فرنسا تمنع إعلان «استقلال القبائل» لإنقاذ العلاقات مع الجزائر من الانهيار

وسط غضب جزائري واسع... وتحدّي الانفصاليين لقرار الحظر

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

فرنسا تمنع إعلان «استقلال القبائل» لإنقاذ العلاقات مع الجزائر من الانهيار

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

بينما كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تسير في منحى تصعيدي، بسبب النشاط اللافت لانفصاليي منطقة القبائل، قررت باريس في اللحظة الأخيرة، إلغاء حفل كان الانفصاليون يعتزمون تنظيمه، الأحد، لإعلان «دولة القبائل المستقلة»، وهو ما يعني إنقاذ العلاقات الثنائية من انهيار كامل وشيك.

وأفادت «حركة الحكم الذاتي في القبائل» النشطة بفرنسا، ليل السبت - الأحد، في بيان، أن «لجنة تنظيم إعلان استقلال القبائل أخذت علماً، وبأسف، بالقرار الصادر عن محافظة إيفلين (غرب باريس)، القاضي بمنع إقامة المراسم التي كان من المقرر تنظيمها يوم الأحد 14 ديسمبر (كانون الأول) 2025 في قصر المؤتمرات بفرساي».

فرحات مهني زعيم الحركة الانفصالية خلال تجمع سابق في باريس (متداول)

وحسب البيان، «يستند القرار إلى دوافع أمنية... وبرغم اطلاع اللجنة على هذا التعليل، فإنها تُبدي تحفظات جدّية بشأن الطبيعة الحقيقية لهذه المبررات، التي قد تكون ناتجة عن ضغوط مارستها السلطات الجزائرية»، مشيراً إلى أنه «تقرر رفع دعوى استعجالية، تحت إجراء حماية الحريات، من أجل الحصول على تعليق عاجل لهذا القرار طبقاً للأحكام القانونية المعمول بها».

وأضاف بيان الانفصاليين: «في حال إلغاء القرار من طرف القضاء الإداري، ستُقام المراسم كما كان مخططاً لها في الأصل. أما في حال عدم إلغاء القرار، فسيتم إعلان استقلال القبائل هذا الأحد، في صيغة أكثر محدودية وفي مكان غير مُعلن. وسيُبث الإعلان علناً عبر وسائلنا الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي ابتداءً من الساعة السادسة مساءً».

ولفت البيان نفسه إلى أن «ضيوفاً أجانب مرموقين كانوا سيحضرون الحفل، إلى جانب مناضلين ومتعاطفين قطعوا مسافات طويلة للمشاركة في هذه المراسم التاريخية».

ويشار إلى أن التنظيم الانفصالي، المعروف اختصاراً بـ«ماك»، وضعته الجزائر على لائحة «الإرهاب» عام 2021، وأطلق قضاؤها مذكرة اعتقال دولية ضد زعيمه المطرب الأمازيغي اللاجئ بفرنسا فرحات مهني، بعد إدانته بالسجن 20 سنة بتهمة «الإرهاب».

براغماتية سياسية

ويفهم قرار منع تظاهرة «إعلان دولة القبائل المستقلة» على أنه «مبادرة ودية» من جانب فرنسا تجاه الجزائر، في تقدير مراقبين، خصوصاً أنها أظهرت حرصاً كبيراً على ترميم العلاقات مع مستعمرتها السابقة، التي شهدت تدهوراً غير مسبوق منذ أكثر من عام على خلفية غضب الجزائر من انحياز «الإليزيه» للمغرب في نزاع الصحراء.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

وجاء هذا المنع في سياق ترتيبات جارية منذ أسبوعين، لزيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر للبحث في ملفات متعلقة بالأمن والهجرة غير النظامية... ولم يكن ممكناً، في تقدير المراقبين، أن تسمح فرنسا بمبادرة كانت ستتسبب في انهيار التقارب الذي شهدته العلاقات الثنائية في المدة الأخيرة.

وحول هذا الموضوع، كتب الناشط السياسي الجزائري المقيم بفرنسا، خالد فرحات، بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «إن قرار محافظة إيفلين بمنع حركة الحكم الذاتي في القبائل، من تنظيم حفل موقع عمومي، لا يندرج في إطار الحفاظ على النظام العام، بل يعكس خياراً سياسياً واضحاً ومتعمداً. فقد أدركت فرنسا تماماً أن السماح للتنظيم الانفصالي بإعلان استقلال القبائل علناً على أراضيها، سيُعدّ عملاً سياسياً بالغ الخطورة، قد تترتب عليه تداعيات جسيمة على أي مسعى مستقبلي لتطبيع العلاقات أو تعزيز التعاون الدبلوماسي مع الجزائر».

وصرح الناشط بأن السلطات الفرنسية «حرصت، من خلال هذا المنع، على تجنب استفزاز الدولة الجزائرية، وهي تدرك أن مثل هذا الحدث كان سيُفسَّر على أنه اعتراف ضمني بحركة انفصالية. ويُجسّد هذا القرار مرة أخرى واقع البراغماتية السياسية الفرنسية، حيث تتقدّم المصالح الاستراتيجية والدبلوماسية على المبادئ المعلنة لحرية التعبير والتعددية السياسية».

تظاهرة في منطقة القبائل رافضة للانفصال (ناشطون)

وأضاف: «بهذا، اختارت فرنسا منطق الوقاية من الأضرار الدبلوماسية، معترفة ضمنياً بأن القضية القبائلية ملف شديد الحساسية، وقادر على زعزعة العلاقات الثنائية. كما يُظهر هذا الرفض أنه عندما ترتفع الرهانات الجيوسياسية، تصبح الحقوق السياسية مشروطة وانتقائية». وتابع الناشط قراءته للحدث: «بالنسبة إلى القبائل، يؤكد هذا الحدث أن مطلبها في تقرير المصير لا يصطدم فقط بالقمع الداخلي، بل كذلك بالقيود التي تفرضها التوازنات الدولية، حيث يتغلب الاستقرار الدبلوماسي على عالمية الحقوق».

داخلياً كانت السلطات قد شنّت في الأيام الأخيرة، حملة عنيفة ضد فرنسا عن طريق وسائل الإعلام، واتهمتها بـ«التساهل مع حركة تبحث عن تقسيم الجزائر»، وبأن «ما عجزت فرنسا عن تحقيقه خلال فترة الاستعمار (1954-1962) تسعى اليوم لاستدراكه بواسطة خونة ومرتزقة يعيشون بكل حرية فوق أرضها».

استنكار حزبي

كما اتخذت أصوات كثيرة مواقف رافضة للمغامرة الانفصالية لحركة «ماك»؛ إذ أثار مشروعها الانفصالي موجة استنكار غير مسبوقة، حيث جدّد كلٌّ من «جبهة القوى الاشتراكية» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«حزب العمال»، وهي ثلاثة أحزاب راسخة الحضور في منطقة القبائل، تمسّكها بوحدة الجزائر.

وقالت «حركة مجتمع السلم» الإسلامية في بيان السبت، إنها «تابعت ببالغ الاستنكار والرفض، الانزلاقات الخطيرة والمناورات اليائسة الصادرة عن كيان (ماك) المصنف إرهابياً، وما يروج له من دعوى انفصالية، تندرج ضمن مخططات تقسيم وتفكيك الوحدة الوطنية وضرب استقرار الجزائر، خدمة لأجندات خارجية معادية مرتبطة بالخلفيات الاستعمارية والمشاريع الوظيفية».

متظاهر من «ماك» (ناشطون)

من جهته، كتب المؤرخ والمثقف محمد أرزقي فراد، المعروف بكتاباته عن تراث وتاريخ منطقة القبائل، في مقال نشره موقع «الخبر» الأحد: «لا شكّ أنّ النزعة الانفصالية بذرة غريبة عن مجتمعنا، خرجت من رحم المخابر الكولونيالية في القرن الـ19 في إطار سياسة فرّق تسد وقد تصدى لها أجدادنا بنجاح طيلة فترة الاحتلال الفرنسي، لكنها لم تلبث أن عادت إلى الواجهة بعد استرجاع السيادة الوطنية، لأسباب كثيرة، منها إقصاء العنصر الأمازيغي من الشخصية الوطنية، وهو خطأ ارتكب في مطلع الاستقلال حسب شهادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي»، وزير الثقافة والتعليم بين 1965 و1970 الذي توفي في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.


مقالات ذات صلة

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

شمال افريقيا وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)

الجزائر: جدل سياسي بشأن «التعديل الدستوري التقني»

تترقب الرئاسة الجزائرية تسلم مواقف الأحزاب مكتوبة بشأن مشروعَيْ «التعديل الدستوري التقني» و«تعديل قانون الانتخابات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية فلاديمير بيتكوفيتش مدرب منتخب الجزائر (رويترز)

رئيس الجزائر يدعم منتخب بلاده ومدربه بيتكوفيتش

توجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد، بتهانيه الحارة لمنتخب بلاده لكرة القدم وجهازه الفني، عقب مشاركته الأخيرة في نهائيات بطولة كأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قادة أحزاب جزائرية خلال اجتماع تشاوري نظمته الرئاسة بشأن تعديل الدستور (الرئاسة)

مشاورات سياسية موسّعة في الجزائر بشأن قانون جديد للأحزاب

باشر البرلمان الجزائري الاستماع إلى آراء ومقترحات الأحزاب السياسية غير الممثّلة في المؤسسة التشريعية، بشأن مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«الغالبية الرئاسية» تنتفض ضد وثائقي فرنسي استهدف رموز الجزائر

خلّف برنامج صحافي بثّته القناة الفرنسية العمومية «فرانس2»، وتناول قضايا خلافية مثيرة بين الجزائر وباريس، موجة سخط واسعة في أوساط «الغالبية الرئاسية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

المنتدى البرلماني المغربي الفرنسي يبحث «الأمن ومكافحة الإرهاب»

رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب المغربي خلال افتتاح أشغال أعمال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي الفرنسي (أ.ف.ب)
رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب المغربي خلال افتتاح أشغال أعمال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي الفرنسي (أ.ف.ب)
TT

المنتدى البرلماني المغربي الفرنسي يبحث «الأمن ومكافحة الإرهاب»

رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب المغربي خلال افتتاح أشغال أعمال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي الفرنسي (أ.ف.ب)
رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب المغربي خلال افتتاح أشغال أعمال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي الفرنسي (أ.ف.ب)

تحتضن العاصمة المغربية الرباط، اليوم الخميس، أعمال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي الفرنسي، بمشاركة مسؤولين وأعضاء من برلمانَي البلدين، وعدد من الوزراء من الجانبين المغربي والفرنسي.

ويهدف المنتدى إلى تعزيز الحوار والتشاور، وتبادل الرؤى بين البرلمانيين المغاربة ونظرائهم الفرنسيين؛ بهدف تنسيق المواقف، ودرس مختلف القضايا موضع الاهتمام المشترك.

ويتضمن برنامج الدورة أربع جلسات موضوعاتية، بمشاركة برلمانيين من البلدين، تتناول ملفات استراتيجية؛ حيث تُخصص الجلسة الأولى لمناقشة «الآفاق الجديدة للتعاون الثنائي»، تليها جلسة ثانية تبحث قضايا «الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة».

وستنكبّ الجلسة الثالثة على موضوع «حقوق المرأة والمشاركة في الحياة العامة»، بينما تخصص الجلسة الرابعة لتدارس ملف «الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة». وستعرف هذه الجلسات مشاركة وازنة لعدد من الوزراء والمسؤولين عن القطاعات المعنية من الجانب المغربي.

وإلى جانب هذه الجلسات الرسمية، يشهد المنتدى نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً ومباحثات ثنائية بين الجانبين. وستُختتم أعمال هذه الدورة، التي تعرف حضور وفد برلماني فرنسي رفيع المستوى يضم أعضاء من مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، ببيان ختامي يتضمن الخلاصات المنبثقة من أشغال الدورة.

تجدر الإشارة إلى أن المنتدى البرلماني المغربي الفرنسي راكم مساراً متميزاً من الحوار المؤسساتي، منذ انطلاق دورته الأولى بالرباط سنة 2013، تلتها الدورة الثانية بباريس سنة 2015، ثم الدورة الثالثة في الرباط سنة 2018، وصولاً إلى الدورة الرابعة التي استضافتها باريس سنة 2019. ويُكرس هذا المنتدى مكانته كفضاء استراتيجي للحوار والتشاور، وتبادل الرؤى بين البرلمانيين المغاربة ونظرائهم الفرنسيين، بهدف تنسيق المواقف وتدارس مختلف القضايا ذات الأهمية المشتركة بين البلدين.


سياسية فرنسية تنتقد «الإساءة للجزائر»... وتؤكد التزامها المصالحة

الرئيس الجزائري مع مساعديه ووزيرة الثقافة خلال محادثاته مع رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر» (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع مساعديه ووزيرة الثقافة خلال محادثاته مع رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر» (الرئاسة الجزائرية)
TT

سياسية فرنسية تنتقد «الإساءة للجزائر»... وتؤكد التزامها المصالحة

الرئيس الجزائري مع مساعديه ووزيرة الثقافة خلال محادثاته مع رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر» (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع مساعديه ووزيرة الثقافة خلال محادثاته مع رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر» (الرئاسة الجزائرية)

وجهت السياسية الاشتراكية الفرنسية، سيغولين رويال، انتقادات حادة إلى وثائقي تلفزيوني عدّته الجزائر «مسيئاً لرموزها»، بعد أن تناول التوترات الحادة بين البلدين، التي حاولت رويال الإسهام في تهدئتها خلال زيارتها الجزائر يومي الثلاثاء والأربعاء.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية (الرئاسة الجزائرية)

صرّحت رويال، رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر»، الأربعاء، للتلفزيون العمومي الجزائري، بأنها رفضت المشاركة في البرنامج المثير للجدل، الذي بثته «القناة الفرنسية العمومية الثانية»، الخميس الماضي، ووصفته بأنه عمل «مهين» للجزائر، و«موجّه سياسياً».

وأوضحت رويال أنها تلقت دعوة للظهور في فقرة بنهاية البرنامج، لكنها اشترطت الاطلاع على المحتوى مسبقاً نظراً إلى حساسية الموضوع، وفق ما قالت، مؤكدة أنها فور مشاهدتها إياه قررت عدم الإسهام فيه أو «السماح باستخدام اسمها لجذب المشاهدين نحو مادة أرفضها تماماً»، وترى فيها «إهانة كبيرة للجزائر».

وقالت رويال إنها وجهت رسالة نصية إلى القائمين على البرنامج، تبلغهم فيها بأن مضمون الوثائقي «غير مقبول»، متسائلة بلهجة استنكارية: «تخيلوا لو أن قناة تلفزيونية عمومية جزائرية بثت التقرير نفسه عن إيمانويل ماكرون، فكيف سيكون رد فعل فرنسا؟»، وكانت تشير لكلام مسيء إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، جاء على لسان اليوتيوبر الجزائري اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، الذي يعدّ أحد عناصر التوتر الحاد الذي يَسِم علاقات البلدين منذ عام ونصف العام.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ووفق رويال، فإن التقرير «افتقد أي موضوع إيجابي واحد». كما عدّته «صادماً»، وأنه «أساء إلى سمعة المنتخبين مزدوجي الجنسية»، لافتة إلى أن بدء «إنتاجه في عهد وزير الداخلية السابق، برونو ريتايو، يفسر توجهه السياسي». في إشارة إلى المواقف الحادة من الوزير السابق تجاه الجزائر، في بدايات الأزمة، حيث اختلف مع الرئيس ماكرون بشأن نهج التشدد مع الجزائر، الذي تبناه بقوة.

مزدوجو الجنسية في قلب الجدل

في سياق تحليلها أهداف التقرير التلفزيوني، رأت رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر» أن «الغاية منه هي محاولة إقصاء مزدوجي الجنسية عبر التشكيك في ولائهم»، منتقدة استناد البرنامج إلى «شهادة مجهولة المصدر لمنتخبة تزعم تعرضها لضغوط، في حين أن تواصل القنصليات مع رعاياها لتنشيط حضورهم لهو دور طبيعي ومعمول به».

وأكدت رويال أن بث هذا «السم الصغير»، المتمثل في اتهام المنتخبين بـ«الخضوع لتدخل أجنبي»، يشكل، وفقها، «آلية معروفة تأتي قبل شهرين فقط من الانتخابات البلدية في فرنسا، وذلك بهدف إقصائهم عن المشهد السياسي».

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وتناول برنامج «فرنس2» تحقيقاً استقصائياً بعنوان «حرب خفية» بين فرنسا والجزائر، تقوم، وفق ما جاء فيه، على صراع روايات وتبادل اتهامات، إلى جانب حملات تأثير إعلامي وسياسي متبادلة، في ظل توتر دبلوماسي غير مسبوق منذ استقلال الجزائر. واعتمد التحقيق على شهادات ووثائق تتحدث عن ضغوط مزعومة ومحاولات تأثير وتجسس، في محاولة لفهم آليات إدارة الأزمة بين البلدين.

وتطرق الوثائقي إلى مذكرة صادرة عن جهاز الأمن الداخلي الفرنسي، تتعلق بحادثة تعود إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، يُزعم فيها أن مستشارة بلدية فرنسية من أصول جزائرية، تقيم في منطقة باريس، استُدعيت إلى القنصلية الجزائرية في كريتاي بضواحي العاصمة، حيث عقدت لقاء لنحو ساعتين مع شخص قُدم على أنه عنصر استخباراتي جزائري.

ووفق المذكرة، فقد تعرضت المستشارة لتوبيخ بسبب تدشينها لوحة شارع تخليداً لذكرى المغني الأمازيغي الراحل لونيس معطوب، من دون الإشارة إلى جنسيته الجزائرية، والاكتفاء بوصفه بـ«القبائلي».

وتضمن الوثائقي ظهور المعارض أمير بوخرص، الذي وجه اتهامات مباشرة إلى الرئيس الجزائري، زاعماً أنه أعطى «الضوء الأخضر» لتنفيذ عملية اختطافه واحتجازه سنة 2024 في ضواحي باريس.

ووفق ما أورده التحقيق، فقد كانت العملية تهدف إلى تصفية المعارض؛ لكنها أخفقت؛ مما أسفر عن توجيه اتهامات إلى 8 جزائريين، من بينهم دبلوماسيان، أُودع أحدهما السجن.

كما شارك السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، ستيفان روماتييه، في الوثائقي، حيث علّق على حالة التوتر القائمة بين البلدين، مؤكداً أن فرنسا والجزائر «تملكان القدرة على تجاوز الخلافات الراهنة»، علماً بأنه غادر منصبه منذ أبريل (نيسان) الماضي في سياق حلقات تصعيد متتالية بين البلدين.

ملصق وثائقي «فرنس 2» الذي أثار جدلاً حاداً في الجزائر

والسبت الماضي، استدعت وزارة الخارجية الجزائرية القائم بالأعمال في سفارة فرنسا، وأبلغته احتجاجها الشديد على «الأكاذيب والافتراءات والإساءات بحق الدولة الجزائرية ومؤسساتها، التي تضمنها الوثائقي»، مشددة على «خطورة تورط قناة خدمة عمومية فرنسية في هذا العمل»، وعدت ذلك «مؤشراً على تواطؤ أو موافقة رسمية».

هجوم من الإعلام الفرنسي إثر دعوة للمصالحة

عقب استقبالها من طرف الرئيس تبون، الثلاثاء الماضي، صرّحت رويال بأن هدف زيارتها هو «تعزيز الحوار والصداقة بين البلدين، والعمل على بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل»، في سياق توتر دبلوماسي تفجر إثر اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء في يوليو (تموز) 2024.

وقالت رويال إن «التاريخ المشترك بين فرنسا والجزائر يحمل جراحاً وذكريات عن الهيمنة والمقاومة»، مشيرة إلى «أهمية معالجة هذه الذاكرة، وإعادة بناء الثقة عبر الاعتراف بالحقائق، والاعتذار عن المظالم التاريخية».

لكن لم يلق خطاب السياسية السبعينية، الذي وُصف بـ«المعتدل» و«المصالِح» في الجزائر، قبولاً في فرنسا، بل أثار هجمات حادة من المعسكر المعارض للتقارب مع الضفة الأخرى من المتوسط، حيث اتُّهمت بـ«الخيانة»، وبأنها «جبانة»، ووُصفت بـ«الملحَقة الإعلامية التي تروّج لمصالح الجزائر»، كما تعرضت لإهانات شخصية على شبكات التواصل ووسائل الإعلام المقرّبة من اليمين المتطرف، خصوصاً قناتي «سي نيوز» و«بي إف إم تي في».

كما وجه نواب وبعض الأصوات من أقصى اليمين انتقادات إلى سيغولين رويال، وعدّو دعوتها إلى الحوار وبناء جسور الصداقة مع الجزائر متعارضةً مع بعض المصالح السياسية.

ويعكس هذا الأسلوب من الانتقادات، وفق مراقبين، نمطاً سبق أن استهدف شخصيات فرنسية أخرى زارت الجزائر مؤخراً، مثل البرلماني ديفيد غيرو من حزب «فرنسا الأبية»، ووزير الخارجية جان نويل بارو؛ مما يبرز وجود تحفظات من بعض الجهات السياسية والإعلامية تجاه أي مبادرات للتقارب مع الجزائر، وفق المراقبين أنفسهم.


«يونيسف»: السودان يسجل أكبر عملية نزوح في العالم

السودان سجل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)
السودان سجل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)
TT

«يونيسف»: السودان يسجل أكبر عملية نزوح في العالم

السودان سجل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)
السودان سجل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

حذر فرع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اليوم (الخميس)، من أن السودان سجل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم، حيث نزح نحو 9.5 مليون شخص في 18 ولاية.

وأكدت «يونيسف»، في بيان عبر منصة «إكس»، أن أطفال السودان يعانون من كارثة إنسانية ناجمة عن الحرب وتفشي الأمراض والجوع جراء الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الذي اندلع منذ نحو ثلاث سنوات.

ودعت «يونيسف» إلى توفير السلام والاستقرار الدائمين في السودان، مشددةً على الحاجة للمزيد من التغطية الإعلامية والتمويل للتعامل مع الوضع في السودان.

وقال البيان: «تواصل (يونيسف) جهودها على الأرض، حيث تقدم الخدمات الأساسية المنقذة للحياة مع الشركاء للأطفال والأسر المتضررة، بما في ذلك الصحة والتغذية والمياه الصالحة للشرب والدعم النفسي والاجتماعي والتعليم».

وتسبب الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الذي اندلع في أبريل (نيسان) 2023، في تشرد ما يزيد على 12.5 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، من بينهم أربعة ملايين اضطروا إلى عبور الحدود باتجاه دول الجوار، حسب الأمم المتحدة.