ملفات «مهمة وثقيلة» تتصدّر مباحثات مسؤولي الجزائر وسوريا

أبرزها مكافحة الجريمة والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود

وزيرا خارجية الجزائر وسوريا سابقاً في 22 يوليو 2022 (الوزارة الجزائرية)
وزيرا خارجية الجزائر وسوريا سابقاً في 22 يوليو 2022 (الوزارة الجزائرية)
TT

ملفات «مهمة وثقيلة» تتصدّر مباحثات مسؤولي الجزائر وسوريا

وزيرا خارجية الجزائر وسوريا سابقاً في 22 يوليو 2022 (الوزارة الجزائرية)
وزيرا خارجية الجزائر وسوريا سابقاً في 22 يوليو 2022 (الوزارة الجزائرية)

يبحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، منذ يوم الأربعاء في الجزائر، مع المسؤولين الجزائريين، ملفات مهمة وثقيلة تتعلق بمكافحة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود، والتحضير للقاء مرتقب بين الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والسوري أحمد الشرع، إلى جانب ملفات الطاقة وإعادة إعمار سوريا.

وبينما لم تُعلن أي جهة رسمية في الجزائر عن زيارة المسؤولين السوريين الرفيعين، أكدت «وكالة الأنباء السورية» أنهما وصلا إلى العاصمة الجزائر ليل الأربعاء «لإجراء مباحثات موسعة مع المسؤولين الجزائريين، وذلك لتمتين العلاقات والجهود الدبلوماسية المستمرة بين البلدين».

أجندة ثقيلة

وتندرج هذه الزيارة، وفق مصادر صحافية، في سياق تعزيز آليات التعاون المشترك، وتطوير مسار الدبلوماسية النشطة بين العاصمتين، والتي شهدت محطات تنسيقية متواصلة؛ حيث التقى الوزير السوري نظيره الجزائري أحمد عطاف في عدة مناسبات دولية سابقة، كما تسارعت وتيرة التقارب باستقبال دمشق لسفير الجزائر الجديد في صيف 2025.

الرئيس السوري مستقبلاً وزير خارجية الجزائر في 8 فبراير 2025 (الوزارة الجزائرية)

وكان رئيس الدبلوماسية الجزائرية أحمد عطاف قد أجرى زيارة إلى دمشق في شهر فبراير (شباط) 2025، التقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، وسلّمه رسالة من الرئيس عبد المجيد تبون، وهي المحطة التي شكّلت خطوة محورية مهمة في إطار ترتيب وتطوير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

ومما رشّح بخصوص الزيارة، فإن مباحثات وزير الخارجية ومدير المخابرات السوريين في الجزائر تتمحور حول ملفات حيوية فرضتها التحولات الكبرى الجارية في الشرق الأوسط وعبر العالم، وفي مقدمتها التنسيق الأمني والاستخباراتي بوصفه أولوية قصوى لمكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، ورصد تحركات العناصر المتطرفة بين المشرق والساحل الأفريقي، إلى جانب ضبط آليات لتدفق المعلومات لمواجهة الجريمة المنظمة، وجرائم غسل الأموال واستغلالها في تجارة المخدرات وتمويل شراء الأسلحة.

وعلى الصعيد السياسي، يبحث الجانبان الترتيبات الأولية لزيارة رئاسية مرتقبة تجمع الرئيسين عبد المجيد تبون وأحمد الشرع لتكريس العهد الجديد، فضلاً عن تنسيق المواقف تجاه القضايا المصيرية؛ حيث ترى الجزائر أنها تملك ثقلاً دبلوماسياً بإمكان دمشق الاستفادة منه لتثبيت ركائز العهد الجديد وسط بيئة إقليمية حديث عهد بالواقع السوري الجديد.

خبراء من شركة الكهرباء الجزائرية في سوريا لبحث الاحتياجات المحلية للطاقة (وزارة المحروقات الجزائرية)

كما ترسم الزيارة، وفق مصادر صحافية، أفقاً اقتصادياً عبر السعي لاستدعاء الاستثمارات والخبرات الجزائرية للإسهام في ملف إعادة الإعمار، وترميم بنى الطاقة التحتية، موازاة مع ضبط الخطوات العملية لإعادة تفعيل الخطين الجويين المباشرين نحو دمشق وحلب لتسهيل حركة التجارة والسياحة بين البلدين.

«إعادة تموضع استراتيجي لدمشق»

وبخصوص الزيارة، يقول محمد الأمين مقراوي، الأستاذ الجزائري المحاضر في جامعة كييف بأوكرانيا: «لا يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، ومعه رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة إلى الجزائر بوصفها مجرد مناورة بروتوكولية عابرة؛ بل هي في جوهرها تعبير مكثف عن مسارات إعادة التموضع الاستراتيجي لدمشق ما بعد التحرر والتحول الكبير، ومحاولة جادة لصياغة معادلة توازن استراتيجي جديد في فضاء المشرق والمغرب العربي الكبير».

وزيرا الخارجية السوري والجزائري في دمشق في 8 فبراير 2025 (الوزارة الجزائرية)

وحسب مقراوي، تستند هذه الزيارة إلى عدة مرتكزات كبرى ترسم ملامح الحراك الدبلوماسي السوري الجديد؛ يتمثل المرتكز الأول في سعي دمشق إلى الاستفادة من الموقف الدبلوماسي الجزائري التاريخي القائم على مبدأ الاعتراف بالدول لا بالحكومات، بما يسهم في تجديد شرعيتها الإقليمية وترسيخ دعائم العهد الجديد، في ظل بيئة عربية لا تزال تتلمس سبل التعاطي مع المتغيرات التي تشهدها سوريا.

والثاني، يعكس الحضور الأمني الرفيع في الوفد السوري، حسب المحلل، إدراكاً بأن استقرار الدولة السورية يمر حتماً عبر قنوات التنسيق الاستخباراتي الصلب؛ لقطع الطريق أمام ارتدادات الفراغ ومكافحة الجريمة المنظمة، ولجم الحركات الإرهابية العابرة للحدود.

وبالنسبة للمرتكز الثالث، يرى مقراوي أن القيادة السورية الحالية تُدرك أن استكمال شروط الاستقلال السياسي يرتبط بملفات الطاقة والاقتصاد؛ ومن هنا تأتي محاولة استدعاء الثقل الاقتصادي الجزائري للإسهام في معركة البناء الداخلي، وترميم المرافق الحيوية للدولة.

وزيرا العمل الجزائري والسوري في جنيف مايو الماضي (وكالة الأنباء السورية)

وقد حافظت الجزائر على علاقات دبلوماسية وثيقة مع دمشق، في عز تصاعد الأزمة السورية، متمسكة برفضها التام لقطع العلاقات أو التدخل في الشؤون الداخلية السورية، وهو موقف عرّضها لانتقادات واتهام بـ«التماهي مع النظام بشار الأسد». وفي مقابل هذه القراءات، تؤكد المقاربة الرسمية الجزائرية أن هذا التموضع لا ينطلق من دعم لشخص أو نظام، بل هو دفاع مستميت عن عقيدة سياسية خارجية راسخة، تقوم على مبدأ «الاعتراف بالدول لا الحكومات واحترام السيادة الوطنية».

وترى الجزائر في هذا النهج صمام أمان لمنع انهيار مؤسسات الدولة السورية، وتفادي سيناريوهات الفوضى التي عانت منها دول أخرى في المنطقة.

واستند الموقف الجزائري في الرد على تلك الاتهامات إلى إرث البلاد التاريخي، وتجربتها الذاتية القاسية خلال «العشرية السوداء» في التسعينات؛ وعلى هذا الأساس تتضمن السردية الرسمية أن الجزائر «تعي خطورة التدخلات الأجنبية، وتدويل الأزمات الداخلية، وتؤمن بأن الحلول المستدامة لا تصاغ إلا عبر الحوار السياسي الداخلي، بعيداً عن الإملاءات الخارجية».


مقالات ذات صلة

فضيحة «خيخون» التي غيّرت قوانين الـ«فيفا» للأبد

رياضة عالمية فضيحة خيخون تعدّ واحدة من أسوأ ذكريات كأس العالم (د.ب.أ)

فضيحة «خيخون» التي غيّرت قوانين الـ«فيفا» للأبد

في تاريخ كأس العالم، هناك مباريات صنعت أمجاداً خالدة، وأخرى أنجبت أساطير لا تُنسى. لكن مباراة واحدة فقط بقيت حاضرة في ذاكرة الجماهير لأنها تحولت إلى رمز للخداع.

فاتن أبي فرج (بيروت)
شمال افريقيا وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية البوسني فلاديمير بيتكوفيتش مدرب المنتخب الجزائري (رويترز)

خلاف مالي يؤجل حسم تجديد عقد بيتكوفيتش مع الجزائر

لا تزال مسألة تجديد عقد المدرب البوسني فلاديمير بيتكوفيتش مع المنتخب الجزائري لكرة القدم تنتظر الحسم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء هيئة الانتخابات خلال اللمسات الأخيرة على الترشيحات للانتخابات (السلطة)

الجزائر: هيئة الانتخابات تحمّل الأحزاب مسؤولية إقصاء مرشحيها للانتخابات

رفض رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة في الجزائر، التهم التي طالته من طرف الأحزاب إثر إسقاط عشرات المترشحين لاقتراع البرلمان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء بملف استرداد الأموال المنهوبة لدى وصولهم إلى باريس في 1 يونيو 2026 (وزارة الداخلية الجزائرية)

الجزائر: محاكمة «الوزير منظّر الليبرالية» تعيد ملفات الفساد إلى الواجهة

تعد قضية الوزير السابق حميد طمار واحدة من أبرز ملفات الفساد التي ارتبطت بفترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

بعد «أبو عجيلة» و«البكوش»... اتهامات للدبيبة بتسليم ليبي مطلوب إلى واشنطن

الليبي مرعي العرفي الذي تتهم أوساط سياسية واجتماعية الدبيبة بتسليمه إلى واشنطن (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الليبي مرعي العرفي الذي تتهم أوساط سياسية واجتماعية الدبيبة بتسليمه إلى واشنطن (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

بعد «أبو عجيلة» و«البكوش»... اتهامات للدبيبة بتسليم ليبي مطلوب إلى واشنطن

الليبي مرعي العرفي الذي تتهم أوساط سياسية واجتماعية الدبيبة بتسليمه إلى واشنطن (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الليبي مرعي العرفي الذي تتهم أوساط سياسية واجتماعية الدبيبة بتسليمه إلى واشنطن (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، اتهاماً جديداً بتسليم مشتبه به ليبي إلى الولايات المتحدة، على خلفية هجوم استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية.

وتأتي هذه الاتهامات في سياق قضايا مماثلة أُثيرت في ظل حكومة «الوحدة»، كان آخرها إعلان السلطات الأميركية في فبراير (شباط) الماضي توقيف الليبي الزبير البكوش على خلفية القضية ذاتها، المرتبطة بهجوم بنغازي، وقبل ذلك تم تسليم المواطن الليبي أبو عجيلة المريمي إلى واشنطن لاتهامه في قضية تفجير طائرة «لوكربي» عام 1988.

وفيما التزمت الحكومة الصمت إزاء ما تم تداوله بشأن تسليم مرعي العرفي، الملقب بـ«بنزينة»، أكد مصدران مقربان من الملف في مصراتة (غرب) - حيث جرت عملية التسليم - صحة هذه الأنباء في تصريحات لـ«الشرق الأوسط». كما أكد مصدر عسكري بارز في شرق ليبيا هذه الأنباء، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل بشأن خلفيات العملية، أو الأساس القانوني الذي استندت إليه.

واجهة الكلية الجوية في مصراتة (الصفحة الرسمية للكلية)

وحسب تقارير محلية، فإن العرفي، جرى تسليمه من جانب حكومة الدبيبة إلى قوات أميركية داخل منشأة عسكرية في مدينة مصراتة، الثلاثاء، في عملية لم يُعلن عنها رسمياً، ولم تصدر بشأنها أي إفادات رسمية من حكومة طرابلس حتى الآن. ووفق مصادر متطابقة، فقد جرت عملية التسليم داخل مقر الكلية الجوية في مصراتة، مشيرة إلى أن عملية نقل العرفي تمت في ظروف وُصفت بـ«الغامضة»، وسط غياب توضيحات رسمية بشأن الجهة، التي تولت الاستلام أو طبيعة الإشراف الأمني والقانوني للعملية.

ويعود هجوم القنصلية الأميركية في بنغازي إلى 11 سبتمبر (أيلول) 2012، حين هاجمت مجموعات مسلحة مجمعاً دبلوماسياً تابعاً للولايات المتحدة في المدينة، ما أسفر عن مقتل السفير الأميركي جيه كريستوفر ستيفنز، وثلاثة أميركيين آخرين.

وتشير تقارير محلية إلى أن العرفي (42 عاماً) ينحدر من منطقة الماجوري في بنغازي، وسبق أن أُدين في قضايا تتعلق بالانتماء إلى «القاعدة»، حيث يُعتقد أنه كان ناشطاً في الترويج الإعلامي للتنظيم قبل عام 2011، كما أُوقف خلال فترة حكم الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2007 قبل الإفراج عنه في 2011 عقب أحداث اقتحام «سجن أبو سليم».

وتضيف التقارير أن العرفي انخرط في تشكيلات مسلحة محلية، من بينها «سرايا راف الله السحاتي»، وارتبط بأسماء قيادات ميدانية في مجموعات اتُّهمت بالضلوع في أحداث بنغازي عام 2012، من بينها ما عُرف بـ«سرية أبو عبيدة الجراح»، إلى جانب تورطه في محاولة اغتيال القنصل الإيطالي في بنغازي غويدو دي سانكتيس مطلع عام 2013.

ولم يستبعد مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف بوفردة، صحة التقارير المتداولة بشأن اعتقال «بنزينة»، لكنه أشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الاسم لم يكن بارزاً ضمن الأسماء المرتبطة مباشرة بالإرهاب في ليبيا، مقارنة بأسماء أخرى أكثر تداولاً، محذراً من الوقوع في «فخ المبالغة حول دوره».

وتأتي الاتهامات في ظل جدل سياسي وأمني متصاعد داخل ليبيا بشأن ملفات التعاون الليبي مع الولايات المتحدة في تسليم مطلوبين، وهو ملف شهد تطورات متكررة خلال السنوات الأخيرة، وأثار نقاشات قانونية وسياسية واسعة.

وفي هذا الإطار، أعادت تقارير متداولة ربط التطورات الحالية بملف الزبير البكوش، الذي أعلنت السلطات الأميركية توقيفه قبل أشهر بموجب مذكرة دولية، على خلفية اتهامات تشمل القتل والإرهاب والحرق العمد، وفق بيانات أميركية سابقة، دون صدور توضيح رسمي من جانب حكومة الوحدة بشأن ظروف توقيفه.

الليبي الزبير البكوش عقب نزوله من الطائرة إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي - إكس)

ولا يستبعد بوفردة أيضاً: «فرضية أن يكون تسليم بعض الشخصيات قد تم عن طريق جهات عسكرية مسلحة، لها تواصل مباشر مع جهات أميركية أو شركات أمنية»، عادّاً أن ذلك «محصلة لغياب الدولة وهشاشة مراكز صنع القرار».

ولم تقتصر عمليات نقل مطلوبين إلى الولايات المتحدة على حكومة الدبيبة، إذ سبق أن نُقل أحمد أبو ختالة عام 2014 إلى الولايات المتحدة لمحاكمته على خلفية اتهامات مرتبطة بهجوم بنغازي، كما اعتُقل أبو أنس الليبي عام 2013 في طرابلس ونُقل إلى واشنطن، حيث وُجهت إليه اتهامات تتعلق بهجمات استهدفت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وتوفي لاحقاً أثناء احتجازه عام 2015.

ورغم الاتهامات المرتبطة بملفات الإرهاب التي تضم عدداً من الليبيين، يرى قانونيون أن استمرار تسليم ليبيين إلى واشنطن، أو إلى المحكمة الجنائية الدولية يعكس، من وجهة نظرهم، رسائل حكومية خطيرة عن «ضعف منظومة القضاء الوطني» في مباشرة هذه القضايا داخلياً، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام ترتيبات قانونية لاحقة، تشمل التزامات مالية وتعويضات محتملة.

في السياق ذاته، تداولت وسائل إعلام محلية، الأربعاء رسالة منسوبة إلى رئيس حكومة «الوحدة»، موجّهة إلى المحكمة الجنائية الدولية، تتضمن تأكيداً على الاعتراف باختصاص المحكمة في الشق الجنائي حتى عام 2027 دون أن يمتد ذلك إلى الشقِ المدني والتعويضات. وهو الأمر الذي لم تنفه الحكومة أو تؤكده.

غير أن هذا الطرح أثار جدلاً قانونياً، إذ عدّ أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي الليبي الدكتور محمد الزبيدي لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التمييز «غير سليم من الناحية القانونية»، موضحاً أن الشقين الجنائي والمدني في مثل هذه القضايا مترابطان بطبيعتهما، ولا يمكن فصلهما بشكل كامل، مما يضعف - حسبه - الاستناد إلى هذا التفريق في تحديد نطاق الاختصاص أو المسؤولية.


مصر تدعو اليابان للاستثمار صناعياً في مشروعات «قناة السويس»

محادثات مصرية في طوكيو لإنشاء منطقة صناعية يابانية في قناة السويس (الخارجية المصرية)
محادثات مصرية في طوكيو لإنشاء منطقة صناعية يابانية في قناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعو اليابان للاستثمار صناعياً في مشروعات «قناة السويس»

محادثات مصرية في طوكيو لإنشاء منطقة صناعية يابانية في قناة السويس (الخارجية المصرية)
محادثات مصرية في طوكيو لإنشاء منطقة صناعية يابانية في قناة السويس (الخارجية المصرية)

دعا وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع اليابان، بما في ذلك إنشاء منطقة صناعية يابانية في «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، وذلك على غرار مناطق أخرى مماثلة شرعت مصر في تدشينها للشركات الصينية، ومؤخراً للشركات الروسية.

وأشار عبد العاطي، خلال لقائه الخميس بأعضاء مجلس الأعمال المصري–الياباني، أثناء زيارته إلى طوكيو إلى أن إنشاء منطقة صناعية يابانية يهدف إلى زيادة حضور الشركات اليابانية، والاستفادة من الحوافز والمزايا التنافسية التي توفرها المنطقة.

وعبّر عبد العاطي عن تطلع الحكومة المصرية لإنشاء منطقة صناعية يابانية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يتيح للشركات اليابانية الاستفادة من الحوافز الاستثمارية والجمركية المباشرة وغير المباشرة التي توفرها المنطقة للمستثمرين الأجانب، وذلك خلال لقائه الأربعاء برئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وذلك في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، إلى جانب التحديات الاقتصادية التي تواجهها الحكومة، وتدفعها للبحث عن سبل مختلفة لتعزيز موارد العملة الصعبة عبر جذب الاستثمارات الأجنبية.

وأكد عبد العاطي خلال لقائه بأعضاء مجلس الأعمال المصري–الياباني ضرورة تعزيز مستوى الاستثمارات اليابانية في مصر بما يعكس الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وحجم الفرص الاستثمارية المتاحة في السوق المصرية، مشيراً إلى ما توفره المؤسسات التمويلية اليابانية من أدوات دعم وتمويل لتشجيع الشركات اليابانية على التوسع في استثماراتها بمصر.

واستعرض الجهود التي تبذلها الدولة لرعاية الاستثمارات اليابانية، ومن بينها آلية المتابعة الدورية المخصصة للشركات اليابانية بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، بهدف تذليل أي تحديات قد تواجهها.

كما تناول عبد العاطي فرص التعاون الثلاثي بين مصر، واليابان، والدول الأفريقية، مستعرضاً الدور الذي تضطلع به مصر كبوابة رئيسة إلى القارة الأفريقية، باعتبارها إطاراً واعداً لدفع التعاون المشترك في القارة الأفريقية.

كما استعرض الاستعدادات الجارية لاستضافة مصر النسخة الأولى من منتدى الأعمال «العلمين–أفريقيا» خلال الشهر الجاري، مؤكداً أن المنتدى سيمثل منصة مهمة لتعزيز الشراكات التجارية والاستثمارية على مستوى القارة الأفريقية.

ووجه الوزير الدعوة إلى الجانب الياباني للمشاركة الفاعلة في المنتدى، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التي توفرها الأسواق الأفريقية.

عبد العاطي يلتقي مجلس الأعمال الياباني-المصري في طوكيو الخميس (الخارجية المصرية)

وعلى هامش زيارته إلى طوكيو التقى عبد العاطي الخميس بوزير خارجية اليابان توشيميتسو موتيجي، وذلك استكمالاً لأعمال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي المصري–الياباني، لتبادل الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وكان رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، استقبل في أبريل (نيسان) الماضي سفير اليابان لدى مصر فوميو إيواي لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك، واستكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة داخل اقتصادية قناة السويس، خاصة في المجالات الصناعية، والتكنولوجية، في إطار البناء على قصص النجاح للاستثمارات اليابانية القائمة بالفعل داخل المنطقة، وذلك بحضور عدد من القيادات التنفيذية بالهيئة.

وتسعى مصر لجذب مشروعات يابانية في مجالات الصناعة المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، بما يدعم توطين الصناعة، ونقل الخبرات، ويعزز من قدرة المنطقة على الاستفادة من موقعها، ومواردها في دعم سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل المتغيرات العالمية، والتحديات الإقليمية، بحسب «الهيئة الاقتصادية لقناة السويس»، والتي تعتزم تنظيم جولة ترويجية في اليابان خلال النصف الثاني من العام الجاري، لعرض الفرص الاستثمارية المتاحة، وبحث مزيد من فرص الشراكة مع مجتمع الأعمال الياباني.

وتأتي التوجهات المصرية نحو تدشين منطقة صناعية يابانية بعد أن أعلن وزير الصناعة المصري خالد هاشم الشهر الماضي أن بلاده خصصت 300 ألف متر مربع ضمن المرحلة الأولى لمشروع المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وبحسب مجلس الوزراء المصري، فإن المنطقة الاقتصادية الصينية-المصرية «تيدا» الواقعة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تحتضن أكثر من 185 شركة باستثمارات صينية تراكمية تتجاوز 3 مليارات دولار، وتوفر ما يقارب 10 آلاف فرصة عمل مباشرة.


«البطاقة الحمراء» في وجه «التوطين»... ليبيون يغلقون «مفوضية اللاجئين» بالرمال

من احتجاجات الليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)
من احتجاجات الليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)
TT

«البطاقة الحمراء» في وجه «التوطين»... ليبيون يغلقون «مفوضية اللاجئين» بالرمال

من احتجاجات الليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)
من احتجاجات الليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)

صعَّدت السلطات في العاصمة الليبية طرابلس، باتجاه بنغازي، وقال الطاهر الباعور، وزير الخارجية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة: «إن أفواجاً من المهاجرين غير النظاميين تعبر إلى داخل البلاد عبر مطار بنينا الدولي» بشرق البلاد بـ«عقود وهمية مزورة».

وتأتي اتهامات الباعور، لسلطات بنغازي بتسهيل دخول المهاجرين، في وقت تظاهر فيه ليبيون قبالة مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخميس، وأغلقوه بسواتر رملية، رفضاً لـ«التوطين».

وقال الباعور لقناة «ليبيا الأحرار»، مساء الأربعاء، إن مهاجرين، خصوصاً من شرق آسيا، يدخلون من بنغازي بـ«موافقة أمنية وأختام وإجراءات رسمية... لكن بناءً على عقود شركات وهمية ومزورة يتم استغلالها لتسهيل تدفقهم إلى البلاد»، موضحاً أن «بعض شركات المقاولات وخدمات النظافة في ليبيا تتقدَّم بطلبات رسمية بحجة حاجتها إلى عمالة من دول مختلفة، وبعد الحصول على الموافقات اللازمة يتم استقدام هذه العمالة، التي تدخل البلاد عقب استكمال الإجراءات الأمنية، ودفع الرسوم المطلوبة».

ليبيون يرفعون البطاقة الحمراء خلال احتشادهم أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)

وأضاف الباعور - وهو وزير مكلّف - أن «كثيراً من القادمين إلى ليبيا عبر هذه القنوات يعتقدون أنهم دخلوا بموجب عقود عمل قانونية، لكنهم يُفاجأون بعد الوصول بعدم وجود فرص عمل حقيقية؛ ما يدفع بعضهم إلى التحوُّل إلى مهاجرين غير نظاميين»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنَّ بعض المهاجرين «يخطِّطون منذ البداية لدخول ليبيا بهدف الهجرة غير الشرعية».

وسبق أن قال عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلّف في «الوحدة»، إن ليبيا «تعاني من وجود 3 ملايين مهاجر على أرضها، دخلوا خلال السنوات الأخيرة بطرق غير مشروعة»، لكن الباعور قال إنه «لا يوجد أي حصر دقيق لأعداد المهاجرين، سواء لدى السلطات الليبية أو المنظمات الدولية».

واحتشد ليبيون، أتوا من مناطق بالعاصمة، أمام مقر مفوضية اللاجئين بمنطقة السراج بطرابلس، الخميس، وأغلقوا المقر بوضع سواتر رملية، هاتفين ضد رئيسة المفوضية في ليبيا كارمن صخر، وطالبوا «بترحيل العمالة الوافدة التي ليس لها أي أوراق رسمية أو إجراءات قانونية داخل الأراضي الليبية».

وأعلن المجلس الاجتماعي بالسراج، في بيان تلاه أحد أعضائه، الخميس، من أمام «مفوضية اللاجئين»، إغلاق مداخل المقر بالرمال، رافضاً أي اتفاقات من شأنها أن تسهم في «توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا».

بطاقة حمراء

رفع المتظاهرون «بطاقة حمراء» تنديداً بأي توجه لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا، هاتفين: «لا لا للتوطين... ليبيا لليبيين». كما وضعوا ملصقات على مداخل المفوضية كتب عليها: «مطالبنا خروج المفوضية من كامل ليبيا».

ونصب المحتجون خياماً أمام مقر المفوضية لحين خروج مسؤوليها عن ليبيا، وسط احتكاكات مع الأجهزة الأمنية المسؤولة عن حماية المقر.

احتشاد ليبيين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)

في سياق متصل، عبَّر المجلس الأعلى للدولة عن رفضه «القاطع لأي مشروعات أو ترتيبات من شأنها أن تؤدي إلى توطين المهاجرين في ليبيا». وقال إنه يتابع باهتمام بالغ ملف الهجرة غير المشروعة «وما يترتب عليه من تحديات تمس الأمن القومي، والاستقرار المجتمعي، والتركيبة السكانية في ليبيا».

وذهب المجلس الأعلى في تصريح صحافي، مساء الأربعاء، إلى أن «إدارة ملف الهجرة ومعالجة تداعياته تظلان من صميم الاختصاصات السيادية للدولة الليبية». وقال: «إن أي سياسات أو إجراءات تتعلق بالأمر يجب أن تنطلق من احترام السيادة الوطنية، والالتزام بالتشريعات الليبية النافذة، بما يضمن حماية الحدود، والمحافظة على المصالح العليا للدولة».

ودخل «مجلس حكماء وأعيان بني وليد» على خط الأزمة، وقال إنه «يتابع بقلق ما يُثار حول محاولات توطين الأجانب والمهاجرين داخل الأراضي الليبية»، مشيراً إلى أن «هذه المحاولات تعدُّ مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية والهوية الليبية والأمن القومي، وتهديداً خطيراً للنسيج الاجتماعي ووحدة الوطن واستقراره».

«ليبيا ليست أرضاً للتوطين»

وشدَّد المجلس على أنَّ ليبيا «ليست أرضاً للتوطين أو التغيير الديمغرافي؛ والشعب الليبي سيظلُّ متمسكاً بأرضه وحقه في تقرير مصيره بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية».

وحذَّر مجلس الحكماء المؤسسات والمنظمات والبعثات الأجنبية والدولية كافة «من الانخراط في أي برامج، أو أنشطة يمكن أن تُستغَل لتغيير الواقع الديمغرافي لليبيا، أو فرض أجندات تتعارض مع مصالح الشعب الليبي وثوابته الوطنية» مؤكداً أن «سيادة الدولة الليبية ليست محل تفاوض أو مساومة».

ودعا المجلس السلطات التنفيذية والتشريعية والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية والتاريخية، واتخاذ مواقف واضحة، وإجراءات حازمة لحماية الحدود، وصون السيادة الوطنية، والتصدي لأي مخططات تستهدف الوطن ومستقبله».

مسيرة حاشدة رفضاً للتوطين أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس (المجلس الاجتماعي بالسراج)

وانتهى «مجلس حكماء وأعيان بني وليد» مُجدِّداً رفضه لأي «مشروعات أو اتفاقات أو ترتيبات تهدف إلى التوطين»، محملاً الجهات المحلية والدولية «كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والوطنية عن أي خطوات أو إجراءات تُتَّخذ في هذا الاتجاه».

وتعيش بعض مدن غرب ليبيا أجواء متوترة على خلفية تصاعد أزمة المهاجرين غير النظاميين. وقال النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري: «إن هذه القضية تمثل تحدياً يمس الأمن القومي والسيادة الوطنية»، رافضاً أيضاً «أي محاولات أو ترتيبات تستهدف توطين المهاجرين داخل ليبيا، أو فرض واقع ديموغرافي جديد على الشعب الليبي».

وقال النويري في تصريح نقلته «وكالة الأنباء الليبية»: «إن معالجة ملف الهجرة يجب أن تتم في إطار تعاون دولي مسؤول، يعالج الأسباب الجذرية للهجرة في دول المنشأ، ويحترم سيادة الدول ومصالحها الوطنية»، ونوه إلى أن «مستقبل ليبيا يجب أن يصنعه أبناؤها بإرادتهم الحرة، بعيداً عن أي إملاءات خارجية أو حلول مؤقتة قد تهدِّد استقرار الوطن ووحدته».

الاحتجاجات عرفت أيضاً مشاركة واسعة لليبيات (المجلس الاجتماعي بالسراج)

ولا يوجد في ليبيا إحصاء رسمي لعدد السكان، أو المهاجرين غير النظاميين بشكل دقيق، إذ إن الآلاف منهم يدخلون البلاد عن طريق التهريب عبر الصحراء، أو المنافذ التي لا تخضع لرقابة موحدة في ظلِّ الانقسام الحكومي.

وسبق أن قدَّرت منظمات أوروبية عدد المهاجرين في ليبيا بنحو مليون و500 ألف مهاجر، من بينهم الآلاف داخل مراكز الإيواء في غرب البلاد وشرقها.