«حكومة ثالثة» تربك المشهد السياسي الليبي وتثير اللغط

رئيسها المجدوب يطالب بتسليم السلطة ويدعو للاستفتاء على الدستور

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» بجنيف يوليو الماضي (فيسبوك)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» بجنيف يوليو الماضي (فيسبوك)
TT

«حكومة ثالثة» تربك المشهد السياسي الليبي وتثير اللغط

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» بجنيف يوليو الماضي (فيسبوك)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» بجنيف يوليو الماضي (فيسبوك)

انفتح المشهد السياسي في العاصمة الليبية على أجواء بدت غير معتادة لدى البعض، عقب وصول مصطفى المجدوب، الذي اختارته مجموعة من السياسيين رئيساً لـ«حكومة موحدة»، إلى طرابلس لبدء مهام عمله، معلناً حل مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة»، والدعوة إلى الاستفتاء على الدستور.

مصطفى المجدوب الذي يزعم توليه «رئاسة حكومة ليبية موحدة» - 2 أكتوبر (من كلمته إلى الشعب الليبي)

وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلن عدد من السياسيين والنشطاء خلال اجتماع عُقد في جنيف، ضمن ما سمّوه «ملتقى الحوار السياسي»، اختيار المجدوب رئيساً لما وصفوه بـ«حكومة موحدة»، الأمر الذي استقبله ليبيون بكثير من عدم الاهتمام، في ظل وجود حكومتين في طرابلس وبنغازي؛ الأولى معترف بها دولياً، والثانية مدعومة من البرلمان.

وفي كلمة متلفزة وجهها للشعب الليبي، الجمعة، أعلن المجدوب «حالة النفير العسكري العام لحماية الحدود والوطن والمواطنين»، وتجميد عمل المجلسين، كما أطلق الاستفتاء على الدستور في غضون 90 يوماً، داعياً المفوضية العليا للانتخابات البرلمانية والرئاسية إلى إجراء الاستحقاق خلال 8 أشهر من انتهاء الاستفتاء.

حقناً للدماء

المجدوب، الذي وصل إلى طرابلس صباح الجمعة عبر مطار معيتيقة الدولي «لبدء مهام عمله»، قال: «هدفنا واضح؛ دستور ثم انتخابات، ثم مؤسسات منتخبة تنهي المراحل الانتقالية»، موجهاً دعوة مباشرة لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيسي الحكومتين الحاليين في طرابلس وبنغازي؛ عبد الحميد الدبيبة، وأسامة حماد، إلى «سرعة تسليم السلطة حقناً لدماء الليبيين، وفقاً لتداول السلطة سلمياً».

وقال إن «بعض الدول راهنت على قوة السلاح ومراكز النفوذ؛ أما أنا فقد راهنت على الشعب الليبي القوي العظيم»، وانتهى متوعداً: «سنحارب الفساد بالقانون ونحمي المال العام، وسنحاسب كل من ثبتت مسؤوليته أمام القضاء».

وضجت وسائل الإعلام الليبية بحالة من «السخرية»، في أعقاب خطاب المجدوب، وأعاد كثيرون نشر كلمة الأخير والتعليق عليها متعجبين مما سمّوه «مناورة تثير اللغط» في البلد المنقسم، فيما سارع بعض مناوئي مجلسي النواب و«الدولة» إلى التعامل بشيء من الجدية مع حديث المجدوب، واعتباره «بادرة إنقاذ تجب مساندتها».

ويعتقد سياسي ليبي تحدث إلى «الشرق الأوسط»، أن المجدوب «عبارة عن ورقة يستخدمها مناوئون للدبيبة، لمزيد من مناكفته، وخلط الأوراق، لكنها تظل دون فائدة لأنه غير معترف بها أممياً».

ورحب ما يسمى «أبناء طرابلس» بحديث المجدوب، الذي أعلن من قلب طرابلس «بدء مرحلة جديدة تهدف إلى إنهاء الانقسام والفساد والصراع، وبناء دولة قوية يقرر الليبيون مستقبلها بأنفسهم»، وعدّوا ذلك «لحظة تاريخية وعهداً جديداً يقوم على الإرادة الوطنية الصادقة، بعيداً عن صفقات الفساد وتقاسم مقدرات الوطن».

وجاء الإعلان عبر ما سُمّي «ملتقى الحوار السياسي» بعيداً عن المسارات الأممية، قبل أن تنتشر صور الاجتماع ومقاطع مصورة منه داخل ليبيا حينها، لتتحول المبادرة سريعاً إلى محور للنقاش وحتى السخرية في بعض الأحيان، وسط تساؤلات عن شرعيتها، وإمكانية تحولها إلى واقع سياسي. وسبق ونفت البعثة الأممية لدى ليبيا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، وجود أي علاقة لها بما دار في لقاء جنيف الذي أنتج اختيار المجدوب رئيساً لحكومة ثالثة.

واستبقت صفحة على موقع التواصل الاجتماعي لداعمي المجدوب بدعوة الليبيين، الجمعة، إلى المشاركة في تجمع احتجاجي بـ«ميدان الشهداء» بالعاصمة طرابلس، للمطالبة بإنهاء عمل الأجسام السياسية القائمة، وسقوط «حكومة الوحدة الوطنية»، ورحيل مجلسي النواب والأعلى للدولة، ورفض الانقسام السياسي والمؤسسي والتأكيد على وحدة ليبيا.

وتجاهلت حكومة «الوحدة» والمجلس الرئاسي حديث المجدوب، في حين قال مكتب المنفي إنه توجه إلى القاهرة تلبية لدعوة رسمية للمشاركة في عدد من الاستحقاقات والفعاليات الأفريقية رفيعة المستوى.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي - 2 أكتوبر (مكتب المنفي)

وبدا أن خطوة المجدوب لم تأتِ من فراغ؛ إذ سارع ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد بعملية بركان الغضب»، إلى نشر وترويج ما وصفه بـ«قرارات القائد الأعلى للجيش الليبي» مصطفى المجدوب. وتضمنت القرارات دعوة الجهات العسكرية والأمنية المختصة إلى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطنين، وضمان أمن وسلامة البعثات الدبلوماسية والقنصلية والمنظمات والهيئات الدولية، مع التشديد على التزام جميع الجهات العسكرية والأمنية بأحكام القانون، والتحلي بأعلى درجات الانضباط وضبط النفس وحماية المدنيين.

علامات استفهام

ترك حديث المجدوب علامات استفهام عديدة في الأوساط الليبية بين من استخف بحديثه، ومن أخذه على محمل الجد، لا سيما في غرب البلاد، وعدّه «فرصة للتغيير والخلاص من الأجسام السياسية التي تتولى أمور البلاد منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011».

وقال سعد بن شرادة، عضو المجلس الأعلى للدولة: «قد تتفق مع المجدوب أو تختلف، وقد ترى في مشروعه ما يستحق النقاش، أو ما يحتاج إلى مراجعة، لكن الحقيقة أن الشجاعة اليوم أصبحت عملة نادرة في المشهد الليبي». ويرى بن شرادة أن «تقدم شخص إلى الواجهة، وإعلانه بوضوح رغبته في تحمل مسؤولية قيادة الدولة، رغم محدودية الإمكانات وصعوبة المشهد، فهذا في حد ذاته موقف يحتاج إلى قدر من الشجاعة»، وذهب إلى أنه «سواء اتفقنا مع طموح المجدوب السياسي أو اختلفنا معه، يُحسب له أنه لم يختبئ خلف الغرف المغلقة، ولم ينتظر أن تأتيه الفرصة دون أن يعلن عن رغبته في تحمل المسؤولية».

وانتهى بن شرادة إلى أن «ليبيا لا تحتاج اليوم فقط إلى من ينتقد من بعيد؛ بل تحتاج إلى من يمتلك الجرأة على طرح نفسه ومشروعه أمام الليبيين، ثم يترك لهم الكلمة الأخيرة».

وتعاني ليبيا انقساماً حكومياً وسياسياً بين حكومتين متنازعتين على السلطة في طرابلس وبنغازي، فيما تعمل البعثة الأممية على الوصول إلى حلول تتيح إجراء الانتخابات العامة في غضون عامين.


مقالات ذات صلة

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب) p-circle

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

رأى وزير الخارجية التركي، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أشجار متساقطة جراء الأمطار بالعاصمة الليبية طرابلس في وقت سابق الشهر الحالي (الهلال الأحمر الليبي)

ليبيا تستنفر جهودها لتفادي تداعيات أمطار غزيرة محتملة

رفعت السلطات الليبية درجة الاستنفار تحسباً لتقلبات جوية يُتوقع أن تؤثر على مناطق واسعة من البلاد، ابتداءً من الجمعة وحتى الأربعاء المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة سابقة للمجلس في بنغازي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

بعد تغيير رئاسته... هل ينتقل البرلمان الليبي إلى طرابلس؟

بعد نحو 12 عاماً من انعقاد جلساته خارج العاصمة بين طبرق وبنغازي في شرق البلاد، يقترب مجلس النواب الليبي من اختبار إمكانية العودة إلى عقد جلساته بطرابلس.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى.

علاء حموده (القاهرة)

مصر تؤكد وقوفها بجانب الأردن في مواجهة الإرهاب

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تؤكد وقوفها بجانب الأردن في مواجهة الإرهاب

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر وقوفها بجانب الأردن لمواجهة العنف والإرهاب. وتوجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بخالص التعازي وصادق المواساة للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وشعب المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة في ضحايا الهجوم الإرهابي الغادر على إحدى الكنائس بمحافظة الكرك.

وقال السيسي في منشور عبر حسابه الرسمي على «فيسبوك»، مساء الجمعة: «إذ أعرب عن إدانة مصر الكاملة لهذه الأعمال الدنيئة التي تتنافى مع كافة القيم الإنسانيّة»، فإنني أؤكد «وقوف مصر بجانب الأردن الشقيق في مواجهة هذا الحادث الآثم، وكافة صور العنف والإرهاب».

وأعلنت سلطات الأردن، الجمعة، أن هجوماً نفَّذه مجهولون في محافظة الكرك، أسفر عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 27 آخرين.

ونقلت قناة «المملكة» الأردنية عن وزير الداخلية، مازن الفراية، قوله خلال مؤتمر صحافي في محافظة الكرك، الجمعة، إن «الأردن أمام عملية إرهابية نفَّذتها مجموعة من المتطرفين»، مؤكداً أن هذا العمل مدان بكل تفاصيله.

كما توعَّد الملك عبد الله الثاني منفِّذي «العمل الإرهابي». وكتب عبر منصة «إكس»: «سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات، ومَن توهَّم أن رصاص الغدر يشقُّ صف الأردنيِّين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا».


التوتر الدبلوماسي يهدد واردات فرنسا من اليوريا الجزائرية

مصافحة بين الرئيس الجزائري ونظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس الجزائري ونظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
TT

التوتر الدبلوماسي يهدد واردات فرنسا من اليوريا الجزائرية

مصافحة بين الرئيس الجزائري ونظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس الجزائري ونظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون ومصادر في قطاع الأسمدة إن الجزائر أصدرت تعليمات لمنتجي اليوريا بوقف تصديرها إلى فرنسا، في تشديد للقيود التجارية، التي ​أعقبت خلافاً دبلوماسياً بين البلدين، بحسب ما ذكرته وكالة «رويترز» اليوم (الجمعة).

وتدهورت العلاقات بين باريس والجزائر، التي ظلت معقدة لعقود، في 2024 عندما أيّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطة الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء تحت السيادة المغربية. وسعى البلدان إلى إصلاح العلاقات العام الماضي، بل أعلنا في مرحلةٍ ما أن العلاقات عادت إلى طبيعتها، لكن العلاقات توترت مجدداً بعد ذلك.

وقال الاتحاد الفرنسي للأسمدة (أفكوم)، ومجموعة مزارعي القمح (إيه جي بي بي) ‌إن معلومات ‌عن وقف صادرات اليوريا انتشرت في ​أوائل الأسبوع ‌الماضي، ⁠وهو ​ما قد ⁠يعرض للخطر إمدادات الجزائر، التي تمثل نحو 30 بالمائة من واردات فرنسا من اليوريا. وقال ثلاثة دبلوماسيين إنهم على علم بتعليمات جزائرية لتعليق شحنات اليوريا إلى فرنسا. وكان هؤلاء الثلاثة من بين ستة دبلوماسيين فرنسيين وأوروبيين قالوا أيضاً إن الجزائر فرضت في أواخر يوليو (تموز) الماضي حظراً شبه شامل على الواردات الفرنسية. وطلب ⁠الدبلوماسيون عدم الكشف عن هوياتهم لمناقشة المسألة.

وقد ‌يثير أي تعطل في إمدادات ‌اليوريا من الجزائر المخاوف مجدداً لدى المزارعين ​الفرنسيين، الذين يعتمدون على ‌الأسمدة القائمة على النيتروجين للحفاظ على غلال المحاصيل، ويواجهون بالفعل ‌ارتفاعاً في التكاليف. وإلى جانب الأثر الزراعي، قد يصبح هذا الخلاف شائكاً على الصعيد السياسي لحكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، التي تتعرض لضغوط لحماية الأسر والمنتجين من ارتفاع التكاليف، في حين تتعامل مع التدهور الحاد في العلاقات ‌مع الجزائر، وهي قضية كثيراً ما تستقطب المشهد السياسي الفرنسي.

وشهدت فرنسا مطلع الأسبوع الماضي بعضاً ⁠من أسوأ ⁠الاضطرابات منذ سنوات، وقد تؤدي مواجهة محتملة مع المزارعين بشأن إمدادات الأسمدة إلى زيادة هذه الضغوط. وكما حدث مع القيود التجارية السابقة، ومنها وقف واردات الجزائر من القمح الفرنسي منذ عام 2024، قالت المصادر إنه لم يصدر أي إعلان رسمي من الحكومة الجزائرية بشأن صادرات اليوريا، أو واردات السلع الفرنسية. ولم ترد السفارة الجزائرية في باريس حتى الآن على أسئلة أرسلتها «رويترز» عبر البريد الإلكتروني.

ولم تكن وزارتا التجارة والخارجية الجزائريتان متاحتين على الفور للتعليق اليوم (الجمعة). وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها لم ​تتلقَّ إخطاراً بهذه القيود التجارية. وأضافت ​أن مسائل التجارة من اختصاص الاتحاد الأوروبي، قائلة: «سنظل، بالطبع، يقظين بشكل خاص حيال هذه المسألة».


حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير الغزيين يفاقم التوتر مع مصر

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقَّد القوات قرب حدود إسرائيل نهاية 2024 (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقَّد القوات قرب حدود إسرائيل نهاية 2024 (المتحدث العسكري المصري)
TT

حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير الغزيين يفاقم التوتر مع مصر

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقَّد القوات قرب حدود إسرائيل نهاية 2024 (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقَّد القوات قرب حدود إسرائيل نهاية 2024 (المتحدث العسكري المصري)

يعيد حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير سكان قطاع غزة التوترَ إلى الواجهة مع مصر، التي ترفض أي محاولات لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، وسبق أن عدَّت ذلك «خطاً أحمر» بالنسبة إليها.

وبحسب خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن التأكيدات الإسرائيلية المستمرة تصطدم بالموقف العربي والمصري الرافض للتهجير، كما أنها تستهدف استفزاز مصر بعد تصريحات أخيرة أطلقها وزراء بالحكومة اليمينية المتطرفة عن احتلال سيناء، وهو ما من شأنه أن يفاقم التوتر القائم مع القاهرة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة.

وتحدَّث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن أنه «يعمل شخصياً، على تسهيل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة»، وقال في تصريحات له الخميس: «هناك محادثات تُجرى مع دول مستعدة لاستقبالهم».

ومضى في حديثه قائلاً: «كل فلسطيني في غزة يجب أن يتمتع بحرية المغادرة». وأشار إلى أن «الصعوبة تكمن في إيجاد دول توافق على استقبال المغادرين». وأضاف: «نحن نعمل على ذلك أيضاً، أنا شخصياً أعمل على هذا الأمر بجد. هناك بدايات لا أرغب في الخوض في تفاصيلها».

ولم يفصح نتنياهو عن الدول التي يُجري معها اتصالات، وزعم أن «نحو 150 ألف فلسطيني غادروا قطاع غزة خلال سنوات الحرب عليها».

وتحذِّر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتكرَّرت أحاديث مسؤولين عن هذا المخطط، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن حكومته تمتلك «خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة». وقال إنها «تنتظر أن تحدِّد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن الأحاديث الإسرائيلية عن تهجير الفلسطينيين «ليست جديدة»، وأشار إلى أن «تل أبيب لم تتخلَّ عن هذا المخطط، ودائماً ما تتحدَّث عن اتصالات مع دول لاستقبالهم، مع طرح مزايا للمغادرين».

ويعتقد هريدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «حديث نتنياهو الأخير عن التهجير مرتبط بالانتخابات الداخلية هناك، بهدف تحقيق مكاسب سياسية»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «تل أبيب ماضية في تنفيذ مخططها بشكل تدريجي»، ومنوهاً إلى أن «هذه التحركات تصطدم مع الموقف العربي والمصري الرافض للتهجير».

معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر (رويترز)

وشدَّدت مصر في أكثر من مناسبة على رفضها تهجير الفلسطينيين، وعدته «خطاً أحمر بالنسبة لها»، وأكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وشدَّد على ذلك خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري، لي چيه ميونغ، بداية الشهر الحالي.

وتفاقم الأحاديث الإسرائيلية عن تهجير الفلسطينيين التوتر مع مصر، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، الذي قال: «إن القاهرة وقفت حائط صد أمام سيناريوهات التهجير منذ بداية الحرب على غزة، باعتبار أن هذه الخطوة تمس أمنها القومي»، مشيراً إلى أن «تل أبيب تمارس الاستفزاز للجانب المصري بهذه التصريحات بعد أخرى تحدثت فيها عن احتلال أرض سيناء».

وأثار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جدلاً أخيراً، بتصريحات هدَّد فيها بأن مصر «لن تكون لها شبه جزيرة سيناء» في حال شنَّت هجوماً على إسرائيل، وهو ما أثار موجة غضب واستنكار واسعة في مصر، وردَّ الرئيس المصري على هذه التصريحات مؤكداً أن «بلاده لا تريد الدخول في حرب، ما دامت تمارس السيادة على كامل أرضها».

ويرى عبد العاطي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر لا تزال تعمل على إحباط كل محاولات تهجير الفلسطينيين، من خلال حشد الجهود الدولية لنفاذ المساعدات الإنسانية، واستكمال استحقاقات خطة السلام في غزة، والعمل على إعادة الإعمار»، إلى جانب «تدويل قضية التهجير دبلوماسياً، كما تفعل الدول العربية».

وفي التاسع من أكتوبر من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية، قبل التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.