الجيش الأميركي يسحب أفراداً من قواعد رئيسية في المنطقة

الجمهوريون يشجعون ترمب لتوجيه ضربة والديمقراطيون يخشون نتائج سلبية

 ترمب من الطائرة الرئاسية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند الثلاثاء(أ.ب)
ترمب من الطائرة الرئاسية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند الثلاثاء(أ.ب)
TT

الجيش الأميركي يسحب أفراداً من قواعد رئيسية في المنطقة

 ترمب من الطائرة الرئاسية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند الثلاثاء(أ.ب)
ترمب من الطائرة الرئاسية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند الثلاثاء(أ.ب)

باشرت الولايات المتحدة إجراءات احترازية شملت سحب مئات الجنود والأفراد من بعض قواعدها الرئيسية في الشرق الأوسط، من بينها قاعدة العديد الجوية في قطر، أكبر منشآتها العسكرية في المنطقة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التكهنات بإمكان لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى خيارات عسكرية ضد إيران.

وقال مسؤول أميركي لوكالة «أسوشيتد برس»، الأربعاء، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن القاعدة الأميركية في قطر تلقت تعليمات بإخلاء بعض الأفراد بحلول مساء الأربعاء، واصفاً الخطوة بأنها إجراء احترازي مرتبط بالتطورات الأمنية.

وأوضح المسؤول أن التعليمات صدرت من دون تقديم تفاصيل إضافية حول ما إذا كان الإخلاء اختيارياً أم إلزامياً، أو ما إذا كان يشمل الجنود فقط أم الموظفين المدنيين أيضاً، مشيراً إلى أن الحفاظ على «الأمن العملياتي» يقيّد الإفصاح عن مزيد من المعلومات.

وفي السياق نفسه، قال مسؤول أميركي لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة سحبت بالفعل بعض الأفراد من قواعدها الرئيسية في الشرق الأوسط، في إطار إجراءات احترازية مع تصاعد التوترات، من دون تحديد عددهم أو المواقع الأخرى المشمولة.

ونقل ثلاثة دبلوماسيين عن «رويترز» أن بعض الأفراد نُصحوا بمغادرة قاعدة العديد الجوية التابعة للجيش الأميركي في قطر بحلول مساء الأربعاء.

وتُعد قاعدة العديد أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، وتضم نحو عشرة آلاف جندي، وتشكل مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية والقيادة العسكرية الأميركية في المنطقة.

وقال أحد الدبلوماسيين لـ«رويترز»: «إنه تغيير في الوضعية وليس إخلاءً بأمر»، مضيفاً أنه غير مطّلع على وجود سبب محدد لهذا التغيير، في إشارة إلى أن الخطوة لا تعني انسحاباً كاملاً أو دائماً.

وبالتوازي مع ذلك، أصدرت «السفارة الأميركية الافتراضية» في طهران بياناً دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى مغادرة إيران فوراً، ونصحتهم بالمغادرة براً عبر تركيا أو أرمينيا، بينما أصدرت سفارات دول أخرى تحذيرات مماثلة لرعاياها.

ويأتي هذا التحرك في وقت تتواصل فيه مناقشات مكثفة داخل البيت الأبيض حول الخيارات المحتملة للرد على قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات، وتشمل هذه الخيارات ضربات جوية دقيقة ومحدودة، إضافة إلى هجمات إلكترونية.

وسبق أن شهدت المنطقة إجراءات مشابهة، إذ جرى في يونيو (حزيران)، وقبل أكثر من أسبوع على شن الولايات المتحدة غارات جوية على إيران، نقل بعض الأفراد وعائلاتهم من قواعد أميركية في الشرق الأوسط.

وبعد الهجمات الأميركية في يونيو، ردت إيران بشن هجوم صاروخي على القاعدة الأميركية في قطر، في تصعيد عسكري أعاد حينها التوتر إلى مستويات مرتفعة في المنطقة.

«إجراءات صارمة »

وكان ترمب قد هدد باتخاذ «إجراءات صارمة للغاية» إذا بدأت السلطات الإيرانية تنفيذ أحكام إعدام بحق متظاهرين مناهضين للحكومة، محذراً من أن أي تصعيد من هذا النوع سيقابل برد قوي.

وخلال خطاب اقتصادي ألقاه مساء الثلاثاء في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، قال ترمب إنه لا يريد «رؤية الناس يُقتلون في إيران»، مؤكداً أنه يريد «للشعب الإيراني الحرية»، ومضيفاً أن القيادة الإيرانية «تصرفت بشكل سيئ للغاية».

وأضاف ترمب: «رسالتي لهم أن عليهم إظهار الإنسانية، وآمل ألا يلجأوا إلى قتل الناس»، في إشارة إلى المخاوف المتزايدة من تنفيذ إعدامات بحق محتجين اعتُقلوا خلال الأسابيع الماضية.

وفي مقابلة مع شبكة «سي بي إس» بُثت مساء الثلاثاء، قال ترمب: «سنتخذ إجراءات صارمة للغاية. إذا فعلوا ذلك، فسنتخذ إجراءات صارمة للغاية»، مشيراً إلى علمه بمقتل «عدد كبير» من الأشخاص خلال الاحتجاجات.

وأكد الرئيس الأميركي أن «الكثير من المساعدة في طريقها» إلى الإيرانيين، موضحاً أنها ستقدم «بأشكال مختلفة»، بما في ذلك دعم اقتصادي، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه المساعدة.

وأشار ترمب أيضاً إلى الغارات الجوية الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية العام الماضي، من دون الخوض في تفاصيل إضافية، مكتفياً بالتلميح إلى أن الخيارات العسكرية تبقى مطروحة.

اعتراض صاروخ إيراني استهدف قاعدة العديد الجوية في قطر (رويترز)

وعندما سُئل عن هدفه النهائي في التعامل مع إيران، قال ترمب: «الهدف النهائي هو الفوز. أنا أحب الفوز»، وعند توضيح المقصود، استعرض سلسلة عمليات عسكرية نُفذت خلال ولايتيه الرئاسيتين.

وأشار إلى اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، وغارة سوريا عام 2019 التي أسفرت عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي، إضافة إلى اغتيال قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني عام 2020.

وأضاف: «إذا كانوا يريدون الاحتجاج فهذا أمر، لكن عندما يبدأون بقتل الآلاف من الناس، والآن تتحدثون عن عمليات إعدام شنقاً، سنرى كيف ستسير الأمور بالنسبة لهم»، مؤكداً أن «الأمور لن تسير على ما يرام».

وتحتفظ البحرية الأميركية حالياً بثلاث مدمرات مزوّدة بصواريخ في منطقة الشرق الأوسط، من بينها حاملة الطائرات «روزفلت» التي دخلت البحر الأحمر خلال الأيام الأخيرة، وفق ما أفاد به مسؤولون عسكريون، الأربعاء. وأضاف مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية أن البحرية تنشر أيضاً غواصة واحدة على الأقل مزوّدة بصواريخ في المنطقة.

وبحسب المسؤولين، قدّم البنتاغون للرئيس دونالد ترمب مجموعة واسعة من الخيارات المحتملة. وتشمل هذه الخيارات أهدافاً مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، تتجاوز الغارات الجوية الأميركية التي استهدفته في يونيو (حزيران) الماضي، إضافة إلى مواقع للصواريخ الباليستية.

غير أن مسؤولين أميركيين قالوا إن خيارات أخرى بدت أكثر ترجيحاً، من بينها شن هجمات إلكترونية أو توجيه ضربات محددة إلى جهاز الأمن الداخلي الإيراني، الذي تتهمه واشنطن باستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين.

وأشار المسؤولون إلى أن أي هجوم محتمل لن يُنفّذ قبل مرور عدة أيام على الأقل، محذرين من أنه قد يستجلب رداً إيرانياً انتقامياً قوياً. وذكّروا بأنه بعد الضربات الأميركية التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية في يونيو الماضي، ردت طهران بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية في قطر.

الجمهوريين يشجعون ترمب

أعرب عدد من السياسيين والمشرعين الأميركيين عن مخاوف من إقدام إيران على تنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال الأسبوعين الماضيين، بعدما اعتبر ترمب أن تنفيذ الإعدامات يمثل «خطاً أحمر».

وكان ترمب قد حذر من اتخاذ «إجراءات قوية» في حال أقدمت السلطات الإيرانية على تنفيذ الإعدامات، غير أن تفسيرات الساسة الأميركيين لطبيعة هذه الإجراءات تباينت، إذ رأى بعضهم أنها لا تعني بالضرورة رداً عسكرياً مباشراً.

واعتبر آخرون أن تحذيرات ترمب قد تشير إلى خيارات أقل تصعيداً، مثل عمليات محدودة أو رمزية، أو إجراءات ضغط غير عسكرية، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والمخاوف من انزلاق واسع نحو مواجهة عسكرية.

وفي هذا السياق، شجّع عدد من المشرعين الجمهوريين إدارة ترمب على استغلال اللحظة لتقليص نفوذ النظام الإيراني، معتبرين أن ذلك ينسجم مع رؤية الرئيس لمنطقة أكثر استقراراً وازدهاراً.

ودعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ترمب إلى «القيام بما لم يجرؤ عليه أي رئيس أميركي سابق»، في إشارة إلى إزاحة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وكتب على منصة «إكس» أن «هذه لحظة رونالد ريغان بالنسبة لترمب».

وأضاف غراهام أن ما يجري في إيران قد يكون «لحظة سقوط جدار برلين» بالنسبة للرئيس الأميركي، مضيفاً أن تأثيرها المحتمل سيكون «أكبر بألف مرة»، في تعبير يعكس توجهات متشددة داخل الجناح الجمهوري.

في المقابل، حذّر مشرعون ديمقراطيون ترمب من اتخاذ إجراءات عسكرية أحادية ضد إيران، معتبرين أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتعزز قبضة النظام بدلاً من إضعافه.

ورأى هؤلاء أن أي ضربات عسكرية قد توحّد الرأي العام الإيراني ضد الولايات المتحدة، وتمنح القيادة الدينية والأجهزة الأمنية ذريعة لتصعيد القمع تحت شعار مواجهة تدخل خارجي.

وقال السيناتور الديمقراطي راند بول، عن ولاية كنتاكي، إن شن ضربات عسكرية على إيران قد يمنح المرشد الأعلى وحلفاءه «دفعة قوية» لقمع الاحتجاجات، محذراً من أن ذلك قد يقوّض تعاطف الشارع الإيراني مع الغرب.

تفويض الكونغرس

وانتقد زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، ما وصفه بعدم تواصل إدارة ترمب مع الديمقراطيين لبناء دعم من الحزبين لأي تحرك عسكري محتمل ضد إيران.

وأكد شومر أن أي ضربة عسكرية تتطلب تفويضاً من الكونغرس، مشيراً إلى أن قانون صلاحيات الحرب والدستور الأميركي يفرضان نقاشاً برلمانياً قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع.

وقال شومر للصحافيين إن الكونغرس «يجب أن يناقش هذا الأمر»، مؤكداً أن الإدارة لم تتواصل حتى الآن مع القيادات الديمقراطية بشأن أي خطط عسكرية محتملة.

من جهته، شدد السيناتور الديمقراطي تيم كين على أن أي ضربة ضد إيران لا تندرج ضمن الدفاع الفوري عن الولايات المتحدة، وبالتالي تحتاج إلى تفويض صريح من الكونغرس.

وأوضح كين أن صلاحيات الرئيس بموجب المادة الثانية من الدستور، بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة، تقتصر على مواجهة تهديدات وشيكة، مضيفاً أن «استخدام القوة العسكرية الأميركية سيكون خطأ فادحاً».

كما قال السيناتور الديمقراطي جاك ريد، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة، إن على الإدارة توضيح «جدوى» أي ضربات محتملة ضد إيران، محذراً من الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة العواقب.

مصداقية ترمب

في المقابل، رأى وزير الدفاع الأميركي الأسبق ليون بانيتا أن تصريحات ترمب حول «وصول المساعدة» إلى الشعب الإيراني تضع على عاتقه مسؤولية التحرك، معتبراً أن مصداقية الولايات المتحدة باتت على المحك.

وقال بانيتا لشبكة «سي إن إن» إن ترمب أخبر الإيرانيين بأن المساعدة في طريقها إليهم، مضيفاً أن ذلك يستدعي اتخاذ خطوات ملموسة لإظهار الدعم، من دون الدعوة إلى هجوم عسكري شامل.

وأشار بانيتا إلى أن الحجج الإنسانية للتدخل تتزايد في ظل تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى، وانقطاع الإنترنت الذي يحجب صورة كاملة عن حجم القمع الذي تمارسه السلطات الإيرانية.

وأضاف أنه إذا نجح النظام الإيراني في قمع الاحتجاجات والبقاء في السلطة، فإن تساؤلات ستُطرح حول موقف القوى الخارجية التي اكتفت بالمراقبة، وما إذا كانت قد تخلّت عن تعهداتها بدعم المحتجين.


مقالات ذات صلة

الوساطة تبحث مخرجاً في طهران... على وقع ألغام «هرمز»

شؤون إقليمية صورة مأخوذة من فيديو وزعته القيادة المركزية الأميركية يوم 30 أكتوبر 2026 لإحدى مروحياتها فوق ناقلة في منطقة غير محددة بالشرق الأوسط p-circle

الوساطة تبحث مخرجاً في طهران... على وقع ألغام «هرمز»

في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تتصاعد الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز على السفن وناقلات النفط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)

قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن طهران ‌أبلغت شروطها إلى الوسطاء مراراً وبوضوح، وإنه لا يمكن إحراز تقدم ‌إلا ‌إذا تمت تلبية ‌شروطها ‌السبعة.

شؤون إقليمية قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)

شبكة عسكرية إيرانية تجلب سراً العتاد لتجاوز الحصار

سخّرت إيران شبكة عسكرية ومالية تضم 5000 كيان لجلب مكونات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة ضرورية لبرامجها للطائرات المسيرة والصواريخ، حتى خلال الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من طائرة الرئاسة في مطار مدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: فانس تواصل مع إيران لمساعدتها في الحصول على إمدادات طبية

قال ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تواصل نائبه جي دي فانس مع إيران كان بهدف مساعدة طهران في الحصول على إمدادات طبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حركة المرور تظهر أمام صور للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي في طهران (أ.ف.ب) p-circle

ضغوط على إيران لتقديم تنازلات نووية وسط تلويح بضربات واسعة بعد الانتخابات النصفية الأميركية

كشفت ثلاثة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية عن أن وسطاء إقليميين، تقودهم قطر، يكثفون جهودهم للتوصل لاتفاق دبلوماسي يمهّد لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش الباكستاني: تفاؤل حذِر إزاء الوساطة بين إيران والولايات المتحدة

المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف تشودري (رويترز)
المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف تشودري (رويترز)
TT

الجيش الباكستاني: تفاؤل حذِر إزاء الوساطة بين إيران والولايات المتحدة

المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف تشودري (رويترز)
المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف تشودري (رويترز)

قال متحدث ‌باسم الجيش الباكستاني، الجمعة، إن المؤسسة العسكرية تشعر «بتفاؤل حذِر»، إزاء وساطتها بين إيران والولايات المتحدة، وذلك في أول مقابلة له منذ زيارة وفد رفيع المستوى ​طهران، هذا الأسبوع.

وزار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير طهران مرتين، خلال الشهر الحالي، وكانت زيارته الثانية، يوم الاثنين، برفقة مسؤولين سعوديين وأتراك.

ويتولى منير دور وسيط باكستان الرئيسي في جهودها لخفض التصعيد في الحرب الإيرانية المستمرة منذ ثمانية أشهر.

وقال المتحدث أحمد شريف تشودري، رداً على سؤال عما إذا كانت هناك مؤشرات إيجابية من الزيارتين: «لماذا يزور الفيلد مارشال (منير) طهران مرتين إن لم يكن هناك قدر من الإيجابية؟ لذا نعم، بالتأكيد».

وأضاف تشودري، المدير العام لإدارة العلاقات العامة ​في القوات المسلّحة ‌الباكستانية: «العبارة ⁠التي ​نستخدمها دائماً ⁠هي: متفائلون بحذر». وأوضح أنه لا تزال هناك «أطراف قوية تسعى إلى الإفساد والعرقلة»، إذ تعتقد أن الصراع يخدم مصالحها. ولم يذكر أي طرف بالاسم.

وأحجم تشودري، خلال حديثه من مدينة روالبندي حيث يقع المقر الرئيسي للقوات المسلحة الباكستانية، عن كشف ما تناولته النقاشات، أو عما إذا كانت الولايات المتحدة قد دعمت زيارة إيران، وفق وكالة «رويترز».

وانضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس ⁠جهاز المخابرات التركي إبراهيم كالين، إلى منير في طهران، ‌يوم الاثنين.

ووقَّعت دولهم الثلاث اتفاقية دفاع ‌مشترك، في السابع من أغسطس (آب) الماضي، مؤكدة أن ​أي هجوم على أي من ‌الدول الموقّعة سيُعد هجوماً على الجميع.

سفن في مضيق هرمز (رويترز)

وبينما تقول الدول الثلاث الموقّعة إن الاتفاقية تهدف إلى الردع الجماعي وأمن المنطقة، يرى محللون أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمساعي القوى الإقليمية لإدارة ‌تداعيات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

وقال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عقب محادثات يوم الاثنين، ⁠إن أمن المنطقة ⁠ينبغي أن تضمنه دولها دون تدخل أجنبي.

وقال تشودري، اليوم، رداً على سؤال عن إمكان انضمام إيران، إن صياغة الاتفاقية لا تمنع قبول أعضاء جدد. وأضاف أن «أي طرف يتبنى رؤية مشتركة للردع الجماعي والسلام بالمنطقة فلِم لا ينضم؟ فالجميع مرحّب به للغاية»، مشيراً إلى أن القرار يعود إلى القيادات السياسية للأطراف الثلاثة الرئيسية.

وسئل تشودري عما إذا كانت إسلام آباد سترسل مزيداً من القوات الباكستانية إلى السعودية، بموجب الاتفاقية، فقال إن ذلك سيتوقف على تطورات الوضع وقرار القيادتين السياسيتين في البلدين.

وأكد أن باكستان ملتزمة بالدفاع عن السعودية والمواقع المقدسة في مكة والمدينة.


الوساطة تبحث مخرجاً في طهران... على وقع ألغام «هرمز»

صورة مأخوذة من فيديو وزعته القيادة المركزية الأميركية يوم 30 أكتوبر 2026 لإحدى مروحياتها فوق ناقلة في منطقة غير محددة بالشرق الأوسط
صورة مأخوذة من فيديو وزعته القيادة المركزية الأميركية يوم 30 أكتوبر 2026 لإحدى مروحياتها فوق ناقلة في منطقة غير محددة بالشرق الأوسط
TT

الوساطة تبحث مخرجاً في طهران... على وقع ألغام «هرمز»

صورة مأخوذة من فيديو وزعته القيادة المركزية الأميركية يوم 30 أكتوبر 2026 لإحدى مروحياتها فوق ناقلة في منطقة غير محددة بالشرق الأوسط
صورة مأخوذة من فيديو وزعته القيادة المركزية الأميركية يوم 30 أكتوبر 2026 لإحدى مروحياتها فوق ناقلة في منطقة غير محددة بالشرق الأوسط

في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تتصاعد الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز على السفن التجارية وناقلات النفط، وسط تبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة والسيطرة على الممر المائي الاستراتيجي.

وبينما وصل وفد قطري إلى طهران في محاولة لدفع جهود الوساطة وإحياء المفاوضات، تلقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إحاطة عسكرية بشأن الخيارات المحتملة للتعامل مع إيران، في مؤشر على أن المسار الدبلوماسي لا يستبعد احتمالات التصعيد العسكري.

تحرك قطري لإحياء المفاوضات

عاد وفد قطري إلى طهران، الجمعة، لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، في إطار الجهود الرامية إلى إعادة إطلاق المفاوضات بين واشنطن وطهران والتوصل إلى تسوية تنهي الحرب.

وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأن الوفد يترأسه المستشار الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، مشيرة إلى أن مباحثاته ستتناول العلاقات الثنائية بين البلدين والتطورات الإقليمية.

وتأتي الزيارة غداة تقارير إعلامية إيرانية تحدثت عن تلقي طهران رسالة من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، موجّهة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الرسالة تناولت إطاراً محتملاً لاستئناف المفاوضات، وليس شروطاً محددة للتوصل إلى اتفاق سلام، وأنها نُقلت عبر وسطاء قطريين.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة في مساعي إحياء المحادثات، بعد اتفاق لوقف إطلاق النار أُبرم في أبريل (نيسان) الماضي، لكنه لم ينجح في التحول إلى اتفاق دائم ينهي المواجهة.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أعلن، يوم الأربعاء، أن بلاده تجري مباحثات مع الوسيطين بشأن خطة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، في وقت لا تزال فيه الخلافات بشأن شروط التسوية تعرقل إحراز تقدم ملموس.

وتطالب طهران واشنطن بالموافقة على سبعة شروط لإعادة فتح المضيق، تشمل وقف إطلاق النار في أنحاء الشرق الأوسط، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع العقوبات المفروضة على قطاع النفط، وإنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ترمب يتلقى إحاطة عسكرية

في موازاة التحركات الدبلوماسية، تلقى ترمب إحاطة بشأن الخيارات العسكرية المحتملة ضد إيران، قدمها قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الجنرال براد كوبر، بحضور وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن حضور كوبر شخصياً إلى البيت الأبيض لتقديم الإحاطة يُعد أمراً نادراً، ما يعكس أهمية التقديرات العسكرية المطروحة في ظل تعثر المساعي السياسية واستمرار التوتر في المنطقة.

وفي مقابلة مع محطة إذاعية أميركية، يوم الجمعة، جدد ترمب تأكيده أن إيران لن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي، قائلاً: «سنشهد إيران خالية من الأسلحة النووية. لن تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وهذا سيتغير قريباً جداً».

وأضاف أن طهران ترغب في التوصل إلى اتفاق، لكنه شدد على ضرورة تقديم ضمانات تحول دون امتلاكها سلاحاً نووياً في أي وقت، معتبراً أن إيران تمثل، على حد وصفه، أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم.

كما استعاد ترمب تاريخ المواجهة مع إيران منذ عام 1979، متهماً النظام الإيراني بالمسؤولية عن سنوات من العنف والهجمات التي استهدفت الأميركيين. وأشار إلى مقتل قائد «فيلق القدس» السابق قاسم سليماني في ضربة أميركية، واصفاً إياه بـ«العبقري الشرير»، ومتهماً إياه بالوقوف وراء استخدام العبوات الناسفة ضد القوات الأميركية.

وفي معرض حديثه عن نتائج العمليات العسكرية الأميركية، قال ترمب إن إيران فقدت 159 سفينة و268 طائرة، وإن راداراتها ودفاعاتها الجوية تعرضت للتدمير، مضيفاً أن قياداتها العسكرية والسياسية تعرضت لضربات كبيرة، وأن واشنطن لا تعرف على وجه الدقة مع من تتفاوض حالياً.

وتعكس تصريحات الرئيس الأميركي تمسك إدارته بمطلب منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع إبقاء الخيار العسكري حاضراً في حال تعذر التوصل إلى اتفاق.

من يسيطر على مضيق هرمز؟

مروحية تقلع من على سطح المدمّرة «رافائيل بيرالتا» في مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)

على الصعيد الميداني، تبادل الجانبان التصريحات بشأن الوضع في مضيق هرمز، الذي تحول إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، إثر ضربات أميركية وإسرائيلية على إيران، وردت عليها طهران بهجمات استهدفت إسرائيل ومنشآت أميركية في المنطقة، إلى جانب فرض قيود على حركة الملاحة في المضيق.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال براد كوبر، يوم الجمعة، إن قوات «الحرس الثوري» الإيراني لم تعد موجودة في مضيق هرمز، مؤكداً أن طهران لا تسيطر على الممر المائي، رغم محاولاتها تهديد حركة الملاحة فيه.

وأضاف، في تسجيل مصور نشرته «سنتكوم»، أن القوات الأميركية ملتزمة بحماية حرية الملاحة، مشيراً إلى أنها ساعدت في عبور نحو 1.5 مليار برميل من النفط منذ الصيف. وأكد كوبر أن الحصار البحري الأميركي حال دون تصدير إيران أي نفط، مشدداً على استمرار الجهود الأميركية لضمان أمن الممرات البحرية وحركة التجارة الدولية.

في المقابل، تواصل طهران فرض قيود على عبور السفن، مطالبة باستخدام مسار تحدده قواتها والتنسيق معها قبل المرور. وتعتبر إيران أن المسار الجنوبي الأقرب إلى السواحل العُمانية غير مصرح به، وهو ما يضع السفن العابرة أمام قيود ومخاطر متزايدة.

وتفرض الولايات المتحدة، من جهتها، حصاراً على الموانئ الإيرانية، الأمر الذي يزيد من تقييد قدرة طهران على تصدير النفط وممارسة أنشطتها التجارية.

هجمات على ناقلات النفط

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عمان يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

وفي تطور ميداني جديد، أعلنت بحرية «الحرس الثوري» الإيراني تعرض ثلاث ناقلات نفط لانفجارات واندلاع حرائق على متنها، خلال محاولتها عبور مضيق هرمز عبر مسارات وصفتها طهران بأنها غير مصرح بها.

وقال «الحرس الثوري» إن ناقلتين تعرضتا لحوادث في الجزأين الشرقي والغربي من المضيق، قبل توقيفهما في المياه الواقعة جنوبه، متهماً طاقميهما بإغلاق أنظمة الملاحة وتحديد المواقع ومحاولة العبور بدعم من القوات الأميركية.

وأضاف أن ناقلة ثالثة، كانت تحمل نحو مليوني برميل من النفط الخام، اصطدمت بلغم بحري، ما أدى إلى انفجارات واندلاع حريق على متنها.

ولم تتمكن وكالة «رويترز» من التحقق بصورة مستقلة من صحة الرواية الإيرانية أو تفاصيل الحوادث المعلنة.

وفي حادث منفصل، أعلنت سلطنة عُمان إجلاء 25 فرداً من طاقم سفينة تجارية ترفع علم بنما، بعد تعرضها لهجوم قبالة سواحل محافظة مسندم المطلة على مضيق هرمز، أدى إلى اندلاع حريق على متنها.

وقال مركز الأمن البحري العُماني إن البحرية السلطانية نفذت عملية الإخلاء بالتنسيق معه، وإن جميع أفراد الطاقم تلقوا الرعاية الصحية اللازمة.

وكانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قد أفادت، في وقت سابق، بتعرض ناقلة نفط لحادث على بعد نحو 25 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة خصب العُمانية، مشيرة إلى أن زورقاً صغيراً اقترب من السفينة وثبّت عبوتين ناسفتين على هيكلها فوق خط الماء.

وأدى الانفجاران إلى اندلاع حريق في غرفة المحركات وتعطيل السفينة مؤقتاً، قبل إخماد الحريق واستئناف الناقلة رحلتها إلى ميناء التوقف التالي. وأكدت الهيئة سلامة أفراد الطاقم وعدم تسجيل أي أضرار بيئية.

ووفقاً لثلاثة مصادر معنية بالأمن البحري، فإن الناقلة المستهدفة، التي تحمل اسم «لويز 1» وترفع علم بنما، تعرضت لهجوم باستخدام لغمين لاصقين. وقال مصدران إن الحادث يمثل أول استخدام ناجح معروف لهذا النوع من المتفجرات في المنطقة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية في فبراير الماضي.

وأشارت مجموعة «ماريسكس» المتخصصة في المخاطر البحرية، ومقرها اليونان، إلى أن قدرة زورق صغير على الاقتراب من ناقلة نفط عابرة وتثبيت عبوات متفجرة على هيكلها ثم الانسحاب تمثل تهديداً أمنياً كبيراً، خصوصاً في الممرات الملاحية المزدحمة.

وأضافت المجموعة أن الألغام اللاصقة منخفضة التكلفة ولا تتطلب تقنيات متطورة، ما يجعل استخدامها وسيلة فعالة نسبياً لاستهداف السفن التجارية.

النفط يصعد مع تصاعد التوتر

صورة لمضيق هرمز مع براميل نفط (رويترز)

وفي تطور آخر، أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن البحرية الإيرانية دمرت قطعة بحرية أميركية مسيرة في الجزء الشرقي من مضيق هرمز، من دون صدور تعليق أميركي يؤكد أو ينفي الواقعة.

وتأتي هذه الحوادث بعد إعلان القوات المسلحة الإيرانية، الخميس، توقف أربع ناقلات نفط على الأقل في المنطقة إثر اصطدامها بألغام، قائلة إن السفن تجاهلت تحذيرات لاسلكية عدة. وتزيد هذه التطورات من المخاوف بشأن سلامة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

وانعكست التطورات السياسية والعسكرية على أسواق الطاقة؛ إذ ارتفعت أسعار النفط، الجمعة، مع تزايد المخاوف من احتمال تجدد الضربات الأميركية على إيران واتساع نطاق المواجهة في المنطقة.

وسجل خام برنت القياسي 116.43 دولار للبرميل في بداية التعاملات، مرتفعاً بنسبة 1.35 في المائة مقارنة بإغلاق الخميس.

ويعكس صعود الأسعار حساسية أسواق الطاقة تجاه التطورات في مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حيوياً لتجارة النفط العالمية؛ إذ إن استمرار تعطيل الملاحة أو تصاعد الهجمات على الناقلات قد يؤدي إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وبينما تحاول الوساطات القطرية والباكستانية فتح نافذة جديدة للتفاوض، تشير التطورات الميدانية والتصريحات الأميركية والإيرانية إلى أن فرص التهدئة لا تزال تواجه عقبات كبيرة، وأن مضيق هرمز سيظل نقطة الاختبار الرئيسية لأي تسوية مقبلة بين الطرفين.


إسرائيل تبحث عن ائتلاف يحكمها

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تبحث عن ائتلاف يحكمها

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

ما كانت إسرائيل بحاجة للانتظار حتى انتهاء فرز الأصوات في انتخابات الكنسيت الـ26 في تاريخها، بل شرعت فور إغلاق صناديق الاقتراع في تداول سيناريوهات التشكيلات الائتلافية الممكنة لحكم الكيان الذي يخوض حروباً بالجملة، وسط متابعة وثيقة من «الجيران» لهذا الاستحقاق «اليهودي الداخلي» الذي بدا حدثاً إقليمياً مؤثراً على أوضاع المنطقة برمتها.

فعقب انتخابات لم يتمكّن فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت من الفوز بالأغلبية، ويرى كل منهما أنه قادر على الحكم، صار السؤال الأبرز: ما الخيار الممكن للوصول إلى ائتلاف قادر على الحكم؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال تجمع انتخابي في القدس فجر يوم 28 أكتوبر 2026 بعد إعلان أول استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع (أ.ف.ب)

في ظل نتيجة الاقتراع غير الحاسمة، سيتعين على الرجلين إيجاد سبيل لتوسيع كتلتيهما إذا ما أرادا تشكيل ائتلاف حاكم، لكن لم يتسرب حتى الآن سوى القليل جداً من المعلومات حول مفاوضات محتملة خلف الكواليس.

وإذا لم ينجح أي منهما في تشكيل ائتلاف، فستضطر الدولة العبرية إلى العودة إلى صناديق الاقتراع. فيما يلي السيناريوهات الأكثر ترجيحاً لكل طرف لتأليف حكومة:

حكومة بقيادة نتنياهو

تصدر رئيس الوزراء وحلفاؤه من اليمين المتطرف وتيارات اليهود المتشددين النتائج في الفرز النهائي للأصوات، بحصولهم على 53 مقعداً في الكنيست (البرلمان)، منها 27 مقعداً لحزب «الليكود» بقيادة نتنياهو، لكن الحصيلة أقل من العدد المطلوب لتحقيق الأغلبية، وهو 61 مقعداً.

وإذا كان نتنياهو يأمل في البقاء في السلطة، فسيتعين عليه التواصل مع أحزاب المعارضة لدعوتها إلى الانضمام إلى حكومته، ما يتطلب تحولاً جذرياً في المواقف، لا سيما أن حملة المعسكر المناوئ له قامت على وعد بإزاحته عن السلطة.

ودعا الرئيس الإسرائيلي، إسحق هرتسوغ، المكلّف اختيار المرشح الأقدر على تشكيل ائتلاف حكومي، إلى تجنب إجراء انتخابات جديدة بأي ثمن.

غادي آيزنكوت يلوح بالعلم الإسرائيلي في المقر الرئيس لحزبه «يشار» بعد إغلاق صناديق الاقتراع الثلاثاء الماضي (د.ب.أ)

ومن بين الأحزاب الأربعة في معسكر آيزنكوت، فإن حزب «الديمقراطيين» اليساري بقيادة يائير غولان، الذي فاز بثمانية مقاعد، يعد الأقل تقبلاً لأي تقارب مع نتنياهو.

كما من المرجح أن أفيغدور ليبرمان، حليف نتنياهو السابق الذي تحول إلى خصم لدود له، والذي فاز حزبه اليميني «إسرائيل بيتنا» بسبعة مقاعد، سيرفض هذا الاحتمال جملة وتفصيلاً.

وقال ليبرمان، الخميس، إن «الائتلاف الوحيد الممكن تصوره» لا يشارك فيه نتنياهو شخصياً، مع انفتاحه على مشاركة بقية أعضاء حزب «الليكود».

أما موقف حزب «معاً» الذي ينتمي إلى تيار يمين الوسط ويتزعمه نفتالي بينيت، وقد فاز باثني عشر مقعداً، فيبدو أقل وضوحاً.

ألمح بينيت بداية إلى أنه لن يعارض تشكيل تحالف مع معسكر نتنياهو بشروط معينة، أبرزها التشكيل الفوري للجنة تحقيق في هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكنه تراجع عن ذلك لاحقاً، مؤكداً أن تصريحاته قد أُسيء فهمها.

وأخيراً، يبدو مستبعداً احتمال التحالف مع حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت الذي حصد 21 مقعداً، نظراً لأن قائد أركان الجيش السابق بنى حملته الانتخابية على وعد إزاحة نتنياهو الذي اعتبره غير مؤهل للقيادة، لكن هناك سابقة حديثة لاتفاقات غير متوقعة بشأن تقاسم السلطة.

ففي عام 2020، تجاوز كل من نتنياهو والسياسي الوسطي بيني غانتس حالة العداء العميق بينهما وتوصلا إلى اتفاق يقضي بالتناوب على منصب رئيس الوزراء، لكن هذه الشراكة انهارت بعد عام واحد.

استبعد آيزنكوت مراراً مثل هذا الاتفاق، قائلاً قبل التصويت: «لن يكون هناك أي شكل من أشكال التناوب على منصب رئيس الوزراء. سيكون هناك رئيس وزراء واحد فقط، وهو أنا».

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يشدد على عدم الاضطرار لإجراء انتخابات جديدة مبكرة (أ.ف.ب)

وخارج معسكر المعارضة، يظل هناك خيار مستبعد للغاية، يتمثل في لجوء نتنياهو إلى القائمتين العربيتين اللتين حصدتا 19 مقعداً، لكن رئيس الوزراء أمضى الحملة الانتخابية في انتقاد القائمتين العربيتين، وفي الأيام التي تلت التصويت اتهمهما بتزوير الانتخابات، لكن لا شيء مستبعد حين يتعلق الأمر بنتنياهو الذي يتقن المناورات، وقد سبق له التواصل مع الأحزاب العربية في عامي 2015 و2021.

حكومة بقيادة آيزنكوت

صرّح آيزنكوت في مساء يوم الانتخابات أن الشعب الإسرائيلي «اختار التغيير» من خلال عدم منح نتنياهو الأغلبية.

وفي ظل امتلاك معسكره 48 مقعداً، وبعد استبعاده التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة مع نتنياهو، يواجه آيزنكوت خيارين للمرحلة المقبلة: إما تشكيل حكومة أقلية تحظى بدعم من أحزاب أخرى، أو محاولة توسيع ائتلافه من خلال ضم نواب عرب أو منشقين من المعسكر الآخر.

سبق أن انضم زعيم «القائمة العربية الموحدة» (8 مقاعد) منصور عباس إلى ائتلاف حاكم لم يدم طويلاً، وقد أبدى استعداده لتكرار التجربة، إلا أن هذا الخيار يلقى معارضة من بعض الأطراف في معسكر المعارضة.

لافتة انتخابية لـ«القائمة المشتركة» العربية في بلدة اللد وسط إسرائيل الجمعة (أ.ب)

من جانبه، أبدى رئيس «القائمة العربية المشتركة» (11 مقعداً) يوسف جبارين استعداده لدعم آيزنكوت في الكنيست من دون الانضمام إلى حكومته، معرباً عن تحفظه، من بين أمور أخرى، على الحرب المدمرة في غزة.

من شأن القائمتين العربيتين منح آيزنكوت المقاعد التي يحتاج إليها للمضي قدماً في تشكيل حكومة، لكن الاعتماد عليهما يعني التراجع عن وعد انتخابي والمراهنة على حكومة أقلية هشة لا يرجح المراقبون أن تستمر فترة طويلة.

وبصفته قائداً سابقاً للجيش، لا يُعد آيزنكوت من دعاة السلام، وقد يؤدي احتمال تنفيذ عمليات عسكرية في المستقبل، بما في ذلك في قطاع غزة، حيث تعهد بإنهاء حكم حركة «حماس» خلال 18 شهراً، إلى دفع القائمتين العربيتين لسحب دعمهما له.

قد يحاول آيزنكوت أيضاً إحداث انشقاق في معسكر نتنياهو. ومن غير المرجح حدوث انشقاقات داخل حزب «الليكود»، نظراً لتماسكه بقوة خلف رئيس الوزراء، كما أن حلفاءه من اليمين المتطرف يُعتبرون غير مقبولين سياسياً بالنسبة لـ«كتلة التغيير».

أما الأحزاب المتشددة التي تتحالف حالياً مع نتنياهو وتملك 13 مقعداً، فقد تبدي مرونة أكبر.

وينادي آيزنكوت، الذي قضى ابنه في حرب غزة، بإلغاء الإعفاءات من الخدمة العسكرية الممنوحة لليهود الحريديم، وهو أمر تعارضه الأحزاب الممثلة لهم، رغم أنها قد تكون مستعدة لتغيير موقفها في حال تقديم تنازلات.

إنجاز عربي تاريخي

سجلت هذه الانتخابات إقبالاً عربياً تاريخياً أثمر 19 مقعداً للأحزاب العربية، محولة الغضب الشعبي لورقة ضغط سياسية تُعقّد حسابات نتنياهو، وتضع المعارضة بقيادة آيزنكوت أمام اختبار استغلال هذا الدعم لتغيير الحكومة.

وأعادت نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية رسم ملامح الحضور السياسي للمجتمع العربي، بعدما شهدت صناديق الاقتراع إقبالاً غير مسبوق، تُوّج بنسبة تصويت اقتربت من بنسبة 80 في المائة وحصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً، في واحدة من أبرز المحطات الانتخابية التي عكست حجم الغضب الشعبي من سياسات الحكومة، والإصرار على مواجهة نهجها العنصري.

وفيما يشكّل هذا التصويت الواسع رصيداً سياسياً مهماً للمجتمع العربي، فإن الانتقال من الإنجاز الانتخابي إلى التأثير الفعلي في تركيبة الحكومة، لا يزال محفوفاً بالتعقيدات.