ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

«الوحدة» تتحدث عن تحسن أمني وتطور في البنية التحتية

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
TT

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)

تراهن السلطات في غرب ليبيا على تعافي القطاع السياحي، مستندة إلى ما تصفه بتحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية وتطور في البنية التحتية، غير أن هذا الرهان لا يزال يصطدم بانقسام سياسي ومؤسسي، إلى جانب شكاوى كثيرة بشأن هشاشة أوضاع المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية.

ويبدي نصر الدين الفزاني، وزير السياحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة، تفاؤلاً بانتعاشة سياحية في البلاد، متحدثاً عن تحسن أمني منذ عام 2021، وتطوير الطرق والجسور والتوسع في المطارات، إلى جانب نمو الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية في عدد من المدن الليبية، بما أسهم في تنشيط الحركة السياحية، وفق تصريحات محلية أدلى بها مؤخراً.

الدبيبة خلال افتتاح المتحف الوطني في طرابلس ديسمبر الماضي (حكومة الوحدة)

لكن هذا التفاؤل يواجه، حسب متابعين للشأن الليبي، تحديات متراكمة، أبرزها الانقسام المؤسسي بين حكومتين ووزارتين للسياحة، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الفزاني، والأخرى في شرقها برئاسة علي قلمة.

* غياب استراتيجية حكومية موحدة

ترى عضوة المؤتمر الوطني السابق نادية الراشد أن الحديث عن انتعاش القطاع السياحي في ليبيا لا يزال يقتصر على «مؤشرات تعافٍ جزئي ومحلي، وليس الازدهار السياحي المستقر والشامل على مستوى البلاد»، عادّةً أن أي تحسن يظل هشاً في ظل الأوضاع الراهنة.

وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب استراتيجية حكومية موحدة ومتكاملة في دولة تعاني الانقسام السياسي والمؤسسي، يجعل من الصعب تحقيق نهضة سياحية حقيقية ومستدامة»، مشيرة إلى أن «تعدد السلطات يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف ثقة المستثمرين والسياح، فضلاً عن تأثيره السلبي على حماية المواقع الأثرية، وتطوير الخدمات والبنية السياحية».

واستقبلت ليبيا خلال الربع الأول من العام الحالي سياحاً من أكثر من 52 جنسية، حسب الوزير الليبي، الذي قال إن معدلات نمو الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين 50 و52 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأكد أن ليبيا تمتلك مقومات متنوعة تشمل السياحة الشاطئية والثقافية والصحراوية، فضلاً عن شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.

تماثيل وتحف أثرية بمتحف شحات (وكالة الأنباء الليبية)

غير أن الأرقام الحكومية تشير أيضاً إلى أن عدد السياح الوافدين إلى ليبيا من مختلف دول العالم بلغ 1257 سائحاً، بارتفاع نسبته 60 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، وفق «مركز التوثيق والمعلومات السياحي» (حكومي).

* ضعف الحماية ونقص التجهيزات

يتقاطع الطموح الليبي بإنعاش القطاع السياحي مع شكاوى كثيرة بشأن أوضاع مواقع أثرية في شرق البلاد وغربها، تتعلق بضعف الحماية ونقص التجهيزات، رغم ما تمثله من قيمة تاريخية عالمية، علماً بأن حكومة «الوحدة» افتتحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي متحفاً وطنياً جديداً في العاصمة طرابلس.

ويبرز مثال مدينتي شحات وغدامس بوصفهما من أبرز المدن الأثرية في ليبيا والعالم العربي، لما تضمانه من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين. فمدينة شحات، المعروفة تاريخياً باسم «قورينا»، كانت إحدى أهم مدن الحضارة الإغريقية والرومانية في شمال أفريقيا، وتضم معابد ومسارح ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

واجهة معبد زيوس قرب مدينة شحات (أ.ف.ب)

غير أن المطالب لا تنقطع منذ عقود بإقامة متحف يليق بآلاف القطع الأثرية النادرة في شحات، التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، والمحفوظة داخل مبنى ومخازن بدائية، تعود إلى الحقبة الإيطالية، وتفتقر إلى أبسط معايير الحماية، وفق ما قال عادل بوفجرة، مراقب آثار شحات.

وقال بوفجرة لـ«الشرق الأوسط»: «تفتقر صالة العرض والمخازن التي تضم تلك الآثار إلى أنظمة لمواجهة الحرائق أو الفيضانات، ما يجعل القطع الأثرية عُرضة للتآكل بفعل الرطوبة والحشرات والتقلبات الجوية». مشيراً إلى «أهمية توفير بوابات إلكترونية وأنظمة مراقبة حديثة لحماية هذه الآثار، خصوصاً في ظل القيمة التاريخية الكبيرة للمقتنيات الموجودة بالموقع».

قطعة أثرية من الموزاييك في الموقع الأثري سيرين قرب شحات (أ.ف.ب)

وذهب بوفجرة إلى أن إنشاء متحف أثري حديث لم يعد مطلباً ثقافياً فحسب، بل «ضرورة وجودية» لحماية إرث تاريخي، يمكن أن يسهم في دعم التنمية المستدامة، وتنشيط السياحة الثقافية بالمنطقة، داعياً الدولة إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه آثار شحات وصونها للأجيال المقبلة.

أما غدامس، الملقبة بـ«لؤلؤة الصحراء»، التي تشتهر بعمارتها الصحراوية التقليدية وواحاتها التاريخية، فما تزال تحاول التعافي من خروجها من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر العام الماضي، وذلك بعد ستة أعوام من إدراجها، فيما تستمر الشكاوى من نقص البنية الأساسية، مقابل وعود حكومية بالتطوير.

* تحديات بالجملة

ينقل رئيس «جهاز تطوير غدامس»، عبد السلام هيبة، لـ«الشرق الأوسط» جانباً من هذه التحديات، قائلاً إن «متحف غدامس الأثري، المقام داخل قلعة قديمة، يحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير للحفاظ على مقتنياته التاريخية». موضحاً أن مشروع تطوير المتحف أُدرج ضمن خطط الجهاز لعام 2026، في حال توفر التمويل اللازم، ومشيراً إلى أن «البدء في هذا المشروع أصبح ضرورة ملحة تخدم أيضاً أهداف التنمية المستدامة في البلاد».

يُشار إلى أن جذور المتحف تعود إلى عام 1928 إبان الوجود الإيطالي، بينما يرجع مبناه الحالي إلى العهد العثماني قبل إعادة تصميمه لاحقاً على هيئة قلعة، ويضم نحو 365 قطعة أثرية، بينها أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة ومحنطات لحيوانات وطيور.

وفي بنغازي كذلك، تقول مراقبة الآثار إن المدينة تفتقر إلى متحف وطني حديث، يحتضن موروثها التاريخي، عادّةً أن إنشاء صرح ثقافي متخصص أصبح «ضرورة ملحة» لحفظ القطع الأثرية وإتاحتها للباحثين والزوار.

في المقابل، أقرّ وزير السياحة بحكومة «الوحدة» بوجود تراجع في مستوى التنسيق مع مصلحة الآثار، منذ فصلها عن الوزارة عام 2013 وإلحاقها بمجلس الوزراء، موضحاً أن وزارته لم تعد تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، ما أدى إلى تعطّل بعض ملفات تطوير المواقع التاريخية، في حين تقتصر مهامها على الترويج السياحي، بينما تتولى مصلحة الآثار أعمال الترميم والصيانة.

أعمدة أثرية بضواحي مدينة سوسة (أ.ف.ب)

غير أن نادية الراشد لا ترى حلاً شاملاً سوى «توحيد البلاد تحت حكومة واحدة ومؤسسات موحدة، وإطلاق إصلاح إداري شامل، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لوضع استراتيجية تنمية مستدامة حقيقية»، عادّةً أن الوضع القائم «يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف فاعلية السياسات العامة».

وانتهت إلى التأكيد على أن «توحيد القرار السيادي والمؤسساتي هو المدخل الضروري لإنقاذ القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها السياحة والآثار، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية وتنموية مستدامة».


مقالات ذات صلة

المبادرة الأميركية لحل الأزمة الليبية أمام اختبار توحيد الجيش

شمال افريقيا صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)

المبادرة الأميركية لحل الأزمة الليبية أمام اختبار توحيد الجيش

تتجه الأنظار في ليبيا إلى الملف الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة، وهو توحيد المؤسسة العسكرية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق صور خلال اجتماع مع قيادات أمنية وتنفيذية لبحث مشكلة المبيدات المسرطنة في طرابلس الثلاثاء (مكتب النائب العام)

«مبيدات مسرطنة» تهدد الأمن الغذائي لليبيين

استفاق الليبيون على واحدة من أخطر الصدمات المرتبطة بالأمن الغذائي بعدما أعلن أن 65 % من عينات المحاصيل الزراعية المتداولة ثبت احتواؤها على مواد مسرطنة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مع مليقطة داخل مقر وزارة الدفاع الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: «تعيينات المخابرات» تشعل صراع الصلاحيات بين الكوني والدبيبة

تحول ملف رئاسة جهاز المخابرات الليبية إلى ساحة جديدة للصراع بين مؤسسات السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)
خاص ترمب ومسعد بولس في نوفمبر 2024 (رويترز)

خاص تحذير أميركي لـ«إخوان» السودان من التعاون مع «الحرس» الإيراني

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استراتيجية شاملة لأفريقيا، ووجهت تحذيراً شديداً لـ«الإخوان المسلمين» في السودان لتعاونهم مع «الحرس الثوري» الإيراني.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)

دعوة أممية لإصلاح قطاع النفط الليبي وتعزيز الشفافية

في مواجهة استمرار «شبكات تهريب الوقود المدعوم» في ليبيا، دعت البعثة الأممية إلى إصلاح قطاع النفط وتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية.

علاء حموده (القاهرة)

«الصحة العالمية»: 120 حالة وفاة في أحدث تفشٍ للكوليرا بالسودان

أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)
أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)
TT

«الصحة العالمية»: 120 حالة وفاة في أحدث تفشٍ للكوليرا بالسودان

أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)
أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)

أفادت «منظمة الصحة العالمية»، اليوم الأربعاء، بأن التفشي الأحدث للكوليرا في السودان أسفر عن وفاة 120 شخصاً، فضلاً عن تسجيل 1102 حالة إصابة مشتبه بها، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد أدت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» إلى تدهور كبير في القطاع الصحي في البلاد.

والموجة الحالية من الكوليرا، وهي الثالثة خلال ثلاث سنوات، بدأت بعد شهرين فقط من إعلان انتهاء التفشي السابق في مارس (آذار).

وبحسب الأرقام الحكومية، أُصيب أكثر من 124 ألفاً و400 شخص بالكوليرا، وتوفي 3500 خلال الموجة الأخيرة بين يوليو (تموز) 2024 ومارس 2026.

وقال رئيس «منظمة الصحة العالمية» في السودان شبل صهباني إن مرض الكوليرا، الذي ينتشر في شمال شرقي أفريقيا، كان في السابق يأتي في دورات كل ثلاث سنوات، لكن البلاد تواجه حالياً تفشياً شبه مستمر «بسبب الصراع، والقيود على الوصول إلى أماكن معينة، والنقص في الإمدادات».

ومن المتوقع أن تتفاقم الحالات مع اقتراب موسم الأمطار، في وقت يفتقر فيه الملايين إلى المياه النظيفة، ويزيد هطول الأمطار من صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.

وأعلنت الحكومة السودانية هذا الأسبوع تفشي المرض في ولاية غرب كردفان، المنطقة التي تشكل خط تماس بين مناطق سيطرة الجيش و«قوات الدعم السريع».

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن التفشي يبدو آخذاً في الانتشار، بعد تسجيل نحو 300 حالة مشتبه بها، وثلاث وفيات في ولاية شمال كردفان المجاورة، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن «قوات الدعم السريع» قد تستعد لهجوم بري على مدينة الأبيض.

وأشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر إلى أن الضربات على محطات الكهرباء في المدينة تعطل الوصول إلى مياه الشرب المنقذة للحياة، والكهرباء، محذراً من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب، التي تقدر منظمات الإغاثة أنها أودت بحياة أكثر من 200 ألف شخص، أصبحت معظم مستشفيات البلاد خارج الخدمة كلياً، أو جزئياً.

وقال صهباني إن «40 في المائة من المرافق الصحية لا تعمل على الإطلاق، فيما يعمل نحو 60 في المائة منها بشكل جزئي فقط، أي إنها تقدم خدمات محدودة، أو غير كافية للمرضى».


24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
TT

24.7 مليون ناخب أمام امتحان المشاركة في تشريعيات الجزائر

وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)
وزير الاتصال ورئيس سلطة الانتخابات بالنيابة يتفقدان التحضيرات للانتخابات (سلطة الانتخابات)

تنظم الجزائر، الخميس، انتخابات برلمانية، التحدي الأكبر فيها مدى اقتناع 24.7 مليون ناخب بالتوجه إلى الصندوق، بالنظر للبرود الشديد الذي ميز الحملة الانتخابيةـ وإقصاء المئات من المترشحين في بداية العملية من قِبل هيئة الانتخابات، بناءً على التقارير الأمنية والقضائية المتعلقة بشبهات «المال الفاسد» أو «عدم الأهلية».

دعوات للاقتراع

دعت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الأربعاء، عبر رسائل هاتفية قصيرة، «كافة الناخبات والناخبين إلى المشاركة الواسعة في انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني يوم 2 يوليو (تموز) 2026»، مرفقة ذلك بخطاب دعائي جاء فيه: «كن شريكاً وفاعلاً في صناعة القرار... صوت وشارك».

التصويت بمكاتب الانتخاب المتنقلة بالصحراء (سلطة الانتخابات)

ويفهم من هذه الرسالة، ومن تكرارها في الأيام السابقة، أن هيئة الانتخابات والسلطة التنفيذية المشرفة على التنظيم المادي للاستحقاق، تخشيان عزوفاً كبيراً عن الصندوق شبيهاً بالمقاطعة الكبيرة التي شهدها اقتراع 2021، حيث بلغت نسبة التصويت 23 في المائة فقط، مقابل عزوف اقترب من 77 في المائة.

وبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن سلطة الانتخابات، فقد بلغ إجمالي عدد الناخبين المسجلين في اللائحة الانتخابية 24.7 مليون ناخبٍ، منهم 23.8 مليون داخل البلاد، و854 ألف ناخبٍ من أفراد الجالية الوطنية المقيمة بالخارج، الذين انطلقت عملية تصويتهم، السبت الماضي.

أطر سلطة الانتخابات تضع آخر اللمسات على العملية الانتخابية (سلطة الانتخابات)

ويتنافس نحو 10 آلاف مترشح على 407 مقاعد بـ«المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، في حين يتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة حصد 204 مقاعد. وينتمي أغلبية المتنافسين إلى ثمانية أحزاب كبيرة. أربعة منها موالية للحكومة، وهي: «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني». وأربعة أحزاب معارضة، ثلاثة منها غابت عن الموعد الانتخابي السابق لأسباب مرتبطة بموقف الحراك الشعبي الرافض له، وهي: «جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«حزب العمال»، و«حركة مجتمع السلم»، التي كانت الحزب الوحيد ضمن كتلة المعارضة المنخرطة في استحقاق 2021، وظلت طيلة خمس سنوات الصوت المعارض الوحيد لسياسات الحكومة في البرلمان، وسط أغلبية كبيرة، كانت سنداً قوياً للسلطة بخصوص تمرير نصوص تشريعية، أثارت جدلاً كبيراً بسبب تعارضها مع الحقوق والحريات.

مشاهد من ختام حملة «حركة مجتمع السلم» (إعلام حزبي)

وخلال الحملة التي دامت ثلاثة أسابيع، فضَّلت الأحزاب ومرشحوها ما سُمي بـ«التواصل الجواري» مع الناخبين في القرى والمدن، بدلاً من المهرجانات الشعبية المألوفة، لعلمهم المسبق أن غالبية الجزائريين غير متحمسين للاستحقاق، ولذلك تفادت مشاهد القاعات والفضاءات الفارغة. وقد واجه بعض قادة الأحزاب مواقف محرجة عند نزولهم إلى الميدان، خصوصاً عندما كانوا يُسألون: «من أنتم؟» أو «ماذا تفعلون هنا؟»، أو «أنتم تسعون فقط من أجل راتب البرلماني».

وعشية انطلاق التصويت، أدلى الرئيس بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كريم خلفان، بانطباعاته الأولى حول انتخاب الجزائريين المقيمين بالخارج، مؤكداً للتلفزيون العمومي «مشاركة مقبولة في الدوائر الانتخابية الثمانية، التي تغطي الجالية الوطنية بالخارج»، مستشهداً على وجه الخصوص بباريس وليل ومرسيليا في فرنسا، وتونس وواشنطن والدوحة وبروكسل ومدريد. وقال بهذا الخصوص: «رغم درجات الحرارة المرتفعة جداً في عدة بلدان، فإن المواطنين الجزائريين المقيمين بالخارج يواصلون الاستجابة بشكل إيجابي لواجبهم الانتخابي».

«مقصلة الشبهة»

عرفت مرحلة إعداد قوائم الترشيحات إبعاد 3 آلاف مترشح، رفضهم غربال التحقيقات الأمنية، الذي فعّل في ملفاتهم نصاً في قانون الانتخابات فجّر استياء كبيراً داخل الأحزاب، حيث حرمهم من كفاءات مهمة، يتعلق أساساً بارتباط الشخص المعني «بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين، وحسن سير العملية الانتخابية».

المركز الدولي للمؤتمرات حيث سيتابع الصحافيون نسب التصويت خلال يوم الانتخاب (سلطة الانتخابات)

وأكدت المعارضة أن هذا المبرر ينطوي على تحكم السلطة بشكل كامل في العملية الانتخابية، فرغم أن ما تم الإعلان عنه هو محاربة «المال الفاسد»، و«عدم الأهلية»، وهي معايير بدت قانونية وإصلاحية في ظاهرها، فإن النص يشير، حسب المحتجين، إلى تقليص الهامش الديمقراطي، وتصفية مسبقة لقوائم الترشيحات، مما أسهم في تقديرهم في تعميق برود الحملة الانتخابية.

وفي محاولة لتفكيك المشهد الانتخابي، يقول المحلل السياسي بشير حسني تهامي: «يظل الرهان الحقيقي للاقتراع مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على كسر الطوق الرمزي لما يُعرف بحزب العزوف وحزب الأوراق الملغاة؛ إذ أظهرت القراءات التحليلية لانتخابات 2021 كيف تفوقت كتلة الإلغاء والامتناع على مجموع أصوات خمسة أحزاب مجتمعة، محولةً الصندوق إلى شاهد على عمق الرفض، والمطالبة بإصلاح حقيقي لا يقتصر على توزيع المقاعد والكراسي».

مرشحون من «جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

وبحسب المحلل، «ليست الأرقام الانتخابية في الجزائر بعد الحراك الشعبي (2019) مجرد نسب فنية باردة، بل هي مؤشرات سياسية كثيفة، تكشف عن عمق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية. ومن يقرأ نتائج الانتخابات التشريعية الماضية، لا يقرأ فقط ترتيب أحزاب داخل البرلمان، بل يقرأ قبل ذلك خريطة صامتة لفقدان الثقة، وانكماش الأمل في إمكان إصلاح سياسي حقيقي من داخل الآليات القائمة».


المبادرة الأميركية لحل الأزمة الليبية أمام اختبار توحيد الجيش

صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)
صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)
TT

المبادرة الأميركية لحل الأزمة الليبية أمام اختبار توحيد الجيش

صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)
صدام حفتر والزوبي خلال تمرين (فلينتلوك 2026) في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (أفريكوم)

وسط انشغال الطبقة السياسية الليبية بالأسماء المتداولة لتولي رئاسة المجلس الرئاسي والحكومة، ضمن المبادرة الأميركية المتداولة لإعادة توحيد السلطة، تتجه الأنظار إلى الملف الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة، وهو توحيد المؤسسة العسكرية، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سقوط نظام العقيد القذافي قبل أكثر من 15 عاماً.

روبيو وصدام حفتر خلال لقاء في واشنطن الاثنين (إعلام القيادة العامة)

واكتسب هذا الملف زخماً إضافياً بعدما وضع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، توحيد الجيش في صدارة أولويات واشنطن خلال لقائه نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول صدام حفتر، يوم الاثنين.

وتنبع أهمية هذه المقاربة من واقع الانقسام العسكري الممتد منذ سنوات؛ إذ تمتلك القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا هيكلاً عسكرياً نظامياً وسلسلة قيادة واضحة، بينما يعتمد المشهد الأمني والعسكري في غرب البلاد على تشكيلات متعددة، تتباين في تبعيتها ودرجة تنظيمها.

وحسب المحلل السياسي الليبي، عمر بوسعيدة، فإن الإدارة الأميركية تتعامل مع ملف توحيد المؤسسة العسكرية من زاوية تختلف عن السجال السياسي الداخلي، موضحاً أن الطبقة السياسية «لا تزال منشغلة بهندسة المسميات وتوزيع المناصب، بينما تتحدث واشنطن بلغة إعادة هيكلة موازين القوة على الأرض».

يرى مراقبون أن توحيد المؤسسة العسكرية يظل الملف الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة داخل ليبيا (أ.ف.ب)

ويوضح بوسعيدة لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة أبدت التزاماً سياسياً واضحاً ومتكرراً بدعم توحيد المؤسسة العسكرية، بوصفه أحد المسارات الأربعة التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، إلى جانب ملفات الميزانية والحكومة والانتخابات. مشيراً إلى أن التفاصيل التنفيذية لا تزال غائبة، إذ لم تعلن واشنطن حتى الآن عن الصيغة القانونية أو المؤسسية التي سيتم بموجبها دمج قوات القيادة العامة مع التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، كما أن الزيارة المتزامنة التي أجراها وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام الزوبي، لم تسفر عن أي إعلان يحدد آلية الدمج، أو شكل المؤسسة العسكرية الموحدة.

وأثار هذا الغموض تساؤلات بين باحثين بشأن موقع الملف العسكري في أولويات المبادرة الأميركية، إذ يرى مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، أشرف بوفردة، أن واشنطن تبدو أكثر تركيزاً في المرحلة الحالية على تحقيق الاستقرار السياسي وتوحيد المؤسسات المدنية، على أن يأتي توحيد المؤسسة العسكرية في مرحلة لاحقة، وفقاً لما قال لـ«الشرق الأوسط».

يأتي ذلك ضمن نقاش دائر حول المبادرة المنسوبة إلى مسعد بولس، التي تحدثت عن تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، في موقع قيادي على رأس حكومة موحدة. غير أن بولس تجنب الخوض في تفاصيل هذه التصورات، مؤكداً في لقاء تلفزيوني مؤخراً أن اختيار الصيغة النهائية يظل شأناً يقرره الليبيون أنفسهم.

تقضي المبادرة الأميركية بالإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة المقبلة (الوحدة)

وفي هذا السياق، يرى بوسعيدة أن التحدي الحقيقي أمام المبادرة الأميركية يتمثل في طبيعة الواقع العسكري القائم، حيث يوجد «طرف نظامي يمتلك هيكلاً تراتبياً واضحاً، يتمثل في القيادة العامة، يقابله طرف آخر في غرب البلاد يعاني تعدد مراكز القرار والانقسام»، معتبراً أن هذه المعادلة ستفرض نفسها على أي تصور لتوحيد المؤسسة العسكرية.

ومن زاوية بحثية، توقع بوفردة أكثر من سيناريو لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، تختلف في شكل القيادة وآليات دمج القوات، لكنها تتفق جميعها على إنهاء الانقسام العسكري.

قوات موالية للدبيبة في ضواحي طرابلس (أ.ب)

ويقوم السيناريو الأول على إلغاء القيادة العامة بصيغتها الحالية، وتشكيل قيادة عسكرية موحدة برئاسة صدام حفتر، تعقبها هيئة أركان مشتركة تضم قيادات من الشرق والغرب والجنوب، من بينهم رئيس أركان القوات البرية في شرق ليبيا خالد حفتر، ورئيس غرفة العمليات المشتركة السابق في غرب ليبيا صلاح النمروش، مع إعادة تنظيم المناطق العسكرية وفق الأقاليم التاريخية الثلاثة.

ويستند هذا الطرح، وفق محللين، إلى مؤشرات ميدانية، من بينها الصورة التي جمعت خالد حفتر وصلاح النمروش خلال أعمال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة لعام 2026 في العاصمة الأنغولية لواندا، بمشاركة القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

أما السيناريو الثاني، حسب الباحث الليبي، فيقوم على الإبقاء على الهيكل العسكري القائم، بحيث يتولى صدام حفتر منصب القائد الأعلى، مع وجود وزير للدفاع هو عبد السلام الزوبي، وهيئة أركان مشتركة، إلى جانب توزيع المناطق العسكرية وفق الأقاليم التاريخية، وإنشاء غرف عمليات مشتركة بين الشرق والغرب، تتولى ملفات حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، فضلاً عن التنسيق في مجالات التدريب والتسليح، بما يشكل نواة لجيش ليبي موحد.

وبينما لا تزال هذه التصورات في إطار النقاش، تشير التحركات الأمنية إلى أن مساراً موازياً بدأ بالفعل بعيداً عن الأضواء.

أحد عناصر القوات العسكرية بغرب ليبيا (وزارة دفاع الوحدة)

ويرى رئيس المجلس الوطني للعلاقات الليبية - الأميركية، هاني شنيب، أن توحيد المؤسسة الأمنية يجري وفق مسار تدريجي يبدأ بالملفات الأقل تعقيداً وصولاً إلى الأكثر حساسية، مشيراً إلى أن هذا المسار انطلق منذ نحو عام.

وأوضح شنيب لـ«الشرق الأوسط» أن الجانبين عقدا حتى الآن نحو عشرة اجتماعات مشتركة، تناولت ملفات حماية الحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وقضايا أمنية أخرى، مؤكداً أن اللجان المشتركة تمثل مدخلاً لبناء الثقة، تمهيداً للوصول إلى التوحيد الكامل عندما تتوافر الظروف السياسية.

ويخلص شنيب إلى أن «أولويات المرحلة الراهنة ستنصب على ملفات التعاون الأمني المشترك بين الشرق والغرب، وليس أسماء الشخصيات التي ستقود هذا التعاون».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، تشكلت غرفة عمليات عسكرية مشتركة (3+3)، ضمت عناصر من شرق وغرب ليبيا، عقب مشاركتهم في مناورات «فلينتلوك 2026» التي استضافتها مدينة سرت. وتعد هذه المناورات من أبرز تدريبات العمليات الخاصة، التي تنظمها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، وشاركت فيها قوات من مختلف أنحاء القارة.