجته وطفله، معترفاً بأنها كانت مُرهقة نفسياً، وقال: «مَشاهد موت الأم والطفل كانت قاسية، لأنني أتأثَّر كثيراً فيما أقدمه. لم أبكِ كما هو متوقَّع، وكان ذلك أداء مختلفاً بالنسبة إليّ، لكن انهيار (شريف) جاء حين أغلق غرفته وبكى أمام والدته، لأنه كان مصدوماً وغير قادر على التصديق».

وأشار إلى أنَّ المسلسل تناول قضايا متعدّدة، من بينها التنمُّر الذي تعرَّض له الطفل بسبب إصابته بالسكري، وحادث السير الذي تسبَّب فيه سائق مدمن مخدرات، لافتاً إلى وجود وقائع مُشابهة في الواقع، خصوصاً فيما يتعلَّق بسائقي سيارات المدارس.

وعن مشاركة ابنته منى زاهر في العمل، أوضح أنها جاءت بعد مناقشات مع فريق الإنتاج والإخراج لتحقيق الصدقية، مؤكداً أنه طلب الجلوس معها لتقييم ملاءمتها للدور قبل اختيارها. وقال: «منى كانت تتمنَّى العمل معي، مثل شقيقتيها ملك وليلى، لكنني لا أتمنّى أن تدخل ابنتي الرابعة نور مجال التمثيل... (كفاية أترك واحدة في البيت)».

وأعرب زاهر عن سعادته بنجاح المسلسل وتأثيره، مشيراً إلى أنه، رغم عرضه خارج الموسم الرمضاني، حقَّق مليار مشاهدة عبر منصات التواصل الاجتماعي لقناة «دي إم سي» ومنصة «وتش ات». وأضاف: «أتطلَّع إلى صدور قرار رسمي بحظر لعبة (روبلوكس)، خصوصاً مع اهتمام مجلس الشيوخ بالقضية، كما حدث في دول مثل تركيا، وقطر، والأردن، ليكون العمل قد حقَّق هدفه في تنبيه الآباء والأمهات إلى خطورة ما يواجهه أولادهم، فالمشكلة لا تقتصر على لعبة واحدة، لأنها تمتدّ إلى عالم أخطر بكثير».