السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

بات أخطر الجبهات في معركة الإمداد وكسر الإرادة للسيطرة على مدينتي أم درمان والأُبيض

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، لم تقتصر المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» على المدن الكبرى والمقار العسكرية، بل امتدت إلى الطرق الحيوية التي تشكّل شرايين الاقتصاد وحركة السكان.

ويبرز «طريق الصادرات» الذي يربط بين مدينتَي أم درمان (شمال العاصمة) والأٌبيض (شمال كردفان) إلى مدينة الفاشر (شمال دارفور) في مقدمة هذه المسارات، بوصفه محوراً استراتيجياً يربط غرب البلاد بوسطها، ويمثل خط إمداد بالغ الأهمية عسكرياً وتجارياً، ما جعله ساحةً دائمةً لحرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز القتال المباشر إلى حرب نفسية تستهدف كسر المعنويات وإرباك الخصم.

ويُعرف هذا الطريق سياسياً واقتصادياً باسم «طريق الصادرات»، لارتباطه بنقل السلع والمحاصيل من غرب السودان إلى وسطه، وصولاً إلى مواني التصدير. غير أنه تحوّل، بفعل ضراوة المعارك وطول أمد الصراع، إلى ما يسميه السكان المحليون «طريق الموت»، بعد أن ظلَّ مسرحاً لا يهدأ للاشتباكات منذ الأيام الأولى للحرب.

معارك كر وفر

وخلال الأسابيع الماضية، شهد هذا الطريق الاستراتيجي معارك كرّ وفرّ عنيفة، وسط تضارب في الروايات بين طرفَي الصراع. فبينما تحدَّثت منصات موالية لـ«قوات الدعم السريع» عن اقترابها من مدينة أم درمان، أعلن الجيش تصديه للهجمات واستعادته مواقع في المنطقة، واصفاً ما يجري بأنه جزء من حرب نفسية تسعى «قوات الدعم السريع» من خلالها إلى تضخيم مكاسبها الميدانية.

وتُعد المسافة الممتدة من غرب أم درمان، مروراً ببلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، وصولاً إلى مدينتَي بارا والأُبيض، العقدة البرية الأبرز في القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فهذا المحور ظل خط تماس حساساً لم يتوقف فيه أزيز الرصاص طوال نحو 1000 يوم من الحرب، ومع ازدياد أعداد الضحايا، ترسَّخ اسمه شعبياً بوصفه «طريق الموت».

في الأيام الأولى للحرب، كان الطريق واقعاً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ابتداءً من مدينة بارا وحتى أم درمان، حيث شكّل خط الإمداد الرئيسي لتحركاتها ونقل عتادها. إلا أن هذا المسار ظل عرضةً لقصف جوي مكثف من الجيش، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ممر انسحبت عبره «قوات الدعم السريع» باتجاه غرب البلاد.

ووفقاً لتقارير صحافية، تسيطر «قوات الدعم السريع» حالياً على المقطع الممتد من رهيد النوبة إلى تخوم مدينة الأُبيض، مروراً بمدينتَي بارا وجبرة الشيخ، بينما يسيطر الجيش على المسافة الواقعة بين أم درمان وتخوم رهيد النوبة، إضافة إلى المنطقة المحيطة بدائرة مدينة الأبيض. أما المقطع الغربي من الطريق، الممتد من الأبيض إلى الفاشر، فتخضع غالبية مناطقه لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «دارفور 24» المستقلة، الأسبوع الماضي، أن الجيش صدّ هجوماً واسعاً شنّته «قوات الدعم السريع» على طريق الصادرات عند بلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، اللتين تبعدان نحو 100 كيلومتر عن مدينة أم درمان. وبحسب الصحيفة، استهدف الهجوم خطوط الدفاع المتقدمة للجيش في الجبهة الغربية للمدينة، بعد حشد «قوات الدعم السريع» أعداداً كبيرة من المقاتلين والآليات.

محاولات لإعادة الحياة لسوق أم درمان الشعبية العريقة ضمن جهود ترميم العاصمة (الشرق الأوسط)

أشارت الصحيفة إلى أن «قوات الدعم السريع» أجبرت الجيش، خلال الهجوم، على التراجع باتجاه منطقة وادي الحوت القريبة من أم درمان؛ نتيجة استخدامها المكثف للطائرات المسيّرة. غير أن الجيش شنَّ لاحقاً هجوماً مضاداً أجبر «قوات الدعم السريع» على التراجع نحو مدينة جبرة الشيخ وبلدة أم قرفة بولاية شمال كردفان.

معارك نحو أم درمان

وخلال الأيام الماضية، كثّف الإعلام الموالي لـ«قوات الدعم السريع» حديثه عن عمليات عسكرية تستهدف أم درمان، مؤكداً اقتراب قواته من حدودها الغربية. في المقابل، شدَّد الإعلام الموالي للجيش على أن أم درمان لا تزال «عصية»، متحدثاً عمّا وصفها بـ«هزيمة قوات الدعم السريع وفرارها غرباً». لكن صحيفة «دارفور 24»، رأت أن «قوات الدعم السريع» تسعى إلى إحكام سيطرتها على كامل الطريق وصولاً إلى تخوم أم درمان، إلى جانب توسيع نفوذها في مدينة بارا، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن مدينة الأبيض، وجبرة الشيخ الواقعة شمال شرقيها.

وفي هذا الإطار، توقَّعت الصحافية المتخصصة في شؤون الإقليم والجغرافيا العسكرية فاطمة غزالي، عودة «قوات الدعم السريع» لمحاولة التقدم نحو أم درمان. وقالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوات الدعم السريع تسعى للاقتراب من أم درمان، لاستعادة المناطق التي انسحبت منها سابقاً». وأضافت أن سيطرتها على الفاشر وبابنوسة، إلى جانب حصارها مدن كادوقلي والدلنج والأُبيض، أسهمت في رفع معنوياتها، ما يوفر لها دافعاً لمحاولة الوصول إلى أم درمان.

آثار الدمار الذي لحق بمبنى وزارة المالية السودانية ومؤسسات أخرى مع استئناف جهود إعادة الحياة إلى العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وتوقَّعت غزالي تكثيف «قوات الدعم السريع» هجماتها خلال الفترة المقبلة، استباقاً لهجمات محتملة من الجيش، في ظل تداول معلومات عن حصوله على أسلحة متطورة من باكستان وتركيا. وعدّت أن خطاب «قوات الدعم السريع»، القائل إن السلاح الجديد لن يمنعها من التقدم نحو أم درمان، يندرج ضمن رسالة ضغط وزعزعة للحكومة التي عادت من بورتسودان إلى الخرطوم، مفادها بأن «الخرطوم ليست آمنة، وأن الحرب لم تنتهِ بعد».

حرب نفسية

في المقابل، يرى الناشط السوداني محمد خليفة، الذي يتابعه ملايين المستخدمين على موقع «فيسبوك»، أن «قوات الدعم السريع» لا تمتلك في الوقت الراهن القدرة على شنِّ هجوم مباشر على أم درمان. ويصف الهجمات التي تنفِّذها غرب المدينة بأنها «حرب نفسية»، هدفها إبقاء القوات الكبيرة للجيش، المتمركزة في مدينة الأُبيض، في حالة دفاع دائم، لمنعها من الانفتاح نحو جنوب كردفان وفك الحصار عن مدينتَي كادوقلي والدلنج.

ويشير خليفة إلى أن «قوات الدعم السريع» تشنُّ، في الوقت ذاته، هجمات متواصلة على تخوم مدينة الأُبيض من 3 جهات على الأقل، مع ترويجها لادعاءات باقترابها من اجتياح المدينة، كما نقلت وكالة «رويترز»، غير أنه يستبعد توجه «الدعم السريع» نحو الأُبيض في هذه المرحلة، ما لم تُحكم سيطرتها أولاً على مدن جنوب كردفان، عادّاً أن المعارك في محيط المدينة ليست سوى عمليات إلهاء لإبقاء قوات الجيش وحلفائه في وضعية دفاع، إلى حين إرسال تعزيزات لقواتها المحاصرة هناك.

وعلى الصعيد المدني، انعكست معارك «طريق الصادرات» بشكل مباشر على حياة السكان في المناطق المحيطة به، حيث تعطَّلت حركة السلع، وارتفعت تكلفة النقل، وتراجعت الإمدادات. ويُعد قرار والي ولاية الخرطوم بتقييد نقل السلع عبر الحدود الغربية ومناطق التماس في شمال كردفان ودارفور، والذي أوردته صحيفة «سودان تربيون»، أحد أبرز تجليات هذه التداعيات الاقتصادية والإنسانية.

وفي المحصلة، تميل غالبية التحليلات إلى توصيف ما يجري على جانبَي «طريق الموت» بوصفه حرب استنزاف نفسية، ومعركة معنويات لا تقل شراسة عن القتال الميداني نفسه، أكثر من كونه معارك حسم وسيطرة أو تهديداً وشيكاً لمدن الخرطوم أو أم درمان أو الأُبيض، أو محاولة لطرد «قوات الدعم السريع» منها.


مقالات ذات صلة

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان (رويترز-أرشيفية)

مشاورات بين الجيش و«الكتلة الديمقراطية» لتشكيل برلمان سوداني مؤقت

بعد قرابة العام من تعديلات جوهرية على الوثيقة الدستورية، قوى سياسية تجري مشاورات مع الجيش السوداني لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون (مجلس السيادة) p-circle

وزير الدفاع السوداني: الهزيمة الوشيكة لـ«الدعم السريع» ستفتح الباب أمام انتقال سياسي

قال وزير الدفاع السوداني الفريق حسن كبرون إن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في مواجهة «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا تبني معسكراً سرياً لتدريب مقاتلين لـ«الدعم السريع»

قالت ثمانية مصادر، من بينهم مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات موَّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً ​لوجيستياً للموقع....

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended