سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

«إنستغرام» عززت مكانته... لكن براعته هي سر نجاحه

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
TT

سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

لم يُطلب مني قط توقيع اتفاقية عدم إفصاح مقابل قطعة حلوى؛ ومع ذلك، عادةً ما يحدث هذا عند التفاوض مع نجوم مثل سيدريك غروليه، الذي يعد أشهر طهاة الحلويات ليس عبر الإنترنت فحسب، بل وكذلك في العالم الواقعي.

جدير بالذكر أن نحو 13 مليون شخص يتابعون غروليه على «إنستغرام»، ما يفوق متابعي مارثا ستيوارت (5.8 مليون)، وإينا غارتن (4.8 مليون)، وبوبي فلاي (مليونان) مجتمعين. وتكشف فيديوهاته المتقنة والآسرة عن براعته في صنع فطائر الزهور الشهيرة، وكعكات رقائق الشوكولاته، وحلوياته التي تُوهم الناظر بأنها تفاح وليمون.

إبداع في تصنيع الشوكولاتة عززته وسائل التواصل الاجتماعي (نيويورك تايمز)

واجتذبت هذه الفيديوهات زبائن من جميع أنحاء العالم إلى متاجره في باريس، حيث تجري الاستعانة بحواجز مخملية وحراس أمن لتنظيم الحشود. ومنذ عام 2022، افتتح كذلك متاجر في لندن، وسان تروبيه، وموناكو، وسنغافورة، ومنتجع فال ديزير الفاخر للتزلج في جبال الألب. وبفضل استغلاله لقوة وسائل التواصل الاجتماعي، تمكن غروليه، 40 عاماً، في غضون خمس سنوات فقط، من بناء إمبراطورية استغرق بناء مثيلاتها من أجيال سابقة من طهاة الحلويات عقوداً طويلة.

ديكور المحل مصنوع من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

وفي مقابلة أجريت باللغتين الفرنسية والإنجليزية، قال غروليه إنه بدأ تدريباً مكثفاً في فنون الحلويات منذ سن الرابعة عشرة، في مسقط رأسه، فيرميني، بمنطقة لوار. وكان هدفه إرضاء «زبائن النخبة»، الذين يشكلون نسبة قليلة جداً من سكان العالم القادرين على الاستمتاع بفنون الحلويات الراقية. ومع ذلك، أدرك فجأة عام 2013، عندما شجعه مساعد طاهٍ شاب على استخدام «إنستغرام»، أن هناك جمهوراً أوسع لأعماله على الإنترنت. وعلق على ذلك، بقوله: «لقد نجحت الفكرة».

شوكولاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وكشف غروليه النقاب، عن أول متجر شوكولاته له، «سيدريك إيه لا شوكولاتيري»، وهو مشروع أشبه بعالم «ويلي ونكا» (عبقري صناعة الشوكولاته ومالك مصنع شوكولاته سحري وسري، من كتاب الأطفال الكلاسيكي «تشارلي ومصنع الشوكولاته» للكاتب روالد دال)، استغرق إعداد المتجر ثلاث سنوات. وفي قلب المتجر، يوجد شلال من الشوكولاته الذائبة تفوح منه رائحة زكية، يمكن رؤيته من الشارع، ويتدفق دونما انقطاع على جدار مصنوع خصيصاً من الفولاذ المقاوم للصدأ. (يحتوي النظام على 330 رطلاً من الشوكولاته، ممزوجة بالزيت لتسهيل انسيابيتها).

لوحات فنية مصنوعة من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

كما تصطف مربعات الشوكولاته على الجدران؛ وتثير الحواف المُسنّنة للطاولات ذات اللون البني الفاتح، في الأذهان صورة بسكويت الزبدة الفرنسي الكلاسيكي «LU»؛ وتتدلى من السقف منحوتات عملاقة لامعة من الفول السوداني الكامل، وقرون الكاكاو، والفستق.

في وقت سابق من هذا الشهر، عندما أُزيل الورق الذي يُغطي النوافذ بصورة مؤقتة، احتشد جمع غفير على الرصيف، وألصقوا هواتفهم بالزجاج، بينما شرعوا في التلويح بحماس لجذب انتباه غروليه.

يصطف المارة في الطريقة لرؤية الشوكولاتة في متجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

في الواقع، يبدو هذا الحماس المُصاحب لافتتاح متجر حلويات منطقياً هنا في فرنسا، حيث يشكل احترام المهارة والإبداع في فنون الطهي جزءاً من صميم الثقافة. (بيير إيرميه، سلف غروليه نجم عالم الحلوى في فرنسا، هو من نشر حلوى الماكرون عالمياً في العقد الأول من الألفية الثانية، وحصل على لقب فارس تقديراً لإسهاماته).

من جهتها، قالت ألكسندرا كرابانزانو، مؤلفة كتاب «شوكولاته»، الذي يُصوّر عالم الشوكولاته الفاخرة في باريس: «عندما يُطلق طاهي حلويات شهير منتجاً جديداً، يُذاع الخبر في نشرات الأخبار المسائية، وفي الصحف، وفي البرامج الحوارية التي تحظى بالمشاهدة في جميع أنحاء البلاد».

شوكلاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وداخل أرقى أحياء المدينة، تُعرض قطع البونبون وتُضاء كقطع المجوهرات في واجهات المتاجر. وفي جميع أنحاء البلاد، تشتد المنافسة لإنتاج أرقى الهدايا وأكثر أعشاش بيض عيد الفصح وكيك عيد الميلاد «بوش دو نويل» جاذبية. وبجوار متجر غروليه الجديد مباشرةً، تعكف صانعة الشوكولاته جايد جينين، على ملء أهرامات الشوكولاته الصغيرة بنكهات مثل الليمون والكمون والهيل الأسود المدخن، بينما تقف عشرات من متاجر الشوكولاته الفاخرة الأخرى على بُعد خطوات فقط.

من جهته، قال دومينيك أنسل، طاهي الحلويات الفرنسي صاحب ابتكار «الكرونوت»، إن سر غروليه يكمن في بساطته، وهي سرّ تأثير أعماله وشعبيتها، بغض النظر عن وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف: «إنها تخاطب شريحة أوسع من الناس بالتأكيد. بصفتي طاهياً، أُقدّر رقائق التويل والديكورات والزخارف على الطبق، لكن أي شخص يُمكنه الاستمتاع بفراولة بطعم الفراولة الأصيلة».

من حلويات غروليه على شكل فاكهة (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، لا يُرحب الجميع بتأثير منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، التي جلبت صوراً لحيوانات مصنوعة من الشوكولاته، وكرواسون عملاق، إلى عامة الناس.

في هذا الصدد، أشارت كرابانزانو، التي أجرت مقابلات مع عشرات من طهاة الحلويات من أجل كتابها، إلى أن هناك استياءً واسعاً بين الطهاة المخضرمين من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. والسبب أنه لم يعد كسب احترام الناس الذين يتذوقون أعمالهم ببطء كافياً، بينما ليس من السهل إتقان لغة الإنترنت الجديدة.

تستخدم في تصنيع الشوكولاتة لدى سيدريك غروليه تقنيات عالية (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، كان لدى غروليه رؤية ثاقبة لنقل حقيقة المجهود الشاق الذي يبذله طهاة الحلويات، الذين لطالما عملوا بجد خلف الكواليس، إلى الملايين. وبمهارةٍ فائقة، يعمل غروليه في صمتٍ تام، مستخدماً أوعيةً ضخمةً من الغاناش، وشرائحَ من عجينة الباف بايستري، وحفناتٍ من حبوب الفانيليا التي تملأ الشاشة، ما يوحي لجمهوره بأن العمل أهم منه. وبدلاً من زيّ الطهاة الأبيض التقليدي، وقبعة الطاهي الطويلة، وحقيبة الحلويات، يظهر غروليه مرتدياً قميصاً ومئزراً، وهو يغمس ذراعه في وعاءٍ من التوت.

وبطبيعة الحال، مع النجاح، تعلو أصوات النقد. يُصوّر المؤثرون في مجال الطعام من جميع أنحاء العالم أنفسهم وهم ينتظرون في طوابير طويلة أمام متاجره، تمتد أحياناً لساعات، ليحظوا بشرف شراء كعكة غروليه، ثم يُعبّرون عن خيبة أملهم في فيديوهاتٍ تحمل عناوين مثل «مراجعتي الصادقة» أو «هل يرقى هذا المخبز إلى مستوى الضجة المثارة حوله؟». وفي تعليقات على «إنستغرام» ومنشورات «ريديت»، يتساءل البعض حول ما إذا كان كرواسون غروليه، البالغ سعره 5 يوروهات، أفضل حقاً من كرواسون ميزون كايزر، سلسلة المخابز الوطنية الراقية، البالغ سعره 1.40 يورو، وما إذا كانت معجناته مصممةً في حقيقة الأمر كي تبهر الآخرين بشكلها، وليس مذاقها.

في الواقع، تتماشى أسعار غروليه مع أسعار غيره في عالم الحلويات الراقية. وكما الحال في عالم الأزياء الراقية، لا يتيح غروليه سهولة الوصول. والمثير أن تفاحة غروليه، وهي عبارة عن قشرة رقيقة من الشوكولاته محشوة بمربى التفاح والتفاح الطازج وغناش التفاح وكعكة القرفة، لا تشبه فطيرة التفاح العادية بقدر ما يشبه فستان «شانيل».

وكما توضح شخصية ميريل ستريب في فيلم «الشيطان يرتدي برادا» في مونولوجها الشهير بالسترة الزرقاء، فإن العمل الإبداعي الذي يحطم الحدود في عالم الرفاهية هو ما يفرض تغييراً حقيقياً في السوق الجماهيرية.

يذكر أنه عام 2015، ابتكر غروليه مكعب روبيك صالحاً للأكل، عندما كان مساعد رئيس الطهاة في فندق «لو موريس»، الفندق الباريسي الفاخر الذي عمل فيه طوال 10 سنوات ولا يزال يدير قسم الحلويات فيه. وكانت هذه أول حلوى له تُحقق نجاحاً باهراً، وتتكون من 27 مكعباً صغيراً لامعاً من الكيك، مفصولة بألواح رقيقة من الشوكولاته، ومُزودة بعجلات بلاستيكية صغيرة لتدويرها.

وفي هذا الإطار، أوضح غروليه أنه في المطاعم الراقية، يكون من المتوقع أن تبهر الحلويات الأنظار ببنيتها وألوانها وملمسها وإضاءتها. وقد تتضمن حلوى الليمون موس، وميرينغ، وماكرون، وغيرها، جميعها مُرتبة بدقة هندسية تُبرز الجهد المبذول فيها، وتُقنع الزبائن بأن السعر مُبرر.

الحلوى التي أكسبته شهرة واسعة، «لو سيترون» - ليمونة مُتقنة الصنع بتقنية الخداع البصري، مُزينة بورقة ليمون حقيقية - أثارت في البداية استياء إدارة «لو موريس»، الذين كانوا على يقين من أن الزبائن لن يدفعوا 25 يورو مقابل قطعة واحدة على طبق أبيض.

منذ افتتاح متجره المستقل الأول عام 2018، واصل غروليه تحدي تقاليد صناعة الحلويات الراقية، عبر الاستعانة بمكونات أميركية مثل الجوز الأميركي والفول السوداني، ويُقدم كعكات رقائق الشوكولاته العملاقة في علب البيتزا. ويتعاون مع علامات تجارية مثل «لا بريري» و«هاي سنوبايتي»، ومع مؤثرين مثل عارضة الأزياء نيجين ميرصالحي ومؤثر السيارات جورج مارون كيكانو، المعروف باسم «جي إم كيه».

الحقيقة كل من ظن أن غروليه مجرد مؤثر، فقد ثبت خطؤه منذ فترة طويلة. تجدر الإشارة إلى أن شركته توظف 600 شخص حول العالم، ويُعدّ دخوله عالم الشوكولاته قراراً تجارياً مدروساً؛ فالمعجنات الهشة، مثل معجنات غروليه، يكاد يكون من المستحيل شحنها، لذا لا يمكن تركيز الإنتاج؛ فلكلٍّ من متاجره الثمانية للمعجنات طاقم عمل مدرب تدريباً عالياً، وهو أمر مكلف بالتأكيد.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، في منطقة صناعية عادية بضاحية نانتير، فتح غروليه أبواب غرف تبريد متعددة، مُكدّسة من الأرض إلى السقف بصناديق الشوكولاته الجاهزة للنقل إلى متجره في باريس، ومن ثمّ إلى جميع أنحاء العالم. وعمل الموظفون، مرتدين أغطية الشعر والأحذية الواقية، على خط تجميع لتشكيل وتبريد وتزيين وتسوية وإغلاق قطع الشوكولاته على شكل بندق، المحشوة بعجينة البندق المحمص والمملح بشكل مثالي

وتتميز المنتجات الجديدة الـ134 التي ابتكرها ببساطته المعهودة بحلوى البونبون على شكل مانغو محشوة بالمانغو؛ وعصا الشوكولاته الطويلة والرفيعة المنقوشة بحبة فانيليا، تحتوي على غاناش الشوكولاته البيضاء المرصع ببذور الفانيليا السوداء. (كانت الحلويات التي جربتها لذيذة كالعادة).

واليوم، يرى غروليه، بعد وقت طويل، أن الحلويات التي كان يُعدّها سابقاً كانت تبدو مبالغاً فيها ومُفتعلة، بل وحتى مبتذلة. وقال: «كانت تعكس مُبالغة في التزيين»، على حد قوله.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

مذاقات الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

قد تكفي قطرات قليلة من عصير الليمون، أو قدر من بشر البرتقال، أو شرائح من اليوسفي المحمص لتغيير ملامح ومذاق طبق كامل.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جولة على ألذ أطباق الحلوى بباريس

جولة على ألذ أطباق الحلوى بباريس

رغم أن الكثير من حواضر العالم تزخر بمخابز وحلويات من الطراز الأول، تظل باريس الوجهة الأولى لعشاق الحلويات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يكفي أن تقول إنك متجه إلى الإسكندرية، حتى تجد اسم «جيلاتي عزة» يتردد في معظم ترشيحات الطعام والمحال بالمدينة.

منى أبو النصر (الإسكندرية)
مذاقات «تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور.

جوسلين إيليا (لندن)

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
TT

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"

قد تكفي قطرات قليلة من عصير الليمون، أو قدر من بشر البرتقال، أو شرائح من اليوسفي المحمص لتغيير ملامح ومذاق طبق كامل.

فالحمضيات تأتي إلى المطبخ لتعيد ترتيب النكهات، وتمنح الأطباق قدراً من الانتعاش والتوازن المطلوبين في كل المواسم.

فليست الحمضيات مجرد إضافة جانبية إلى الطعام، لكنها تمنحه أيضاً، حسب خبراء الطهي، توازناً بين الحلاوة والملوحة والحموضة، فضلاً عن رائحة أكثر حضوراً.

الحمضيات ذات القشرة الرقيقة تحقق أفضل النتائج عند التحميص

ومع تنوع أصنافها من الليمون والليمون الأخضر والبرتقال والجريب فروت إلى الأنواع الأقل شيوعاً في المطبخ المصري مثل اليوزو والكمكوات، أصبحت الحمضيات مكوناً مرناً يمكن أن ينتقل بسهولة بين الأطباق الرئيسية والسلطات والمخبوزات والحلويات.

وهي، حسب الشيف المصري سيد إمام، من أكثر المكونات قدرة على إضفاء الحيوية على الطعام. يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحمضيات متعددة الاستخدامات، وتضفي نكهة مميزة على أي طبق؛ فهذا المكون ذو المذاق اللاذع والحلو في الوقت نفسه يصلح للأطباق الجانبية والرئيسية والحلويات».

ويرى أن الحموضة واحدة من الأدوات الأساسية التي يمكن للطاهي الاعتماد عليها لضبط مذاق الطبق، موضحاً: «إضافة الحموضة إلى طعامك، سواء بالليمون أو الليمون الأخضر أو الجريب فروت أو البرتقال أو أي نوع آخر من الحمضيات، هي طريقك لإضفاء الحيوية على أي طبق».

تحميص الحمضيات يضفي نكهة كراميلية رائعة

وتأتي الحمضيات في هذا السياق بوصفها بديلاً لطيفاً للخل في كثير من الصلصات والتتبيلات؛ فعصير الليمون، على سبيل المثال، يمكن أن يحل محل جزء من الخل في تتبيلة السلطة، فيمنحها حموضة أكثر انتعاشاً، في حين أن عصير الحمضيات يساعد في إبراز النكهات الأخرى بدلاً من طغيانها عليها.

ويضيف إمام أن «رشة من الحمضيات تجعل تتبيلات السلطة أكثر انتعاشاً، والأسماك أكثر طراوة، والمخبوزات أخف، مع نكهة لاذعة لذيذة توازن أي شيء حلو أو مالح».

ومن هنا يمكن استخدام الحمضيات بطرق تتجاوز عصر الثمرة؛ فالقشر نفسه يحمل زيوتاً عطرية مركزة، ويستطيع بشر القليل منه فوق طبق جاهز أن يضيف طبقة من الرائحة والنكهة من دون زيادة واضحة في الحموضة.

اختيار مثالي مع الخضروات

ويمكن استخدام بشر الليمون أو الليمون الأخضر أو البرتقال مع السلطات، والصلصات، وعجائن المعجنات والحلويات، خصوصاً عندما تكون الوصفة شديدة الحلاوة وتحتاج إلى ما يكسر حدتها.

وفي المطبخ الآسيوي، حسب الشيف المصري، تظهر الحمضيات في صور أكثر تنوعاً، ومن بينها «يوزو كوشو»، وهو معجون ياباني تقليدي يجمع اليوزو والفلفل الحار والملح، ويخضع لتخمير غذائي، مشيراً إلى أن اليوزو هو أحد أنواع الحمضيات اليابانية ذات الرائحة القوية والنكهة العطرية الحامضة، التي تجمع في مذاقها ملامح من الليمون واليوسفي والجريب فروت، ويستخدم في الصلصات والتتبيلات والحلويات، كما يمنح الأطباق لمسة حمضية مختلفة عن الليمون التقليدي.

ويقترح إمام كذلك سلطة الحمضيات بوصفها طريقة بسيطة لإظهار الفاكهة في صورتها الطبيعية، من خلال الجمع بين شرائح متنوعة من الحمضيات والفول السوداني والبصل الأحمر وخيوط الزعفران وخلاصة اللوز وزيت الزيتون.

الشيف ميدو (الشرق الأوسط)

وفي مثل هذه التركيبات تصبح الحموضة نقطة التقاء بين مكونات متباينة في الطعم والقوام، ولا تتوقف استخدامات القشر عند البشر أو التزيين؛ إذ يمكن تحويله إلى عنصر أساسي في بعض الصلصات.

ومن الأفكار التي يطرحها إمام معجون يجمع قشر الحمضيات وعصيرها مع الثوم المفروم وزيت الزيتون والتوابل والفلفل الحار، ليصبح خليطاً مركزاً يمكن استخدامه مع اللحوم أو الدجاج أو الخضراوات.

أما في الأطباق النباتية والسلطات، فتفتح الحمضيات مجالاً واسعاً للجمع بين النكهات، ومن بين الأفكار التي يمكن إعدادها حمص محمص بالسمسم والبرتقال والزنجبيل، أو سلطة من الأفوكادو والفراولة والبرتقال مع صلصة حمضية ببذور الخشخاش.

ويتابع: «يحتل البرتقال مكانة خاصة في تتبيل اللحوم؛ فعلى خلاف الاعتقاد الشائع بأن الليمون وحده هو الأنسب لهذه المهمة، يمكن لعصير البرتقال أن يؤدي دوراً مهماً في التتبيل».

قد تغير ملامح ومذاق طبق كامل

ويعزو الشيف ذلك إلى أن البرتقال يمنح اللحم حموضة خفيفة، ويساعد على جعله أكثر طراوة وعصارة، خصوصاً عندما يتكامل مع التوابل والزيوت والأعشاب.

أما الليمون فيظل واحداً من أكثر الحمضيات حضوراً في المطبخ اليومي، ويمكن استخدام شرائح رقيقة منه مع الأسماك البيضاء مثل القاروص أثناء الطهي، ثم إضافة القليل من العصير الطازج بعد نضج السمك للحفاظ على نكهته وانتعاشه.

كما يدخل عصيره في صلصات الخل، فيما يمكن استخدام بشره في عجائن المعجنات والحلويات لتخفيف الإحساس بالحلاوة وإضافة رائحة حمضية واضحة.

ويؤكد إمام أن توقيت إضافة الليمون مهم أيضاً؛ فإضافته إلى بعض الأطعمة في وقت مبكر جداً قد يؤثر على لونها أو يمنحها مرارة خفيفة مع طول فترة تعرضها للحموضة.

لذلك يكون من الأفضل في كثير من الوصفات إضافة العصير في المراحل الأخيرة، أو بعد اكتمال الطهي، بحسب طبيعة الطبق.

ولا يتوقف التعامل مع الحمضيات عند استخدامها طازجة؛ فالنار نفسها يمكن أن تكشف عن وجه آخر لنكهتها، وهنا يقترح الشيف المصري أحمد نبيل تحميصها.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تعريض شرائح اليوسفي أو البرتقال أو الليمون لحرارة مرتفعة يركز العصارة ويمنح اللب مذاقاً أقرب إلى المربى، بينما تضيف القشرة قدراً من المرارة المحببة؛ لتتشكل في النهاية نكهة تجمع بين الحلاوة والحموضة والعمق».

ويرى نبيل أن «تحميص الحمضيات يضفي نكهة كراميلية رائعة، مع عمق من الحلاوة والحموضة المحمصة»، مشيراً إلى أن الحرارة العالية تجعل الشرائح أكثر تركيزاً، وتمنحها قواماً غنياً يمكن أن يضيف شخصية واضحة إلى الطبق، منوهاً بأن الحمضيات ذات القشرة الرقيقة تحقق أفضل النتائج عند التحميص؛ ولذلك يأتي اليوسفي في مقدمة الخيارات المناسبة.

ويمكن استخدام الشرائح المحمصة فوق السلطات، ومنها سلطة سيزر، أو مع أطباق أخرى تحتاج إلى نكهة مركزة ولمسة حلوة وحامضة في الوقت نفسه، كما يمكن إدخالها في حشوات التاكو مع الفطر؛ لتمنح الطبق تبايناً بين النكهات والقوام.

وتمتلك الحمضيات حضوراً واسعاً في المخبوزات والحلويات كذلك؛ فمن تارت الليمون والتوت الأزرق إلى كعك الليمون وبذور الخشخاش، وكيك الكوسا بالبرتقال وكريمة البرتقال، وصولاً إلى لفائف الشوكولاته والبرتقال، تتحول الحموضة إلى وسيلة لكسر كثافة المكونات الحلوة وإضفاء خفة عليها وفق قول نبيل.

ويتابع: «ويمكن أن تدخل الحمضيات كذلك في خبز الإفطار، مثل توست الريكوتا والليمون والعسل مع التين والفستق؛ حيث يضيف الليمون نغمة عطرية توازن حلاوة العسل وغنى الريكوتا».

ويكمل: «كما يمكن الجمع بين الليمون والتوت الأزرق في الفطائر والخبز، وهي تركيبات تسمح للحموضة والفاكهة بأن تعملا معاً بدل أن تطغى إحداهما على الأخرى».

وتأتي تجربة الشيف ميدو الذي يقدم جانباً منها عبر حسابه على «إنستغرام» لتضيف بعداً بصرياً إلى استخدام هذه الحمضيات؛ فهو يتعامل معها بوصفها جزءاً من بناء الطبق مذاقاً وشكلاً، ويربط ألوانها بأجواء الصيف والبحر، خصوصاً درجات الفيروزي والأزرق المخضر.

ومن أبرز تجاربه موس الشوكولاته بالبرتقال؛ حيث يجد في الجمع بينهما انسجاماً خاصاً، رغم أنه لم يكن من محبي مزج الشوكولاتة بالفواكه الحامضة.

ويضيف ميدو إلى الموس مربى الكمكوات، فتمنحه الثمرة الصغيرة نكهة حمضية مركزة تتكامل مع غنى الشوكولاته وعطر البرتقال.

ويقول ميدو لـ«الشرق الأوسط»: «من أكثر التجارب الناجحة التي خضتها مع الحمضيات، استخدام زيت الزيتون المنكه بالبرتقال».

وينتهي ميدو إلى أن نكهة الليمون تظهر بوضوح في الكب كيك المحشوة بكريمة الليمون، لتؤكد أن الحموضة يمكن أن تمنح الحلويات خفة وانتعاشاً من دون أن تطغى على مكوناتها.


جولة على ألذ أطباق الحلوى بباريس

الشيف ماكسيم فريديريك، الذي نال لقب "أفضل شيف حلويات في العالم" (أفضل 50 مطعما)
الشيف ماكسيم فريديريك، الذي نال لقب "أفضل شيف حلويات في العالم" (أفضل 50 مطعما)
TT

جولة على ألذ أطباق الحلوى بباريس

الشيف ماكسيم فريديريك، الذي نال لقب "أفضل شيف حلويات في العالم" (أفضل 50 مطعما)
الشيف ماكسيم فريديريك، الذي نال لقب "أفضل شيف حلويات في العالم" (أفضل 50 مطعما)

رغم أن الكثير من حواضر العالم تزخر بمخابز وحلويات من الطراز الأول، تظل باريس الوجهة الأولى لعشاق الحلويات؛ فقلما ترتفع مدينة بالمعجنات إلى هذا المستوى الرفيع من الاهتمام والتقدير، سواء في متاجر الشوكولاته الأقرب في شكلها إلى متاجر الأزياء الفاخرة أو في مطاعم راقية تستعرض فن إعداد المعجنات في أحدث صوره.

ويتصدر المشهد الشيف ماكسيم فريديريك، الذي نال لقب «أفضل شيف حلويات في العالم» لعام 2025، ويشغل منصب رئيس شيفات الحلويات في مطعم «بلينيتود»، الذي يحتل المرتبة 14 بقائمة أفضل 50 مطعماً على مستوى العالم 2025. ويوجد ضمن فندق «شوفال بلان باريس»، المصنّف رقم 21 بقائمة أفضل 50 فندقاً في العالم 2025. ويعد المطعم واحداً من أبرز المطاعم في العاصمة الفرنسية. ويقودنا فريديريك، الذي نشأ في مزرعة ألبان بنورماندي وانضم إلى الفندق عام 2019. ومنذ ذلك الحين، نجح في بناء شهرة واسعة بفضل حلوياته الأنيقة متقنة الصنع، خاصة حلوى «ميل فوي» الشهيرة.

هنا، يأخذنا في جولةٍ لأفضل أماكن الحلويات في «مدينة النور»، بدءاً من المؤسسات العريقة، وصولاً إلى المخابز التي تقدم نكهاتٍ مبتكرةً، وأخرى تُعيدنا إلى ذكريات الماضي.

تارت الماتشا من "ليه تروا شوكولا" (أفضل 50 مطعما)

تارت الماتشا من «ليه تروا شوكولا»

تديره صانعة الشوكولاته من الجيل الثالث إميكو سانو وزوجها شو كيمورا. ويشكل هذا المتجر أحد أبرز المعامل المستوحاة من اليابان في باريس؛ حيث تُطبّق النكهات اليابانية ضمن حلوى فرنسية معدة بإتقان بالغ. وأشاد فريديريك بتارت الماتشا، الذي وصفه بأنه يحمل «إيحاءات عميقة»، المكوّن من قاعدة من الزبد، تعلوها كريمة ماتشا ناعمة ترابية وشوكولاته بيضاء.

وفي هذا الصدد، قال إنه «فاجأني حقاً؛ والماتشا رائجة للغاية هذه الأيام». وأضاف: «هذا التارت استثنائي الجودة: كثيف ومتوازن على نحو يعكس خبرة كبيرة». وأوصى قائلاً: «لا تفوتوا (بار أو ماتشا)، قضيب خالٍ من الغلوتين بحشوة غاناش الماتشا وبرالين الماتشا وبسكوت الماتشا القصير».

وقال فريدريك عن بسكويت «سابليه» في «بونتومبس»، متجر حلويات صغير في حي «لو ماريه»، تحت إدارة الشيف فيونا ليلوك: «نشأتُ بجوار (ميزون دو بسكويت) في نورماندي، وقطع البسكويت تلك تُعيدني إلى طفولتي».

يشتهر المتجر ببسكويت «سابليه»، الذي يُخبز طازجاً دائماً، ويُقدم بحشوات كريمة الليمون والفانيليا والشوكولاته، أو بنكهة سادة لذيذة. وقال فريدريك: «يُثير ملمسه الحنين إلى الماضي، ويمكنك عبر قطع البسكويت تذوق الزبدة بوضوح». وأوصى: «احصل على علبة لتستمتع بها في وقت لاحق، أو استرخِ مع فنجان من الشاي ما بعد الظهيرة في مطعم (سيكريت جاردن) المجاور للمتجر».

كعكة "غاليت دي روا" من جاك جينين (أفضل 50 مطعما)

كعكة «غاليت دي روا» من جاك جينين

في يناير (كانون الثاني) من كل عام، تنظر متاجر الحلويات في جميع أنحاء باريس إلى كعكة «غاليت دي روا» (كعكة الملوك) باعتبارها من مظاهر الاحتفال بعيد الغطاس، الذي يُصادف نهاية أيام عيد الميلاد الاثني عشر. تُعدّ كعكة «باف بايستري» الكلاسيكية، المحشوة باللوز، من الحلويات الموسمية الأساسية، لكن كعكة جاك جينين، صانع الشوكولاته والطاهي الشهير، استثنائية.

في هذا الصدد، قال فريدريك: «الفرانجيبان ذو جودة ممتازة، و(باف باستري) مُتقن الصنع. إنها كعكة سخية ولذيذة». إلى جانب النسخة التقليدية، يبدع جينين كذلك نسخة أخرى من الشوكولاته واللوز، مُغطاة بطبقات من عجينة ذهبية مقرمشة.

كرواسون من" دو بان إيه ديز إيدي" (أفضل 50 مطعما)

كرواسون من «دو بان إيه ديز إيدي»

افتُتح «دو بان إيه ديز إيدي» عام 2002، على يد الخباز كريستوف فاسور، مع أن المخبز الموجود في الموقع قائم منذ عام 1875. ويعتبر المخبز واحداً من المعالم التاريخية، ولا تزال الكثير من عناصر ديكوراته الداخلية الأصلية قائمة، بما في ذلك الأسقف الزجاجية المزخرفة، والمرايا المشطوفة والأعمال الخشبية العتيقة.

هنا، قال فريدريك: «المكان شديد الباريسية»، مع قائمة طعام قصيرة تُركّز على المكونات العضوية عالية الجودة. وأضاف: «هذا المكان الأمثل لتناول الكرواسون المقرمش المصنوع من الزبد»، الذي يُخبز في فرن حجري طبيعي، أما خبز (لو بان دي زامي) - رغيف مستطيل مصنوع من الحبوب - فيعتبر من بين أفضل أنواع الخبز في المدينة».

"كراميل روشيه" بمتجر شوكولاتة "ويليام أرتيغ" (أفضل 50 مطعما)

«كراميل روشيه» بمتجر شوكولاته ويليام أرتيغ

يُعتبر ويليام أرتيغ، بحسب فريدريك، أحد أبرز صانعي الشوكولاته الشباب في باريس. يقع متجره في بوتيك عصري بسيط في منطقة قناة سان مارتان، ويبدو وكأنه بوتيك أزياء فاخر. وتتنوع إبداعات أرتيغ بين الجيلي والشوكولاته الموسمية وألواح الآيس كريم.

بشكل خاص، أشاد فريدريك بحلوى «كراميل روشيه» المميزة: برالين اللوز والبندق، وكراميل مملح ناعم، وبندق مكرمل، مغلفة بالشوكولاته الداكنة. وقال: «يوفر قطعاً مثالية من حيث الملمس والنكهة».

«ميل فوي» من مطعم «ريليه لويس الثالث عشر»

في مدينة زاخرة بالمطاعم الكلاسيكية، يبرز مطعم «ريليه لويس الثالث عشر» باعتباره الأكثر كلاسيكية على الإطلاق، وهو مطعم تاريخي حائز على نجمة «ميشلان»، بُني على أقبية دير غراند أوغسطين السابق، حيث تلقّى لويس الثالث عشر خبر تتويجه ملكاً لفرنسا عام 1610.

وتماشياً مع أجواء المطعم، تُعدّ حلوى «ميل فوي»، المصنوعة من كريمة فانيليا تاهيتية خفيفة، الحلوى المميزة فيه، وتُحضّر طازجة قبل تقديمها مباشرة. وشرح فريدريك: «ما يُميّز هذا المطعم قوام أكلاته، وأجواءه، وكرم ضيافة الشيف مانويل مارتينيز الاستثنائي».

بسكويت السابليه (أفضل 50 مطعما)

«بروفيتيرول» من مقهى «دي مينستير»

قال فريدريك: «هذه الحلوى المفضلة لدى والدتي، وكان إدراج (بروفيتيرول) في قائمة الطعام أولوية عند افتتاح مطعم (شوفال بلان) باريس». ويُقدّم فريدريك «بروفيتيرول» من إبداعه في مطعم «لو تو باريس» (الواقع في الطابق السابع من فندق «لو شوفال بلان»).

وأشاد فريدريك بحلوى «بروفيتيرول» مع آيس كريم الفانيليا وصلصة الشوكولاته الكاريبية في «دو مينستير»، مطعم صغير تقليدي بالقرب من مقر البرلمان. وقال: «إن حلوى (بروفيتيرول) الرائعة حقاً نادرة في باريس، لكن هذه الحلوى لذيذة وسخية ومثالية».


أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.