«نسيج بايو» الأشهر في التاريخ يعود إلى إنجلترا بعد قرون

رحلة النقل تمَّت داخل صندوق مزوَّد بأنظمة دقيقة للتحكُّم بالحرارة والرطوبة

النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)
النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)
TT

«نسيج بايو» الأشهر في التاريخ يعود إلى إنجلترا بعد قرون

النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)
النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)

رحلة ليلية محاطة بسريّة تامة، ورسالة ضوئية موجّهة إلى فرنسا، تحتوي على كلمة واحدة فقط: «ميرسي» (شكراً)، كانت بداية رحلة «نسيج بايو» التاريخي على الأراضي الإنجليزية بعد 1000 عام من مغادرتها.

صاحبت رحلة النسيج منذ بداياتها موجات عالية من الاهتمام والترقُّب. ينتظر الشعب البريطاني رؤية تلك القطعة التي تصوّر معركة «هاستينغز» التاريخية التي غيّرت وجه البلاد، وما زالت مدن مثل «هاستينغ» و«باتل» في الجنوب الشرقي من بريطانيا تحمل آثار تلك المعركة التي خلّدتها المنسوجة الشهيرة.

وأمس وفي الساعة 2:50 فجراً بتوقيت بريطانيا الصيفي، وصل النسيج، وسط حراسة أمنية مشدَّدة، بعدما انطلق من موقع سرّي في شمال فرنسا، إلى منطقة التحميل في المتحف البريطاني، حيث سيُعرض أمام الجمهور من سبتمبر (أيلول) المقبل.

ويُجسّد هذا العمل المُطرَّز، البالغ طوله 70 متراً ويعود إلى القرن الـ11، في 58 مشهداً متتابعاً، الأحداث التي سبقت معركة هاستينغز والغزو النورماني لإنجلترا عام 1066، وهو الحدث الذي غيّر تاريخ البلاد إلى الأبد.

وذكرت «بي بي سي» أنّ الصندوق الضخم، المثبت داخل إطار من الألمنيوم، أُنزل من الشاحنة أمام عدد محدود من الحضور، بينهم السفير الفرنسي لدى المملكة المتحدة ومدير المتحف البريطاني.

كانت الشاحنة تتحرّك... فيما كانت 9 قرون تستعيد طريقها (أ.ف.ب)

وقال مدير المتحف البريطاني نيك كولينان: «شهدنا للتوّ حدثاً استثنائياً يتمثَّل في وصول (نسيج بايو) إلى المتحف البريطاني، والأهم من ذلك أنه يعود إلى إنجلترا للمرة الأولى منذ نحو 1000 عام».

وأضاف: «إنه حدث مدهش، ليس فقط لمشاهدته، بل للمشاركة فيه أيضاً، ونحن متحمّسون جداً لإتاحته أمام أكبر عدد ممكن من الزوار».

وربما لا يبدو مشهد إنزال صندوق أسود ضخم من شاحنة في جنح الليل حدثاً مثيراً، لكنه يُمثّل لحظة تاريخية.

وقالت أمينة مشروع معرض «نسيج بايو» في المتحف البريطاني، ميلي هورتون-إنش: «قد يبدو غريباً أن أشعر بكل هذه الحماسة لمجرّد رؤية شاحنة تتراجع إلى منطقة التحميل، ثم يُنزَل منها صندوق، لكن عندما تدرك ما يحتويه هذا الصندوق، وعُمر القطعة، ومدى قرب زمن صُنعها من الأحداث التي توثقها، وأنّ مَن صنعوها كانوا معاصرين لتلك الأحداث، يصبح الأمر شديد التأثير».

وأضافت: «اغرورقت عيناي بالدموع عندما رأيته يُنزَل من الشاحنة، وأتوقع ألا أتمالك دموعي عندما أراه للمرة الأولى عن قرب».

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لصحيفة «التايمز»، إن إعارة النسيج تمثّل «بادرة ثقة، وتجسيداً ملموساً لصداقة راسخة، ودليلاً على رغبتنا المشتركة في أن تبني فرنسا والمملكة المتحدة مستقبلهما معاً».

تاريخ بطول 70 متراً عبر الليل محروساً كأنه سرّ دولة (أ.ف.ب)

وكان ماكرون قد نشر، في وقت سابق، صورة لإسقاط ضوئي نفذه المتحف البريطاني لمشهد من «نسيج بايو» على المنحدرات البيضاء الشهيرة في دوفر، وظهرت عليها كلمة «Merci» (شكراً).

لكن إعلان الإعارة أثار في فرنسا موجة من القلق؛ إذ رأى كثيرون أن نقل عمل بهذه الهشاشة والأهمية التاريخية لمسافة تزيد على 300 ميل ينطوي على مخاطرة كبيرة. ووصف التماس فرنسي طالَبَ بوقف الإعارة هذه الخطوة بأنها «جريمة بحقّ التراث».

كما أعرب الفنان البريطاني الراحل ديفيد هوكني، قبل وفاته، عن معارضته نقل النسيج إلى المملكة المتحدة، مشيراً إلى أنّ عملية نقله قد تعرّضه للخطر، وكتب: «بعض الأشياء ثمينة إلى حدّ لا تجوز معه المجازفة بها».

الخيوط التي روت الغزو خاضت رحلتها الخاصة بعد 9 قرون (أ.ف.ب)

ممتصات للصدمات ورحلات تجريبية... كيف نُقِل النسيج؟

ولضمان وصول النسيج بأمان ومن دون أي أضرار، وُضع الحامل القابل للطيّ، الذي حُفظ عليه النسيج منذ إزالته من قاعة العرض في مدينة بايو العام الماضي، داخل صندوق مزوّد بأنظمة للتحكم في درجة الحرارة والرطوبة. ثم وُضع هذا الصندوق داخل هيكل خارجي زُوّد بنوابض معدنية تعمل ممتصاتٍ للصدمات، لحمايته من الاهتزازات والمطبّات خلال الرحلة.

وعبر النسيج القنال الإنجليزي عبر نفق «يوروتانل»، قبل أن يواصل رحلته إلى وسط لندن في ساعات متأخّرة من الليل.

وقال كولينان: «لو قال أي طرف، خصوصاً الجانب الفرنسي بوصفه الجهة المُعيرة، إنّ المخاطرة كبيرة جداً، لَمَا وصل النسيج إلى هنا اليوم. هذه هي الحقيقة. فالمتاحف لا تُقدِم أبداً على خطوة قد تُعرّض القطع التي تتولّى رعايتها للخطر».

وأضاف أنّ الهدف هو ألا يتعرض النسيج لأي ضرر، قائلاً: «كل هذه الإجراءات اتُخذت لتحقيق هذا الهدف، ونحن واثقون بنجاحها. كما أن هناك قطعاً أكثر هشاشة من هذا النسيج تُنقل باستمرار، ونحن أنفسنا نعير قطعاً أكثر هشاشة».

وكانت قد نُفِّذت رحلتان تجريبيتان باستخدام نسخة مطابقة من النسيج لاختبار مسار النقل والصندوق المخصَّص له، بهدف قياس الاهتزازات وتقليل أي تأثيرات أو صدمات كبيرة محتملة.

وقال المبعوث البريطاني الخاص المكلّف بملف إعارة النسيج، بيتر ريكيتس، إنّ «كلّ ما يمكن القيام به» قد أُنجز لتجنب أي أضرار.

وأضاف: «لم يكن أحد ليوافق على نقل النسيج إلى المملكة المتحدة إذا اعتقد وجود أي احتمال لإلحاق الضرر بهذه القطعة الاستثنائية أو تعريضها للخطر. لست قلقاً، بل أشعر بالارتياح. ويبدو أنّ جميع الترتيبات الدقيقة الخاصة بالنقل تسير على نحو ممتاز».

ووصف الإعارة بأنها تُمثّل «التقاء أمّتين عريقتين للتأمل في تاريخهما المشترك، وهو أمر شديد الخصوصية».

تحرَّكت المركبة ببطء كأنها تعرف أنها تحمل قرناً بعد آخر (أ.ف.ب)

القصة الملحمية لـ«نسيج بايو»

ورغم اسمه، فإنّ «نسيج بايو» ليس نسيجاً بالمعنى التقليدي، بل قطعة من الكتان مطرَّزة بخيوط صوفية ملوّنة، تُصور الصراع بين وليام، دوق نورماندي الذي أصبح لاحقاً فاتح إنجلترا، وهارولد الثاني، ملك إنجلترا.

ويُعدّ هذا العمل المطرَّز ذا أهمية استثنائية، إذ يضم 58 مشهداً و626 شخصية، من بينها 6 نساء فقط، و202 حصان، فضلاً عن عدد كبير من السفن والسيوف والسهام، من بينها سهم يصيب جندياً يُعتقد أنه هارولد الثاني، رغم وجود تساؤلات حول ما إذا كان هذا المشهد قد أُضيف في وقت لاحق.

وقالت هورتون-إنش إنّ بقاء هذا العمل الفني لأكثر من 900 عام يُعد «معجزة»، مشيرة إلى أنّ العثة والفئران والرطوبة والعفن والحرائق، وغيرها من العوامل، كانت كفيلة بتدميره. وأضافت: «إنه بقاء استثنائي بكلّ المقاييس».

وتابعت: «يروي النسيج إحدى أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ إنجلترا، بل في التاريخ البريطاني، بطريقة بصرية نابضة بالحياة لا يمكن لأيّ مصدر مكتوب أن ينقلها».

ويقدم «نسيج بايو» تصويراً ملحمياً لنهاية إنجلترا الأنغلوسكسونية. فقد غيَّر الغزو النورماني كلّ شيء، وأعاد تشكيل البلاد بالكامل؛ إذ انتقلت الأراضي الإنجليزية إلى أيدي النبلاء النورمان، وشُيِّدت مئات القلاع لترسيخ سيطرتهم وإبراز السلطة الملكية.

كما استُبدل كبار النبلاء الإنجليز بنظرائهم النورمان، وكذلك كبار رجال الكنيسة. ودخلت آلاف الكلمات الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية، ولا تزال مستخدمة حتى اليوم، في مجالات تمتدّ من القانون والبرلمان والعدالة إلى أسماء الأطعمة، مثل لحم الضأن ولحم البقر ولحم الخنزير.

ويُقدّم النسيج توثيقاً فريداً للحياة في نورماندي وإنجلترا خلال العصور الوسطى، بما يتضمّنه من معلومات عن العمارة المدنية والعسكرية، والدروع، والملاحة البحرية ذات الطابع الإسكندنافي، إلى جانب تفاصيل ثمينة عن الحياة اليومية.

وقبل عام 1066، كانت الروابط السياسية والثقافية لإنجلترا تتّجه نحو الدول الإسكندنافية ومنطقة بحر الشمال، لكنّ الغزو النورماني جعلها جزءاً من كيان نورماني امتدّ عبر القنال الإنجليزي. ويُنظر إلى ذلك أحياناً على أنه بداية انخراط إنجلترا في السياسة الأوروبية القارية.

وتستند الإعارة، التي تمتد 9 أشهر، إلى اتفاق أبرمته الحكومة الفرنسية، واستُكمل بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر العام الماضي، فيما أُغلق متحف بايو في نورماندي، الذي عُرض فيه النسيج منذ عام 1983، لإجراء أعمال الترميم.

وعند إعلان الإعارة، قال رئيس مجلس أمناء المتحف البريطاني، وزير الخزانة البريطاني الأسبق جورج أوزبورن: «مرة واحدة في كلّ جيل يستضيف المتحف البريطاني معرضاً يتفوَّق على جميع ما عداه. ولنتذكر مَعارض مثل توت عنخ آمون وجيش التيراكوتا في العقود الماضية. وسيكون (نسيج بايو) المعرض الأبرز في جيلنا. وأنا على يقين بأنه سيأسر خيال الأمة بأكملها».

وفي المقابل، سيُعير المتحف البريطاني إلى فرنسا عدداً من الكنوز الأثرية، من بينها مقتنيات كنز ساتون هو، إلى جانب قطع شطرنج لويس المصنوعة من عاج الفظ في القرن الـ12.

وأدّى الإقبال الكبير على عرض النسيج إلى بيع المتحف البريطاني عدداً قياسياً بلغ 100 ألف تذكرة في اليوم الأول من طرحها.

وسيُعرض النسيج بصورة أفقية، وفق أحد شروط الإعارة، فيما سيتيح طابق الميزانين للزوار مشاهدة العمل كاملاً بمجرّد دخولهم قاعة العرض، وذلك للمرة الأولى في التاريخ. لكن قبل ذلك، سيخضع النسيج لأسابيع من الفحص الدقيق والمتأنّي عقب وصوله.


مقالات ذات صلة

مصر لإعلان «كهف الجارة» محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية

يوميات الشرق تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

مصر لإعلان «كهف الجارة» محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية

اتخذت مصر خطوات تمهيدية لإعلان منطقة كهف الجارة بمحافظة الوادي الجديد بالصحراء الغربية محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية، لما تمتلكه المنطقة من مقومات.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)

سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

قد يُعيد سور قديم اكتُشف في باريس رسم خريطة البدايات الأولى للعاصمة الفرنسية، بعدما أعلنت السلطات أنّ العثور عليه يمثّل «إنجازاً كبيراً»...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
TT

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ليست الصورة الأكثر رسوخاً في الذاكرة لمارك زوكربيرغ، تلك التي يظهر فيها مرتدياً نظاراته الشهيرة المميَّزة، بل صورة مارك المتخيَّلة التي تُختتم بها أحداث «الشبكة الاجتماعية»، فيلم عام 2010 الذي تناول ظروف تأسيس «فيسبوك» المشحونة بالتوتر. عند تلك النقطة، يكون مارك قد حوَّل أصدقاء إلى أعداء، وغرباء إلى أصدقاء، وبات على وشك أن يصبح أصغر ملياردير عصامي في العالم. والآن، يجلس وحيداً أمام حاسوب محمول، ويرسل طلب «صداقة» إلى حبيبته السابقة التي لا تستجيب. فيواصل تحديث صفحته على «فيسبوك» مرة تلو أخرى، في لحظة تجسِّد على نحو مثالي حال الفتى الثري المسكين، وتوحي بكل ما خسره.

جيريمي سترونغ في دور مارك زوكربيرغ (imdb)

حظي «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) بإشادة واسعة، وفاز ببعض جوائز الأوسكار، من بينها جائزة لكاتبه آرون سوركين، الذي واصل منذ ذلك الحين العمل في السينما والتلفزيون والمسرح. وسارت الأمور على نحو جيد أيضاً بالنسبة إلى زوكربيرغ، الذي تحوَّلت شركته الناشئة، التي انطلقت من غرفة في سكن جامعي، إلى عملاق للتواصل الاجتماعي يُقدَّر عدد مستخدميه بنحو 3 مليارات.

وبين الدفاع عن تأثير «فيسبوك»، بما في ذلك تأثيره في الأطفال والانتخابات، وتقديم اعتذارات علنية باسم الشركة، تزوَّج زوكربيرغ، وأنجب أطفالاً. كما غيَّر اسم «فيسبوك» إلى «ميتا»، وتضاعفت ملياراته مرات كثيرة، إذ تُقدَّر ثروته الصافية بنحو 250 مليار دولار، بل زار البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترمب.

يعود سوركين إلى تناول زوكربيرغ في فيلمه الجديد «المحاسبة الاجتماعية» (The Social Reckoning)، الذي يحمل عنواناً مفعماً بالأمل، وهذه المرة بصفته كاتباً ومخرجاً معاً. لا ينصبُّ التركيز هنا على البدايات أو الصداقات أو حتى زوكربيرغ، وإنما على الكيفية التي أعادت بها منصات التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك»، تشكيل أدمغتنا، معرِّضةً الأجساد والكيان السياسي الأميركي للخطر. ولا يزال مارك المتخيَّل، الذي يؤديه جيريمي سترونغ على نحو يبعث على القلق، يخيِّم على الأحداث، لكنه يظهر إلى حد كبير بوصفه تجسيداً رمزياً. أما الشخصيتان اللتان تضخّان الحياة في هذا الجزء الثاني، فهما فرانسيس هوغن (مايكي ماديسون)، الموظفة الحقيقية في «فيسبوك» التي تحوَّلت إلى كاشفة للمخالفات، وجيف هورويتز (جيريمي ألين وايت)، صحافي «وول ستريت جورنال» الذي كشفت سلسلة تحقيقاته المنشورة عام 2021 ما أفصحت عنه هوغن من أن الشركة اختارت «الربح على حساب السلامة»، وكانت على علم بالأضرار التي تتسبَّب فيها.

تدور أحداث الفيلم على مدى سنوات عدة، خلال عام 2021 والسنوات المحيطة به، وترصد تحوُّل فرانسيس من مؤمنة بـ«فيسبوك» إلى متشكِّكة فيه، ثم خارجة عن عقيدته. تبدأ صحوتها حين تشاهد مقطع فيديو مقلقاً، وتتواصل في مقرّ «فيسبوك» في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا. هناك، وسط مساحات عمل مفتوحة وأفواه مطبقة بإحكام، تعمل ضمن فريق النزاهة المدنية في الشركة، وتدرك أن خللاً خطيراً يحدث. ويقودها ذلك إلى جيف، الذي لا يملك حساباً على «فيسبوك»، لكنه لا يتورَّع عن شرح الديمقراطية بنبرة ذكورية متعالية، ويتمتَّع بإصرار صحافي يُشبه تشبُّث كلب بعظمة، وقادر على تحويل معلومات أولية إلى أخبار تتصدَّر العناوين. وقد وضع «فيسبوك» نصب عينيه، ويخوض مواجهته معه بدعم قوي من إدارة التحرير، تؤدي بيتي غيلبين دور رئيسته، ثم، مع مرور الوقت، بمساعدة فرانسيس المتردِّدة.

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت بدورَي فرانسيس هوغن وجيف هورويتز في «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ومن أذكى قرارات سوركين هنا الجمع بين وايت وماديسون، اللذين يتكامل حضورهما على الشاشة، وتجعلهما وسامتهما المميَّزة وغير التقليدية، وما يوحيان به من صدق عفوي، بطلين طبيعيين في مواجهة قوة أكبر منهما. يميل وايت إلى المبالغة في التعبير بعينيه، فيمنح نظراته حدَّة زائدة بسرعة، وقد تبدو التقطُّعات في صوته متدرَّباً عليها، سواء عن قصد أم لا. الشخصية ليست غنية بالتفاصيل، لكن وايت يضيف إليها ملمساً وظلالاً. أما قدرته على الظهور بصورة تُشبه على نحو لافت ابناً يجمع ملامح روبرت ريدفورد وداستن هوفمان في «كل رجال الرئيس» (1976)، فهي ميزة إضافية.

يُحسن سوركين التعامل مع فرانسيس أكثر؛ فهي نابغة مهووسة بالتقنية، حادّة الطباع، تتفوَّق قدراتها الذهنية على مهاراتها في التعامل مع الناس. وتؤدي الشخصية وظائف درامية متعددة، إذ تشكِّل مدخل القصة ومرآة المشاهد في آنٍ واحد. ولأن فرانسيس معزولة نسبياً في العمل، لا يبدو أن أحداً يحبها كثيراً، وتكاد حياتها الشخصية تكون معدومة، ويتعيَّن عليها أيضاً أن تنبض بالحياة من دون الكمّ الهائل من الحوارات التي تميِّز سوركين. تمنح ماديسون فرانسيس نظرة باحثة، ومتسائلة أحياناً، تزداد تركيزاً وقوة، وتتباين بوضوح مع تحفُّظ الشخصية الجسدي في البداية. وبعد العمل، حين تستقرّ فرانسيس في العتمة التي تغلِّف شقتها، تضمُّ جسدها إلى نفسه كما لو كانت تطوي خيمة. ترى وحدتها، لكنك ترى أيضاً استقلاليتها.

من كواليس تصوير «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

بمجرد أن تتواصل فرانسيس وجيف، يتحوَّل الفيلم إلى ما يُشبه فيلم تشويق أكثر اعتماداً على الحوار، مع لقاءات سرية وتهديدات تنذر بالخطر، وحتى بعض التنكُّر. وخلال ذلك، يتلاعب سوركين بالتسلسل الزمني، متنقِّلاً بين السنوات واللحظات الحاسمة. ويطلّ مارك بين حين وآخر، مرتدياً أحياناً بدلة وربطة عنق، فيما يُعدّه مساعدوه، وهنا تظهر وونمي موساكو، للمثول أمام الكونغرس. وبغرّة قصيرة تنسدل على جبينه، يؤدي سترونغ الدور بنظرة جامدة تُحدق في البعيد، ووجه غالباً ما يكون خالياً من التعبير بالقدر نفسه، وصوت قريب جداً من صوت زوكربيرغ، إلى حد أنني ضحكت حين سمعته للمرة الأولى. إنه تقليد متقن تقنياً لكائن بشري لم يعد سوركين، بوضوح، يُكنّ له أي تعاطف.

في «المحاسبة الاجتماعية»، لا يكتفي سوركين باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية. ولا شكَّ في صدق هذا التحذير، لكن سوركين يطلقه في عالم يظلّ في نهاية المطاف، رغم أشراره وتهديداته، الخوارزمية وغيرها، مألوفاً على نحو مطمئن، شأنه شأن أي عالم في مواقع التصوير الخارجية بهوليوود القديمة. ورغم كل ما يتناوله الفيلم من قضايا راهنة، فإنه يستحضر تلك الأفلام الكلاسيكية التي ترسَّخت في الحمض النووي الأميركي؛ الأفلام التي ينتصر فيها البسطاء، ويتحدَّث فيها شخص مثالي بشغف عن الديمقراطية من قاعة مجلس الشيوخ، من دون أن يتدفَّق إليها مثيرو الشغب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

انتهت مصر وإيطاليا من مشروع ترميم لوحة «الأخوين»، إحدى أبرز روائع فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني، وذلك في إطار مشروع شارك فيه فريق من المرممين المصريين والإيطاليين.

وأعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن انتهاء مشروع الترميم مع ترتيبات للعرض الأول للوحة ضمن معرض بروما، فمن المقرر أن تسافر هذه اللوحة من مصر لأول مرة لعرضها في معرض مؤقت بمتحف «آرا باسيس» بالعاصمة الإيطالية روما، ضمن معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم»، والمقرر في المدة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 وحتى 2 مايو (أيار) 2027، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

ويشهد المعرض، لأول مرة، عرض مجموعة من بورتريهات الفيوم من مقتنيات متاحف الآثار المصرية، تضم قطعاً مختارة من المتحف المصري بالتحرير، ومتحف كوم أوشيم، ومتحف الغردقة، وتتصدرها لوحة «الأخوين» بوصفها إحدى أبرز القطع المصرية المشاركة.

وأكد فتحي أن مشروع الترميم الذي استغرق نحو 3 أسابيع يعكس عمق علاقات التعاون الثقافي بين مصر وإيطاليا، ويبرز الدور المهم للتراث الثقافي في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الشعوب، مشيراً خلال مؤتمر صحافي إلى أن ترميم بورتريه «الأخوين» يمثل نموذجاً متميزاً للتعاون الدولي في مجال صون ودراسة التراث الثقافي، بما أتاح تبادل الخبرات بين المتخصصين المصريين والإيطاليين، والاستفادة منها في ترميم هذا العمل الفني الاستثنائي والحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

وأضاف فتحي أن «عرض هذه اللوحات ضمن معرض مؤقت في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الدولي بأحد الجوانب المتميزة للحضارة المصرية، وإلقاء الضوء على التفاعل الثقافي والفني الفريد الذي شهدته مصر خلال العصر الروماني، كما يعكس حرص الدولة المصرية على إتاحة تراثها الثقافي أمام الجمهور حول العالم».

الإعلان عن ترميم اللوحة الأثرية تمهيداً لعرضها بروما (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعد لوحة «الأخوين» لوحة خشبية دائرية يبلغ قطرها نحو 62 سم، ولا يتجاوز سُمكها سنتيمتراً واحداً، ورُسمت باستخدام تقنية «الإنكوستيك»، التي تعتمد على مزج الأصباغ بالشمع المنصهر، وتصور شابين جنباً إلى جنب. وتتميز اللوحة بشكلها الدائري غير المعتاد، وحجمها الكبير، فضلاً عن تصوير شخصين معاً في تكوين فني واحد، وهو ما يجعلها نموذجاً استثنائياً بين بورتريهات الفيوم المعروفة بتصوير الشخصيات فرادى.

وتُعد بورتريهات الفيوم من أبرز نماذج التصوير الشخصي الباقية من العالم القديم. وقد رُسمت في معظمها على ألواح خشبية رقيقة، وكانت توضع فوق وجه المتوفى بين لفائف المومياء، في تجسيد للتفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والتأثيرات الفنية اليونانية والرومانية.

وأكد الدكتور هشام الليثي، على الأهمية الأثرية والفنية الاستثنائية للوحة، موضحاً أن أهميتها لا تقتصر على جودة ودقة أسلوبها الفني فحسب، بل تمتد إلى شكلها وتقنية تنفيذها وحالتها، بما يوفر معلومات مهمة لدراسة فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني.

وتضمنت أعمال الترميم تدعيم الطبقة اللونية المحيطة بالأجزاء المفقودة بعناية، وتثبيت المناطق الضعيفة، إلى جانب معالجة الأنفاق التي خلفتها الحشرات أسفل بعض مناطق الطبقة اللونية. كما قام فريق الترميم بتسوية وتدعيم الأجزاء التي سبق تثبيتها بصورة غير صحيحة، قبل إعادتها إلى مواضعها الأصلية باستخدام دعامات دقيقة.

ومن المنتظر أن يضم معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم» أكثر من 110 قطع أثرية وفنية، من بينها ألواح مرسومة، وأكفان جنائزية، وأقنعة، وبورتريهات رخامية، وقوالب جصية، ومجموعة من الحُلي القديمة. ويضم المعرض نحو 60 بورتريهاً مرسوماً من مصر، بما يتيح للزائر التعرف بصورة أعمق على التفاعلات الفنية والثقافية التي شهدتها مصر خلال العصر الروماني، وفق تصريحات لتوماسو رادايلي، رئيس المؤسسة المنظمة للمعرض.

وأوضح الدكتور كلاوديو باريزي، المشرف على التراث الثقافي في روما، أن القطع المصرية ستُعرض إلى جانب عدد من الأعمال من مجموعات ومتاحف دولية، من بينها متحف اللوفر، ومتحف جيه بول جيتي، ومتحف ولاية فورتمبيرغ في شتوتغارت، ومتحف المتروبوليتان للفنون، إلى جانب عدد من المجموعات الإيطالية.

وتمثل عملية ترميم لوحة «الأخوين» خطوة مهمة في صون أحد الشواهد الفنية النادرة التي تكشف عن خصوصية الحضارة المصرية خلال العصر الروماني. وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحة لا تكتسب أهميتها من قيمتها الجمالية فحسب، وإنما من قدرتها على توثيق التفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والأساليب الفنية اليونانية والرومانية، مع احتفاظها بملامح مميزة لفن التصوير في مصر القديمة».

وترى سليمان أن «عرض اللوحة في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الأوروبي بأحد جوانب الإبداع الفني المصري، ويعزز الدبلوماسية الثقافية بوصفها جسراً للتواصل بين الحضارات، شريطة أن يقترن عرض الآثار بالخارج بضمانات دقيقة لحمايتها وصونها».


«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ47 بمرور نصف قرن على تأسيسه، جاء ذلك في الوقت الذي أثار فيه الملصق الدعائي للمهرجان جدلاً بسبب تصميمه وطريقة استحضاره تاريخ السينما المصرية، مع اختيار الفنانة الراحلة شادية لتتصدر واجهته بالألوان، أمام خلفية تضم صوراً من أفلام وشخصيات سينمائية بالأبيض والأسود.

وتم الكشف عن الملصق الخاصة بالدورة التي تحتفي بمرور 50 عاماً على انطلاق المهرجان عام 1976، ويجمع بين عرض إنتاجات حديثة واستعادة أعمال مصرية مرممة، إلى جانب تكريم سينمائيين وإقامة لقاءات متخصصة حول صناعة الأفلام، وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في القاهرة، الأحد، شرح الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، الفكرة التي يقوم عليها التصميم، مؤكداً أن الخلفية تستعيد الأفلام المصرية المرممة، وما تمثله من تاريخ سينمائي حاضر باستمرار في ذاكرة الجمهور.

وأوضح أن حضور الأبيض والأسود يرتبط بهذه الذاكرة، بينما تشير الألوان إلى مرحلة دخول السينما الملونة، وهو ما يجمع في الملصق صور تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور الفيلم المصري، موضحاً أن اختيار شادية جاء بوصفها رمزاً للحضارة السينمائية المصرية؛ ولذلك ظهرت بالألوان في مقدمة الملصق، إلى جانب الشخصيات الموجودة في الخلفية، التي قدمت «سينما متميزة».

وقال الناقد الفني طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة المهرجان اختارت صورة غير موفقة للفنانة الراحلة شادية ومغايرة للانطباع الذي تركته عند الجمهور عبر مسيرتها السينمائية الممتدة بشخصية الفتاة الدلوعة، ومن ثم كان من الأفضل استخدام صورة تعبر عن البهجة، فضلاً عن عدم جودة التقنيات المستخدمة في الملصق الترويجي».

وأرجع الشناوي جزءاً من الاهتمام بالجدل الذي صاحب الملصق الترويجي إلى برنامج المهرجان الذي جرى الكشف عن تفاصيله لكون الصورة تعد المعادل الموضوعي لما يحدث على السجادة الحمراء، ومن ثم تحظى باهتمام كبير. وهنا يشير الناقد محمد عبد الرحمن لتوضيحات رئيس المهرجان حول شرح فكرة الملصق الترويجي واهتمام «القاهرة السينمائي» بترميم الأفلام القديمة كأحد الفعاليات الهامة التي ينجزها المهرجان كل عام، مشيراً إلى أن «تنفيذ الفكرة التي تحدث عنها حسين فهمي لم يكن على المستوى المتوقع».

ليلى علوي ولبلبة وعدد من حضور المؤتمر (إدارة المهرجان)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حساسية لدى الجمهور من تغيير ملامح الفنانين بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم جاءت كثير من الردود الفعل سلبية، وتطالب بتعديل الملصق الترويجي خصوصاً أن شادية لها مجموعة من الصور الجيدة التي تظهر فيها معالمها بوضوح دون الحاجة لتغييرات الملامح التي ظهرت في الملصق الرسمي».

وتُقام الدورة الجديدة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، اختيرت بعد استقبال المهرجان 5600 طلب مشاركة في مختلف البرامج والمسابقات، بينها 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 للأفلام القصيرة. ويصل مجموع العروض الأولى إلى 109 أفلام، بينما يعرض المهرجان 27 فيلماً مصرياً مرمماً، بينها «البوسطجي» و«المتمردون» و«معبودة الجماهير» و«القاهرة 30» و«الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف».

وعلى مستوى التكريمات، يمنح المهرجان الفنان آسر ياسين جائزة «فاتن حمامة للتميز»، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في السينما المصرية، وتنوع الشخصيات التي قدمها وقدرته على التعبير عن أبعادها النفسية والإنسانية. كما يكرم مدير التصوير سعيد شيمي والسيناريست والشاعر مدحت العدل بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، تقديراً لإسهامات شيمي في تشكيل الصورة السينمائية المصرية عبر مسيرة تجاوزت 5 عقود، ولأعمال العدل التي ارتبطت بوجدان الجمهور، وأسهمت في انطلاق جيل من النجوم.

ويكرم المهرجان أيضاً المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي»، تقديراً لتجربته في تطوير لغة السينما الأفريقية، وتعزيز حضورها عالمياً كما يكرّم المهرجان الموزع السينمائي أنطوان زند تقديراً لمسيرة تجاوزت 6 عقود، أسهم خلالها في إتاحة الأفلام العالمية للجمهور المصري، وتطوير قطاعي التوزيع والعرض. ويشارك فيلمان مصريان في المسابقة الرسمية، هما «برلين» و«البرانية»، من بين 12 فيلماً أعلن المهرجان عنها. ويعود أحمد عبد الله السيد بفيلم «برلين»، بطولة منة شلبي ويسرا اللوزي، متتبعاً حيوات 3 مهاجرين عرب خلال يوم سريالي في العاصمة الألمانية.

أما «البرانية»، أول أفلام المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص الروائية الطويلة، فسبق أن شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في «فينيسيا السينمائي»، وتدور قصته حول امرأة حامل تعيش بقرية تحيط بها حقول الياسمين، وتواجه عائلتها انقساماً بسبب عرض لشراء أرضها، بينما تنمو داخلها أحلام الانتقال إلى المدينة.

بينما يشارك الفيلم السعودي «جحيم العابرين»، للمخرجة هناء العمير، ضمن برنامج «عروض منتصف الليل» على أن يُعرض قبل أيام من طرحه تجارياً في صالات السينما السعودية، ويأتي ضمن 4 أعمال يضمها القسم، إلى جانب الفيلم الأرجنتيني «جلد الطبل»، والفيلمين الفرنسيين «حبيبي» و«حفلة عيد الميلاد».