تفكيك منشأة ضخمة لـ«حزب الله»... رسائل تتجاوز الداخل اللبناني

تتضمن مسيرات سوفياتية وأسلحة إيرانية وسورية

جانب من منشأة «حزب الله» وتبدو فيه مسيّرات سوفياتية ورافعة وصناديق ذخيرة (متداول)
جانب من منشأة «حزب الله» وتبدو فيه مسيّرات سوفياتية ورافعة وصناديق ذخيرة (متداول)
TT

تفكيك منشأة ضخمة لـ«حزب الله»... رسائل تتجاوز الداخل اللبناني

جانب من منشأة «حزب الله» وتبدو فيه مسيّرات سوفياتية ورافعة وصناديق ذخيرة (متداول)
جانب من منشأة «حزب الله» وتبدو فيه مسيّرات سوفياتية ورافعة وصناديق ذخيرة (متداول)

أظهرت الصور التي بثّتها وسائل إعلام محلية الأسبوع الماضي، منشأة عسكرية كبيرة جرى تفكيكها بين بلدتي كفرا وصدقين في جنوب الليطاني بجنوب لبنان، وتبيّن أنها تضم أسلحة نوعية وذخائر بكميات كبيرة، في واحدة من أبرز المضبوطات من منشآت «حزب الله» التي ضبطها الجيش اللبناني في الفترة الأخيرة.

اللافت في الصور المسرّبة، ظهور طائرة من دون طيار من طراز «توبوليف Tu-143 ريس»، وهي مسيّرة استطلاع عسكرية تعود إلى سبعينات القرن الماضي، صُنعت في الاتحاد السوفياتي واستخدمت في مهام جمع المعلومات وتصوير المواقع العسكرية، حسبما يقول الباحث في الشؤون العسكرية مصطفى أسعد.

مسيّرة بوظيفة غير تقليدية

وقال أسعد لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «الصور المسرَّبة للمخزن العسكري تُظهر بوضوح أنّه ليس مستودعاً عادياً؛ بل منشأة ذات طابع محوري تُستخدم إما لتخزين السلاح بكميات كبيرة، أو بوصفها نقطة مركزية لتوزيعه، وهو ما يتضح من حجم الصالة الداخلية وطريقة ترتيبها والبنية الهندسية للمكان».

وأوضح أنّ «درجة ارتفاع السقف ووجود رافعة داخل المخزن يشيران إلى استخدامه في التعامل مع طائرات مسيّرة، وهو ما يميّزه عن غالبية المخازن التي ظهرت سابقاً». وفيما يتعلّق بالطائرات المسيّرة الظاهرة في الصور، أشار إلى أنّها سوفياتية من طرازات قديمة تعود إلى سبعينات القرن الماضي.

وأضاف أن «هذه المسيرات، وفق المعطيات المتوافرة، لم يجرِ تعديلها تقنياً، وبقيت تُستخدم في إطار محدود، إمّا للاستطلاع أو لتشتيت الدفاعات الجوية، وليس بوصفها سلاحاً حاسماً أو صاروخ (كروز) بالمعنى العسكري الدقيق».

ورجّح أسعد أنّ «مصدر هذه الطائرات يعود إلى مخازن الجيش السوري»، مشيراً إلى أنّ صوراً سابقة «كانت قد أظهرت تسليم كميات مماثلة إلى (حزب الله)، أو إلى الحرس الثوري الإيراني».

عنصر من الجيش اللبناني أمام صناديق ذخيرة في منشأة «حزب الله» وجرى إخفاء وجهه بالذكاء الاصطناعي لأسباب أمنية (متداول)

وعن الذخائر الظاهرة في الصور، أوضح أنّ وجود نوعين من الصناديق، خضراء ورمادية، لا يمكن الجزم بمحتواها أو مصدرها بدقة، رغم أنّ الصناديق الرمادية تُشبه ذخائر إيرانية الصنع، فيما يُرجّح أن تكون الخضراء آتية من سوريا. وأضاف أنّها «قد تحتوي على قذائف هاون من عيارات مختلفة، بينها 100 أو 130 ملم، لكن غياب المعطيات المكتوبة الواضحة يمنع التأكيد».

ولفت إلى أنّ هذا المخزن ليس الأول الذي تصل إليه وحدات الجيش اللبناني، مرجّحاً أنّ مدخله كان قد استُهدف سابقاً، و«أنّ الجديد في هذه القضية هو تسريب الصور إلى العلن، وهو أمر لا يحدث عادة بشكل عفوي؛ بل على الأرجح بقرار مقصود، لإيصال رسالة محددة في توقيت معيّن»، وفق تعبيره.

جزء من مشهد أوسع

بدوره، اعتبر الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أنّ ما أظهرته الصور ينسجم بالكامل مع المعطيات الرسمية التي سبق أن قدّمها الجيش اللبناني، سواء عبر بيانات قائد منطقة الجنوب، أو من خلال ما عُرض في المؤتمرات الصحافية والتقارير المرفوعة إلى الحكومة. وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ الكشف عن 177 نفقاً وانتشار 12 ألف جندي دولي و8 آلاف جندي لبناني، في ظلّ مراقبة جوية إسرائيلية لصيقة، كل ذلك يعني أنّ ما ظهر في صور كفرا هو على الأرجح جزء مما أمكن ضبطه أو رصده، لا الصورة الكاملة لما هو موجود فعلياً».

رسائل سياسية - عسكرية

ورأى ملاعب أنّ تسريب صور منشأة كفرا بحد ذاته يحمل رسائل سياسية - عسكرية تتجاوز البعد التقني، متسائلاً عمّا إذا كان لبنان دخل فعلياً المرحلة الثانية من مسار حصر السلاح. وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «توقيت التسريب يجعل من هذه الصور أولى إشارات الانتقال العملي من مرحلة الجرد والمراقبة إلى مرحلة كشف البنية العسكرية العميقة».

ورأى أنّ «الرسالة الأولى للصور موجّهة إلى الولايات المتحدة، لتأكيد أنّ لبنان بدأ خطوات ملموسة في مسار حصر السلاح. أمّا الرسالة الثانية، فهي إلى لجنة «الميكانيزم» قبيل اجتماعها، حيث قدّم مندوب الجيش جردة تقنية بما أُنجز حتى الآن، وما يمكن أن يُستكمل لاحقاً، مع التشديد على إبقاء النقاش ضمن الإطار العسكري - التقني». واعتبر أن «مجرّد تسريب صور منشأة بحجم منشأة كفرا يضع هذا الملف مباشرة على طاولة (الميكانيزم)، بوصف ذلك وقائع لا افتراضات».

الداخل والسيادة

ولفت ملاعب إلى أنّ للصور بعداً داخلياً، إذ «تشكّل رسالة إلى الرأي العام اللبناني بأنّ قرار الحكومة بحصر السلاح ليس قراراً نظرياً»، وفي البعد السيادي، شدّد على أنّ ما تعكسه الصور «يتقاطع مع تحوّل أعمق في موقع الجيش اللبناني»، معتبراً أن «كشف منشآت بهذا الحجم، مقروناً بتأكيد رسمي أنّ قرار الحرب والسلم بيد الدولة، يعني أنّ المؤسسة العسكرية لم تعد على الهامش، وأن أي توغّل إسرائيلي مستقبلي سيُواجَه بقرار رسمي، ولو ضمن هامش إمكانات محدودة».


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يدعو النازحين إلى التريّث في العودة للمناطق الحدودية

المشرق العربي موقع للجيش اللبناني في المنصوري جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجيش اللبناني يدعو النازحين إلى التريّث في العودة للمناطق الحدودية

دعا الجيش اللبناني، الاثنين، النازحين إلى التريث في العودة للقرى والبلدات الحدودية جنوب لبنان، بعد إعلان الوسيط الباكستاني عن اتفاق بين طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
آسيا منير وهيكل خلال لقائهما في باكستان اليوم (أ.ف.ب)

قائد الجيش الباكستاني ونظيره اللبناني يتفقان على «تعزيز التعاون العسكري»

التقى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الثلاثاء، نظيره اللبناني رودولف هيكل الذي بدأ السبت زيارة إلى باكستان، واتفقا على تعزيز التعاون العسكري بين بلديهما.

«الشرق الأوسط» ( إسلام آباد)
المشرق العربي النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان (الجيش اللبناني)

إسرائيل تدرج الجيش اللبناني ضمن أهدافها في الجنوب… وتحقق بالاستهداف

شكّل استهداف إسرائيل للجيش اللبناني مجدداً منعطفاً خطيراً في مسار التصعيد المتواصل جنوب لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي صورة وزعها الجيش اللبناني للمركبة العسكرية التي استهدفتها غارة إسرائيلية في جنوب لبنان وقضى فيها ضابطان وجندي (أ.ب)

مقتل ضابطيَن وجندي في الجيش اللبناني بغارة إسرائيلية

قُتل عسكريون لبنانيون، بينهم ضابطان، في غارة إسرائيلية، اليوم (السبت)، على مركبة للجيش بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية مؤللة للجيش اللبناني في ضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - مديرية التوجيه)

اشتباكات في بيروت تحيي مطلب تحويل العاصمة منزوعة السلاح

أعاد الاشتباك المسلح الذي شهدته منطقة عائشة بكار في قلب العاصمة بيروت، ليل الخميس، تسليط الضوء مجدداً على إشكالية السلاح المتفلت داخل الأحياء السكنية

يوسف دياب (بيروت)

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
TT

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، طلباً لإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المحتجز دون تهمة منذ اعتقاله بغزة في أواخر 2024.

أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان وهو من بين 14 طبيباً على الأقل من غزة تحتجزهم إسرائيل دون تهمة منذ أكثر من عام.

وقال ناجي عباس، مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» لوكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، إن المحكمة استندت في قرارها إلى «مواد سرية» لم يتم إطلاع أبو صفية أو محاميه عليها. وأحجم متحدث باسم المحكمة العليا عن التعليق.

وقال عباس في بيان: «الرسالة التي يبعث بها هذا القرار واضحة لا لبس فيها، وهي أنه يمكن حرمان طبيب من حريته إلى أجل غير مسمى دون توجيه تهمة إليه، ودون أن تقدم السلطات أدلة ضده في جلسة مفتوحة».

ويقول محامي أبو صفية ومنظمات حقوق الإنسان إن الطبيب محروم من الطعام الكافي ويتعرض لاعتداءات في السجن. ونفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتهامات.

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (أ.ب)

وظهر أبو صفية عبر اتصال بالفيديو في جلسة أمام المحكمة العليا في القدس، الأربعاء الماضي، وبدا فاقداً للوزن بشكل ملحوظ.

وقالت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» إن أبو صفية محتجز في العزل الانفرادي منذ 13 يوماً.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن أبو صفية ينتمي إلى حركة «حماس»، دون تقديم أدلة على ذلك. ونفت وزارة الصحة في غزة وحركة «حماس» هذه الادعاءات.

وكان أبو صفية من بين الأطباء الذين رفضوا ترك العشرات من الأطفال حديثي الولادة الذين كانوا يعالجونهم بعد أن أمرهم الجيش الإسرائيلي بالمغادرة في 2023.


شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
TT

شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

​قبل أن يغادر مأرب بساعات، كان السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر يستعيد مشاهد أيام قليلة أمضاها في المحافظة التي يزورها للمرة الأولى، بين مخيمات النازحين، ومواقع المشاريع الإنسانية، ولقاءات المسؤولين ومشايخ القبائل، وبدا أن شيئاً واحداً ظل يرافقه في كل محطة: الابتسامة.

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

في محافظة استقبلت ملايين النازحين، ووقفت سنوات على خط المواجهة الأول مع الحرب، وجد الدبلوماسي الألماني صورة مختلفة عما قد توحي به عناوين الصراع والأزمات الإنسانية؛ صورة تختلط فيها التحديات القاسية بروح من التفاؤل والإصرار على الحياة.

داخل فندق «بلقيس» ذي الطراز السبئي، الذي شُيِّد في ثمانينيات القرن الماضي وسط مدينة مأرب، وقبيل مغادرته المحافظة، تحدث شنايدر لـ«الشرق الأوسط» عن زيارة حملت في ظاهرها طابعاً إنسانياً وتنموياً، ولكنها كشفت له أيضاً جانباً سياسياً واجتماعياً يراه مهماً في مستقبل اليمن.

يقول السفير الألماني إن زيارته جاءت للتعبير عن التضامن مع أبناء مأرب ومع اليمنيين عموماً، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، موضحاً أن الوفد الألماني حرص على زيارة عدد من المشاريع الإنسانية ومخيمات النازحين واللاجئين، للاطلاع مباشرة على احتياجات السكان وتقييم أثر البرامج المدعومة من ألمانيا وشركائها الدوليين.

لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر -حسب قوله- كان طبيعة العلاقة التي نشأت في مأرب بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية والوكالات الأممية.

ويضيف: «رأينا نموذجاً إيجابياً للتعاون بين الحكومة اليمنية والدول المانحة، والأهم من ذلك التعاون الوثيق بين السلطات المحلية في المحافظة والوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة».

ومن وجهة نظره، لا تكمن أهمية هذه التجربة في حجم المشاريع المنفذة فحسب؛ بل في قدرتها على خلق شراكة حقيقية بين مختلف الأطراف العاملة على الأرض، وهو ما جعل مأرب -حسب وصفه- نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى.

ويتابع: «هذه الشراكة تمثل نقطة بالغة الأهمية، وقد لمسنا أن تجربة مأرب تشكل نموذجاً ناجحاً يمكن الاقتداء به من قبل جميع الأطراف المنخرطة في العمل الإنساني والتنموي».

شنايدر خلال زيارته لمعبد برَّان الأثري بمحافظة مأرب (السفارة الألمانية)

وعلى امتداد سنوات الحرب، تحولت مأرب إلى أكبر مركز لاستقبال النازحين في اليمن؛ حيث استوعبت موجات متتالية من الأسر الفارة من مناطق القتال. ويرى شنايدر أن الطريقة التي تعامل بها أبناء المحافظة مع هذا الواقع تمثل إحدى أبرز قصص النجاح اليمنية خلال سنوات الصراع.

ويقول: «استقبلت مأرب أعداداً كبيرة من النازحين من مختلف أنحاء اليمن، كما استقبلت لاجئين من دول أخرى، وهذا يعكس كرم أهلها وروحهم الإنسانية. شاهدنا نماذج إيجابية للغاية في كيفية التعامل مع هذه التحديات».

وخلال الزيارة، التقى الوفد الألماني عدداً من النازحين واستمع إلى رواياتهم واحتياجاتهم، كما عقد لقاءات مع ممثلي الأمم المتحدة والسلطات المحلية، وهو ما عزز قناعة السفير بأن التنسيق والتواصل المستمر بين مختلف الأطراف يظل العامل الأكثر أهمية في مواجهة التحديات الإنسانية المعقدة.

غير أن أكثر محطات الزيارة خصوصية ربما كانت اللقاء مع مشايخ القبائل في مأرب، ففي بلد غالباً ما تُقرأ القبيلة من زاوية أمنية أو تقليدية، خرج شنايدر بانطباع مختلف؛ إذ رأى في القبائل اليمنية شبكة اجتماعية واسعة تلعب دوراً يتجاوز الأعراف المحلية إلى الإسهام في الحفاظ على تماسك المجتمع والاستقرار، ومستقبل البلاد كلها.

ويقول: «كان الجلوس مع مشايخ القبائل تجربة مهمة للغاية، لمست أنهم لا يؤدون دوراً اجتماعياً فقط؛ بل يمتلكون أيضاً وعياً سياسياً واضحاً بالتحديات التي تواجه اليمن».

ويضيف أن النقاشات التي دارت خلال اللقاء كشفت عن رؤى وأفكار مهمة بشأن مستقبل البلاد، مؤكداً أن القبائل ستكون طرفاً أساسياً في أي عملية سياسية جادة تسعى إلى تحقيق السلام.

ويتابع: «أعتقد أن القبائل ستؤدي دوراً محورياً في أي مسار يقود إلى السلام في اليمن. خرجت من هذه الزيارة بقناعة راسخة بأنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وعنصراً مهماً يمكن البناء عليه لتعزيز الاستقرار».

وبين الرسائل السياسية والإنسانية، ظل الانطباع الشخصي الأكثر حضوراً لدى السفير الألماني مرتبطاً بأهالي مأرب أنفسهم، فعلى الرغم من سنوات الحرب والضغوط الاقتصادية وأعباء النزوح، يقول إنه وجد في كل مكان روحاً متفائلة ونظرة إيجابية إلى المستقبل.

ويضيف: «رأيت في كل مكان بمأرب ابتسامة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها السكان. هذه الروح المتفائلة وحفاوة الاستقبال جعلتا من الزيارة تجربة مهمة جداً بالنسبة لي».

ويؤكد أنه سيحمل هذه الصورة معه إلى أولاده وعائلته، وإلى وزارته في برلين، وشركائه في الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية؛ لأن ما شاهده في مأرب -حسب تعبيره- يقدم درساً مهماً في القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات.

في نهاية المقابلة، طلبت من السفير تلخيص مأرب في ثلاث كلمات فقط. لم يتردد كثيراً قبل أن يبتسم ويجيب: «الابتسامة... والقهوة... والترحيب».

ثلاث كلمات بدت كأنها تختصر مدينة تقف على تخوم الحرب، ولكنها لا تزال تصر على استقبال ضيوفها بابتسامة، وتقديم القهوة، والإيمان بأن مستقبل اليمن يمكن أن يكون أفضل.


بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
TT

بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)

استأنفت حركة «حماس»، انتخابات رئيس مكتبها السياسي (أعلى مستوى قيادي) في جولة للإعادة، بعدما فشلت جولة أولى، الشهر الماضي، في تحديد هوية الرئيس الجديد للحركة، ولجوء عدد من المصوتين إلى تقديم «أوراق بيضاء» خالية من اسم مرشح للاقتراع؛ ما تسبب بتأجيل عملية الحسم.

ويتنافس على رئاسة المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل الذي كان يقود المكتب سابقاً، وخليل الحية الذي كان رئيساً لمكتبها في غزة ويقود حالياً فريقها المفاوض في محادثات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع.

وحسب مصدرين من «حماس» في غزة تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، فإن التصويت في جولة الإعادة بدأ على مستوى القطاع، وقال أحد المصدرين إن «الشخصيات التي يحق لها التصويت تشارك عبر طريقة أكثر سرية وتعقيداً بسبب الظروف الأمنية الصعبة، وعمليات الاغتيال المتواصلة».

وتواجه «حماس» أزمة هي الأعنف منذ تأسيسها عام 1987؛ إذ طالت الاستهدافات الإسرائيلية التي بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مختلف أجنحتها ومستوياتها؛ ما تسبب في أزمات تنظيمية ومالية عدة.

وتحدث المصدران بشكل منفصل عن أن التصويت يجري عبر «مغلفات أو خطابات مغلقة تصل للشخصيات التي يحق لها الانتخاب» وبعد اختيارهم مرشحهم، يعاد إرسالها وفق «ضوابط أمنية تتخذها الحركة للحفاظ على أمن تلك الشخصيات أو الجهات القائمة على عملية الانتخابات».

ويجري التصويت لاختيار رئيس المكتب السياسي عبر ما يسمى «مجلس الشورى» المكون من 71 عضواً من أقاليم عمل الحركة الثلاثة (غزة، والضفة الغربية، والخارج)، حيث كان عددهم 50 عضواً قبل نحو 10 سنوات، ثم زاد عددهم لاحقاً مع تغيير أنظمة ولوائح الحركة الداخلية.

وأكد المصدران، أن الانتخابات من المفترض أن تجري في الضفة الغربية، والخارج خلال الفترة الحالية، لكنهما لم يقدما تأكيدات على بدء الإجراءات بالفعل في الموقعين.

«جولة أكثر سرية»

وفي السادس عشر من مايو (أيار) الماضي، أعلنت «حماس» عن تعذر حسم الجولة الأولى من انتخابات رئيس للمكتب السياسي، مبينةً أنه ستجري جولة ثانية في وقت لاحق وفق لوائح الحركة وأنظمتها.

وكان من المفترض وفق لوائح «حماس» أن تجري الجولة الثانية في غضون 20 يوماً، إلا أن مصادر في الحركة شرحت أن الظروف الأمنية والسياسية وما جرى من اغتيالات بغزة، واتصالات ولقاءات قيادات الحركة بالخارج مع الوسطاء وغيرهم، أجَّلت العملية التي «تجري بسرية أكثر من الأولى؛ منعاً لأي ثغرات أمنية أو تسريبات إعلامية».

طفل فلسطيني يقف خلفه مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» أثناء بحثهم عن جثث رهائن إسرائيليين في مخيم جباليا شمال غزة ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

وتوافقت قيادة «حماس» على إجراء انتخابات لرئيس مكتبها فقط إلى حين إجراء انتخابات شاملة للمكتب السياسي ومجلس الشورى والهيئات الإدارية المختلفة بداية العام المقبل.

واغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» الراحل، إسماعيل هنية في طهران في يوليو (تموز) عام 2024، وخلفه يحيى السنوار في غزة في أكتوبر من العام نفسه.

ومنذ عام ونصف العام تقريباً يُدير «مجلس قيادي» شؤون «حماس»، وفي مطلع العام الحالي بدأ حراك جديد لانتخاب رئيس جديد يقود الحركة في الفترة المتبقية من دورة المكتب السياسي الحالي (كانت تنتهي عام 2025، وتم تمديدها عاماً إضافياً)، إلى حين إجراء انتخابات عامة نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل.

وكانت مصادر كشفت لـ«الشرق الأوسط»، في الحادي والعشرين من مايو (أيار) الماضي، عن أن هناك أشخاصاً استخدموا الورقة البيضاء في عملية التصويت تعبيراً عن عدم الانحياز لأي من المتنافسين، وهما رئيس مكتب «حماس» في غزة خليل الحية، ونظيره بالخارج خالد مشعل، وذلك في خطوة تحصل لأول مرة بهذا الشكل على الأقل على مستوى رئاسة المكتب السياسي.

ورأت تلك المصادر حينها أن ظاهرة «الأوراق البيضاء» تشير إلى أن «هناك حالة من عدم الرضا تجاه الشخصيتين المتنافسين، وربما حالة احتجاجية على سياسات الحركة إزاء بعض الملفات ومحاولة الدفع باتجاه قيادة شبابية». بينما قالت أخرى إن «هذا ليس بالضرورة احتجاجاً على المتنافسين، بقدر ما يشير إلى أن هناك فعلياً حالة من الرفض لبعض السياسات المتبعة بشأن ملفات عدة، أو الرغبة في إرجاء فكرة انتخاب رئيس مؤقت، والانتظار حتى إجراء انتخابات شاملة، واستمرار عمل المجلس القيادي الحالي».