إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

أحزاب «الموالاة» ندّدت بـ«تقويض الاستقرار»... والمعارضة تحمّل السلطة والبرلمان مسؤولية موجة غلاء جامحة

شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)
شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)
TT

إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)
شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)

تفاقم التوتر بين الحكومة وناقلي المسافرين والبضائع في الجزائر، على خلفية الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود واعتماد قانون جديد للنقل، ينصّ على عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية مشددة بحق السائقين.

وفي موازاة ذلك، اتسع الخلاف داخل المشهد السياسي بين أحزاب «الموالاة» التي تتهم المحتجين بـ«محاولة زعزعة الاستقرار»، وقوى المعارضة التي ترى أن الحكومة «تنتهج سياسات ضاغطة تثقل كاهل الفئات الهشة».

ويواجه الجزائريون، منذ الأحد، صعوبات بالغة في التنقل إثر دخول ناقلي المسافرين والبضائع في إضراب عام عرف استجابة واسعة بمختلف الولايات... وتعطلت مع الساعات الأولى للصباح مصالح الملايين الذين وجدوا أنفسهم أمام أزمة نقل خانقة وغير مسبوقة.

زيادة أسعار الوقود زادت في نقمة المحتجين (نقابات قطاع النقل)

ودفع الموظفون وطلاب الجامعات الفاتورة الكبرى لهذا الاحتجاج؛ إذ استحال على السواد الأعظم منهم الالتحاق بمكاتبهم أو مدرجاتهم الجامعية. وقد تسبب «احتجاب» الحافلات وتقلص حضور سيارات الأجرة الجماعية، في تجميد حركة السير، لا سيما في الحواضر الكبرى التي تعتمد بشكل حيوي على النقل الخاص.

وفيما يخص قطاع الحافلات، فقد اتسم الانضباط بقرار الإضراب بالشمولية، وبقيت الغالبية العظمى من الحافلات الخاصة رابضة في محطاتها في مختلف مناطق البلاد، مما وضع الركاب في مأزق حقيقي، واضطر الكثير منهم إلى قطع كيلومترات سيراً على الأقدام أو إلغاء التزاماتهم اليومية قسراً.

تفاعل واسع مع الإضراب

وأشارت معطيات ميدانية إلى أن معدل الاستجابة للإضراب وسط الناقلين في قطاع النقل الخاص تخطى عتبة 90 في المائة في ولايات محورية مثل الجزائر العاصمة وسطيف وبجاية وتيزي وزو بشرق العاصمة. أما الخطوط الرابطة بين الولايات، فقد عرفت توقفاً شبه كلي للحركة في مشهد عكس حجم الاحتقان السائد بالقطاع.

واللافت أن هذه المعطيات نُشرت بحسابات المحتجين على وسائط الإعلام الاجتماعي، في ظل تعتيم وسائل الإعلام على الإضراب بما يتماشى مع وقوف الحكومة ضده.

ولم يقتصر الاضطراب على الرحلات الطويلة، بل طال بقوة شبكات النقل الحضري وبين البلديات. وفي ظل هذا المشهد شديد التوتر، انفردت حافلات المؤسسات العمومية بالخدمة في الشوارع، محاولةً تأمين الحد الأدنى من التنقلات الضرورية في حدود إمكاناتها المتاحة.

جانب من التحرك الاحتجاجي لأصحاب الحافلات (نقابات قطاع النقل)

من جهتهم، أبدى المضربون تمسكاً صارماً بموقفهم من خلال عشرات الفيديوهات التي نشروها في الإعلام الاجتماعي، مشددين على استمرار التصعيد حتى نيل حقوقهم. ويأتي على رأس لائحة المطالب، الإلغاء الفوري وغير المشروط لمشروع تعديل قانون المرور، الذي حظي بموافقة الغرفة البرلمانية السفلى في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم.

ويرى المهنيون أن التعديلات المقترحة «تحمل طابعاً زجرياً مفرطاً من خلال تشديد العقوبات الجنائية والمالية»، وهي إجراءات يصفها الناقلون بالتعسفية والبعيدة عن واقع الممارسة المهنية وتحديات الطريق اليومية.

وإلى جانب المطلب التشريعي، يصر الناقلون على رفع تسعيرة النقل على أساس أنها مجمدة منذ عام 2018، مؤكدين أن هذا المطلب لم يعد قابلاً للتأجيل في ظل الارتفاع الأخير لأسعار المحروقات، والذي دخل التنفيذ في 1 يناير (كانون الثاني) 2026 من دون إعلان رسمي. كما طالبوا بإنهاء أزمة ندرة قطع الغيار، التي تحولت إلى معضلة بنيوية تهدد استقرار نشاطهم المهني.

5 آلاف ضحية سنوياً

وفي سياق التفاعل مع الاحتجاجات على «تعديلات مطلع العام»، قال حزب «جبهة التحرير الوطني» المؤيد لسياسات السلطة التنفيذية، في بيان، إنه «يحذّر» من «الانسياق وراء الإشاعات المغرضة»، داعياً إلى «التريث قبل اتخاذ أي خطوات غير محسوبة قد تضر بالمصلحة العامة».

وأكد الحزب، الذي يرأسه عبد الكريم بن مبارك، أن «الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي مسؤولية جماعية»، معبّراً عن «قلقه من محاولات المس بالاستقرار الذي تشهده الجزائر، والذي يُعد ثمرة إنجازات ومكاسب تحققت في مختلف القطاعات، بما فيها قطاع النقل والمواصلات».

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

وقدّر الحزب الذي يحتل الصدارة في البرلمان والمجالس البلدية، أن رفع أسعار المنتجات النفطية «تدبير يندرج في إطار إصلاحات تهدف أساساً إلى خدمة المواطن وتحسين عيشه وتوفير شروط الحياة الكريمة»، مشيراً إلى أن قانون المرور الجديد «يرمي إلى الوقاية من إرهاب الطرقات وليس معاقبة المواطن». ولفت إلى أن حوادث المرور تحصد سنوياً أكثر من 5 آلاف ضحية، وهو «ما يستدعي تشديد آليات الوقاية والردع، فالسلامة في الطرقات مسؤولية جماعية تتحقق بتكامل التشريع والرقابة الميدانية والتوعية المستمرة وتعزيز الوعي المجتمعي».

من جهتها، عبّرت «جبهة المستقبل»، التي تنتمي للغالبية الرئاسية، في بيان وقّعه رئيسها فاتح بوطبيق، عن «أسفها لحملات التهويل التي رافقت الحديث عن الزيادات الطفيفة في أسعار البنزين، والتي تتراوح بين 1.40 دينار و3 دنانير فقط»، وهي زيادات لا تعكس، حسب بوطبيق، السعر الحقيقي للوقود، مشيراً إلى أن الجزائر «لا تزال من بين الدول التي تبيع الوقود لمواطنيها بأدنى سعر مقارنة بباقي الدول الأخرى، وهذا بفضل الدعم الكبير للأسعار الذي تتحمله الدولة اليوم؛ إذ تغطي فارقاً معتبراً بين السعر الحقيقي وسعر البيع للمواطن».

جانب من التحرك الاحتجاجي (نقابات قطاع النقل)

أما حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، الذي يمثل المعارضة الراديكالية، فذكر في بيان لرئيسه عثمان معزوز أن الحكومة وأعضاء البرلمان «يتحمّلون بشكل كامل تداعيات دوامة التضخم التي ستتسبب فيها الزيادات الأخيرة في الأسعار».

ولفت الحزب إلى «مناخ من الذهول يسود البلاد بسبب هذه الزيادات الفجائية والأحادية وغير المعلنة... فمنذ أول يناير تم رفع أسعار الوقود بمختلف أنواعه، بالتوازي مع سلسلة زيادات ورسوم جديدة، لا سيما تلك المتعلقة بالتنقل براً إلى تونس والسكن والمحلات التجارية، والتي تُقتطع مباشرة من فواتير الكهرباء».


مقالات ذات صلة

الجزائري بقرار: رونالدو مثلي الأعلى... وهدفي التتويج بكل البطولات مع الأهلي المصري

رياضة عربية الجزائري منصف بقرار مهاجم الأهلي المصري (النادي الأهلي)

الجزائري بقرار: رونالدو مثلي الأعلى... وهدفي التتويج بكل البطولات مع الأهلي المصري

أعرب الجزائري منصف بقرار، مهاجم الأهلي المصري، عن سعادته بالانضمام إلى الفريق، مؤكدا أن طموحه يتمثل في التتويج بالألقاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)

حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

وقع حادث مروري جديد بالجزائر، الأحد، حين انقلبت حافلة ركاب مما أودى بحياة 6 أشخاص وتسبب في إصابة 31 آخرين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)
TT

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)

قدمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل) الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، لأعضاء مجلس الأمن في نيويورك، اليوم (الثلاثاء)، صورة مليئة بالتناقضات الصارخة في بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لكن مئات الآلاف من سكانه أمضوا نحو شهر ونصف الشهر بلا كهرباء ولا ماء خلال الأسابيع الأخيرة.

إخفاقات جوهرية

أكدت تيتيه خلال إحاطتها الدورية أن دفع العملية السياسية «لا يزال أمراً بالغ الأهمية» لبلد يواجه إخفاقات جوهرية في الحوكمة، تتجلى في التشرذم المؤسسي، وتحويل الموارد العامة ونقص الاستثمار. مبرزةً أن انقطاعات التيار الكهربائي خلال الأيام الأخيرة «لم تكن مجرد عطل فني عابر»، بل كشفت عن «أزمة أعمق».

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

كما أوضحت تيتيه أن تقارير المؤسسة الوطنية للنفط تشير إلى إنفاق نحو مليار دولار أميركي شهرياً على واردات الوقود، ومع ذلك تظل الشبكات الكهربائية عرضة للانقطاع بسبب نقص الوقود، في مفارقة وصفتها بأنها دليل على تحويل كميات كبيرة من الوقود المدعوم بعيداً عن مسارها الصحيح نحو قطاعي الكهرباء والأمن.

وعلى المسار السياسي، أوضحت تيتيه أن خريطة الطريق، التي تيسّرها «أنسميل»، تمضي عبر ثلاثة محاور متكاملة: مسار نحو انتخابات رئاسية وتشريعية، وحوار وطني منظم، وحكومة موحدة تُعيد توحيد المؤسسات التنفيذية، مبرزةً أن اللجنة المصغرة، المعروفة بـ«لجنة 4 + 4»، عقدت منذ اجتماعها الافتتاحي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، سبعة اجتماعات، وباتت «على وشك الانتهاء» من معالجة أكثر القضايا إثارةً للجدل، على أن يُعقد اجتماعها المقبل في 20 أغسطس (آب) الجاري. مشيرةً في هذا السياق إلى حوار منظم دام ستة أشهر كاملة، وخرج بتوصيات تمس الحوكمة والاقتصاد والأمن، والمصالحة وحقوق الإنسان.

وضع اقتصادي وأمني معقد

على الصعيد المالي، تحدثت تيتيه عن مؤشرات توتر متصاعدة، حيث بدأ المصرف المركزي في يونيو (حزيران) الماضي تطبيق زيادات في رواتب العسكريين وأفراد الأمن شرقي البلاد، استجابةً لطلب تقدم به الجيش الوطني الليبي في ديسمبر (كانون الأول) 2025، فيما وردت أنباء عن طلب مماثل من الغرب.

تيتيه تطرقت إلى الاشتباكات الدامية بين جهات مسلحة متورطة في تجارة المخدرات والاتجار بالبشر (أ.ف.ب)

وفي 9 أغسطس (آب) الماضي، قدّم محافظ المصرف المركزي خطاباً يطلب فيه إعفاءه من منصبه، وهي خطوة عدّتها تيتيه مؤشراً على «تصاعد الضغوط التي كان يُفترض ببرنامج التنمية الموحد أن يخفف منها».

كما تطرقت المبعوثة الأممية إلى الوضع على الأرض، حيث «المشهد الأمني لا يقل توتراً. ففي 3 أغسطس (آب)، وقعت اشتباكات دامية بين جهات مسلحة متورطة في تجارة المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الوقود، في مناطق سكنية بالزاوية وصرمان، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين. وقالت إن «الأمر زاد تعقيداً»، بعد استهداف مصفاة الزاوية النفطية بطائرات مسيّرة، مما دفع المؤسسة الوطنية للنفط لإعلان حالة الطوارئ، والمطالبة بتحقيقات عاجلة في الهجمات.

في سياق ذلك، أشارت تيتيه إلى اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، اللواء فوزي منصوري، أخيراً بتفجير سيارة مفخخة في بنغازي، مما أضاف اسماً آخر إلى سجل العنف الموجّه الذي يلاحق البلاد.

بصيص أمل

مع ذلك، أكدت تيتيه أنه «وسط هذا الركام من الأزمات، برز بصيص أمل» في سرت، حيث التقى رئيسا الأركان من الشرق والغرب، خالد حفتر وصلاح الدين النمروش، بحضور اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5» واللجنة العسكرية «3 + 3»، حيث اتفق الطرفان من حيث المبدأ على إنشاء قوة حدودية مشتركة، وتنفيذ مناورات مشتركة، وتنسيق دوري، وتدريب موحد، وهي خطوات وصفتها بأنها تثبت أن بناء الثقة على أرض الواقع «لا يزال ممكناً».

تيتيه أشارت في مداخلتها إلى استهداف المنشآت الحيوية الليبية بالمسيّرات (أ.ف.ب)

غير أن هذا التفاؤل الحذر اصطدم بواقع آخر؛ ففي نهاية الشهر الماضي، أصدر المجلس الرئاسي قرارات بإقالة مدير جهاز المخابرات العامة وتعيين خلف له، وهو قرار طعن فيه فوراً أحد نواب رئيس المجلس، كاشفاً عن استمرار التشرذم حتى داخل أعلى مؤسسات الدولة الأمنية.

وأقرت تيتيه بأن خريطة الطريق «قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً في البداية»، مؤكدةً أن ذلك لا يمثل تخلياً عن الهدف، بل «تكيفاً ضرورياً مع تعقيدات واقع سياسي، لا يزال يبحث عن توازنه».


الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

قُتل أكثر من 12 شخصاً وأصيب آخرون في شمال كردفان، فيما شنت مقاتلات حربية ومسيرات، تابعة للجيش السوداني، غارات على تجمعات لـ«قوات الدعم السريع» في الولاية، في الوقت الذي وصلت فيه مئات الأسر الفارة من مناطق القتال إلى مدينة الأبيض، مع استمرار الحشود العسكرية على جبهات كردفان والنيل الأزرق، والذي ينذر بتجدد المواجهات البرية المباشرة.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، نقلاً عن سلطات محلية، إن أكثر من 12 مدنياً قتلوا وأصيب آخرون، في الاشتباكات التي شهدتها منطقة «أم عردة»، جنوب غربي الأبيض، وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بنزوح أكثر من 4200 شخص من البلدة والمناطق المحيطة بها خلال يومي الجمعة والسبت الماضيين.

غارات للجيش

وفي تطور ميداني متصل، أفاد شهود بأن مقاتلات حربية ومسيرات تابعة للجيش شنت غارات على تجمعات لـ«الدعم السريع» في شمال كردفان والنيل الأزرق، في وقت خفت فيه حدة الاشتباكات البرية المباشرة بين الطرفين، وظلت العمليات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة حاضرة باستمرار في مسرح العمليات. وبينما تسعى قوات الجيش والقوات المتحالفة معه لتوسيع نطاق سيطرتها في شمال كردفان وتأمين محيط مدينة الأبيض، تتمركز حشود من «قوات الدعم السريع» في مناطق إلى الغرب والجنوب من المدينة، ما يبقي خطوط التماس مفتوحة أمام جولة جديدة من المواجهات، وتأتي الغارات الجوية للحد من تأثير هذه الحشود.

قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأدى استمرار التوتر العسكري إلى تفاقم حركة النزوح، وأفادت تقارير صحافية بأن نحو 500 أسرة فرت من منطقتي «أم عردة، وجبل الهشابة» سيراً على الأقدام إلى مدينة الأبيض، في أحدث موجات النزوح باتجاه عاصمة شمال كردفان. وصلت هذه الأسر للمدينة التي تواجه ضغوطاً متزايدة جراء تدفق النازحين من مناطق القتال المحيطة، وهو ما كانت «أوتشا» قد حذرت منه، بأن تصاعد العنف في شمال كردفان سيدفع حتماً بأعداد متزايدة من السكان للبحث عن الأمان في المدينة، ما يزيد الضغط على الخدمات ومواقع استضافة النازحين.

وتسبب تدهور الوضع الأمني في تعطيل بعض الأنشطة الإنسانية، وقالت «أوتشا» إن الشركاء الإنسانيين اضطروا إلى تعليق أنشطة وخدمات صحية، منذ أكثر من أسبوعين في منطقة المزروب، التي تشهد تفشياً للكوليرا، وحذرت من تداعيات استمرار العنف على المدنيين، وإمكانية وصول المساعدات إلى المحتاجين.

توتر في النيل الأزرق

وبالتوازي مع تطورات كردفان، ظل محور القتال في ولاية النيل الأزرق يشهد توتراً عسكرياً مضطرداً، إثر تجدد القتال في قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما، وسط تحركات وحشود للقوات المتحاربة واستعدادات لمعارك جديدة.

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة، وفقاً لـ«أوتشا»، بأن نحو 5400 شخص نزحوا خلال الأيام الأخيرة جراء التطورات العسكرية في النيل الأزرق، فيما حذرت الأمم المتحدة من استمرار تعرض المدنيين لمخاطر القتال، وطالبت أطراف النزاع بحمايتهم والمنشآت المدنية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

ويأتي النزوح الأخير امتداداً لموجات بدأت مع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، حيث أدى القتال في قيسان ومحيطها إلى حركة فرار للسكان، في ظل مخاوف من اتساع نطاق المواجهات إلى مناطق أخرى على امتداد الجبهة. وكانت «أوتشا» قد أفادت في تحديث سابق بأن نحو 2500 شخص نزحوا جراء القتال في قيسان، قبل أن يرتفع عدد النازحين مع تجدد المواجهات واتساع المناطق المتأثرة، وفق أحدث تقديرات المنظمة الدولية للهجرة.

وتثير التطورات مخاوف من تفاقم الوضع الإنساني في المناطق المتأثرة، فيما جددت الأمم المتحدة دعوتها أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة ومن دون عوائق.

وتشكل ولايتا شمال كردفان والنيل الأزرق حالياً اثنتين من أبرز محاور القتال النشطة، بعدما انتقلت العمليات العسكرية خلال الأشهر الماضية إلى مناطق جديدة، فيما تحاول الأطراف المتحاربة تعزيز مواقعها وحشد قواتها على خطوط التماس.

ورغم تراجع حدة الاشتباكات البرية المباشرة خلال الساعات الأخيرة، فإن استمرار الغارات الجوية وهجمات المسيرات والتحركات العسكرية على الأرض، يبقي الجبهتين أمام احتمال تجدد القتال على نطاق واسع، في وقت تتزايد فيه التداعيات الإنسانية مع اتساع حركة النزوح من المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

 

 

 


مصر وعُمان تشددان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في «هرمز»

محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وعُمان تشددان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في «هرمز»

محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)

تشدِّد مصر وعُمان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في مضيق «هرمز». وأكد البلدان ضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، وذلك في إطار التشاور والتنسيق المستمرَين بين البلدين الشقيقين بشأن العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء، أشاد الوزيران بعمق وخصوصية العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع مصر وسلطنة عُمان، وما تشهده من زخم متنامٍ في ظلِّ العلاقات الأخوية المتميِّزة التي تجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي والسلطان هيثم بن طارق. وأكدا الحرص المشترك على مواصلة تعزيز أطر التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يحقِّق مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.

كما تطرَّق الاتصال الهاتفي بشكل مفصل إلى التطورات الجارية في المنطقة، خصوصاً الإعلان الإيراني - العُماني المشترك المرتقب بشأن إعادة فتح مضيق «هرمز» والجهود العُمانية المبذولة في هذا الصدد. وشدَّدا على أهمية ضمان أمن وسلامة وحرية الملاحة في المضيق، بما يسهم في خفض حدة التوتر وتهيئة الأجواء للعودة إلى مائدة المفاوضات في إطار مذكرة التفاهم، وصولاً إلى اتفاق شامل ومستدام يعالج مختلف الشواغل، ويعزِّز الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وناقش الوزيران الأهمية البالغة لبقاء مضيق «هرمز» مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية. وأشارا إلى أنَّ استمرار الوضع الراهن لا تقتصر تداعياته على دول المنطقة فحسب، وإنما يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، وضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد وضمان حرية الملاحة وتجنُّب أي خطوات من شأنها زيادة حدة التوتر في المنطقة.

زيارة الرئيس المصري سلطنة عمان في مايو الماضي ولقاء السلطان هيثم بن طارق (الرئاسة المصرية)

واتفق عبد العاطي ونظيره العُماني، الثلاثاء، على مواصلة التشاور والتنسيق الوثيق خلال الفترة المقبلة إزاء التطورات الإقليمية، ودعم الجهود كافة الرامية إلى خفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

وفي مايو (أيار) الماضي، شدَّد الرئيس السيسي خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر الإقليمي.

وثمَّن السيسي حينها خلال الاتصال الذي نوقشت خلاله أوضاع المنطقة، الدور البنَّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، مستعرضاً الجهود المصرية المبذولة لتحقيق الهدف نفسه. وأكد أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتجنُّب التصعيد، والعمل على تسوية الأزمة الراهنة عبر الوسائل السلمية، وفقاً لبيان الرئاسة المصرية.

كما زار الرئيس المصري في مايو الماضي سلطنة عُمان، في جولة عدَّها مراقبون تأكيداً على تضامن مصر مع دول الخليج، ودعماً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد، وإنهاء الحرب الإيرانية.

وشدَّد حينها الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق على «أهمية دعم الجهود الرامية لتسوية الأزمة الراهنة بالمنطقة عبر المفاوضات، واحتواء التوتر وعدم التصعيد لتجنيب المنطقة المزيد من عدم الاستقرار، فضلاً عن التداعيات الوخيمة التي سوف تطول الجميع».