سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

«إنستغرام» عززت مكانته... لكن براعته هي سر نجاحه

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
TT

سيدريك غروليه... يستخدم منصات التواصل ليصبح أشهر صانع حلوى

أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)
أحد متاجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

لم يُطلب مني قط توقيع اتفاقية عدم إفصاح مقابل قطعة حلوى؛ ومع ذلك، عادةً ما يحدث هذا عند التفاوض مع نجوم مثل سيدريك غروليه، الذي يعد أشهر طهاة الحلويات ليس عبر الإنترنت فحسب، بل وكذلك في العالم الواقعي.

جدير بالذكر أن نحو 13 مليون شخص يتابعون غروليه على «إنستغرام»، ما يفوق متابعي مارثا ستيوارت (5.8 مليون)، وإينا غارتن (4.8 مليون)، وبوبي فلاي (مليونان) مجتمعين. وتكشف فيديوهاته المتقنة والآسرة عن براعته في صنع فطائر الزهور الشهيرة، وكعكات رقائق الشوكولاته، وحلوياته التي تُوهم الناظر بأنها تفاح وليمون.

إبداع في تصنيع الشوكولاتة عززته وسائل التواصل الاجتماعي (نيويورك تايمز)

واجتذبت هذه الفيديوهات زبائن من جميع أنحاء العالم إلى متاجره في باريس، حيث تجري الاستعانة بحواجز مخملية وحراس أمن لتنظيم الحشود. ومنذ عام 2022، افتتح كذلك متاجر في لندن، وسان تروبيه، وموناكو، وسنغافورة، ومنتجع فال ديزير الفاخر للتزلج في جبال الألب. وبفضل استغلاله لقوة وسائل التواصل الاجتماعي، تمكن غروليه، 40 عاماً، في غضون خمس سنوات فقط، من بناء إمبراطورية استغرق بناء مثيلاتها من أجيال سابقة من طهاة الحلويات عقوداً طويلة.

ديكور المحل مصنوع من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

وفي مقابلة أجريت باللغتين الفرنسية والإنجليزية، قال غروليه إنه بدأ تدريباً مكثفاً في فنون الحلويات منذ سن الرابعة عشرة، في مسقط رأسه، فيرميني، بمنطقة لوار. وكان هدفه إرضاء «زبائن النخبة»، الذين يشكلون نسبة قليلة جداً من سكان العالم القادرين على الاستمتاع بفنون الحلويات الراقية. ومع ذلك، أدرك فجأة عام 2013، عندما شجعه مساعد طاهٍ شاب على استخدام «إنستغرام»، أن هناك جمهوراً أوسع لأعماله على الإنترنت. وعلق على ذلك، بقوله: «لقد نجحت الفكرة».

شوكولاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وكشف غروليه النقاب، عن أول متجر شوكولاته له، «سيدريك إيه لا شوكولاتيري»، وهو مشروع أشبه بعالم «ويلي ونكا» (عبقري صناعة الشوكولاته ومالك مصنع شوكولاته سحري وسري، من كتاب الأطفال الكلاسيكي «تشارلي ومصنع الشوكولاته» للكاتب روالد دال)، استغرق إعداد المتجر ثلاث سنوات. وفي قلب المتجر، يوجد شلال من الشوكولاته الذائبة تفوح منه رائحة زكية، يمكن رؤيته من الشارع، ويتدفق دونما انقطاع على جدار مصنوع خصيصاً من الفولاذ المقاوم للصدأ. (يحتوي النظام على 330 رطلاً من الشوكولاته، ممزوجة بالزيت لتسهيل انسيابيتها).

لوحات فنية مصنوعة من الشوكولاتة (نيويورك تايمز)

كما تصطف مربعات الشوكولاته على الجدران؛ وتثير الحواف المُسنّنة للطاولات ذات اللون البني الفاتح، في الأذهان صورة بسكويت الزبدة الفرنسي الكلاسيكي «LU»؛ وتتدلى من السقف منحوتات عملاقة لامعة من الفول السوداني الكامل، وقرون الكاكاو، والفستق.

في وقت سابق من هذا الشهر، عندما أُزيل الورق الذي يُغطي النوافذ بصورة مؤقتة، احتشد جمع غفير على الرصيف، وألصقوا هواتفهم بالزجاج، بينما شرعوا في التلويح بحماس لجذب انتباه غروليه.

يصطف المارة في الطريقة لرؤية الشوكولاتة في متجر سيدريك غروليه (نيويورك تايمز)

في الواقع، يبدو هذا الحماس المُصاحب لافتتاح متجر حلويات منطقياً هنا في فرنسا، حيث يشكل احترام المهارة والإبداع في فنون الطهي جزءاً من صميم الثقافة. (بيير إيرميه، سلف غروليه نجم عالم الحلوى في فرنسا، هو من نشر حلوى الماكرون عالمياً في العقد الأول من الألفية الثانية، وحصل على لقب فارس تقديراً لإسهاماته).

من جهتها، قالت ألكسندرا كرابانزانو، مؤلفة كتاب «شوكولاته»، الذي يُصوّر عالم الشوكولاته الفاخرة في باريس: «عندما يُطلق طاهي حلويات شهير منتجاً جديداً، يُذاع الخبر في نشرات الأخبار المسائية، وفي الصحف، وفي البرامج الحوارية التي تحظى بالمشاهدة في جميع أنحاء البلاد».

شوكلاتة بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وداخل أرقى أحياء المدينة، تُعرض قطع البونبون وتُضاء كقطع المجوهرات في واجهات المتاجر. وفي جميع أنحاء البلاد، تشتد المنافسة لإنتاج أرقى الهدايا وأكثر أعشاش بيض عيد الفصح وكيك عيد الميلاد «بوش دو نويل» جاذبية. وبجوار متجر غروليه الجديد مباشرةً، تعكف صانعة الشوكولاته جايد جينين، على ملء أهرامات الشوكولاته الصغيرة بنكهات مثل الليمون والكمون والهيل الأسود المدخن، بينما تقف عشرات من متاجر الشوكولاته الفاخرة الأخرى على بُعد خطوات فقط.

من جهته، قال دومينيك أنسل، طاهي الحلويات الفرنسي صاحب ابتكار «الكرونوت»، إن سر غروليه يكمن في بساطته، وهي سرّ تأثير أعماله وشعبيتها، بغض النظر عن وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف: «إنها تخاطب شريحة أوسع من الناس بالتأكيد. بصفتي طاهياً، أُقدّر رقائق التويل والديكورات والزخارف على الطبق، لكن أي شخص يُمكنه الاستمتاع بفراولة بطعم الفراولة الأصيلة».

من حلويات غروليه على شكل فاكهة (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، لا يُرحب الجميع بتأثير منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، التي جلبت صوراً لحيوانات مصنوعة من الشوكولاته، وكرواسون عملاق، إلى عامة الناس.

في هذا الصدد، أشارت كرابانزانو، التي أجرت مقابلات مع عشرات من طهاة الحلويات من أجل كتابها، إلى أن هناك استياءً واسعاً بين الطهاة المخضرمين من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. والسبب أنه لم يعد كسب احترام الناس الذين يتذوقون أعمالهم ببطء كافياً، بينما ليس من السهل إتقان لغة الإنترنت الجديدة.

تستخدم في تصنيع الشوكولاتة لدى سيدريك غروليه تقنيات عالية (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، كان لدى غروليه رؤية ثاقبة لنقل حقيقة المجهود الشاق الذي يبذله طهاة الحلويات، الذين لطالما عملوا بجد خلف الكواليس، إلى الملايين. وبمهارةٍ فائقة، يعمل غروليه في صمتٍ تام، مستخدماً أوعيةً ضخمةً من الغاناش، وشرائحَ من عجينة الباف بايستري، وحفناتٍ من حبوب الفانيليا التي تملأ الشاشة، ما يوحي لجمهوره بأن العمل أهم منه. وبدلاً من زيّ الطهاة الأبيض التقليدي، وقبعة الطاهي الطويلة، وحقيبة الحلويات، يظهر غروليه مرتدياً قميصاً ومئزراً، وهو يغمس ذراعه في وعاءٍ من التوت.

وبطبيعة الحال، مع النجاح، تعلو أصوات النقد. يُصوّر المؤثرون في مجال الطعام من جميع أنحاء العالم أنفسهم وهم ينتظرون في طوابير طويلة أمام متاجره، تمتد أحياناً لساعات، ليحظوا بشرف شراء كعكة غروليه، ثم يُعبّرون عن خيبة أملهم في فيديوهاتٍ تحمل عناوين مثل «مراجعتي الصادقة» أو «هل يرقى هذا المخبز إلى مستوى الضجة المثارة حوله؟». وفي تعليقات على «إنستغرام» ومنشورات «ريديت»، يتساءل البعض حول ما إذا كان كرواسون غروليه، البالغ سعره 5 يوروهات، أفضل حقاً من كرواسون ميزون كايزر، سلسلة المخابز الوطنية الراقية، البالغ سعره 1.40 يورو، وما إذا كانت معجناته مصممةً في حقيقة الأمر كي تبهر الآخرين بشكلها، وليس مذاقها.

في الواقع، تتماشى أسعار غروليه مع أسعار غيره في عالم الحلويات الراقية. وكما الحال في عالم الأزياء الراقية، لا يتيح غروليه سهولة الوصول. والمثير أن تفاحة غروليه، وهي عبارة عن قشرة رقيقة من الشوكولاته محشوة بمربى التفاح والتفاح الطازج وغناش التفاح وكعكة القرفة، لا تشبه فطيرة التفاح العادية بقدر ما يشبه فستان «شانيل».

وكما توضح شخصية ميريل ستريب في فيلم «الشيطان يرتدي برادا» في مونولوجها الشهير بالسترة الزرقاء، فإن العمل الإبداعي الذي يحطم الحدود في عالم الرفاهية هو ما يفرض تغييراً حقيقياً في السوق الجماهيرية.

يذكر أنه عام 2015، ابتكر غروليه مكعب روبيك صالحاً للأكل، عندما كان مساعد رئيس الطهاة في فندق «لو موريس»، الفندق الباريسي الفاخر الذي عمل فيه طوال 10 سنوات ولا يزال يدير قسم الحلويات فيه. وكانت هذه أول حلوى له تُحقق نجاحاً باهراً، وتتكون من 27 مكعباً صغيراً لامعاً من الكيك، مفصولة بألواح رقيقة من الشوكولاته، ومُزودة بعجلات بلاستيكية صغيرة لتدويرها.

وفي هذا الإطار، أوضح غروليه أنه في المطاعم الراقية، يكون من المتوقع أن تبهر الحلويات الأنظار ببنيتها وألوانها وملمسها وإضاءتها. وقد تتضمن حلوى الليمون موس، وميرينغ، وماكرون، وغيرها، جميعها مُرتبة بدقة هندسية تُبرز الجهد المبذول فيها، وتُقنع الزبائن بأن السعر مُبرر.

الحلوى التي أكسبته شهرة واسعة، «لو سيترون» - ليمونة مُتقنة الصنع بتقنية الخداع البصري، مُزينة بورقة ليمون حقيقية - أثارت في البداية استياء إدارة «لو موريس»، الذين كانوا على يقين من أن الزبائن لن يدفعوا 25 يورو مقابل قطعة واحدة على طبق أبيض.

منذ افتتاح متجره المستقل الأول عام 2018، واصل غروليه تحدي تقاليد صناعة الحلويات الراقية، عبر الاستعانة بمكونات أميركية مثل الجوز الأميركي والفول السوداني، ويُقدم كعكات رقائق الشوكولاته العملاقة في علب البيتزا. ويتعاون مع علامات تجارية مثل «لا بريري» و«هاي سنوبايتي»، ومع مؤثرين مثل عارضة الأزياء نيجين ميرصالحي ومؤثر السيارات جورج مارون كيكانو، المعروف باسم «جي إم كيه».

الحقيقة كل من ظن أن غروليه مجرد مؤثر، فقد ثبت خطؤه منذ فترة طويلة. تجدر الإشارة إلى أن شركته توظف 600 شخص حول العالم، ويُعدّ دخوله عالم الشوكولاته قراراً تجارياً مدروساً؛ فالمعجنات الهشة، مثل معجنات غروليه، يكاد يكون من المستحيل شحنها، لذا لا يمكن تركيز الإنتاج؛ فلكلٍّ من متاجره الثمانية للمعجنات طاقم عمل مدرب تدريباً عالياً، وهو أمر مكلف بالتأكيد.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، في منطقة صناعية عادية بضاحية نانتير، فتح غروليه أبواب غرف تبريد متعددة، مُكدّسة من الأرض إلى السقف بصناديق الشوكولاته الجاهزة للنقل إلى متجره في باريس، ومن ثمّ إلى جميع أنحاء العالم. وعمل الموظفون، مرتدين أغطية الشعر والأحذية الواقية، على خط تجميع لتشكيل وتبريد وتزيين وتسوية وإغلاق قطع الشوكولاته على شكل بندق، المحشوة بعجينة البندق المحمص والمملح بشكل مثالي

وتتميز المنتجات الجديدة الـ134 التي ابتكرها ببساطته المعهودة بحلوى البونبون على شكل مانغو محشوة بالمانغو؛ وعصا الشوكولاته الطويلة والرفيعة المنقوشة بحبة فانيليا، تحتوي على غاناش الشوكولاته البيضاء المرصع ببذور الفانيليا السوداء. (كانت الحلويات التي جربتها لذيذة كالعادة).

واليوم، يرى غروليه، بعد وقت طويل، أن الحلويات التي كان يُعدّها سابقاً كانت تبدو مبالغاً فيها ومُفتعلة، بل وحتى مبتذلة. وقال: «كانت تعكس مُبالغة في التزيين»، على حد قوله.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مطاعم وفنادق ترفع شعار «ممنوع التصوير»: هل ينتهي زمن المؤثرين؟

مذاقات مطاعم وفنادق ترفع شعار «ممنوع التصوير»: هل ينتهي زمن المؤثرين؟

مطاعم وفنادق ترفع شعار «ممنوع التصوير»: هل ينتهي زمن المؤثرين؟

من الفنادق الفاخرة إلى المطاعم الشهيرة، تتصاعد القيود المفروضة على المؤثرين وصنّاع المحتوى، بين منع جلسات التصوير دون إذن مسبق، وتخصيص ساعات محددة للتصوير...

جوسلين ايليا (لندن)
مذاقات الطريقة المثلى للحصول على أفضل المشاوي

الطريقة المثلى للحصول على أفضل المشاوي

دعوة الأصحاب لتناول اللحم المشوي على الأسياخ فوق نار حية، حتى يغدو مدخناً ومحمراً بإتقان، دعوة عالمية تعود إلى آلاف السنين عبر مختلف الحضارات.

ناز دراڤيان (نيويورك)
مذاقات المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي.

كيلا هوانغ (نيويورك)
مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)

مطاعم وفنادق ترفع شعار «ممنوع التصوير»: هل ينتهي زمن المؤثرين؟

ترفض المطاعم فكرة تحويلها لاستديوهات تصوير (بيكسيلز)
ترفض المطاعم فكرة تحويلها لاستديوهات تصوير (بيكسيلز)
TT

مطاعم وفنادق ترفع شعار «ممنوع التصوير»: هل ينتهي زمن المؤثرين؟

ترفض المطاعم فكرة تحويلها لاستديوهات تصوير (بيكسيلز)
ترفض المطاعم فكرة تحويلها لاستديوهات تصوير (بيكسيلز)

من الفنادق الفاخرة إلى المطاعم الشهيرة، تتصاعد القيود المفروضة على المؤثرين وصنّاع المحتوى، بين منع جلسات التصوير دون إذن مسبق، وتخصيص ساعات محددة للتصوير، وصولاً إلى الحظر الكامل. والسبب؟ حماية خصوصية الزبائن، والحفاظ على أجواء المكان، ومنع تحوّل تجارب الضيافة إلى استوديوهات مفتوحة لصناعة المحتوى.

لم يعد مشهد شخص يلتقط عشرات الصور أمام طبق طعام أو بجوار مسبح فاخر أمراً استثنائياً؛ ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، باتت بعض المطاعم والفنادق وجهات يقصدها الزوار ليس فقط للاستمتاع بالطعام أو الإقامة، بل أيضاً لالتقاط صور ومقاطع فيديو مثالية لنشرها على «إنستغرام» و«تيك توك».

لكن هذا التوجّه بدأ يثير استياء عدد متزايد من أصحاب المطاعم والفنادق، الذين يرون أن السعي وراء الصورة المثالية قد يأتي أحياناً على حساب راحة الضيوف وخصوصيتهم، ويحوّل المكان من مساحة للاستمتاع إلى خلفية لإنتاج المحتوى.

تصوير الطعام قد يكون مزعجاً في بعض الأحيان (بيكسيلز)

يمكنني هنا الاستناد إلى تجربة شخصية عشتها خلال عدد من الرحلات الصحافية، حيث يُدعى المؤثرون والمؤثرات إلى جانب الصحافيين للتعرف إلى وجهات سياحية وفنادق ومطاعم. لكن ما يفترض أن يكون فرصة للتواصل المهني وجمع المعلومات وإجراء المقابلات مع المسؤولين وأصحاب الشأن، يتحول أحياناً إلى تجربة مرهقة، حين تتداخل أهداف الطرفين وتتعارض أولوياتهما.

فبينما يسعى الصحافي إلى استثمار وقته في جمع المعلومات الدقيقة، وإجراء المقابلات، واكتشاف التفاصيل التي تثري مادته الصحافية، قد يجد نفسه مضطراً إلى الانتظار لساعات بسبب انشغال بعض المشاركين بإعداد محتواهم الشخصي، بما يربك جدول العمل ويحدّ من الوقت المتاح لإنجاز المهام الصحافية التي دُعي من أجلها. وتتجاوز المشكلة أحياناً مسألة التصوير وحدها، لتشمل توقعات بعض المدعوين وطريقة تعاملهم مع منظمي الرحلات وبقية المشاركين. وقد لمستُ بنفسي كيف يمكن لبعض المطالب المتكررة، وما يصاحبها أحياناً من سلوك ينطوي على التعالي أو الاستعلاء، أن يخلق أجواء غير مريحة، حتى إن صحافيين مخضرمين، يمتلكون سنوات طويلة من الخبرة المهنية ومؤلفات منشورة ورصيداً من الإنجازات، قد يشعرون بأن خبرتهم لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه.

بعض المؤثرين يستغلون المطاعم والفنادق لإجراء جلسات تصوير مجانية (بيكسيلز)

ولا يعني ذلك التعميم على المؤثرين أو التقليل من أهمية دورهم في الترويج للوجهات السياحية والفنادق والمطاعم؛ فبعضهم يقدم محتوى احترافياً ويضيف قيمة حقيقية إلى هذه التجارب. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتراجع الأهداف الإعلامية للدعوة لمصلحة المصالح الشخصية، وعندما تصبح الأولوية للصورة المنشورة بدلاً من المعلومات والتجارب التي يُفترض نقلها إلى الجمهور.

عندما تتحوّل المطاعم والفنادق إلى استوديوهات تصوير

في فندق «دو كاب إيدن روك» الفاخر في مدينة أنتيب الفرنسية، المعروف بإطلالاته على الريفييرا الفرنسية ومسبحه اللامتناهي، أصبح تنظيم جلسات التصوير يتطلب الحصول على موافقة مسبقة.

وجاءت هذه الخطوة، بحسب تقارير إعلامية، بعد رصد حالات حجز فيها أشخاص طاولات لتناول الغداء، ثم أحضروا معهم حقائب مليئة بالملابس والمجوهرات، واستخدموا وقتهم في الفندق لتغيير إطلالاتهم والتقاط الصور بدلاً من الاستمتاع بتجربة الطعام والضيافة.

المشكلة، بالنسبة إلى إدارات هذه المنشآت، لا تتعلق بالتصوير في حد ذاته، بل بتحوّل بعض الزيارات إلى جلسات تصوير مطوّلة قد تعرقل سير العمل، وتؤثر في تجربة الزبائن الآخرين، وتخلّ بالأجواء الهادئة التي تدفع الناس إلى اختيار هذه الأماكن.

أصحاب المطاعم: لسنا استوديوهات تصوير

في لندن، عبّر صاحب المطاعم جيريمي كينغ، المعروف بإدارته عدداً من المطاعم الشهيرة، عن استيائه من تزايد حضور المؤثرين الذين يطغى اهتمامهم بالتصوير على تجربة تناول الطعام.

وتعكس هذه المواقف اعتراضاً أوسع لدى بعض العاملين في قطاع الضيافة؛ فالمطعم ليس مجرد ديكور جذاب أو خلفية لصورة تحصد آلاف الإعجابات، بل مساحة يتوقع فيها الزبائن الاستمتاع بوجباتهم والتحدث مع مرافقيهم من دون أن يجدوا أنفسهم، عن غير قصد، جزءاً من محتوى ينشره شخص آخر.

وتزداد حساسية المسألة عندما تظهر وجوه الزبائن في الصور أو مقاطع الفيديو من دون موافقتهم، أو عندما يضطر العاملون إلى الانتظار حتى ينتهي أحد الضيوف من التصوير قبل تقديم الطعام أو ترتيب الطاولات.

الخصوصية أولاً: لماذا ترفض الفنادق التصوير العشوائي؟

وهنا تظهر المفارقة؛ فالفندق الذي يشتهر بجماله وإطلالاته قد يستفيد تجارياً من الصور المنشورة على الإنترنت، لكنه لا يريد بالضرورة أن تتحوّل جميع مساحاته إلى مواقع تصوير مفتوحة للجميع.

وتتبنّى بعض مجموعات الفنادق نهجاً أكثر توازناً؛ إذ تتعاون مع المؤثرين في حملات ترويجية مدروسة، مع التأكيد على أن تجربة الضيوف تظل الأولوية.

هل المؤثرون هم المشكلة فعلاً؟

على الرغم من الانتقادات، يرى بعض العاملين في مجال صناعة المحتوى أن الصورة النمطية عن المؤثرين لا تعكس واقع القطاع بأكمله. فليس كل صانع محتوى يحصل على مقابل مالي مقابل منشوراته، وقد ينتج كثيرون محتواهم مجاناً على أمل جذب انتباه العلامات التجارية والحصول على فرص تعاون مستقبلية.

كما أن بعض الفنادق والمطاعم تستفيد بالفعل من التعاون مع المؤثرين، سواء عبر الإقامة المجانية أو الحملات الإعلانية المدفوعة، ما يجعل العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من مجرد رفض التصوير.

وبين التسويق وحق الضيوف في الاستمتاع، قد يكون الحل في وضع قواعد واضحة، مثل اشتراط الحصول على إذن مسبق لجلسات التصوير الاحترافية، ومنع تصوير الآخرين من دون موافقتهم، وتخصيص أوقات أو مناطق مناسبة لصناع المحتوى، مع تطبيق القواعد على الجميع بصورة عادلة.


الطريقة المثلى للحصول على أفضل المشاوي

المشاوي طبق يرضي محبي اللحوم (نيويورك تايمز)
المشاوي طبق يرضي محبي اللحوم (نيويورك تايمز)
TT

الطريقة المثلى للحصول على أفضل المشاوي

المشاوي طبق يرضي محبي اللحوم (نيويورك تايمز)
المشاوي طبق يرضي محبي اللحوم (نيويورك تايمز)

دعوة الأصحاب لتناول اللحم المشوي على الأسياخ فوق نار حية، حتى يغدو مدخناً ومحمراً بإتقان، دعوة عالمية تعود إلى آلاف السنين عبر مختلف الحضارات. وأغلب الظن أن هذه الممارسة ولدت من باب التيسير: ففي غياب القدور والمقالي والأدوات، كانت عصا طويلة مدببة أو حتى سيف يؤدي الغرض.

كباب مع الزبادي والخضار (نيويورك تايمز)

ولقد استبدلنا بسيوف أسلافنا أسياخاً نتقاسمها مع أحبتنا. غير أن الطريقة ما زالت بسيطة، وما زالت قادرة على إطعامنا في أي لحظة، وعلى أن تكون محور عشاء سهل في أيام الأسبوع، أو لقاء عفوياً في الفناء الخلفي، أو حتى تجمعاً صاخباً قبل مباراة في ساحة انتظار السيارات.

وأفضل ما في الأمر أن أمامنا زمناً طويلاً صقلنا فيه هذه الطريقة: فالنصائح الواردة أدناه ستساعدك على الحصول على أفضل النتائج في كل مرة، دون الحاجة لاستخدام السيف.

الشوي على النار طريقة قديمة لا تزال حية (نيويورك تايمز)

قد تبدو الأسياخ المكدسة باللحم والخضراوات لافتة للنظر، لكنها ليست الخيار الأمثل على الشواية؛ فالقطع المختلفة من البروتين والخضراوات تنضج في أزمنة متفاوتة، ما يعني أنك قد تحصل على قطع من الكوسا المحترقة مع دجاج غير ناضج على السيخ نفسه. التزم بمكون واحد على كل سيخ، واحرص على أن تكون القطع متقاربة الحجم، لكي ينضج كل شيء بالتساوي.

في بعض أنواع الكباب، يفيد وضع المكونات متراصة بإحكام لمنع اللحم من الجفاف. أما الخضراوات، كالفطر والفلفل الحلو والكوسا، فتفرز كمية كبيرة من الماء، ولذلك ينبغي ترك مسافة تبلغ نحو ربع بوصة بين كل قطعة وأخرى، لضمان الحصول على تلك الأطراف المقرمشة الشهية.

المشاوي من ألذ الأطباق العالمية (نيويورك تايمز)

وتضمن المتبلات الغنية بالنكهة الحصول على كباب طري كثير العصارة. فإذا ضاق وقتك، تكفي تتبيلة بسيطة من الزيت والملح والفلفل وعنصر حامضي (عصير الليمون الحامض أو الأخضر) ليؤدي الغرض ريثما تسخن الشواية. أما إن توفر لديك الوقت، فإن التتبيلة القائمة على الزبادي ستمنحك قطع لحم طرية وغنية بالعصارة.

وإذا كنت تشوي اللحم لعدد كبير، ففكر في استخدام أسياخ خشبية أو من الخيزران، فهي متوافرة على نطاق واسع ويسهل الأكل منها. كما أنها تُستعمل لمرة واحدة، وكثيراً ما تكون قابلة للتحلل، فلا داعي للقلق الكبير بشأن التنظيف. لكن عليك نقعها مسبقاً حتى لا تحترق.

طبق من المشاوي مع الخضراوات (نيويورك تايمز)

أما إذا كنت تشوي لمجموعة أصغر، فاستخدم أسياخاً معدنية مسطحة، فهي أقدر على اختراق القطع الأكثر سماكة وعلى توزيع الحرارة. وهي مناسبة أيضاً لشي الخضراوات وكباب اللحم المفروم؛ لأن شكل هذه الأسياخ ومساحة سطحها الإضافية يساعدان على تثبيت القطع في مكانها فوق الشواية.

قبل أن تبدأ بالشواء، تخلص من بقايا الطعام المتفحمة من الليلة الماضية ونظف الشواية. وإذا كنت تبدأ على سطح نظيف إلى حد ما، فإن تمرير نصف بصلة على القضبان قد يفي بالغرض. ثم ادهن القضبان بزيت ذي نكهة محايدة. بعد ذلك، ابدأ الطهي: ضع الأسياخ بالعرض فوق قضبان الشواية، أو بشكل مائل، غير موازية للقضبان، حتى لا تسقط من بينها.

ويُعد الخبز المسطح، مثل خبز البيتا أو اللافاش، أداة ممتازة لسحب المكونات من سيخ الكباب. وفوق ذلك، سيتشرب الخبز ما يسيل من عصارات. ضع قطعة من الخبز المسطح على السيخ واضغط عليها برفق بيد واحدة، بينما تسحب السيخ باليد الأخرى.

كباب مع خضار (نيويورك تايمز)

وصفة لتحضير الشيش طاووق

يُعد الـ«شيش طاووق» من أشهر أنواع كباب الدجاج المحبوب من أطعمة «الوجبات السريعة»، ويحظى بشعبية واسعة في أنحاء الشرق الأوسط. والاسم تركي الأصل، فكلمة «شيش» تعني «سيخ» و«طاووق» تعني «دجاج». وتُحضر التتبيلة من الزبادي وعصير الليمون الحامض والثوم، وتزداد إشراقاً بتشكيلة من التوابل العطرية. وتُستخدم هذه الوصفة الفلفل الحلو المطحون «البابريكا» والقرفة والزعتر البري «الأوريغانو» والزنجبيل المطحون، مع قليل من معجون الطماطم لإضفاء اللون والنكهة الغنية.

وتعد صدور الدجاج الأفضل لهذا الكباب؛ لأنها تحتفظ بشكلها ويسهل وضعها في الأسياخ أكثر من الأفخاذ، كما أن تتبيلها طوال الليل يضمن بقاءها طرية. وتُسهّل الأسياخ المعدنية المسطحة بعرض نصف الشواء وتوزع الحرارة بالتساوي، لكن يمكنك استخدام أسياخ خشبية أيضاً. ويُقدّم فوق الأرز، أو أعِد منه لفائف شيش طاووق مع الثومية والطماطم (المشوية أو الطازجة) والمخللات على الطريقة الشرق أوسطية (وهي ألذ ما تكون مع طبق جانبي من البطاطا المقلية).

خطوات سهلة للحصول على أفضل المشاوي (نيويورك تايمز)

المقادير للكباب:

نصف كوب من الزبادي السادة كامل الدسم.

نصف كوب من عصير الليمون (من ليمونة إلى اثنتين).

8 فصوص ثوم مبشورة ناعماً.

3 ملاعق كبيرة زيت زيتون.

ملعقتان كبيرتان معجون طماطم.

ملعقة كبيرة ملح خشن.

ملعقة صغيرة فلفل حلو مطحون «بابريكا»، حلو أو مدخن.

نصف ملعقة صغيرة قرفة مطحونة.

نصف ملعقة صغيرة زعتر بري «أوريغانو» مجفف.

نصف ملعقة صغيرة زنجبيل مطحون.

نصف ملعقة صغيرة فلفل أسود.

رطلان من صدور الدجاج منزوعة العظم والجلد (صدران كبيران)، مقطعة إلى قطع بحجم بوصة ونصف بوصة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».