لماذا تخشى دول غرب أفريقيا «سيناريو فنزويلا»؟

حزب سياسي وصف نيجيريا بأنها «فنزويلا أفريقيا» ودبلوماسي يحذر دول الساحل

عناصر شرطة مكافحة المخدرات يصطحبون رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عقب نقله إلى نيويورك في 3 يناير 2026 (لقطة من فيديو - رويترز)
عناصر شرطة مكافحة المخدرات يصطحبون رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عقب نقله إلى نيويورك في 3 يناير 2026 (لقطة من فيديو - رويترز)
TT

لماذا تخشى دول غرب أفريقيا «سيناريو فنزويلا»؟

عناصر شرطة مكافحة المخدرات يصطحبون رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عقب نقله إلى نيويورك في 3 يناير 2026 (لقطة من فيديو - رويترز)
عناصر شرطة مكافحة المخدرات يصطحبون رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عقب نقله إلى نيويورك في 3 يناير 2026 (لقطة من فيديو - رويترز)

حين شنت الولايات المتحدة هجوماً خاطفاً على عاصمة فنزويلا، السبت الماضي، واعتقلت رئيسها نيكولاس مادورو، ثارت مخاوف لدى المحللين وصناع القرار في دول غرب أفريقيا ومنطقة الساحل من سيناريو شبيه في المنطقة التي تواجه تحديات أمنية خطيرة، وتهيمن عليها أنظمة عسكرية موالية لروسيا والصين، وتمتلك مقدرات هائلة من النفط والغاز والذهب واليورانيوم.

ومما أجج هذه المخاوف الضغط الأميركي المتزايد على نيجيريا، صاحبة الاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، خاصة بعد ضربات عسكرية وجهتها الولايات المتحدة ليلة عيد الميلاد إلى مواقع وصفتها بأنها «إرهابية» في شمال غربي البلاد، مما سبَّب حرجاً كبيراً لحكومة الرئيس النيجيري بولا أحمد تينيبو.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

دول الساحل الثلاث، مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تشكل هي الأخرى مبعث قلق لواشنطن، حسب ما جاء في تصريحات مسؤول في الخارجية الأميركية قبل شهر.

وتمتلك هذه الدول مقدرات معدنية هائلة؛ فالنيجر مثلاً تُعد سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وقد قررت مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، طرح مخزونها من هذا المعدن في السوق الدولية، في الوقت الذي أصدرت فيه الولايات المتحدة قراراً بضمه إلى قائمة «المعادن الحرجة».

«رسالة تحذير»

الدبلوماسي الموريتاني السابق أحمدو ولد عبد الله وصف اعتقال الرئيس الفنزويلي بأنه «رسالة تحذير» لرؤساء دول الساحل غير المنتخبين.

وكتب ولد عبد الله، الذي سبق أن عمل مستشاراً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة، عبر منصة «إكس»: «إن اعتقال الرئيس مادورو من قِبل الولايات المتحدة عقب ضربات جوية جاءت بعد تلك التي نُفذت في نيجيريا، يحمل رسالة واضحة مفادها نهاية مرحلة وبداية أخرى... كما يشكّل تحذيراً صريحاً للرؤساء غير المنتخبين في منطقة الساحل».

أما الصحافي المتجول في أفريقيا، الخليل ولد أجدود، فتساءل على منصة «إكس» إن كانت بوركينا فاسو «هي الهدف القادم لترمب؟».

ثم أضاف: «منذ استيلائه على السلطة، صعّد النقيب الشاب إبراهيم تراوري لهجته ضد الولايات المتحدة، وعرقل عمل شركاتها»، مشيراً إلى أنه «يسيطر على احتياطات هائلة من الذهب، ويستغلها في توظيف ثروات بلاده المنجمية في خدمة المشروع الروسي والصيني للانقلاب على نظام البترودولار، الذي أبقى أميركا القوةَ الاقتصاديةَ المهيمنةَ منذ 50 عاماً».

نيجيريا... «فنزويلا أفريقيا»

منذ العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، والنقاشات محتدمة في نيجيريا، بين متفائل ومتشائم؛ فالبلد الغني بالنفط والغاز والمعادن غارق في الأزمات السياسية والأمنية، وواشنطن التي يرى فيها حليفاً له أصبحت تهدده بعمل عسكري.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وأصدر حزب المؤتمر الديمقراطي الأفريقي، أكبر وأهم أحزاب المعارضة النيجيرية، بياناً شبَّه فيه نيجيريا بفنزويلا، ونظام رئيس النيجيري تينيبو بنظام مادورو.

وأشار الحزب إلى أن حكومة نيجيريا لم تعلق على أحداث فنزويلا، وقال: «هو صمت يفوح منه الخوف». وأضاف: «لنكن واضحين، إن صمت الحكومة النيجيرية لا علاقة له بالحياد، بل يكشف عن حكومة تفتقر إلى الثقة؛ لأنها تفتقر إلى الشرعية»، مؤكداً أن ما حدث في فنزويلا ينبغي أن يكون درساً تحذيرياً «لكل الطغاة ومزوّري الانتخابات في كل مكان».

لكن الخبير الاقتصادي النيجيري ومحلل شؤون الطاقة كلفن إيمانويل رفض أي مقارنة بين نيجيريا وفنزويلا، وقال في مقابلة تلفزيونية: «لا أعتقد أن نيجيريا وصلت إلى الوضع الذي وصلت إليه فنزويلا»، وأضاف أن العلاقات بين نيجيريا والولايات المتحدة لا تزال قائمة على التعاون.

وانتقد إيمانويل مطالبة حكومة نيجيريا باتخاذ موقف حاد إزاء ما جرى في فنزويلا، ودعا إلى الحذر وعدم مواجهة الولايات المتحدة بشأن هذه القضية، قائلاً: «أفريقيا لا تمتلك القدرة على الوقوف في وجه دونالد ترمب».

مركبات تمر أمام مصفاة «إل باليتو» في بويرتو كابيلو بفنزويلا (أ.ب)

وطرح الخبير سؤالاً حول مدى جاهزية نيجيريا لإدارة التداعيات المالية لتقلبات أسعار النفط، وقال: «أسعار النفط الخام في المدى القريب ستهبط إلى ما دون 60 دولاراً، وهو ما قد يعقّد التخطيط المالي لنيجيريا؛ نظراً لاعتمادها الكبير على عائدات النفط الخام».

نفس التحذير أطلقه أستاذ الباحث في المعهد النيجيري للشؤون الدولية، فيمي أوتوبانجو، حين نبَّه إلى أنه بمجرد أن تعيد الشركات الأميركية تأهيل منشآت النفط الفنزويلية وترتفع وتيرة الإنتاج، سيحدث فائض في السوق مما يلحق الضرر بدول مثل نيجيريا.

حسابات جيو استراتيجية

إلى جانب الحسابات السياسية والاقتصادية، تطرق وزير الخارجية النيجيري الأسبق بولاجي أكينيمي إلى ما سماه «حسابات جيو استراتيجية»، مشيراً إلى ضرورة أن تبدأ نيجيريا التحضير لحقبة ما بعد هجوم كاراكاس.

وحذر الوزير الأسبق مما قال إنه «اهتمام مفاجئ» تبديه إسرائيل تجاه نيجيريا، وقال: «هناك قضايا كثيرة نختلف فيها مع إسرائيل»، ودعا إلى مشاورات عاجلة بين خبراء السياسة الخارجية والاستراتيجية في نيجيريا من أجل إعادة تقييم طريقة تعاملها مع الاهتمام المتزايد من القوى العالمية الساعية إلى النفوذ في أفريقيا.

وقال: «لقد حان الوقت لإعادة تفكير جادة في كيفية تفاعلنا مع الولايات المتحدة، والآن مع إسرائيل التي تُبدي اهتماماً بنيجيريا؛ لأنها ترى أن لدينا مشكلات تعتقد أنها قادرة على المساعدة في معالجتها».

أما المهندس السنغالي وخبير حوكمة الموارد الاستخراجية ندياك لاخ، فيعتقد أن الوضع في أفريقيا مختلف عنه في فنزويلا التي قال إن ما حدث فيها يشبه كثيراً ما حدث في العراق وليبيا وسوريا، حين «اصطدمت مشاريع سيادة مُعلنة بنظام اقتصادي دولي متمحور حول الدولار والأسواق الغربية».

وأضاف في مقال بصحيفة «سينيغو»: «اليورانيوم في الساحل، والكوبالت والنحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والحديد والبُوكسيت في غينيا، والليثيوم في زيمبابوي، والنفط والغاز في خليج غينيا، وغيرها... كلما كانت الموارد أكثر حيوية، ازداد التدقيق في القادة الذين يتحكمون في الوصول إليها».

واستطرد قائلاً: «التعامل الدولي مع السلطات الأفريقية يخضع لمنطق براغماتي. فما دامت التدفقات مستقرة والعقود مؤمَّنة والشراكات منسجمة، يُغضّ الطرف إلى حد بعيد عن الحوكمة الداخلية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

زيلينسكي: ترمب قرّر منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الجمعة)، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغه بأنه حسم قراره لجهة السماح لكييف بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب) p-circle

من النسر الأصلع إلى آيس كريم العسل... تفاصيل مأدبة ترمب وشي في البيت الأبيض

في أجواء اتسمت بالمراسم الرسمية والضيافة، استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في مأدبة عشاء رسمية بالبيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك (رويترز) p-circle

بزشكيان من فندق بنيويورك: لا نريد قتل ترمب... وخامنئي بصحة جيدة

في مشهد غير مألوف، عقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جلسة مع مجموعة من الصحافيين في أحد فنادق نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
TT

مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

رفع قادة أفريقيا بقوة مطالب إصلاح مجلس الأمن الدولي خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة منذ يومين في مدينة نيويورك، وذلك بالدعوة إلى حصول القارة الأفريقية على مقعدين دائمين في المجلس مع حق «الفيتو»، وهي مطالب تواجه تحديات كبيرة.

وفي خطاباتهم أمام الجمعية العامة، شدد القادة الأفارقة على أن القارة، التي تُمثل ربع أعضاء الأمم المتحدة، تعاني «الإقصاء»، معتبرين أن استمرار هذا الوضع «يضعف شرعية الأمم المتحدة، ويتناقض مع مبدأ المساواة في السيادة».

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

الخطاب الأفريقي

كان خطاب رئيس كينيا، ويليام روتو، هو الأقوى والأكثر صرامة، حين قال إن «كل أمة ذات سيادة، ومتساوية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، وفيما يتعلق بأخطر قضايا الحرب والسلام، تمتلك 5 دول سلطة دائمة لا تمتلكها الدول الـ188 الأخرى».

وأوضح روتو أن «أفريقيا تضم 54 دولة عضواً، أي أكثر من ربع هذه الجمعية، ومع ذلك ليس لها صوت دائم في الهيئة المنوط بها المسؤولية الرئيسية عن السلم والأمن الدوليين»، مشيراً إلى أن أفريقيا كثيراً ما تكون موضوع قرارات مجلس الأمن، «لكنها مستبعدة بشكل دائم من النقاش».

فيما أكد رئيس غانا، جون دراماني ماهاما، أن «أفريقيا هي موطن لـ1.5 مليار نسمة، أي أكثر من 18 في المائة من البشرية، وتُشكل أكبر كتلة تصويت إقليمية في هذه الجمعية العامة، ومع ذلك، لا تزال بلا مقعد دائم واحد في مجلس الأمن، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق».

وأكد ماهاما: «يجب منح أفريقيا تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، بكامل الحقوق والمسؤوليات»، مشدداً على أن «إصلاح مجلس الأمن ليس منةً لأفريقيا؛ بل هو حتمية لشرعية ومصداقية وبقاء الأمم المتحدة».

لقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة السنوية الـ81 لقادة العالم (أ.ف.ب)

من جهته، قال رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو، في خطاب ألقاه نائبه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن «العالم في عام 2026 لا يمكن أن يظل أسيراً لتوزيع القوة الذي كان قائماً في عام 1945. ولا يمكن لأفريقيا أن تستمر في ملء جدول أعمال مجلس الأمن وتظل غائبة عن عضويته الدائمة».

وطالب رئيس نيجيريا بضرورة أن تحصل أفريقيا على مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي، مع حق «الفيتو»، بالإضافة إلى 5 مقاعد غير دائمة.

العقبة الأولى

وتعتمد السردية الأفريقية على أن مجلس الأمن الدولي تأسس عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أفريقيا تحت الاستعمار الغربي؛ حيث إنه من أصل 51 عضواً مؤسساً للأمم المتحدة لم يكن هناك سوى 4 دول أفريقية هي: مصر، وإثيوبيا، وليبيريا، وجنوب أفريقيا. وفي هذا السياق قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن هذا الوضع «غير عادل، ولا يمكن الدفاع عنه».

إد مليباند وزير الخارجية البريطاني خلال جلسة لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

ولكن مطالب الإصلاح التي ترفعها أفريقيا تتطلب تعديلاً لميثاق الأمم المتحدة، وهذا يحتاج إلى موافقة ثلثي الجمعية العامة، وموافقة جميع الأعضاء الدائمين الخمسة، حسب المادة 108 من الميثاق، وهنا تكمن العقبة الكبرى.

وتؤيد الولايات المتحدة منح أفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن، دون حق «الفيتو»، وهو موقف ترفضه الدول الأفريقية؛ لأنه في نظرها يكرس هرمية جديدة، ويمنحها «عضوية من الدرجة الثانية».

أما روسيا والصين فتُظهران تعاطفاً خطابياً مع «الجنوب العالمي»، ولكنها أصدرت تحذيراً واضحاً من فتح الميثاق، بسبب مخاوف من أي خطوة قد تضعف نفوذها أو قد تفتح الباب أمام منافسين مثل الهند واليابان، لدخول مجلس الأمن. فيما فرنسا وبريطانيا تظهران قدراً من الانفتاح النسبي، ولكن مع كثير من الحذر.

الرئيس البوروندي السابق وعضو لجنة العقلاء في الاتحاد الأفريقي (رويترز)

نماذج إصلاح

وسط الضغط الأفريقي، تبرز نماذج إصلاح جديدة، منها ما تقترحه «مجموعة الأربعة»، التي تضم ألمانيا والبرازيل والهند واليابان، والتي تضغط من أجل الحصول على مقاعد دائمة لنفسها، مع حصول أفريقيا على مقعدين دائمين.

أما مجموعة «التوحد من أجل التوافق»، فتعارض بشكل صريح منح أي مقاعد دائمة جديدة، وتفضل التوسع في المقاعد غير الدائمة فقط، في ظل تحذيرات من أن توسيع مجلس الأمن إلى 26 عضواً قد يزيد الشرعية، لكنه يُقلل الفعالية والسرعة في اتخاذ القرارات، خصوصاً في الأزمات.

ومن هنا يبرز السياق الجيوسياسي الراهن؛ حيث إن التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، تجعل القوى الكبرى أقل استعداداً للتنازل عن أدوات السيطرة، بل إن الإصلاح قد يبدو «ترفاً» في أوقات الاستقطاب الحاد.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (أ.ف.ب)

الصراع الداخلي

وفي الوقت الذي يجمع فيه قادة أفريقيا، في خطاباتهم، على مطلب إصلاح مجلس الأمن ومنح القارة مقعدين دائمين، لا يمتلكون آلية واضحة لتحديد الدول التي ستشغل هذين المقعدين، في ظل تنافس قوي بين مراكز القوة في القارة.

ويحتدم التنافس بين دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر والمغرب وإثيوبيا، ما يزيد من تعقيد الموقف الأفريقي، إذ يبدو أن إصلاح مجلس الأمن قد يفتح باباً لصراعات داخلية في القارة، ويُعيد إلى الواجهة تاريخاً من الحروب الإقليمية الدامية.

ورغم وجود اتفاقية تنص على أن الاتحاد الأفريقي هو الجهة التي ستختار ممثلي القارة في مجلس الأمن، فإنها لا تحدد آلية واضحة لذلك، ما يجعل حسم المسألة صعباً. وتوصف هذه المنافسة بأنها «معركة صامتة»، يؤجل الأفارقة الخوض فيها خشية أن تضعف موقفهم في الأمم المتحدة.


إثيوبيا: تحالف خصوم سابقين يفتح جبهة جديدة ضد آبي أحمد

رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

إثيوبيا: تحالف خصوم سابقين يفتح جبهة جديدة ضد آبي أحمد

رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وصل آبي أحمد للسلطة في إثيوبيا عام 2018 مدفوعاً بالسلام وتوحيد بلاده التي عانت لعقود من الصراعات، ونال جائزة نوبل إثر ذلك المسار، غير أنه يجد نفسه بعد 8 سنوات أمام مشهد دراماتيكي جعل أبرز حلفاء الأمس أعداءه اليوم.

وتتّسع تلك الخسائر بإنشاء تحالف مسلح ضد آبي أحمد يقوده بعض حلفاء الأمس، وتحقيق سيطرة ميدانية شمال البلاد تُضاف لجبهة متوترة مع إريتريا، التي كانت أحد داعميه في حربه ضد جبهة تحرير تيغراي عام 2020، قبل أن تنقلب العلاقة بين البلدين إلى خصومة متصاعدة.

ويختلف خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول تطوّر هذه الأزمة، بين من يرى أنها مرشحة للتفاقم، ومن يعتبر أنها مؤقتة ومرحلية. غير أنهم يجتمعون على أنها تعود لأسباب منها اتساع هوة الخلافات بين آبي أحمد وحلفائه، والدعم الخارجي لا سيما من أسمرة.

تحالف غير متوقع

دخلت الأزمة الإثيوبية، الأحد، مرحلة جديدة مع إعلان سبع قوى مسلحة، بينها «جبهة تحرير شعب تيغراي» و«حركة فانو الوطنية في أمهرة» و«جيش تحرير أورومو»، تشكيل تحالف أطلق عليه «تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء»، معلناً هدفه إنهاء حكم رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية شاملة.

والمفارقة، بحسب حديث الخبير في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني لـ«الشرق الأوسط»، تتمثل في أن بعض هذه القوى كانت حتى وقت قريب تقاتل في معسكرات متعارضة. ويُعد تحول موقف فانو في أمهرة، بحسب كلني، «أحد أبرز مؤشرات تبدل خريطة التحالفات بين أصدقاء الأمس بعد دعمها الظهور الأول لإطار يجمع عدداً من أبرز القوى المسلحة المعارضة للحكومة».

وكانت فصائل «فانو» قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية ضد جبهة تيغراي خلال حرب 2020 - 2022، قبل أن تتحول إلى مواجهة الحكومة وسط تصاعد الخلافات بشأن أمن إقليم أمهرة وترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا، ولا سيما بعد قرار الحكومة عام 2023 حلّ القوات الخاصة التابعة للأقاليم ودمج أفرادها في الجيش والشرطة، وهي خطوة أثارت مخاوف واسعة في أمهرة من إضعاف قدرات الإقليم الأمنية. ومنذ 2023، يخوض مقاتلو «فانو» والقوات الفيدرالية مواجهات مسلحة في الإقليم.

وفي تيغراي، لم تُنهِ اتفاقية بريتوريا لعام 2022 جميع القضايا العالقة، خصوصاً المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها وترتيبات الأمن ومستقبل العلاقة بين الجبهة والحكومة الفيدرالية. ومع تجدد التوترات خلال 2026، تسارعت كرة اللهب وازداد خصوم آبي أحمد بهذا التحالف المسلح الذي انضمت له جبهة تيغراي.

أما في أوروميا، فقد استمر الصراع بين الحكومة وجيش تحرير أورومو، رغم أن الحركة كانت قد عادت إلى إثيوبيا بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة قبل أن تستأنف المواجهة المسلحة هي الأخرى.

وهذا التجمع الذي كان مستبعداً قبل سنوات في سيناريوهات آبي أحمد، بات واقعاً، لعدة أسباب وفق «كلني»، موضحاً أن اجتماع هذه القوى في تحالف واحد يعكس اتساع الفجوة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى الإقليمية المسلحة.

وما يجمع هذه القوى حالياً، وفق كلني، هو معارضة سياسات الحكومة المركزية، أكثر من تشاركهم في مشروع سياسي موحد.

وفي قراءاته للمشهد، يرى المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، أن التطورات التي دفعت تلك القوى إلى التقارب ومحاولة التنسيق ضد حكومة آبي أحمد يعود إلى تعقيدات إقليمية ودعم خارجي، متمثلاً في الموقف الإريتري وحالة العداء السياسي ومطالب الاستحقاقات الإقليمية والتاريخية التي ترى هذه القوى أن الحكومة الفيدرالية قد همشتها. وذلك رغم الخلافات التاريخية الحادة بين هذه المكونات نفسها، حيث كانت قوات «الفانو» مساندة للجيش الفيدرالي في حربه ضد تيغراي قبل عامين.

صراع يتصاعد

ميدانياً، غداة سيطرة جبهة تيغراي على مطارات شمال البلاد، أعلن الجيش الإثيوبي، في بيان الخميس، مقتل 272 متمرداً في معارك بشمال البلاد، بينما وصل آبي أحمد إلى الجارة جيبوتي للإعلان مشروع مشترك يهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية، دون تعليق مباشر على الأحداث المتسارعة.

وعقب التصعيد، أعرب السفير الأميركي لدى إثيوبيا إيرفين ج. ماسينغا، الأربعاء، عن خيبة أمله من قرار قيادة «جبهة تحرير شعب تيغراي» شن هجوم واسع النطاق، وقال: «أشعر بخيبة أمل إزاء قرار قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، التي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها في وقت سابق من هذا العام، شنّ هجوم واسع النطاق اليوم. إن رفض الحوار الذي يرعاه الاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس أوباسانجو، والانخراط في قتال لا يمكن الفوز به، لا يخدم الشعب في شيء. وسيكون من الحكمة أن تتجنب الجماعات المسلحة الأخرى هذا المسار».

والأربعاء، انتزع المتمرّدون في تيغراي، أبرز عناصر التحالف المسلح الجديد، السيطرة على مطار ميكيلي عاصمة الإقليم من الشرطة الاتحادية. وعلقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى الإقليم بسبب «الوضع الراهن» بحسب ما أفادت مصادر أمنية ومحلية لوكالتي «رويترز» و«الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

وعن مستقبل تلك الجبهة التي خسرها آبي أحمد وسط المواجهات الدائرة حالياً، يعتقد كلني أن التحالف تحول مهم في المعارضة المسلحة لأنه يجمع قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى ضمن إطار سياسي واحد، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذه القوى أصبحت جبهة متماسكة. وأوضح أن الخلافات حول الأرض والهوية وشكل الدولة وتوزيع السلطة لا تزال قائمة، ولا سيما بين أمهرة وتيغراي، كما أن لكل حركة أجندتها المحلية وتاريخها المختلف مع الحكومة ومع القوى الأخرى.

لكن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، والحرب في السودان، والتنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر كلها عوامل تجعل أي تصعيد داخل إثيوبيا ذا تداعيات تتجاوز حدودها، بحسب كلني، مؤكداً أن التحدي أمام حكومة آبي أحمد لا يتمثل فقط في مواجهة مجموعات مسلحة متفرقة، بل في احتمال تحول عدة صراعات محلية إلى إطار سياسي وعسكري مشترك.

غير أن زهدي زيدان يعتقد أن التحالف الحالي مرحلي ومؤقت «ستزداد فيه كلفة الخسائر البشرية وعدم تحقيق الاستقرار لحين انتهائه، في ظل عدم وجود أرضية سياسية أو عسكرية موحدة لبناء دولة»، لافتاً إلى رفض تكتلات رئيسية في العفر والبني شنقول الانضمام لهم بخلاف رفض الشارع الإثيوبي لهذا التحالف المسلح وإدراك أن هناك مخططات خارجية تحركه.


مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

أعلنت مصادر أمنية في نيجيريا، الخميس، مقتل خمسة أشخاص على الأقل في هجوم شنته عناصر إرهابية، ضد قرية «وومبي» الواقعة في ولاية «بورنو»، أقصى شمال شرقي نيجيريا.

وقالت المصادر إن الهجوم شنته عناصر يعتقدُ أنها من «تنظيم داعش في غرب أفريقيا»، وقتل خلاله قائد في لجان الحراسة الأهلية وأربعة مدنيين، حسب ما أكد مسؤول العلاقات العامة بشرطة ولاية بورنو، مساعد مفتش كينيث داسو.

وأضاف دوسو في تصريح الخميس، أنه سيتم تقديم المزيد من التفاصيل حول الهجوم فور توفرها، في حين أكدت مصادر محلية أن الهجوم وقع الاثنين الماضي «لكن المعلومات المتعلقة به تأخرت بسبب انعدام خدمات الاتصالات في المنطقة».

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

وأضاف مصدر محلي أن «المهاجمين دخلوا القرية بأعداد كبيرة مدججين بالبنادق والعبوات الناسفة وأسلحة أخرى، مما أجبر العديد من المزارعين على الفرار»، وأوضح المصدر أن قائد الحراسة الأهلية تخلف عن الركب، ليقوم المهاجمون بعد ذلك بمحاصرته وقتله، ويُزعم أنهم زرعوا عبوة ناسفة في رفاته قبل فرارهم من مكان الحادث. وفي وقت لاحق، تحرك عناصر من قوة المهام المشتركة المدنية وحراس أهليون ومدنيون لانتشال الجثة، إلا أن العبوة انفجرت، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص آخرين وإصابة العشرات.

وأصبحت قرية «وومبي»، التي تقع في منطقة زراعية، بالقرب من الحدود الكاميرونية، شبه مهجورة بسبب انعدام الأمن، حيث تؤكد تقارير محلية أن بعض السكان نزحوا عبر الحدود، قبل أن يعودوا لممارسة الزراعة تحت حماية عناصر الأمن ولجان الحراسة الأهلية.

على صعيد آخر، أعلن الجيش النيجيري اعتقال أربعة عناصر إرهابية من حركة «بوكو حرام»، في حين استسلم 11 آخرون، خلال عمليات منفصلة في ولاية «يوبي»، أقصى شرق البلاد.

وقال الجيش إنه ألقى القبض على أربعة من عناصر التنظيم الإرهابي، بعد أن أحبطت القوات كميناً ليلياً نصبه إرهابيون في قرية «أزاري» بمنطقة «غوجبا»، وفق ما أعلن القائم بأعمال ضابط الإعلام لعملية «هادين كاي» العسكرية، النقيب محمد غوني، في بيان (الأربعاء).

عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

وقال الضابط إن «عملية عسكرية نُفذت نحو الساعة 11 مساءً يوم 21 سبتمبر (أيلول)، عقب اشتباك بين قوات الجيش والإرهابيين»، وأضاف غوني: «خلال عمليات التمشيط اللاحقة للمنطقة، اعتقلت القوات أربعة إرهابيين. وتشير آثار الدماء التي لوحظت في المنطقة بصفة عامة إلى احتمالية وقوع إصابات بين العناصر الإرهابية الفارة».

ووفقاً له، صادرت القوات أربع دراجات نارية، وكمية كبيرة من المواد الغذائية، وخروفاً واحداً، بالإضافة إلى أغلفة ذخيرة فارغة من عيار 7.62 ملم الخاص خلال العملية. وأوضح أن المشتبه بهم والمضبوطات يخضعون حالياً للاحتجاز العسكري لإجراء مزيد من التحقيقات، في حين تتواصل عمليات تمشيط المنطقة.

وكشف غوني أيضاً أن 11 إرهابياً سلموا أنفسهم للقوات دون أن يقدم تفاصيل حول الظروف المحيطة بعملية الاستسلام. وتتسع دائرة العنف في نيجيريا، حيث يخوض الجيش منذ 2009 حرباً شرسة ضد جماعة (بوكو حرام) وتنظيم (داعش في غرب أفريقيا)، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين من مساكنهم، خصوصاً في مناطق من الشمال الشرقي للبلد الذي يعدّ أحد أكبر اقتصادات أفريقيا، والبلد الأفريقي الأكبر من حيث تعداد السكان؛ بأكثر من 240 مليون نسمة.