مقترح «المقايضة الكبرى» المصري في مهب الانتقادات الاقتصادية

هيكل طالب المعترضين بحلول بديلة للأزمة المتفاقمة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)
TT

مقترح «المقايضة الكبرى» المصري في مهب الانتقادات الاقتصادية

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)

أثار مقترح «المقايضة الكبرى» الذي طرحه رجل الأعمال المصري، حسن هيكل، حلاً محتملاً لتخفيف أعباء الدين الداخلي، جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، ومعارضة شديدة من خبراء ومصرفيين حذَّروا من تداعياته على استقلالية البنك المركزي ومن تعريض ودائع المواطنين للخطر.

وبينما يتصاعد النقاش حول المبادرة في الفضائيات والمؤتمرات الأكاديمية، لا تزال الحكومة تلتزم الصمت حيال هذا الطرح المثير للجدل.

تتلخص فكرة المقترح في نقل جزء من ديون الدولة من وزارة المالية إلى البنك المركزي، مقابل نقل ملكية أصول حكومية استراتيجية - وفي مقدمتها هيئة قناة السويس - إلى ميزانية «المركزي».

ووفقاً لرؤية هيكل، تهدف هذه المقايضة إلى تصفير أعباء الدين في الموازنة العامة؛ ما يتيح للدولة توجيه الموارد المالية نحو قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، مقترحاً تطبيق الفكرة تدريجياً لتقييم أثرها.

ووفق التقديرات الأولية، يتوقع أن تسهِم هذه المقايضة في خفض كبير في مدفوعات الفوائد؛ ما يوفر مئات المليارات، قد تصل إلى 8 تريليونات جنيه (168.8 مليار دولار).

وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في حين ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الطرح الذي شرحه هيكل، باستفاضة، الأحد، خلال حلقة تلفزيونية، واستعرضه في اليوم نفسه أمام «المنتدى الاقتصادي» لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، سبق وأن قدمه في كثير من تدويناته المثيرة للجدل.

لقاء رجل الأعمال حسن هيكل التلفزيوني لشرح مقترحه «المقايضة الكبرى» (سكرين شوت)

في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، اكتفى المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، بالإشارة إلى أن «أي إجراءات تتعلق بالدين سيتم الإعلان عنها في حينه»، رغم تأكيدات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي على وجود توجيهات صارمة بخفض عبء المديونية على الموازنة العامة.

تحذيرات من «ليّ ذراع» السياسة النقدية

واجه المقترح هجوماً حاداً من خبراء الاقتصاد الذين رأوا فيه تهديداً لجوهر العمل المصرفي. وحذَّر الباحث والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن تحويل البنك المركزي إلى جهة تدير الأصول أو تعمل كمطور عقاري، يخالف طبيعته ومهمته الأساسية في ضبط التضخم واستقرار العملة.

واتفق معه عضو مجلس النواب (البرلمان)، إيهاب منصور، قائلاً إن المقترح «غير موفق»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة فصل «السياسة المالية للدولة والتي تديرها وزارة المالية عن السياسة النقدية التي يتحكم فيها البنك المركزي كجهة مستقلة عن الحكومة».

وتابع منصور: «لا يوجد حل سحري لأزمة الدين، الحل في التنمية، وفق وحدة الموازنة العامة».

وتشير وحدة الموازنة العامة للدولة إلى دخول كل إيرادات ومصروفات الدولة في موازنة واحدة، دون إخراج ميزانيات هيئات اقتصادية أو مؤسسات خارجها.

وأشار عبد النبي إلى أن «أقرب نموذج للمقترح صفقة (رأس الحكمة) والتي عادلت الحكومة فيها جزءاً من ديونها مع دولة الإمارات مقابل إشراكها في هذه الصفقة، كجزء من إدارة ذروة أزمة مصر في العملة الأجنبية».

وكانت مصر أبرمت صفقة مع الإمارات في فبراير (شباط) 2024، بقيمة 150 مليار دولار، تتضمن التنازل عن 5 مليارات دولار من الودائع الخاصة بالإمارات لدى البنك المركزي المصري.

وشرح عبد النبي أن مقترح تسوية الدين عبر منح الدائنين أسهماً في أصول الدولة بدلاً من السداد النقدي يفتقر للوجاهة الاقتصادية؛ لأنك بذلك تضحي بأصول استراتيجية تدر دخلاً مستداماً لسداد التزامات مالية تملك الدولة بالفعل السيولة المحلية اللازمة لتغطيتها.

خبراء اقتصاديون وأكاديميون يناقشون مقترح «المقايضة الكبرى» في منتدى كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة (صفحة أستاذ الاقتصاد أنور النقيب عبر فيسبوك)

وكان رئيس البنك التجاري الدولي (CIB) هشام عز العرب، انتقد في رده على تدوينة لهيكل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، المقترح، قائلاً إن «40 في المائة من الأذون الحكومية مملوكة لأجانب، فهل نمنحهم أصولاً في الدولة بدلاً منها، وهل من الممكن مصادرة أموال المودعين المحليين وإعطاؤهم أصولاً بدلاً منها؛ ما يفاقم أزمات المواطنين».

مقامرة كبرى

ورأى عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، أن مقترح «المقايضة الكبرى» لا يُعدّ حلاً للأزمة، بل نقلاً للدين من خانة مالية قابلة للإدارة إلى خانة التفريط في أصول الدولة، وفق تصريحه لـ«الشرق الأوسط». وقال إن الدين الداخلي، رغم ضغوطه، يظل ديناً داخل المنظومة الوطنية يمكن إعادة هيكلته وضبطه بسياسات مالية ونقدية رشيدة، أما تحويله أصولاً استراتيجية فهو تحويل للأزمة إلى تهديد دائم للأمن القومي.

وتكرر رفض المقترح خلال تعليقات عدّة لاقتصاديين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكتبت أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة، علياء المهدي، في حسابها على «فيسبوك»: «لا تقل المقايضة الكبرى، قل المقامرة الكبرى».

وأكد أستاذ الاقتصاد والتمويل في أكاديمية السادات، أنور النقيب، أن المقترح يُخرج «البنك المركزي» عن مهمته الرئيسية، وهي استقرار الأسعار وإدارة حصيفة للجهاز المصرفي، قائلاً عبر «فيسبوك» إن «الطرح بنقل المديونية من الحكومة إلى البنك المركزي مقابل نقل ملكية أصول للدولة وأحدها أهم مورد نقد أجنبي لمصر يخرج من نطاق أي مرجعيات علمية أو أكاديمية».

والنقيب واحد من المشاركين في المنتدى الاقتصادي لكلية السياسة والاقتصاد في جامعة القاهرة، لمناقشة أزمة الدين. ورفض كثير من المشاركين طرح هيكل خلال المنتدى، وفق وسائل إعلام محلية، من بينهم محافظ البنك المركزي الأسبق محمود أبو العنين.

وقال أبو العنين خلال المنتدى إن «القانون الحالي للبنك المركزي، يكرّس استقلاليته مالياً، فالبنك لا ينوب عن الحكومة، والتمويل الذي يقدمه يتم وفق ضوابط محددة ضمن موارد الدولة وإيرادات الخزانة العامة»، واصفاً أن مقترح هيكل بـ«السياسي»، لا سيما أنه يستخدم المواطن بشكل ملحوظ في الأزمة، ويصعب تطبيقه عملياً.

ورد هيكل خلال لقائه التلفزيوني، الأحد، على منتقدي طرحه، بمطالبتهم بتقديم طروحات أخرى لحل أزمة الدين في مصر، قائلاً: «نحن وصلنا إلى مرحلة أصبح فيه الدين الداخلي الذي أصله هو فائدة وليس تشغيلاً، فى مستوى لا يمكن التعايش معه، ويجب إيجاد حل محدد وعلى الأطراف الأخرى اقتراح حلول إضافية بدل الاكتفاء بالكلام العام».


مقالات ذات صلة

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بغزة

العالم العربي جولة لوزير الدولة والتنمية البريطاني في مخازن المساعدات اللوجستية بالعريش شمال شرقي مصر يوم الأربعاء (محافظة شمال سيناء)

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بغزة

طالبت مصر، الأربعاء، بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة في قطاع غزة، وسط استمرار الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الحكومة المصرية تسعى لتعزيز قدراتها التخزينية من البترول والغاز  (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)

مصر تعلن عن منطقة حرة للنفط والغاز بالعلمين

أعلنت الحكومة إنشاء «منطقة حرة للنفط والغاز» في مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

بعد أيام من تداول أنباء عبر منصات التواصل الاجتماعي عن استغناء جماعي عن العمالة المصرية في الإمارات خرجت القاهرة وأبوظبي بتصريحات رسمية تنفي صحة هذه المزاعم

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي خلال استقباله حفتر في العلمين بمصر أمس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

مصر تعزز جهودها لتقليص الفجوات السياسية بين حفتر والدبيبة

تعزز مصر تحركاتها وجهودها السياسية والدبلوماسية لتقليص الفجوات بين الأطراف الليبية، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى دفع البلاد نحو تسوية تنهي الانقسام

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جدد الرئيس السيسي تكليف حسن عبد الله برئاسة المركزي (رويترز)

كيف حافظت السياسة النقدية المصرية على الاستقرار النسبي للجنيه؟

أعاد تجديد تكليف محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، تسليط الضوء على السياسات النقدية المصرية التي حافظت على قدر من الاستقرار النسبي للجنيه.

أحمد عدلي (القاهرة)

السويد تبقي الفائدة دون تغيير... وتلمّح لإمكانية رفعها قبل نهاية العام

مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)
مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)
TT

السويد تبقي الفائدة دون تغيير... وتلمّح لإمكانية رفعها قبل نهاية العام

مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)
مبنى البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

أبقى البنك المركزي السويدي، يوم الخميس، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 1.75 في المائة كما كان متوقعاً، مؤكداً استعداده لتشديد السياسة النقدية إذا تسارعت معدلات التضخم.

وتُعد السويد حالة استثنائية في أوروبا بفضل انخفاض معدل التضخم الرئيسي؛ ويعود ذلك جزئياً إلى الخفض الضريبي المؤقت الذي أقرته الحكومة اليمينية المقبلة على انتخابات في 13 سبتمبر (أيلول). وضمن هذا السياق، ظلت أسعار الفائدة ثابتة لمدة عام كامل منذ آخر خفض بمقدار ربع نقطة مئوية، إلا أن البنك المركزي لا يزال متخوفاً من تزايد الضغوط السعرية.

وأفاد البنك المركزي السويدي، في بيان له، بأن «احتمال رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام لا يزال قائماً. وإذا تبين أن التضخم المرتفع بشكل غير متوقع خلال الصيف هو بداية لارتفاع أوسع وأكثر استدامة، فإن البنك سيعمد إلى تعديل سياسته النقدية نحو التشديد».

وسجل التضخم الرئيسي نسبة 0.7 في المائة في يوليو (تموز)، رغم أن التضخم الأساسي - بعد استبعاد أسعار الطاقة المتذبذبة - سجل تسارعاً أكبر في يوليو مقارنة بشهر يونيو (حزيران). ويستهدف البنك المركزي معدل تضخم رئيسي يبلغ 2 في المائة.

ومن المتوقع أن تنعكس التوترات في الشرق الأوسط مع نمو الاقتصاد المحلي على الاقتصاد السويدي عاجلاً أم أجلاً، فضلاً عن حالة عدم اليقين المتزايدة الناجمة عن التأثيرات طويلة الأمد الموجة الحارة في أوروبا. وأضاف البنك المركزي: «لا تزال هناك مخاطر من أن يصبح التضخم الأساسي مرتفعاً للغاية في أعقاب صدمات الإمدادات في الشرق الأوسط».

كما أن خطوة رفع أسعار الفائدة المتوقعة من قبل البنك المركزي الأوروبي في سبتمبر قد تضغط على الكرونة السويدية وتؤدي إلى استيراد التضخم، مما يضاعف الضغوط باتجاه رفع الفائدة محلياً. وكان البنك قد أشار في يونيو الماضي (عندما أبقى على الفائدة أيضاً) إلى أن نسبة احتمال رفع الفائدة قبل نهاية العام تصل إلى 50 في المائة.

هذا وسينشر البنك المركزي السويدي قراره المقبل بشأن السياسة النقدية في 24 سبتمبر.


40 تريليون دولار من الديون الأميركية... لماذا يهم الرقم العالم؟

شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
TT

40 تريليون دولار من الديون الأميركية... لماذا يهم الرقم العالم؟

شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة بتاريخ 19 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة تعكس - ليس فقط الحجم المتزايد لاقتراض أكبر اقتصاد في العالم - بل أيضاً سرعة تراكم الديون وتنامي تكلفة خدمتها. فقد أضيف نحو تريليون دولار إلى الدين خلال خمسة أشهر فقط، بينما يتجه عجز الموازنة إلى تسجيل نحو 1.8 تريليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية.

لكن ماذا يعني رقم بهذا الحجم؟ وهل يمثل الدين الأميركي خطراً فورياً، أم أن المشكلة تكمن في مساره المستقبلي؟

لماذا يرتفع الدين الأميركي؟

ببساطة، عندما تنفق الحكومة أكثر مما تحصل عليه من الإيرادات الضريبية، تموّل الفجوة بالاقتراض. وقد تراكمت الديون عبر عقود نتيجة مزيج من خفض الضرائب وزيادة الإنفاق، إضافة إلى الاقتراض الاستثنائي خلال جائحة «كوفيد - 19».

وتزداد الضغوط أيضاً مع ارتفاع الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية «ميديكير»، في ظل تقدم السكان في السن وتقاعد أعداد كبيرة من جيل طفرة المواليد، وفق شبكة «سي إن إن».

وقد بلغ الدين الأميركي 20 تريليون دولار قبل أقل من عقد، مما يعني أن حجمه تضاعف تقريباً خلال فترة قصيرة نسبياً.

المشكلة ليست في الرقم وحده

لا يعني وصول الدين إلى 40 تريليون دولار أن الاقتصاد الأميركي يواجه أزمة مالية فورية. فالولايات المتحدة تصدر عملة الاحتياط العالمية، وتمتلك سوقاً ضخمة وعميقة لسندات الخزانة، مما يمنحها قدرة استثنائية على الاقتراض.

لكن سرعة نمو الدين مقارنة بالإيرادات والاقتصاد هي مصدر القلق الأكبر. فكلما ارتفع الدين، تحتاج الحكومة إلى إصدار مزيد من سندات الخزانة لتمويل العجز وإعادة تمويل الديون القائمة. وإذا طالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل شراء هذه السندات، ترتفع تكلفة الاقتراض على الحكومة، وتزداد معها أعباء الفائدة.

رجل يمر بجوار ساعة الدين الوطني في مدينة نيويورك في 19 أغسطس الحالي (رويترز)

الفائدة... الحلقة الأكثر إثارة للقلق

من المتوقع أن تتجاوز مدفوعات الفائدة على الدين تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية، بعدما تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال خمس سنوات.

وهنا تظهر المشكلة بصورة أوضح: الحكومة لا تدفع هذه الأموال لتمويل برنامج جديد أو بناء بنية تحتية، بل لسداد تكلفة الديون التي تراكمت في السابق.

ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تصبح الديون الجديدة وإعادة تمويل الديون المستحقة أكثر تكلفة، مما قد يؤدي إلى حلقة متصاعدة: دين أعلى، ففوائد أكبر، فعجز أكبر، فاقتراض إضافي، فدين أعلى.

لماذا يهتم المستثمرون بسندات الخزانة؟

لأن سندات الخزانة الأميركية لا تحدد تكلفة اقتراض الحكومة فقط، بل تؤثر في جزء كبير من الاقتصاد العالمي.

ويُنظر إلى عائد سندات الخزانة، خصوصاً لأجل 10 و30 عاماً، باعتباره مرجعاً أساسياً لتسعير الاقتراض. وعندما ترتفع العوائد، ترتفع عادةً تكاليف الرهن العقاري وقروض السيارات وتمويل الشركات.

وهذا يعني أن ارتفاع الدين والعوائد لا يبقى داخل موازنة الحكومة، بل يمكن أن يصل في النهاية إلى المستهلك والشركات والأسواق المالية.

لماذا ارتفعت عوائد السندات الآن؟

تزامن بلوغ الدين 40 تريليون دولار مع موجة بيع عالمية في السندات طويلة الأجل.

المستثمرون يواجهون في الوقت نفسه عدة مخاوف: ارتفاع مستويات الدين الحكومي، وزيادة المعروض من السندات، واستمرار التضخم، وارتفاع أسعار النفط، وتزايد عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي».

وقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.3 في المائة هذا الأسبوع، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 2007.

وتعني العوائد المرتفعة أن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر عن إقراض الحكومة الأميركية، سواء بسبب مخاوف التضخم أو اتساع الاقتراض الحكومي أو ارتفاع علاوة المخاطر.

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

هل تدخل الخزانة الأميركية يغير الصورة؟

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، في محاولة لدعم السيولة وتهدئة الارتفاع الحاد في العوائد.

وقد نجحت الخطوة في دفع العوائد إلى الانخفاض مؤقتاً، لكنها لا تعالج السبب الأساسي وراء ارتفاعها: تزايد احتياجات الاقتراض والعجز المالي ومخاوف التضخم. ولهذا يرى محللون أن تأثير عمليات إعادة الشراء قد يكون قصير الأجل ما لم تتغير الاتجاهات المالية الأساسية.

هل الدين الأميركي وصل إلى نقطة الخطر؟

ليس بالضرورة. فالولايات المتحدة لا تزال قادرة على الاقتراض، وسندات الخزانة ما زالت من أكثر الأصول استخداماً في النظام المالي العالمي. لكن المخاطر تزداد إذا استمر الدين في النمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد والإيرادات الحكومية على مواكبته.

الخطر الحقيقي إذن، ليس «40 تريليون دولار» كرقم منفرد، وإنما ما إذا كان الاقتصاد الأميركي سيستطيع تحمل تكلفة هذا الدين مستقبلاً، خصوصاً إذا بقيت أسعار الفائدة مرتفعة.

في الخلاصة، الدين الأميركي البالغ 40 تريليون دولار ليس مجرد رقم قياسي؛ إنه اختبار لقدرة الولايات المتحدة على تمويل عجزها من دون أن تتحول تكلفة الاقتراض إلى عبء يضغط على الاقتصاد والأسواق والموازنة.

وكلما ارتفعت الفوائد، أصبح جزء أكبر من أموال الحكومة مخصصاً لخدمة الدين بدلاً من تمويل الاستثمار والدفاع والبرامج الاجتماعية. لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد تجاوز حاجز 40 تريليون دولار ليس «كم بلغ الدين؟» فقط، بل «إلى أي حد يمكن أن يستمر في الارتفاع قبل أن تصبح كلفته الاقتصادية والسياسية أكثر صعوبة؟».


766 مليون دولار أرباح الشركات العقارية السعودية المدرجة في النصف الأول

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

766 مليون دولار أرباح الشركات العقارية السعودية المدرجة في النصف الأول

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

شهدت شركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) أداءً مالياً قوياً خلال النصف الأول من عام 2026، حيث تجاوزت أرباحها المجمعة حاجز 766 مليون دولار (2.87 مليار ريال). ورغم تسجيل انخفاض بنسبة 18 في المائة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، فإن النتائج تعكس مرونة القطاع قدرته على التكيف، مدعوماً بارتفاع مبيعات العقارات، وتسريع تنفيذ المشروعات، وتنويع الإيرادات.

وفي حين نجحت 14 شركة في تحقيق أرباح صافية مقابل خسائر لثلاث شركات فقط، يرى خبراء ومحللون أن السوق تعيش مرحلة إعادة تشكيل تنظيمي وهيكلي؛ ترتكز على الشفافية والحوكمة وتمايز نموذج الأعمال، مما يجعل النصف الثاني من العام مرشحاً لتحسن انتقائي للشركات الأكثر كفاءة تشغيلية ومالية.

وتصدَّرت شركة «سينومي سنترز» أعلى شركات القطاع ربحيةً، خلال النصف الأول، محققة 588.2 مليون ريال، متراجعةً بنسبة 14.7 في المائة عن النصف المماثل من العام السابق.

وحلّت «العقارية» ثانيةً في أعلى شركات القطاع ربحيةً بعد تحقيقها أرباحاً بنحو 579 مليون ريال خلال النصف الأول، لتسجل قفزة في نمو أرباحها عن النصف المماثل من العام السابق بنسبة 152.2 في المائة.

وحلَّت شركة «دار الأركان» في المرتبة الثالثة، محققةً نحو 498.97 مليون ريال، بنمو وصل إلى 11.4 في المائة. وعلى مستوى الربع الثاني من العام الحالي، سجلت شركات القطاع انخفاضاً طفيفاً في الأرباح بلغت نسبته 0.49 في المائة، ووصلت أرباحها المجمعة إلى 1.455 مليار ريال، مقابل 1.462 مليار ريال في الربع نفسه من 2025.

تسليم المشروعات

وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط» أن التفاوت في النتائج المالية لشركات القطاع العقاري بأنه طبيعي، موضحاً أن واقع شركات القطاع لا يتحدث عن نموذج أعمال واحد؛ وأن هناك شركات تعتمد على التطوير والبيع، وأخرى على التأجير والدخل المتكرر، وأخرى ترتبط نتائجها بمشاريع كبرى أو بمواسم ووجهات محددة.

واستطرد: «لذلك قد نرى شركة تحقق قفزة كبيرة في الأرباح نتيجة تسليم مشروعات أو بيع أصول أو تحسُّن هوامش الربحية، في الوقت الذي تتراجع فيه أرباح شركة أخرى رغم استمرار قوة نشاطها التشغيلي».

وأشار المبيض إلى أن تسجيل شركة «العقارية» قفزة في الأرباح ونمو أرباح «دار الأركان» تعكسان قدرة بعض المطورين على الاستفادة من المشروعات والمبيعات والطلب المتراكم، بينما لا يعني تراجع أرباح «سينومي سنترز» بالضرورة ضعف السوق العقارية ككل، وإنما يؤكد أن أداء كل شركة يجب أن يُقرأ وفق نموذج أعمالها ومصادر إيراداتها وهيكل التمويل لديها.

أحد مشروعات «سكني» في السعودية (واس)

إعادة تشكيل المنظومة

وحول تأثر النتائج المالية لشركات القطاع، بتطورات السوق والتنظيمات وفوائد التمويل، فيرى المبيض أن السوق تعيش مرحلة لإعادة تشكيل القطاع، لافتاً إلى أن التنظيمات الجديدة ترفع مستوى الاحتراف والشفافية وتدفع نحو الاستخدام والتطوير الفعلي للأصول بدلاً من الاكتناز.

وأردف قائلاً: «هذا يصب على المدى المتوسط في مصلحة الشركات الأكثر كفاءة وقدرة على التطوير والتنفيذ، وفي المقابل، تظل تكلفة التمويل عاملاً مؤثراً جداً؛ لأنها تنعكس على تكلفة المشروعات وقدرة الأفراد والمستثمرين على الشراء، وبالتالي على سرعة المبيعات وهوامش الربحية».

ويتوقع المبيض أن تشهد نتائج الربعين القادمين من 2026 تحسناً انتقائياً في ربحية شركات القطاع العقاري وليس نمواً متساوياً بين جميع الشركات، مبيناً أن اللافت في أرباح الربع الثاني، هو التراجع الطفيف في الأرباح بنسبة لم تتجاوز 0.5 في المائة، مقارنةً بانخفاض أرباحها بما يقارب 18 في المائة، خلال النصف الأول كاملاً؛ وهذا قد يكون مؤشراً أولياً على أن وتيرة التراجع بدأت تهدأ.

وأضاف أن الشركات الأكثر استفادة خلال الفترة المقبلة ستكون هي الشركات التي تمتلك مشروعات قريبة من التسليم، ومخزون أراضٍ بتكلفة جيدة، ومديونية منضبطة، وتدفقات نقدية تشغيلية قوية، لذلك قد يكون النصف الثاني أفضل لبعض الشركات، لكن من المبكر القول إن القطاع بأكمله سيدخل دورة نمو قوية ومتزامنة في الأرباح.

وبحسب المبيض، فإن السوق العقارية ما زالت تحمل فرص نمو كبيرة، لكن المرحلة القادمة ستكون تمايزاً بين الشركات؛ ولن يكون الرابح بالضرورة من يملك أكبر محفظة عقارية، بل من يستطيع تحويل أصوله إلى تدفقات نقدية وربحية مستدامة بكفاءة أعلى.

مستثمران يتابعان شاشات التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

تغييرات تنظيمية وتشريعية

من جانبه، يرى الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، خلال تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن النتائج الربعية والنصفية لشركات التطوير العقاري لا تحمل دلالة دقيقة لتوجه سوق التطوير العقاري، بقدر ما توضح الحالة التي تمر بها الشركات المدرجة في السوق المالية، من خلال تسليم مشاريعها والإدارة القائمة عليها.

وأكمل أن ما تمر به السوق من تغييرات تنظيمية وتشريعية جذرية شملت حتى جانب المطورين العقاريين، وتحديداً جانب الحوكمة لها تأثير في السوق العقارية، لكن هذا التأثير لن يظهر الآن على أرقام وأرباح شركات التطوير الكبيرة، وستظهر بعد مضي نحو 12 شهراً من الآن.

وزاد الفقيه بأنه رغم أن بعضاً من قوانين الحوكمة الجديدة للشركات العقارية رفعت فعلياً من تكلفة التطوير فإن قرارات التوازن العقاري، أسهمت وبشكل واضح في خفض أحد أهم التحديات للتكلفة لدى شركات التطوير وهو الأرض، وهذا البند الأساسي في منتجات شركات التطوير أصبح متاحاً من خلال شراكات مع مُلَّاك الأراضي، وبالتالي فإن التكلفة الفعلية انخفضت وبشكل كبير.

وذكر أن تراجع أو زيادة أرباح شركات التطوير يرتبط فعلياً بعاملين أساسيين، هما: ما لدى هذه الشركات من مشروعات تم تسليمها وبيعها في السوق وعدم تعثرها، والعامل الثاني هو الإدارة القائمة على هذه الشركات ونجاحها الإداري في عدم ارتكاب أخطاء جوهرية، وتابع أن السوق العقارية وتحديداً التطوير، أمر ضخم يحكمه ما يقوم به المشرع من خلق سوق جاذبة من خلال مشروعات تطويرية عملاقة تخلق تنافساً كبيراً بين شركات القطاع مستقبلاً.