منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

قادر على كشف طفرات بنيوية «غير مرئية»

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا
TT

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

يشهد علم الجينوم نقلة نوعية غير مسبوقة مع ظهور منهجين متكاملين أحدثا فرقاً ملموساً في حياة مئات العائلات التي تكافح لفهم الأسباب الحقيقية وراء حالات وراثية نادرة.

منهج جينومي

وفي حين أعلن علماء معهد ويلكوم سانغر وجينوميكس إنغلاند في المملكة المتحدة عن تطوير منهج جينومي قادر على كشف طفرات بنيوية معقّدة طالما استعصت على الفحوص التقليدية، أظهرت دراسة ثانية من مستشفى «غريت أورموند ستريت» في لندن أن إدخال تسلسل الجينوم الكامل ضمن خدمات هيئة الصحة البريطانية NHS ساعد الأطفال المصابين بالأمراض النادرة على الوصول إلى التشخيص والرعاية المناسبة بشكل أسرع من أي وقت مضى.

وترسم هذه التطورات المتزامنة ملامح مرحلة جديدة في فهم الجينوم البشري، قائمة على رؤية أوسع للطفرات الوراثية وقدرة أعلى على تفسير الحالات المعقدة التي كانت تُعدّ «لغزاً طبياً» لسنوات طويلة.

كشف الطفرات البنيوية وإعادة رسم حدود التشخيص

تركز الاختبارات الجينية التقليدية على الطفرات الصغيرة التي تصيب قاعدة واحدة في الحمض النووي لكنها غالباً ما تُخفق في كشف الطفرات البنيوية Structural Variants وهي تغيّرات واسعة تشمل حذفاً أو تكراراً أو إعادة ترتيب لمقاطع طويلة من الجينوم تزيد على 50 قاعدة.

وقد تكون هذه الطفرات السبب الأساسي لاضطرابات عصبية أو نمائية أو جسدية لكنها تظل «غير مرئية» عندما يُحلَّل الجينوم على شكل مقاطع صغيرة متفرقة.

وقد شبّه الباحثون الأمر مجازياً بمحاولة قراءة كتاب تمزقت جُمله إلى قصاصات صغيرة قد نفهم جزءاً من القصة لكن الصورة الكاملة تبقى ناقصة.

مشروع «مائة ألف جينوم»

من هنا جاء المنهج الجديد الذي اعتمد على تحليل بيانات 13 ألفاً و700 فرد من الآباء والأطفال ضمن مشروع مائة ألف جينوم. ومن خلال خوارزميات متقدمة تمكن الفريق من اكتشاف 1870 طفرة بنيوية، كثير منها لم يكن قابلاً للكشف سابقاً. كما اتضح أن واحدة من كل ثماني طفرات معقّدة ومتشابكة وهي الأصعب رصداً بالفحوص السريرية التقليدية.

وقاد هذا التحليل العميق إلى تحديث أو تقديم تشخيصات جديدة لـ145 طفلاً بينهم نحو 60 يحملون طفرات بنيوية معقدة لم يكن بالإمكان اكتشافها من قبل.

وقال الدكتور هيونتشول جونغ المؤلف الأول للدراسة من معهد ويلكوم سانغر في المملكه المتحده في الورقة البحثية المنشورة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عبر دورية Nature Communications إن هذا المنهج يتيح لنا رؤية بنية الجينوم بعمق غير مسبوق. ولم نعد نكتفي بمعرفة وجود حذف أو تكرار بل نفهم كيفية تفاعل هذه التغيّرات معاً وكيف تؤثر على بيولوجيا المريض.

وأضاف أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام عصر جديد في تشخيص الأمراض الوراثية النادرة وتفسيرها. ونحن الآن نرى بنية الجينوم بطريقة لم تكن ممكنة سابقاً. ولم نعد نبحث فقط عمّا إذا كان هناك حذف أو تكرار بل نفهم كيف تتفاعل هذه التغيّرات معاً وتؤثر على وظيفة الجينات.

التشخيص المبكر... قوة تُعيد الأمل للعائلات

وفي موازاة هذا التقدّم العلمي اللافت كشفت دراسة حديثة أخرى من مستشفى غريت أورموند ستريت للأطفال في لندن ونُشرت في Genetics in Medicine في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن نتائج تحمل بارقة أمل لآلاف العائلات. وقد بيّنت الدراسة أن اعتماد تسلسل الجينوم الكامل ضمن خدمات هيئة الصحة البريطانية لم يُسرّع فقط عملية التشخيص بل رفع دقته بشكل ملحوظ في حالات كانت تُعَدّ من أكثر الأمراض ندرة وتعقيداً.

وحلّل الباحثون بيانات 500 طفل خضعوا للفحص عبر خدمة الطب الجينومي وقارنوها ببيانات 2.000 طفل من مشروع «الجينومات المائة ألف». وكانت المفاجأة أن معدل التشخيص ارتفع من 22 في المائة إلى 29 في المائة، وأن الأطفال باتوا يحصلون على تشخيص واضح قبل عامين كاملين من العمر الذي كان يحدث فيه ذلك سابقاً وهي فترة حاسمة في حياة طفل يعاني من مرض وراثي غامض.

ووصفت الدكتورة إيما ويكلينغ استشارية الوراثة السريرية والمسؤولة عن الدراسة هذا التطور بأنه «تحوّل جذري في مسار الرعاية». وقالت إن الرؤى التي قدمها مشروع المائة ألف جينوم مكّنتنا من إعادة تشكيل خدماتنا، إذ إن التشخيص المبكر لا يمنح العائلات وضوحاً فحسب بل يمكّننا من التدخل في اللحظة المناسبة ومنح الأطفال أفضل فرصة ممكنة للرعاية والعلاج.

وأوضحت ويكلينغ أن قوة هذا الفحص لا تكمن فقط في نتائجه الأولية، بل أيضاً في إمكانية إعادة تحليل البيانات مستقبلاً كلما كشفت الأبحاث عن تغيّرات جينية جديدة. مضيفة أن هذا يعني أن العائلات التي لا تمتلك اليوم خيارات علاجية قد تحصل غداً على إجابات... وربما علاجات.

بهذا التقدم يبدو أن علم الجينوم لا يقدّم تشخيصاً مبكراً فحسب بل يفتح باباً واسعاً للأمل ولرحلة جديدة تقود إلى فهم أدقّ وعلاج أسرع للأطفال الأكثر هشاشة.

مستقبل الطب الجينومي

يجمع المنهجين: منهج كشف الطفرات البنيوية المعقدة، والتشخيص المبكر عبر تسلسل الجينوم الكامل، خيط واحد؛ هو الرغبة في بناء صورة أكثر شمولاً لجينوم الإنسان.

هذه الصورة الموسّعة ستسمح بفهم أفضل لمسار الأمراض النادرة وتوقع المضاعفات قبل حدوثها ثم تصميم علاجات شخصية ودقيقة، وأخيرا إعادة تحليل البيانات مستقبلاً مع اكتشاف طفرات جديدة.

وتؤكد البروفسورة دام سو هيل كبيرة المسؤولين العلميين في هيئة الصحة البريطانية أن الطب الجينومي يمنح العائلات بارقة أمل ويقدم للأطفال تشخيصاً أوضح وأسرع، وهو ما يفتح الباب لرعاية أكثر فاعلية.

ومع تطور أدوات تحليل الجينوم يصبح من الواضح أن النظر إلى ما هو أبعد من الطفرات الصغيرة وإلى الطفرات البنيوية الواسعة قد يكون المفتاح لفهم ما ظل لسنوات خارج نطاق التفسير العلمي.

ولكثير من العائلات، فإن مجرد الحصول على إجابة هو نقطة تغيير كبرى وبداية رحلة جديدة نحو فهم الواقع وتخفيف القلق ووضع خطوات واضحة للمستقبل.


مقالات ذات صلة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

علوم اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

علماء الوراثة يعتقدون مسؤوليته عن ظاهرة زيادة المواليد الذكور لدى عائلة أميركية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا

علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

يستهدف خلايا سرطاني اللمفوما واللوكيميا بدقة عالية ولا يؤثر في الخلايا المناعية السليمة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

«لماذا يقتصر الحصول على جينات الطول على طوال الناس؟ ولماذا يقتصر الحصول على جينات الذكاء على الأذكياء منهم؟ هذه تساؤلات طرحتها شركة «بوتستراب بايو» (Bootstrap…

علوم عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

تشكيك علمي في أن يكون تضخم عضلة القلب ناتجاً عن طفرات جينية فردية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

عوامل وراثية، وبيئية، وصحية تترك بصمات جزيئية دائمة في الجسم

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.