علاج شائع يُعيد البصر لمرضى «انخفاض ضغط العين»

هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)
هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)
TT

علاج شائع يُعيد البصر لمرضى «انخفاض ضغط العين»

هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)
هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)

أظهرت دراسة حديثة فاعلية حقنة عين شائعة الاستخدام في علاج حالة مرضية نادرة من حالات «انخفاض ضغط العين»، كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للعلاج، وذلك في مشروع أجراه باحثون من جامعة لندن ومستشفى «مورفيلدز» للعيون في بريطانيا.

وتشير البيانات المنشورة في «المجلة البريطانية لطب العيون» إلى إمكانية استخدام حُقَن العين التي تحتوي على «هيدروكسي بروبيل ميثيل سليلوز» (HPMC)، وهو جِل منخفض التكلفة يُستخدم في معظم جراحات العيون، لزيادة حجم العين المصابة بانخفاض ضغط العين، مما يؤدي إلى زيادة حجمها ورفع مستوى الضغط فيها.

ومن اللافت للنظر أنه بالإضافة إلى استعادة بنية العين الطبيعية، استعاد المرضى بصرهم أيضاً. ووفق نتائج الدراسة شهد 7 من المرضى الثمانية الذين تلقوا العلاج تحسناً في الرؤية، ومستوى ضغط العين، وطول القرنية، بعد دورة علاجية استمرت 12 شهراً.

وقال الدكتور هاري بتروشكين، استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «نحن سعداء للغاية بنجاح هذا العلاج البسيط في علاج المرضى الذين يعانون من هذه الحالة النادرة». وأضاف: «هذه بداية لفهم أعمق لتوازن السوائل داخل العين، مما سيؤدي إلى تحسين الرعاية المقدمة لمرضانا».

ويسبب انخفاض ضغط العين غير الطبيعي تُغيراً في شكلها وبنيتها الداخلية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى فقدان تدريجي ودائم للبصر، وغالباً ما يستغرق الأمر سنوات عدة قبل أن يُسبب العمى. وقد يتطور انخفاض ضغط العين نتيجة حالات مرضية كامنة في العين، تُلحق الضرر بالجزء المسؤول عن إنتاج السائل الذي يحافظ على ضغط العين الطبيعي.

وحتى الآن، كان العلاج القياسي للعيون التي تفقد البصر بسبب انخفاض ضغط العين هو حقنها بزيت السيليكون. ورغم فوائده الطبية الكثيرة، فإنه ليس مثالياً؛ إذ قد يكون ساماً على المدى الطويل.

تروي نيكي (إحدى مريضات انخفاض ضغط العين) حكايتها مع المرض؛ حيث تقول: «كان فقدان البصر أمراً مُرعباً، ولكنه دفعني للبحث عن الخيارات المتاحة للعلاج».

بدأت مشكلات بصر نيكي بعد ولادة ابنها بفترة وجيزة، جَرَّبت علاجات متعددة، بما في ذلك استخدام الستيرويدات وزيت السيليكون. وبينما وفَّر بعضها راحة مؤقتة أدَّى البعض الآخر إلى انخفاض مفاجئ في ضغط العين، أو حتى فقدان البصر تماماً. وكانت نقطة التحول بالنسبة لها عندما بدأ أطباؤها الاستشاريون بمستشفى «مورفيلدز» في استكشاف بديل لزيت السيليكون. وبتشجيع منها، جربوا حقنة من الجِل الشفاف المصمم لدعم الضغط واستعادة وظيفة العين.

تقول نيكي: «بدأنا العلاج، ومع تحسن الضغط بدأ بصري في العودة. كان الأمر مذهلاً». وأضافت: «عاد بصري تدريجياً. أشعر بأن التقدم الذي أحرزته استثنائي؛ خصوصاً مع معرفتي بأن مرضى قبلي واجهوا فقداناً دائماً للبصر». وهو ما علَّق عليه البروفسور غاس غازارد من معهد طب العيون بجامعة لندن، ومستشفى «مورفيلدز» للعيون، والمؤلف المشارك في الدراسة، قائلاً: «هذا علاج ثوري يُعيد الأمل للمرضى الذين لم تكن لديهم خيارات أخرى، والذين يعانون من حالة كانت تُسبب العمى والتشوُّه بشكلٍ لا يُمكن علاجه. لقد تجاوزت هذه الدراسة توقعاتي بشأن إمكانية استعادة البصر».


مقالات ذات صلة

عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

تكنولوجيا العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)

عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

طوّر باحثون في معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي بالولايات المتحدة عدسة لاصقة ذكية وناعمة قابلة لإعادة الاستخدام، يمكنها قياس مستويات السيروتونين من الدموع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يحتاج معظم البالغين إلى ما بين 600 و800 وحدة دولية من فيتامين «د» يومياً (بكسلز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تسرّع التراجع الإدراكي عند تناولها بلا حاجة

تربط دراسة تناول مكملات فيتامين «د» بتراجع إدراكي أسرع لدى مسنين لديهم مستويات كافية منه، من دون إثبات علاقة سببية مباشرة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يحتوي الشوفان ألياف «بيتا غلوكان» التي قد تساعد على خفض الكولسترول وتحسين التحكم في سكر الدم (بيكسلز)

هل الشعير أفضل من الشوفان في خفض الكولسترول وسكر الدم؟

يوفّر الشعير والشوفان ألياف «بيتا غلوكان» المفيدة بشأن الكولسترول وسكر الدم، وقد يتفوّق الشعير قليلاً، لكن التأثير يعتمد على الكمية والتحضير والنظام الغذائي...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة والأداء البدني وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)

مراقبة الطيور تُساعد مرضى السكتة الدماغية على التعافي

مراقبة الطيور تحقق فوائد صحية كبيرة (رويترز)
مراقبة الطيور تحقق فوائد صحية كبيرة (رويترز)
TT

مراقبة الطيور تُساعد مرضى السكتة الدماغية على التعافي

مراقبة الطيور تحقق فوائد صحية كبيرة (رويترز)
مراقبة الطيور تحقق فوائد صحية كبيرة (رويترز)

طوّر باحثون من جامعتي مونتانا وميشيغان الأميركيتين، برنامجاً علاجياً يرتكز على مراقبة الطيور لمساعدة مرضى السكتة الدماغية المصابين بالحبسة الكلامية على التعافي.

ووفق بحثهم المنشور في مجلة «فرونتيرز إن بيرد ساينس» يشارك الناجون من السكتة الدماغية في برنامج الحبسة الكلامية الشامل والمكثف، حيث يُقدم الباحثون في مجال الطيور، والخبراء في مجالات النطق واللغة، مجموعة من الأنشطة ترتكز على مراقبة الطيور من خلال برنامج «بيغ سكاي» للحبسة الكلامية.

بدأت الشراكة بين الجامعتين في عام 2021، وتطور هذا النشاط إلى تعاون مستمر بين الدكتورة فيكتوريا دريتز، عالمة بيئة الطيور في برنامج بيولوجيا الحياة البرية بجامعة ميشيغان، وجينا موسيك وكاثرين أوف، الباحثتين في كلية علوم النطق واللغة والسمع والعلوم المهنية، وهما خبيرتان في مجال إعادة تأهيل مرضى السكتة الدماغية وأبحاثها.

الحبسة الكلامية

ويعاني ثلث الناجين من السكتة الدماغية من الحبسة الكلامية، وغالباً ما يواجهون صعوبة في الكلام وفهم اللغة المنطوقة والقراءة والكتابة. والحبسة الكلامية هي اضطراب عصبي مكتسب، عادةً ما تكون حالة مزمنة تؤثر في اللغة والتواصل. ويمكن أن تؤثر سلباً على قدرة الأفراد على المشاركة في مجتمعاتهم، مما يؤدي إلى العزلة والاكتئاب.

ثبت علمياً أن مراقبة الطيور تحسن الصحة النفسية (بكسلز)

تقول أوف، المديرة المشاركة لبرنامج «بيغ سكاي» لعلاج الحبسة الكلامية في جامعة ميشيغان: «الحبسة الكلامية أشبه بسرقة الهوية. فالأشخاص المصابون بها لا يعانون من صعوبات فكرية، بل هم منغمسون في ذواتهم داخل عقولهم. يكمن التحدي في تغير وظائفهم اللغوية».

وأضافت في بيان، الجمعة، أن أنجع استراتيجيات إعادة التأهيل تجمع بين العلاج السريري وفرص المشاركة الفعّالة في الحياة اليومية.

مراقبة الطيور

ويُعد مركز علوم الطيور في جامعة ميشيغان رائداً على المستوى الوطني في مجال حماية الطيور والموارد الطبيعية. وتدير دريتز المركز الذي يتبنى البحث متعدد التخصصات ويتعاون مع منظمات محلية ووطنية ودولية لمواجهة تحديات الحفاظ على البيئة المعقدة. لكن التعاون الأكثر تميزاً، حسب دريتز، هو الشراكة مع اختصاصيي أمراض النطق واللغة، مما يعكس التزام جامعة ميشيغان بالتعلم متعدد التخصصات.

قالت دريتز: «إن مراقبة الطيور في مجموعات تدعم التفاعل من خلال التركيز المشترك خلال تجربة الطبيعة، وكلاهما ثبت أنه يحسن الصحة النفسية. إن تغريد الطيور وأصواتها، وحركاتها وإيقاعاتها الموسمية، ووجودها شبه الدائم في المناطق الحضرية والريفية، يجعلها متاحة ومثيرة للاهتمام».

وأضافت: «الطيور من الأشياء التي يمكنك متابعتها من أي مكان، بدءاً من الجلوس والتأمل أمام النافذة، وصولاً إلى رسم مسار لرؤية نوع فريد منها. يمكنك البدء من حيث أنت. ماذا يوجد في حديقتك الخلفية؟ هذا هو جوهر الأمر».

طيور في مانهاتن بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

ويعمل أفراد الفريق جنباً إلى جنب لدعم المشاركين في البرنامج من خلال أنشطة تتمحور حول الطيور، حيث يناقش الناجون من السكتة الدماغية ما يرونه، ويطرحون الأسئلة، ويساعد بعضهم بعضاً في استخدام المعدات، ويواصلون الحوار مع عائلاتهم لاحقاً.

قالت موسيك: «يعودون إلى منازلهم في كل ليلة ويتحدثون مع مقدمي الرعاية عن ذلك، مما يُشجع على استمرار الحوار».

ويُركز الفريق الآن على قياس النتائج، وتدريب الاختصاصيين، وتوسيع نطاق النموذج ليشمل برامج مماثلة تُفيد الناجين من السكتة الدماغية المصابين بالحبسة الكلامية في أماكن أخرى جديدة.


الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

«صهر الذاكرة» (نور الرياض)
«صهر الذاكرة» (نور الرياض)
TT

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

«صهر الذاكرة» (نور الرياض)
«صهر الذاكرة» (نور الرياض)

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم. للإجابة عن هذا السؤال، تحدثنا إلى الفنانين سعد الهويدي وعبد الرحمن طه، اللذين جعلا من الألعاب مدخلاً إلى عوالم فنية وإنسانية أوسع. فبالنسبة إلى الهويدي، تمثل ألعاب الأطفال «الوعاء الأول لذاكرة الإنسان»، ومن خلالها تبدأ علاقته بالعالم وتتشكّل أولى تجارب الاكتشاف. أما طه، فينظر إلى الألعاب الشعبية بوصفها وسيطاً بصرياً وإنسانياً يقرّب الجمهور من الأفكار والرسائل التي يسعى إلى إيصالها عبر أعماله.

في هذا الحوار، نستكشف كيف طوّر كل من الفنانين رؤيته الخاصة للألعاب بوصفها أكثر من مجرد أدوات للترفيه؛ إذ تحولت في أعمالهما إلى وسيلة للتأمل في الذاكرة الفردية والجماعية، ولفهم جوانب من التجربة الإنسانية والاجتماعية.

«صهر الذاكرة» لسعد الهويدي ( الفنان)

صهر الذاكرة

قدم الفنان سعد الهويدي نسخة أولى من عمله «صهر الذاكرة» ضمن منحة «معهد مسك للفنون» لعام 2020. يتكون العمل من ألعاب مذابة أعيد تشكيلها باستخدام تقنيات مختلفة، ويجسد العمل محاولة الفنان إعادة بناء علاقته بطفولته وبالشارع الذي احتضن سنوات لعبه الأولى. وبرغم أن العمل يتناول ذاكرة شخصية فإن الهويدي ينشغل في ممارسته الفنية بمفهوم الذاكرة، ليس بوصفها استعادة للماضي فقط وإنما كجزء من تكوين الإنسان ومرآة لتجربته الاجتماعية والثقافية، يقول: «قد يكون اهتمامي بالذاكرة نابعاً أحياناً من خوف من الفقد، وأحياناً أخرى من شغف بالتوثيق، لكنه أيضاً محاولة للنظر بطريقة مختلفة إلى حضورنا ووجودنا اليومي في هذا العالم».

وبعد خمسة أعوام، عاد الهويدي إلى الفكرة ذاتها من زاوية مختلفة. ففي «نور الرياض 2025» قدم نسخة جديدة من «صهر الذاكرة»، لكنها انتقلت من الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة أكثر اتساعاً ترتبط بجيل كامل من الأطفال. هذه المرة استعان بالرموز التعبيرية «الإموجي» مكوناً ثلاث كرات مضاءة من الألعاب المصهورة بقطر 2.75 متر. نجد هنا أن الذاكرة خرجت من إطار الخاص إلى العام، فالعمل يعتمد على ذاكرة وألعاب أطفال من الجيل الحالي حسبما يوضح لنا: «لم يكن الهدف هو المقارنة بين ذاكرتين وإنما البحث في كيفية تشكل الذاكرة، ومدى مقدرة العمل الفني على التفاعل معها».

«صهر الذاكرة 2» حصل على جائزة موسوعة جنيس لأكبر إموجي (موقع نور الرياض)

مرت عملية جمع الألعاب بثلاث مراحل، كل مرحلة أضافت مفهوماً جديداً ومساحة مختلفة للتأمل. بدأ الفنان بجمع ألعاب مهملة من أطفال يقيمون في الرياض ليطرح تساؤلاً عن الكيفية التي يتحول بها شيء ذا قيمة عاطفية كبيرة إلى قطعة يمكن الاستغناء عنها: «كانت هذه الألعاب في لحظة ما جزءاً مهماً جداً من حياتهم؛ تحدثوا معها وتعلقوا بها، ومع مرور الوقت تخلوا عنها». في المرحلة الثانية، توسعت عملية جمع الألعاب لتشمل ألعاباً من مناطق مختلفة داخل المملكة وخارجها. لاحظ الفنان ما تكشف عنه الألعاب من اختلافات ثقافية واجتماعية، برغم أن فعل اللعب في جوهره لغة إنسانية مشتركة. وأخيراً في المرحلة الثالثة، قام باقتناء ألعاب جديدة: «هنا أنا لا أجمع ذاكرة موجودة بالفعل، وإنما أبحث عن ذاكرة لم تولد بعد»، يضيف: «قادتني رحلة جمع الألعاب إلى سؤال أعمق: هل الذاكرة مرتبطة فقط بما حدث، أم أننا نصنع باستمرار ما سيصبح ذاكرة في المستقبل».

يمنح تصميم العمل والضوء والألوان الزاهية انطباعاً أولياً بالبهجة والبراءة، لكن يتسلل شعور ثقيل عند الاقتراب من العمل وتأمل ضياع ملامح الألعاب وملمسها الصلب، يعلق الهويدي: «لون اللعبة هو عنصر الدهشة والجذب الأول للطفل، لكن في هذا العمل يحدث تحول؛ فالألعاب تصهر ثم تتجمد لتكون كتلة صلبة. هذا التحول بالنسبة لي، يعكس تجربة الطفولة نفسها. فنحن عادة نستعيد الطفولة باعتبارها زمناً للفرح والبراءة، لكنها في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك؛ فهي تحوي أيضاً لحظات من الخوف والحزن، والطفل يبني ذاكرته في المسافة بين بهجة اللون وقسوة التحول».

ألعاب شعبية

إذا كان سعد الهويدي ينطلق من ألعاب الطفولة بحثاً في الذاكرة وتحولاتها، فإن عبد الرحمن طه يتجه نحو الألعاب الشعبية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية والذاكرة الجمعية. يستلهم الفنان منها مفرداته البصرية بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية والتراث المحلي. ومن بين هذه الألعاب تبرز لعبة «المدوان» الشهيرة في منطقة الحجاز، التي تناولها الفنان في نسختين مختلفتين. وتحمل الأولى عنوان «الاستقرار»، وهي مجسّم ضخم للعبة المدوان، يستعيد من خلال تكبير حجمها علاقتها بالطفولة والحنين، يقول: «أردت أن أقارن الإنسان باللعبة، فكلما شددنا حبلها وقفت وحين يرتخي الحبل أو نتركه تسقط وكذلك الإنسان، كلما بذل جهداً اشتد عوده، وكلما أهمل جوانب حياته سقط».

«مدوان النمو» (الفنان)

في «النمو»، نرى عدة نسخ من العمل، يضم كل منها أكثر من 1800 قطعة من «المدوان» التي تلتف محتضنة جذع نخلة: «كل قطعة هي تجربة سقوط أو فشل، وحين تكثر التجارب ويتكرر السقوط والوقوف مجدداً، يصبح الإنسان أكثر صلابة وقوة». ويشير الفنان إلى رمزية النخل «هي تجسيد للصمود والبقاء، وأيضاً تعد النخلة من رموز الوطن، ومن رموز المدينة المنورة الأرض التي نشأت عليها».

قواعد اللعبة

من الملاحظ أن مجموعة «المدوان» تتضمن رسائل فردية، لكن في عمله «الكيرم» ينتقل طه من التجارب الفردية إلى تجارب اجتماعية، حيث استخدم أحجار هذه اللعبة المشهورة في السعودية ذات الأصول الهندية. استوحى من قواعد اللعبة تفاضل قيمة الحجر الأحمر على الأسود والأبيض، راسماً مشاهد تناقش قواعد وممارسات اجتماعية.

«اللجنة» للفنان عبد الرحمن طه (الفنان)

في عمل «اللجنة»، نرى ثلاثة كراسي باللون الأسود يقابلهم كرسي باللون الأحمر، يشرح لنا: «في أي تجمع إنساني نجد شخصاً يمنح أو يكتسب القيمة الأكبر، ويصبح هو من يسن قواعد اللعبة أو الاجتماع». أما في عمل «المفتاح الرئيسي» فيتكون المشهد من مفتاح باللون الأحمر، يطرح العمل ما سمّاه طه «بقاعدة التواصل أو الوصول»، ويمكن قراءة العمل من زاويتين، إما أن يكون المفتاح هو الحل: كلمة طيبة أو هدية تفتح لك الباب الموصد، أو أن يكون المعضلة: سلطة أو مكانة اجتماعية بعيدة المنال وكذلك المفتاح.

الفنان عبد الرحمن طه (الفنان)

العمل الثالث في هذه السلسلة بعنوان «الإذن»، وهو تصميم على هيئة باب من أحجار اللعبة، ويصف طه دلالة الباب بقوله: «أي مجتمع مهما كان صغيراً يفرض عليك إذناً خاصاً للدخول»، ويضيف: «لطالما شغلتني فكرة أن الإنسان داخل لعبة متواصلة، محكوم أو يتحكم بقواعد اللعبة».

ينجذب طه لفكرة تكوين صورة كبيرة من قطع صغيرة، حيث لا يمكن قراءة العمل بوضوح إلا حين تنظر إليه من بعد، وعن ذلك يقول: «حين تجتمع آلاف القطع، يتلاشى الخاص مقابل قيمة ورسالة تطرحها الصورة الكلية. وهكذا يتكون النسيج الاجتماعي، من أشياء صغيرة وممارسات يومية قد لا ينتبه أحد لأهميتها، لكن حين تجتمع وتتراكم تكتسب قيمة ودلالة أعمق». يؤكد طه أن احجار «الكيرم» ما زالت تكون في خياله صوراً لمواضيع وممارسات اجتماعية، يتطلع إلى تحويلها مستقبلاً إلى أعمال فنية.


أين نزرع الأشجار لتبريد الشوارع بفاعلية أكبر؟

الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)
الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

أين نزرع الأشجار لتبريد الشوارع بفاعلية أكبر؟

الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)
الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)

غالباً ما تضع المدن التي تسعى إلى تبريد شوارعها الملتهبة أهدافاً عامة لزيادة الغطاء الشجري. وإنما هذه الأهداف قد تغفل حقيقة أنّ الظلال ليست جميعها مفيدة بالقدر نفسه، والأحياء لا تمتلك جميعها مساحة كافية لزراعة مزيد من الأشجار.

وتقدم دراستان جديدتان أجراهما باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية في كندا نهجاً أكثر دقة وتحديداً، يتيح رصد «البؤر الساخنة» في المناطق الحضرية، وتحديد المواقع التي يمكن أن تُحقّق فيها الأشجار الجديدة أكبر قدر من الفوائد.

وتقول أستاذة الإشراف البيئي بجامعة كولومبيا البريطانية والمؤلفة الرئيسية للدراستين، الدكتورة ميليسا ماكهيل، في بيان الجمعة: «غالباً ما تدرك المدن حاجتها إلى مزيد من الغطاء الشجري، لكن لا يزال يتعيّن عليها تحديد الأماكن المتاحة للزراعة بدقة، والمواقع التي سيُحدث فيها الظل أكبر فارق ممكن».

«الحرارة الخفية»

توفّر الخرائط الحرارية المعتمدة على الأقمار الاصطناعية للمدن نظرة شاملة، من منظور علوي، إلى درجات حرارة الأسطح. ووفق نتائج الدراسة الأولى، التي نُشرت في دورية «الاستشعار عن بُعد»، اختبر باحثو جامعة كولومبيا البريطانية تقنية للتعلم الآلي تعمل على تحسين دقة الصور الملتَقطة بواسطة قمري «لاندسات» و«سنتينل-2»، لتصل إلى 10 أمتار. وكشفت الخرائط عن تباين في درجات الحرارة في مدينة كيلونا يفوق بنحو 5 أضعاف ما أظهرته الطرق التقليدية.

وتحتاج المدن إلى معرفة الأماكن التي يمكن فيها فعلياً زراعة الأشجار وتوفير ظلّ مفيد. واستخدم الفريق البحثي في الدراسة الثانية، التي نُشرت في دورية «الغابات الحضرية والتخضير الحضري»، نموذج «كانوبي فيت»، وهو نهج لرسم خريطة لإمكانات الزراعة العملية. ويستبعد النموذج المناطق غير الملائمة للزراعة، ثم يقيّم إمكانات توفير الظل إلى جانب مستويات التعرّض للحرارة.

وعلى مستوى مدينة كيلونا، أشار التحليل إلى حلول مختلفة تتناسب مع طبيعة كلّ حيّ. ففي بعض المناطق، تتزامن درجات الحرارة المرتفعة والحاجة إلى تحقيق العدالة البيئية مع توافر مساحات واسعة للزراعة، ممّا يعني أنّ غرس مزيد من الأشجار قد يُحقّق فوائد كبيرة. وفي المقابل، تواجه مناطق أخرى درجات حرارة مرتفعة وحاجة ماسّة إلى الظلّ، لكنها تفتقر إلى المساحات الكافية للأشجار الجديدة، ممّا يستدعي النظر في بدائل أخرى، مثل إزالة الأسفلت، أو تعديل لوائح التطوير العمراني، أو إنشاء هياكل للتظليل.

وتُظهر النتائج أنّ التوزيع الاستراتيجي والترتيب المكاني للأشجار هما العاملان الأكثر أهمية في خفض درجات حرارة الشوارع، بدلاً من زراعة أعداد كبيرة بصورة عشوائية.

أفضل طرق زراعة الأشجار

وفيما يتعلّق بأفضل طرق زراعة الأشجار لتبريد الشوارع، تفيد أحدث النتائج البحثية بأنّ زراعة الأشجار في مجموعات متقاربة أو صفوف متصلة تُحدث تأثيراً تبريدياً مضاعفاً مقارنة بالأشجار المنعزلة. وتحذّر، في الوقت عينه، من المظلّات شديدة التلاحم، لأنها قد تحبس الإشعاع الحراري الأرضي ليلاً وتمنع التهوية.

وأفادت النتائج أيضاً بأنّ الشوارع المزروعة بأشجار تمتدّ بشكل عمودي على اتجاه الرياح توفر تبريداً أفضل. كما ينبغي عدم غرس أشجار كثيفة التظليل داخل «ممرات الرياح» أو قنوات التهوية الطبيعية للمدينة، لأنّ ذلك يعوق حركة الهواء ويزيد الشعور بالحرارة.

وتنصح الدراسات بالجمع بين الأشجار المتساقطة الأوراق والأخرى دائمة الخضرة، بما يوفر معدلات مرتفعة من النتح والتبريد صيفاً.

وتشير أدوات النمذجة الحديثة، مثل «كانوبي فيت»، إلى أنّ زراعة شجرة واحدة في شارع يفتقر تماماً إلى الغطاء النباتي، وبجوار أسطح داكنة مثل الإسفلت، توفر عائداً تبريدياً أعلى بكثير من زراعتها في منطقة مخضرة بالفعل.

وتقول ماكهيل: «تمتلك المدن مساحات وموارد محدودة للزراعة، لذا يتعيّن علينا تبني نهج استراتيجي. فالهدف هو إنشاء أشجار كبيرة وصحية والحفاظ عليها في المواقع التي تشتد فيها الحاجة إلى فوائدها، بما في ذلك التبريد».