«ممنوع استقبال الرجال»... الإيجارات في غزة مكبلةٌ بشروط معقدة وأسعار مرتفعة

أصحاب الوحدات السكنية يتحرّون عن المستأجر ويشاركونه حصته في المياه

لقطة لمنازل مدمرة بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
لقطة لمنازل مدمرة بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

«ممنوع استقبال الرجال»... الإيجارات في غزة مكبلةٌ بشروط معقدة وأسعار مرتفعة

لقطة لمنازل مدمرة بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
لقطة لمنازل مدمرة بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

قضى نافذ الغوراني، من سكان حي الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة، والنازح حالياً في خان يونس بجنوب القطاع، ساعات طويلة وأياماً عسيرة بحثاً عن شقة سكنية يستأجرها، أملاً في مأوى يضمه وأسرته قبل أن يتمكن من العودة إلى مدينته، لكنه اصطدم بواقع مرير... فالدمار طال غالبية المساكن والمنازل.

لم تكن عملية البحث عن الشقة هي الصعوبة الوحيدة التي واجهت الغوراني، وتواجه مئات غيره يومياً، فما هو أصعب منها الشروط المعقدة التي يضعها أصحاب الشقق حين يحالف أحدهم الحظ ويجد واحدة.

يقول الغوراني، الذي يعيش حالياً في خيمة بخان يونس، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كلما وجد شقة تصلح للإيجار، يطلب أصحابها صورة من بطاقته الشخصية للتحري والسؤال عنه إما في منطقة سكنه الرئيسية قبل أن يفقد منزله، أو لدى جهات أخرى، قبل الموافقة على التأجير. ويضيف أن طلبه رُفض مرات عديدة لأسباب لم تكن له مفهومة.

عمال فلسطينيون يُصلحون طريقاً تضرر من الحرب بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

في إحدى المرات، وبعد أن اتفق مع صاحب شقة على الإيجار، فوجئ بشرط يمنعه من استقبال أي رجال في البيت، حتى وإن كانوا أشقاءه، خشية انتماء أحدهم لأي فصيل فلسطيني، مما قد يُعرّض المكان لهجوم إسرائيلي، ما أثار استغراب الغوراني الذي رفض هذا الشرط، فرفض صاحب الشقة التأجير.

يقول الغوراني إن العثور على شقة للإيجار، حتى ولو بسعر باهظ، بات مهمة شبه مستحيلة في ظل التعقيدات التي يفرضها أصحاب البيوت الذين يخشون على منازلهم وحياتهم. وعلى الرغم من أنه يعتبر ذلك حقاً من حقوقهم، فإنه يشير إلى «المبالغة» في الشروط وفي التعقيدات لأسباب غير مقنعة أحياناً، مثل تلك التي حالت دون تمكنه من استئجار شقة مع إنه لا ينتمي لأي فصيل، لا هو ولا أي من أبنائه الخمسة.

«المضطر»

في ظل المتبقي القليل من المنازل والشقق السكنية في قطاع غزة، بعد عملية التدمير الشاملة التي طالت مناطق شاسعة من القطاع، يتخوف السكان من أن يستهدفهم قصف إسرائيلي في ظل استمرار الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي تقرير نُشر في بداية العام الحالي، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن 92 في المائة من الوحدات السكنية في غزة مدمرة أو متضررة. وقال المكتب إن 436 ألف وحدة سكنية تأثرت بالحرب، حيث تهدمت 160 ألف وحدة كلياً وتضررت 276 ألفاً جزئياً، بعضها على نحو خطير.

وجاء في التقرير أن أكثر من 1.8 مليون شخص في حاجة ماسة إلى مأوى طارئ ومستلزمات منزلية أساسية.

لقطة عامة لخيام نازحين وسط أحوال جوية قاسية في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 18 ديسمبر 2025 (رويترز)

ويقول فضل الشنطي، الذي يمتلك مبنى سكنياً من ستة طوابق في غرب مدينة غزة، إنه لا يستطيع التأجير لأي شخص قبل أن يسأل عنه، معتبراً ذلك حقاً أصيلاً للحفاظ على سلامة بنايته وحياة عائلته التي تقطن في إحدى شقق المبنى.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الاحتلال الإسرائيلي لا ينتظر إذناً من أحد حين ينوي قصف ناشط ما، وقد ارتكب عشرات المجازر بحق عوائل كاملة وبنايات كي يقتل شخصاً واحداً».

واستطرد: «حياة عائلتي ومن يعيش في البناية هي أمانة أحملها ضمن مسؤولياتي».

وتابع: «أنا كمالك لبناية سكنية، لست ضد ابن شعبي، سواء كان من فصيل فلسطيني أو غيره، لكن هناك ظروفاً قاهرة وأوضاعاً قاسية لا يمكن لأحد أن يتجاوزها، ولا أستطيع أن أضحي بحياة عدة عائلات من أجل شخص واحد يمكنه أن يجد مكاناً بديلاً».

ولا ينفي الشنطي أن بعض المالكين رفعوا أسعار الإيجارات بشدة، ومع هذا ظل إقبال «المضطرين» كبيراً. وعن نفسه، قال إنه رفع السعر عما كان عليه قبل الحرب، إلى نحو 800 دولار بدلاً من 500 سابقاً، في حين أن الغالبية تطلب ما بين 1000 و1500 دولار للشقة التي تتراوح مساحتها بين 130 و170 متراً.

وقبيل الحرب كانت أسعار الإيجارات من 200 إلى 500 دولار، فيما يصل إيجار المفروش منها إلى 700 دولار.

مواطن «بلا وطن»

لا تقف الشروط التي يضعها أصحاب الشقق السكنية عند هذا الحد، بل يمتد بعضها لمنع الإيجار عن أسرة يزيد عدد أفرادها عن ستة، أو وضع شروط تتعلق بالمياه، مثل مشاركة المستأجر في حصة المياه الخاصة به بسبب شحها الشديد.

كما لوحظ أن غالبية مُلاك الشقق يرفضون التأجير للعاملين في مجالات معينة مثل الصحافة، والطواقم الطبية، وأساتذة الجامعات، بسبب استهدافهم المتكرر من قبل إسرائيل خلال الحرب.

جانب من الدمار جراء الغارات الإسرائيلية بمدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

يقول هيثم عمر، الذي كان يبحث عن شقة للإيجار، إنه فوجئ برفع الأسعار المبالغ فيه وبالشروط التعجيزية، ناهيك عن دفع مبالغ للسماسرة والوسطاء الذين يعملون على الترويج لتلك الشقق.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، أنه فوجئ بأن صاحب شقة مكونة من غرفتين ومطبخ وصالة طلب منه 1300 دولار شهرياً، وقال: «أنا مواطن بسيط أعمل في شركة قطاع خاص، وكل ما أتحصل عليه شهرياً 550 دولاراً».

حتى الوحدات المتضررة لم تسلم من علو الإيجارات، وأشار عمر إلى أن صاحب شقة متضررة طلب منه نحو 600 دولار، رغم أن بعضها مغطى بالشوادر، واصفاً ما يجري بأنه «ظلم».

وأضاف بحسرة طغت على نبرته: «صدق من قال إن المنزل هو الوطن، ونحن الآن بلا وطن».

حتى النساء ممنوعات من الزيارة

تقول إيمان العطار، وهي شابة تعمل في الوساطة عبر الإنترنت بين المؤجر والمستأجر، إن بعض الشروط يراها كثيرون «طبيعية»، مشيرةً إلى أن أصحاب الشقق يخشون أن يستضيف المستأجرون أقاربهم النازحين في الشقة نفسها، مما يؤثر على الخدمات داخل البناية.

نازحون يسيرون وسط الخيام في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وروت واقعة فرض فيها المؤجر على المستأجر عدم استقبال أي ضيوف، رجالاً كانوا أو نساءً، بدعوى أن إسرائيل قصفت نساء لأن أزواجهن نشطاء في فصائل. وقالت إن المستأجر رفض هذا الشرط جملةً وتفصيلاً.

أما منع المستأجر من استقبال الرجال، فبات حالة متكررة، حسبما قالت، وأصبح يوضع ضمن شروط العقد.

ولا تنكر إيمان العطار أن غالبية أصحاب الشقق يستغلون الوضع القائم حالياً، حيث لا توجد رؤية واضحة بشأن إعادة الإعمار أو توقف الحرب نهائياً، لوضع شروطهم ورفع أسعار الإيجارات بشكل مبالغ فيه.


مقالات ذات صلة

الوسطاء يرحبون بتشكيل لجنة التكنوقراط برئاسة شعث لإدارة قطاع غزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمرتها العمليات الجوية والبرية الإسرائيلية في حي الزيتون بمدينة غزة يوم 14 يناير 2026 (أ.ب)

الوسطاء يرحبون بتشكيل لجنة التكنوقراط برئاسة شعث لإدارة قطاع غزة

نشرت الخارجية القطرية بياناً مشتركاً عن دول الوساطة في غزة رحّبت فيه بتشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي عبد الحميد شعث.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص خيام لنازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة تحيط بها مياه الأمطار يوم الأربعاء (رويترز) play-circle 01:34

خاص مصادر: أعضاء «لجنة غزة» سيلتقون ميلادينوف في السفارة الأميركية بالقاهرة

كشفت مصادر فلسطينية أن الأعضاء المرشحين لعضوية «لجنة غزة» سيلتقون المرشح لرئاسة هيئة «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، الخميس، في السفارة الأميركية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يتلقى الأطفال الفلسطينيون طعاماً مُعداً في مطبخ خيري برفح (أرشيفية-د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 6 مسلحين في رفح

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، مقتل 6 من المسلّحين في رفح، اليوم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الفلسطيني علي شعث المرشح البارز لرئاسة لجنة إدارة غزة (صورة نشرتها عائلته)

علي شعث رئيساً لـ«لجنة إدارة غزة»... ماذا نعرف عنه؟

أعلن الوسطاء، مصر وقطر وتركيا، الأربعاء، تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة قطاع غزة برئاسة علي شعث.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقباله وزيرة خارجية آيرلندا هيلين ماكينتي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

خاص وزيرة خارجية آيرلندا تزور معبر رفح... ومصر تصر على فتح الاتجاهين

سلطت زيارة قامت بها وزيرة الدفاع والخارجية والتجارة الآيرلندية هيلين ماكينتي إلى معبر رفح الحدودي الضوء على الجهود المصرية لإدخال المساعدات إلى غزة.

أحمد جمال (القاهرة)

إرادة دولية تدعم لبنان بـ«حصر السلاح»

Hezbollah fighters hold their group's flag as they stand in front of a statue of Iranian General Qassem Soleimani and swear their oath of allegiance to him, during a ceremony to mark the second anniversary of his assassination, in the southern suburb of Beirut, Lebanon, Tuesday, Jan. 4, 2022. Soleimani was the head of Iran's Quds force who was killed by a U.S. drone in Baghdad in January 2020. (AP Photo/Hussein Malla)
Hezbollah fighters hold their group's flag as they stand in front of a statue of Iranian General Qassem Soleimani and swear their oath of allegiance to him, during a ceremony to mark the second anniversary of his assassination, in the southern suburb of Beirut, Lebanon, Tuesday, Jan. 4, 2022. Soleimani was the head of Iran's Quds force who was killed by a U.S. drone in Baghdad in January 2020. (AP Photo/Hussein Malla)
TT

إرادة دولية تدعم لبنان بـ«حصر السلاح»

Hezbollah fighters hold their group's flag as they stand in front of a statue of Iranian General Qassem Soleimani and swear their oath of allegiance to him, during a ceremony to mark the second anniversary of his assassination, in the southern suburb of Beirut, Lebanon, Tuesday, Jan. 4, 2022. Soleimani was the head of Iran's Quds force who was killed by a U.S. drone in Baghdad in January 2020. (AP Photo/Hussein Malla)
Hezbollah fighters hold their group's flag as they stand in front of a statue of Iranian General Qassem Soleimani and swear their oath of allegiance to him, during a ceremony to mark the second anniversary of his assassination, in the southern suburb of Beirut, Lebanon, Tuesday, Jan. 4, 2022. Soleimani was the head of Iran's Quds force who was killed by a U.S. drone in Baghdad in January 2020. (AP Photo/Hussein Malla)

عكس الإعلان عن عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني في العاصمة الفرنسية باريس يوم 5 مارس (آذار)، إرادة دولية لتنفيذ حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. واكتسب الإعلان الذي صدر أمس زخماً دولياً، تمثل بدعم «الخماسية» التي تضم ممثلين عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وفرنسا ومصر وقطر؛ في خطوة يُنظر إليها على أنها جزء من مسار تمكين القوات المسلحة من إتمام مهامها، لا سيما نزع سلاح «حزب الله».

ومن المقرر أن تُعقد اجتماعات بين قيادة الجيش اللبناني والدول المانحة، خلال الفترة التي تسبق انعقاد المؤتمر، لتحديد الحاجات والاحتياجات.

في المقابل، لوّح «حزب الله» بورقة «الحرب الأهلية»؛ إذ قال نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي، إن تصريحات المسؤولين حول مرحلة شمال الليطاني «تعني أن الحكومة ذاهبة إلى الفوضى واللااستقرار، وإلى وضع داخلي لن يرضى به أحد، وربما إلى حرب أهلية».


واشنطن تطلق المرحلة الثانية في غزة

خيام لنازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة تحيط بها مياه الأمطار يوم الأربعاء (رويترز)
خيام لنازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة تحيط بها مياه الأمطار يوم الأربعاء (رويترز)
TT

واشنطن تطلق المرحلة الثانية في غزة

خيام لنازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة تحيط بها مياه الأمطار يوم الأربعاء (رويترز)
خيام لنازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة تحيط بها مياه الأمطار يوم الأربعاء (رويترز)

منحت الولايات المتحدة ضوءاً أخضر لـ«إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترمب لإنهاء الصراع في غزة».

وأعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، أمس، نيابةً عن ترمب، الانتقال إلى المرحلة الجديدة، موضحاً أنها «تنتقل من وقف النار إلى نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار». وأضاف ويتكوف أن هناك «إدارة فلسطينية تكنوقراطية انتقالية تنشأ في غزة، وتمثلها اللجنة الوطنية لإدارة القطاع». وتابع أن هذه الإدارة «تبدأ عملية نزع السلاح وإعادة الإعمار، ولا سيما نزع سلاح جميع الأفراد غير المصرح لهم».

وأعلن الوسطاء، في مصر وقطر وتركيا، أمس، تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة قطاع غزة، برئاسة علي شعث. وتحظى هذه اللجنة بدعم داخلي ودولي؛ إذ رحّبت الرئاسة الفلسطينية والفصائل، بتشكيل اللجنة، وعبّرتا، في بيانين منفصلين، عن دعمهما لها.


هل يتنازل السوداني للمالكي في تشكيل الحكومة العراقية؟

رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

هل يتنازل السوداني للمالكي في تشكيل الحكومة العراقية؟

رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

على مدى الأيام الماضية لم يتمكن «الإطار التنسيقي الشيعي» في العراق من عقد اجتماع لحسم مسألة تنازل رئيس الوزراء وزعيم ائتلاف الإعمار والتنمية، شيّاع السوداني، لزعيم دولة القانون ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

وعلى الرغم من إصداره بياناً أكد فيه أنه تمكن من حسم مسألة ترشيح رئيس للوزراء طبقاً للمهل الدستورية، فإنه لم يعلن طبقاً للبيان الرسمي، اسم المرشح. لكن ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد السوداني أعلن أن الأخير تنازل أمام قادة «الإطار التنسيقي الشيعي» عن حقه في تشكيل الحكومة بوصفه الفائز الأول بأعلى الأصوات، وأعلى المقاعد في البرلمان الجديد، للفائز الثاني، نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق.

ومع أن السردية الشيعية التي رافقت مسار تشكيل الحكومات السابقة وصولاً إلى الحكومة المقبلة، التي لا تزال تنتظر التشكيل وسط عوائق وصعوبات، تقوم على متوالية قوامها عدم التجديد لأي رئيس وزراء لولاية ثانية. ورغم الفوز الكبير الذي حققه السوداني في الانتخابات الأخيرة، فإنه تمت محاصرته بهذا المعيار الذي استحدثته القوى الشيعية الحاكمة، بينما تنتظر الآن الموافقة النهائية لتولي المالكي منصب رئيس الوزراء لولاية ثالثة، وهو ما سبق ورفضته المرجعية الشيعية العليا من المنطلق نفسه، ومن أن «المجرب لا يجرب».

المصادر السياسية التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، سواء المؤيدة للسوداني أو المناوئة له، اتفقت على أن ما حصل على صعيد تنازل السوداني للمالكي أحدث «ليس فقط إرباكاً داخل البيت الشيعي بل زلزالاً سياسياً سوف تكون له ارتداداته على مجمل الوضع السياسي في البلاد»، حسبما يقول مقرب من السوداني.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «السوداني كان قد طلب من قادة (الإطار التنسيقي) التفاهم مع المالكي على انفراد وهو ما حصل بالفعل حيث عقدت عدة لقاءات بين الرجلين، لكن المفاجأة التي كان قد حضرها السوداني لم تكن متوقعة لا من المالكي نفسه وأوساط حزب الدعوة بقيادته، الذي كان ينتمي إليه السوداني، ولا من قِبَل قادة (الإطار التنسيقي)».

وكشف المصدر عن أن «السوداني أبلغ المالكي أنه سوف يتنازل له في حال رشح هو شخصياً للمنصب، وهو ما فاجأ الجميع وأولهم المالكي وبقية قيادات الإطار الذين لم يكونوا قد هيأوا أنفسهم لمثل هذا السيناريو».

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية في بغداد مؤخراً (أ.ف.ب)

مجازفة أم مناورة غير محسوبة؟

تحدث سياسي عراقي لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن «ما أقدم عليه السوداني لجهة التنازل للمالكي ليس عملية بريئة يمكن أن تدخل في باب نكران الذات لأن المسألة ليست مجرد استحقاق شخصي بل برلماني لفائز حاصل على كتلة من نحو 47 مقعداً، مرشحة أن تتفكك في حال كان التنازل شخصياً». ويضيف هذا السياسي، الذي طلب عدم الإشارة إلى اسمه أو مركزه، أن «السوداني قد يكون ناور لأنه وجد نفسه محاصراً وسط أزمات داخلية وإقليمية ودولية وتطورات غير محسوبة ربما تقع على كاهله كل نتائجها في حال شكَّل حكومة. لكن هذه المناورة لا تبدو محسوبة تماماً بل تقع في خانة المجازفة في حال تمكن المالكي من حصول على إجماع شيعي».

ورداً على سؤال حول دقة ما أشيع عن تدخل إيراني أو رسالة إيرانية بشأن منح المالكي فرصة تشكيل الحكومة، قال السياسي نفسه إن «إيران بدأت تلعب الآن في الوقت الضائع لجهة ما كان معروفاً عنها من تدخل واضح في تشكيل الحكومات العراقية السابقة أو لجهة وضعها في مواجهة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب. وبالتالي من الصعب عليها الآن اتخاذ قرارات لصالح فلان أو ضد فلان مع أن هناك مَن روّج لرسالة إيرانية داعمة للمالكي لكنها ليست مؤكدة».

صورة نشرها إعلام «الإطار التنسيقي» لاجتماع حضره السوداني وغاب عنه المالكي

وفي السياق، ورغم أن أوساط حزب الدعوة ودولة القانون التي يتزعمها المالكي تتحدث عن أنه هو مَن سيشكل الحكومة المقبلة، وأنه حصل على الضوء الأخضر، لا سيما بعد جواب المرجعية الذي لا يحمل رفضاً صريحاً، ومع سكوت زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، حتى الآن, فإن «الإطار التنسيقي الشيعي» قرر عقد اجتماع حاسم يوم السبت المقبل لتحديد مصير المرشح المتفق عليه.

وطبقاً للحراك السياسي داخل البيت الشيعي فإن المالكي، ورغم تنازل السوداني، لم يحصل على إجماع داخل «الإطار التنسيقي»، وهو أحد شروط الترشح لرئاسة الوزراء، فضلاً عن أن الأوضاع الدولية، لا سيما تهديدات ترمب ضد إيران، يمكن أن تؤثر على مسار تشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما يجعل قوى «الإطار التنسيقي» في وضع صعب، لا سيما أن هناك ملامح انشقاق داخل البيت الشيعي في حال تم ترشيح المالكي رسمياً خلال اجتماع السبت المقبل.