تقترب طهران من منعطف أمني وسياسي مع اتساع الاحتجاجات واحتدام السجال مع واشنطن، وحذر مسؤول إيراني من أن القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، قد تصبح أهدافاً إذا تعرضت أراضي بلاده لهجوم، في ظل تصاعد التوتر على خلفية اتساع الاحتجاجات في الداخل وارتفاع المخاوف من تدخل أميركي محتمل.
وأفاد مسؤول إيراني كبير بأن طهران طلبت من دول المنطقة «منع واشنطن من مهاجمة إيران». وأضاف أن طهران ترى أن أي خطوة عسكرية أو دعم مباشر للمحتجين سيقابله رد تتجاوز آثاره الحدود الإيرانية.
ونقلت «رويترز» عن المسؤول أن بلاده ترى أن ما يجري امتداد لصراع أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنها تنظر إلى التهديدات الأميركية بوصفها تقويضاً لمسار التهدئة. وأضاف أن التصعيد الأميركي يدفع طهران إلى رفع مستوى الإنذار السياسي والأمني على السواء.

وأكد المسؤول أن طهران أبلغت عدداً من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بضرورة منع واشنطن من مهاجمة إيران. وقال إن الرسالة كانت واضحة ومباشرة ومفادها أن إيران ستعامل أراضي الدول المستضيفة للقواعد الأميركية كجزء من مسرح الرد إذا تعرضت لهجوم.
وذكر ثلاثة دبلوماسيين أن بعض الأفراد تلقوا توصية بمغادرة قاعدة جوية أميركية رئيسية في الشرق الأوسط رغم عدم ظهور مؤشرات على إجلاء واسع النطاق للقوات كما حدث قبل هجوم صاروخي إيراني العام الماضي. ووصف أحد الدبلوماسيين هذه الخطوة بأنها «تغير في الموقف وليس إجلاءً منظماً».
ولم تظهر أي مؤشرات على تحرك كبير للقوات من القاعدة إلى مواقع قريبة كما حدث في وقت سابق من العام الماضي قبل استهداف إيران القاعدة بصواريخ رداً على قصف الولايات المتحدة أهدافاً نووية إيرانية.
وحسب المسؤول الإيراني فإن التحذير الإقليمي جاء في سياق سعي طهران إلى منع انتقال التوتر إلى مواجهة مفتوحة. وأوضح أن السلطات ترى أن أي تدخل خارجي سيزيد من الخسائر ويعقِّد السيطرة على الوضع الداخلي.
قطع الاتصالات
وقال مسؤول كبير لـ«رويترز» إن الاتصالات المباشرة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، توقفت عقب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل. وأضاف المسؤول أن التهديدات الأميركية تقوِّض الجهود الدبلوماسية، وأن اجتماعات محتملة لإيجاد حل دبلوماسي للخلاف النووي قد أُلغيت.
بالتوازي، قال دبلوماسي إقليمي لوكالة «أسوشييتد برس» إن حكومات رئيسية في الشرق الأوسط كانت تحث إدارة ترمب على تجنب شن حرب على إيران خشية «عواقب غير مسبوقة» في منطقة شديدة التقلب. وأضاف أن حكومات كبرى كانت «على اتصال مستمر» مع الإدارة الأميركية بشأن ضربة محتملة قد تتصاعد إلى «حرب شاملة».
وقال مسؤول إسرائيلي إن تقييماً إسرائيلياً خلص إلى أن ترمب قرر التدخل، لكن نطاق وتوقيت هذا الإجراء لا يزال غير واضح. وقال مصدر إسرائيلي ثانٍ، وهو مسؤول حكومي، إن مجلس الوزراء الأمني المصغر برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تلقّى إحاطة في وقت متأخر من الثلاثاء، بشأن فرص انهيار النظام واحتمالات تدخل الولايات المتحدة في إيران، التي خاضت إسرائيل معها حرباً استمرت 12 يوماً العام الماضي.
«رفع الجاهزية الصاروخية»
في موازاة التصعيد الميداني، شدد قادة عسكريون وسياسيون إيرانيون على جهوزية الرد. إذ قال قائد «الحرس الثوري» الإيراني، محمد باكبور، الأربعاء، أن بلاده في «أقصى درجات الاستعداد للرد بحزم» على إسرائيل والولايات المتحدة، متهماً قيادتي البلدين بالوقوف خلف الاحتجاجات.
ونقل التلفزيون الرسمي عن باكبور قوله إن «الحرس الثوري مستعد للرد بقوة على حسابات العدو الخاطئة»، واصفاً الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بأنهما «قتلة شباب إيران».
وفي السياق نفسه، استحضر علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني، تجربة المواجهة العسكرية السابقة، مذكّراً بما وصفه بـ«قصف قاعدة العديد الأميركية بصواريخ إيرانية» في يونيو (حزيران). وقال في منشور على منصة «إكس»، إن هذه الواقعة «تساعد على التوصل إلى فهم حقيقي لعزم إيران وقدرتها على الرد على أي هجوم»، في إشارة إلى استعداد طهران لمواجهة أي تصعيد محتمل.
من جهته، أعلن قائد الوحدة الجوية الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي، أن «مخزونات إيران الصاروخية ازدادت»، ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه قوله إن وحدته «في أعلى درجات الجاهزية الدفاعية ومستعدة للتصدي لأي هجوم».
وأضاف موسوي أن «إنتاجات الوحدة الصاروخية في مختلف المجالات زادت مقارنةً بما قبل حرب الـ12 يوماً» في يونيو (حزيران)، وقال إنه خلال هذه الفترة «جرى إصلاح جميع الأضرار»، مشدداً على أن وحدته «في ذروة الجاهزية»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية.

من جهته، قال محسن رضائي، القيادي في «الحرس الثوري» وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، إن «إجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تضع العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة»، واعتبر أن ترمب ونتنياهو «بدآ لعبة خطيرة».
وتابع أن «المؤامرة الأخيرة التي أحبطها الشعب لم تكن امتداداً لحرب الأيام الـ12، بل كانت تكراراً لها»، مضيفاً أن «الولايات المتحدة وإسرائيل استسلمتا سريعاً في حرب الـ12 يوماً، وطلبتا وقف إطلاق النار في اليوم الثاني عشر من الحرب، وتوصّلتا إلى تفاهم مع قوى مناهِضة للنظام».
وخاطب رضائي الرئيس الأميركي، محذراً من أنه «إذا كررتم خطأكم فسنُعاقبكم في عقر داركم».
وفي موازاة التوتر أبلغت وسائل إعلام إيرانية رسمية، أن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، تحدث إلى وزير خارجية قطر، وأن عراقجي تحدث إلى نظيريه الإماراتي والتركي.
وقالت وسائل الإعلام الرسمية إن عراقجي أبلغ وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، بأن «الهدوء ساد» وأن الإيرانيين مصممون على الدفاع عن سيادتهم وأمنهم في مواجهة أي تدخل أجنبي. ولم تذكر التقارير تفاصيل إضافية بشأن مضمون الاتصالات أو مدتها.
وظل ترمب يهدد علناً لعدة أيام بالتدخل في إيران، لكنه لم يخض في تفاصيل. وفي مقابلة مع «سي بي إس نيوز»، أمس، تعهد ترمب بـ«إجراءات صارمة قوي للغاية»، إذا بدأت إيران إعدام متظاهرين. وقال: «إذا شنقوهم، فسترون بعض الأمور». وحث الإيرانيين على مواصلة الاحتجاج والسيطرة على المؤسسات، وقال إن «المساعدة في الطريق» إليكم.
وخلال مقابلة مع «سي بي إس» كرر ترمب أن «هناك الكثير من المساعدة في الطريق». للمواطنين الإيرانيين قائلاً إنها تقدم «بأشكال مختلفة» بما في ذلك المساعدة الاقتصادية. وأشار إلى الغارات الجوية الأميركية العام الماضي، على منشآت نووية إيرانية دون تقديم تفاصيل أخرى.

وعندما سئل عن هدفه النهائي قال ترمب: «الهدف النهائي هو الفوز، أنا أحب الفوز»، وأضاف أنه لا يريد أن يرى ما يحدث في إيران يحدث في الولايات المتحدة، قائلاً إن الاحتجاج شيء لكن «عندما يبدأون في قتل الآلاف من الناس والآن أنت تخبرني عن الإعدام شنقاً، سنرى كيف سينتهي الأمر بالنسبة إليهم، لن ينتهي الأمر على خير».
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اجتماع لمجلس الوزراء الأربعاء، «كل جهود الأعداء ضد البلاد ستذهب سدى» ما دامت الحكومة تحظى بدعم شعبي.
واتهم سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، ترمب بالتحريض على العنف وتهديد سيادة البلاد وأمنها والسعي إلى زعزعة الاستقرار. وقال في رسالة إلى مجلس الأمن إن «الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي» يتحملان «مسؤولية قانونية مباشرة لا جدال فيها عن خسائر أرواح مدنيين أبرياء لا سيما بين الشباب».
حصيلة مرتفعة
واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) على خلفية تدهور اقتصادي وانخفاض قيمة العملة، وتطورت إلى مظاهرات أوسع نطاقاً ومطالبات بإسقاط المؤسسة الدينية. وعرقل انقطاع الإنترنت وتقييد الاتصالات تدفق المعلومات، وجعل تقدير حجم المظاهرات وعدد الضحايا من خارج إيران أكثر صعوبة.

وفي أحدث حصيلة متداولة على نطاق واسع قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، وهي منظمة تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 2403 متظاهرين و147 شخصاً مرتبطين بالحكومة. وذكرت في تحديث آخر، ارتفاع العدد إلى نحو 2571 أو 2572 قتيلاً في وقت مبكر من الأربعاء.
ونقلت «سي بي إس نيوز» عن مصادر أن ما لا يقل عن 12000 شخص وربما أكثر من 20000 يخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم مع ظهور مقاطع لأكياس جثث مصطفة في مشرحة في طهران. وفي المقابل قال مسؤول إيراني لـ«رويترز»، الثلاثاء، إن نحو 2000 شخص قُتلوا، وهو أول إقرار رسمي بالعدد الإجمالي للقتلى منذ اندلاع الاضطرابات، وفق ما ورد.
وتقول تقارير إن انقطاع الإنترنت أثّر على تدفق المعلومات من إيران. وقال ناشطون إن خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» بدأت تقديم خدمة مجانية داخل إيران لمن يمتلكون أجهزة الاستقبال، في حين تحدثت تقارير أخرى عن مداهمات بحثاً عن أجهزة مرتبطة بالخدمة.
ولا يزال الإنترنت مقطوعاً في عموم البلاد لليوم السابع على التوالي، حسب منظمة «نتبلوكس»، مما يجعل الوصول إلى المعلومات صعباً، فيما تبقى الاتصالات الهاتفية محدودة.
لكن منظمة «هيومن رايتس ووتش» قالت، الثلاثاء، إن تقارير موثوقة تشير إلى «عمليات قتل واسعة النطاق تنفذها قوات الأمن في مختلف أنحاء البلاد».
«محاكمة سريعة»
وقال رئيس السلطة القضائية الإيراني غلام حسين محسني إجئي، خلال زيارة لسجن في طهران، حيث يُحتجز محتجون، إن السرعة في محاكمة ومعاقبة «الذين قطعوا الرؤوس أو أحرقوا الناس» أمر بالغ الأهمية لضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث. وأفادت «هرانا» باعتقال 18137 شخصاً حتى الآن.
وقال في تصريح آخر: «إذا قام شخص بإحراق إنسان أو قطع رأسه ثم إحراق جسده، فعلينا أن نقوم بعملنا بسرعة».
وأظهر مقطع بثه التلفزيون الرسمي إجئي جالساً داخل قاعة كبيرة وهو يستجوب رجلاً يرتدي زي السجناء وقد طُمست ملامح وجهه، واتُّهم بجلب زجاجات حارقة إلى متنزه في العاصمة. وجاء ذلك بينما تحدثت منظمات حقوقية عن مخاوف من محاكمات سريعة وإعدامات بحق المحتجزين.
وذكرت منظمات حقوقية أن رجلاً يبلغ من العمر 26 عاماً يدعى عرفان سلطاني اعتُقل على خلفية الاحتجاجات في مدينة كرج، وكان من المقرر إعدامه، الأربعاء.
وطالبت منظمة العفو الدولية إيران بـ«الوقف الفوري لجميع الإعدامات، بما في ذلك إعدام عرفان سلطاني»، وقالت إنها تلقت معلومات عن تنفيذ أول حكم إعدام بحق أحد المتظاهرين، الأربعاء. وأشارت الخارجية الأميركية أيضاً إلى هذه المخاوف في رسالة بالفارسية على منصة «إكس».
«تدمير غير مسبوق»
وقال رئيس هيئة الأركان الإيراني عبد الرحيم موسوي، إن «البلاد لم تشهد من قبل هذا المستوى من التدمير» في إشارةٍ إلى أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات. وقال إن «الإجراءات الإرهابية للمجموعات المسلحة كانت امتداداً للحرب التي استمرت 12 يوماً». وتحدث عن «قوات إرهابية مدرَّبة»، وعن إطلاق نار «حتى على المواطنين».
وفي العاصمة طهران نظمت السلطات مراسم تشييع أكثر من 100 عنصر أمن قُتلوا خلال الاضطرابات. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية إن آلاف الأشخاص شاركوا في التشييع أمام جامعة طهران مع رفع أعلام وصور للمرشد علي خامنئي، وشعارات من بينها «الموت لأميركا». وأشارت تقارير إلى تشييع 300 شخص في عموم البلاد.

كانت السلطات قد حشدت لمظاهرات مضادة يوم الاثنين الماضي. وزعم محسن رضائي، الأربعاء، أن أكثر من 26 مليون شخص شاركوا في مسيرة أُقيمت يوم 12 يناير (كانون الثاني).
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن لافتات رُفعت إلى جانب صورة لترمب ودماء على وجهه مع عبارة تفيد بأن الهدف لن يخطئ هذه المرة.
وقال حسن خميني، حفيد المرشد الإيراني الأول، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، مساء الثلاثاء إن «أصل القصة بدأ مع زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة»، ورأى أن ما شهدته البلاد تخلله «عنف لا ينسجم مع ذائقة الشعب الإيراني»، واصفاً إياه بأنه «على طريقة داعش»، وأضاف أن «خلفيات جزء كبير من هذا العنف تعود في الكواليس إلى تيارات داعشية تسللت من بعض الدول المجاورة».
على نقيض ذلك، وصف إمام جمعة زاهدان، عبد الحميد إسماعيل زهي، مقتل «آلاف المتظاهرين خلال أيام قليلة» بأنه «كارثة مروعة وغير مسبوقة»، وقال في رسالة نشرها على منصة «إكس» إن هذا الحدث «أغرق الشعب الإيراني في الحزن والغضب» و«جرح بعمق ضمير الأحرار في العالم»، وأضاف أن «الآمرين والمنفذين لهذه الجريمة سيكونون بلا شك مسؤولين عنها».






