استراتيجيّة ترمب للأمن القومي تعيد صياغة دور أميركا في العالم

أثارت تساؤلات حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقائه كلمة أمام كبار القادة العسكريين في قاعدة «كوانتيكو» التابعة لمشاة البحرية في فرجينيا يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقائه كلمة أمام كبار القادة العسكريين في قاعدة «كوانتيكو» التابعة لمشاة البحرية في فرجينيا يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

استراتيجيّة ترمب للأمن القومي تعيد صياغة دور أميركا في العالم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقائه كلمة أمام كبار القادة العسكريين في قاعدة «كوانتيكو» التابعة لمشاة البحرية في فرجينيا يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إلقائه كلمة أمام كبار القادة العسكريين في قاعدة «كوانتيكو» التابعة لمشاة البحرية في فرجينيا يوم 30 سبتمبر (أ.ف.ب)

«أنت مطرود». جملة تعوّدنا سماعها من الرئيس دونالد ترمب عندما كان يُقدّم برنامج «The Apprentice». يتعامل الرئيس ترمب بصراحة مطلقة وعلنية مع الحلفاء، كما الأعداء. لم يعد هناك مستويات بيروقراطية لصناعة وإعداد السياسة الخارجيّة الأميركيّة. كل شيء يأتي ويُعلن من البيت الأبيض مباشرة، أو عبر منصّة الرئيس ترمب «تروث سوشيال». تُمارس السياسة الخارجيّة عبر رجال أعمال مقربين من الرئيس. وقياس النجاح في هذه المقاربة متعلق مباشرة بقيمة الاستثمارات لمرحلة ما بعد وقف الحرب.

كانت مؤشرات هذه الاستراتيجيّة علنية وظاهرة من خلال سلوك وتصريحات كل من الرئيس ترمب ونائبه جي دي فانس. وإذا جُمعت هذه المؤشرات، فقد يمكن استنتاج سياسة جديدة مختلفة جذرياً عن الإدارات السابقة. لكن الفارق اليوم مع استراتيجية الأمن القومي الجديدة، هو في النظرة الشاملة للولايات المتحدة الأميركية تجاه الأعداء والمنافسين كما الحلفاء.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء مع قادة عسكريين بقاعدة في فرجينيا يوم 30 سبتمبر الماضي (رويترز)

وبناء على الوثيقة التي نشرت الجمعة، سوف تبدأ الوزارات والوكالات الأميركية التخطيط كل فيما خصّه، بهدف تنفيذ هذه الاستراتيجيّة، وخصوصاً البنتاغون. إنها «مانيفستو» يضرب بالكامل ما كان قائماً، ليرسي واقعاً جديداً لم يتخيّله أحد. إنه تحول جذريّ في العقيدة الاستراتيجية الأميركيّة، يستلزم تحوّلات كبرى على صعيد الثقافة الاستراتيجية، كما على صعيد المؤسسات والأشخاص. يقول أحد الخبراء إن هذه الاستراتيجية تعكس قناعات الرئيس ترمب، وتتجاهل الحزب الديمقراطي. وإنها انطوائيّة تركّز على الداخل الأميركيّ وحمايته عبر مشروع القبّة الذهبيّة. ويقول عنها البعض الآخر، إنها لن تؤدّي إلى انسحاب الولايات المتحدة الأميركيّة من العالم، بل هي استراتيجيّة تعتمد مبدأ الإكراه عبر التهديد بالقوة العسكرية، بهدف تحقيق مكاسب اقتصاديّة. وفي مقاربة كهذه، لا خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. كل شيء ممكن ومسموح، كالتخلّي عن الحلفاء إذا كانت الصفقة مُربحة.

تعديلات ترمب على عقيدة مونرو

تركّز الاستراتيجيّة على المحيط المباشر، ضمن ترتيب جديد للأولويات الجيوسياسيّة. في المركز الأول، الداخل الأميركي كما المحيط المباشر. تأتي آسيا في المركز الثاني، والمركز الثالث يتأرجح بين الشرق الأوسط وأوروبا. فهل عدنا إلى عقيدة الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823؟ لكن مع تعديلات ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض يوم 20 مايو (رويترز)

إذا كان الأمر كذلك، ولتطبيق هذه الاستراتيجيّة والأولويات، وبهدف تأمين الوسائل العسكريّة، لا بد للرئيس ترمب من إعادة تموضع القوات الأميركية في العالم، كما تعديل خرائط المناطق العسكرية للقوات الأميركيّة، وعددها 11. ولأن أوروبا لم تعد أولويّة للرئيس ترمب، فماذا عن القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا من ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي يصل عددها إلى نحو 100 ألف؟ هل سيتم تخفيضها؟ أم تبقى مع إلزام أوروبا بتحمّل التكلفة المالية؟ أم هل سيتم سحبها بالكامل وتعريض حلف «الناتو» للانحلال؟ وماذا عن المظلّة النووية الأميركية لحلف «الناتو»؟ وهل سيلتزم الرئيس ترمب بالبند الخامس للحلف، هو الذي قال إن هناك الكثير من التفسيرات لهذا البند؟

وإذا اعتبر الرئيس ترمب في هذه الاستراتيجيّة أن أوروبا ضعيفة، متراجعة وتعاني من تآكل حضاريّ، وإذا كانت الاستراتيجيّة لا تذكر حتى ولو مرّة واحدة أن روسيا تشكل خطراً على الأمن القوميّ، فلماذا سيبقى حلف «الناتو»؟ وضد من ستكون المظلّة النووية الأميركيّة؟ فهل سنشهد قريباً وعبر تقرير إعادة تموضع القوات الأميركيّة في العالم، الانسحاب الأميركي الكامل من القارة العجوز؟

ألم يعتبر الرئيس ترمب أميركا أنها وسيط، وليست لاعباً مؤسساً للحلف، بين روسيا و«الناتو» خلال التفاوض حول وقف الحرب في أوكرانيا؟ ألم يُحيّد أوروبا عن التفاوض المباشر حول أوكرانيا، وحاول أن يفرض عليها اقتراحاً من 28 نقطة؟

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس (رويترز)

هذا في القارة العجوز، أما الصين فهي مرحلة جديدة وهي التحدّي الأكبر للولايات المتحدة الأميركيّة وفي كل الأبعاد. ألم تصل الرسالة الصينية للبيت الأبيض خلال العرض العسكري الصيني الهائل في سبتمبر (أيلول) الماضي؟

في الشق الأمني - العسكري، لم تذكر الوثيقة الصين مباشرة. لكنها شدّدت على الحفاظ على خط الجزر الأول حول الصين (First Chain Island)، كون الصين بدأت تحضر بحريتها الزرقاء لتجاوز هذا الخط. كذلك الأمر، ودون ذكر الصين، انتقدت الوثيقة بعض الدول التي تحاول التوسع في بحر الصين الجنوبيّ. وشدّدت الوثيقة على ضرورة استعداد الدول الحليفة في تلك المنطقة على التعاون، والاستثمار في القدرات العسكرية لإبقاء الخطوط البحرية التجارية مفتوحة وآمنة. وأخيراً وليس آخراً، تشدد الوثيقة على الحفاظ على موازين القوى في تلك المنطقة، بهدف إبقاء إمكانيّة الدفاع عن تايوان قائمة.

قواعد جديدة

إنها استراتيجيّة بوقع حدث «البجعة السوداء». فهو حدث يضرب كل ما كان قائماً، ليُرسي ديناميكيّة جديدة، قواعد جديدة، باتجاه تشكيل نظام مستقبلي لم يحصل بعد. وفي المرحلة الانتقالية، تدبّ الفوضى، وتستعر الحروب، وتطلّ الصراعات القديمة برأسها. ويبدأ كل من يقدر من اللاعبين استغلال الفرص الجيوسياسيّة لفرض أمر واقع في محيطه المباشر.

جانب من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة أوروبا حول حرب أوكرانيا يوم 15 أغسطس (إ.ب.أ)

فماذا عن التحوّلات في الاستراتيجيّات الأميركية الكبرى؟ خلال الحرب الباردة، كانت أوروبا المسرح الأساسيّ ضد الاتحاد السوفياتي. يليها المسرح الآسيوي، وبعده منطقة الشرق الأوسط التي كانت تُسمّى بـ«الحزام المُتصدّع» (Shatterbelt). فهي منطقة مُجزأة سياسياً، وغير مستقرّة، وتشكل مسرح صراع بين القوى العظمى.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تبوّأت أميركا مركز الصدارة العالمية، بحيث سُمي النظام العالمي آنذاك بـ«النظام الآحادي». في هذه المرحلة، تحوّل مركز الثقل العالمي إلى واشنطن، الأمر الذي حدا بالرئيس بوش الأب إلى إعلان قيام نظام عالميّ جديد.

وبعد كارثة 11 سبتمبر، احتل الشرق الأوسط، من ضمن الحرب الاستباقية والحرب العالمية على الإرهاب، المركز الأولّ في الاهتمامات الجيوسياسيّة الأميركيّة وفي كل استراتيجيات الأمن القومي آنذاك. وتراجعت حينها أوروبا إلى المركز الثاني.

ترمب يؤدّي رقصته الشهيرة خلال حفل قرعة كأس العالم لكرة القدم بمركز كيندي يوم 5 ديسمبر (أ.ب)

وفي عام 2011، كتبت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة مقالاً نُشر في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان «المحور» (The Pivot)، أو القرن الأميركي في الهادئ، وذلك إعلاناً بانتقال اهتمام الولايات المتحدة إلى شرق آسيا. وعليه، احتلت الصين المركز الأول.

بعد الحرب على أوكرانيا، عادت أوروبا إلى المركز الأولّ. فتوسّع «الناتو»، وعادت أميركا مع الرئيس جو بايدن بكامل ثقلها لدعم أوكرانيا والحلف الأطلسي. في تلك المرحلة، احتلّ الشرق الأوسط المركز الثاني بعد كارثة 7 أكتوبر (تشرين الأول). أما الصين، فهي كانت حرّة تقريباً بسبب الانشغال الأميركيّ في أماكن أخرى.


مقالات ذات صلة

البنتاغون يستعد لنشر حاملة طائرات ثانية في الشرق الأوسط

شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»... (أرشيفية - رويترز) p-circle

البنتاغون يستعد لنشر حاملة طائرات ثانية في الشرق الأوسط

أصدرت وزارة الحرب الأميركية تعليمات لحاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط، في إطار استعدادات الجيش الأميركي لهجوم محتمل على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري صورة نشرها سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة مايكل لايتر على منصة «إكس» من لقاء نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في «بلير هاوس» بواشنطن الأربعاء

تحليل إخباري «اليوم التالي» مع إيران… نتنياهو يطلب غطاءً أميركياً

يجمع مسؤولون إسرائيليون على أن فرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتغيير موقفه تبقى محدودة.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

هزّت ملفات إبستين الأخيرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودفعتها مرة جديدة إلى اتخاذ وضعية الدفاع لمواجهة تقارير من شأنها أن تورط وزير تجارته هاورد لوتنيك.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)

ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

أقر الديمقراطيون في فرجينيا مشروعاً يعيد ترسيم الخريطة الانتخابية في الولاية، بما يمنحهم غالبية ساحقة في العديد من الدوائر خلال الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مُحلّفو واشنطن يحبطون محاولة ترمب معاقبة 6 مشرعين ديمقراطيين

أحبطت هيئة محلفين فيدرالية كبرى مسعى وزارة العدل الأميركية لتوجيه تهم لـ6 مشرعين ديمقراطيين بسبب نشرهم شريط فيديو يدعون فيه العسكريين لرفض الأوامر غير القانونية

علي بردى (واشنطن)

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

هزّت ملفات إبستين الأخيرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودفعتها مرة جديدة إلى اتخاذ وضعية الدفاع لمواجهة تقارير من شأنها أن تورِّط وزير تجارته هاورد لوتنيك، في الفضائح المرتبطة بالملياردير المدان بالاتجار بالقاصرات، والذي قضى في سجنه في عام 2019.

واعترف لوتينك، الذي واجه المشرعين في لجنة المخصصات المالية في الشيوخ يوم الثلاثاء، بأنه التقى بإبستين خلال زيارة عائلية لجزيرته في عام 2012 مناقضاً تصريحات سابقة له أكد فيها أنه قطع التواصل مع الرجل بعد لقائهما في عام 2005 إثر ادانته للمرة الأولى في عام 2008. وهذا ما ذكره السيناتور الديمقراطي كريس فان هولان، الذي قال للوتنيك إن «القضية ليست أنك ارتكبت أي مخالفات فيما يتصل بجيفري إبستين، بل أنك قدّمت تصويراً مضللاً تماماً لمدى طبيعة علاقتك به أمام الكونغرس، وأمام الشعب الأميركي، وأمام الناجين من أفعاله الإجرامية الدنيئة».

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي 10 فبراير 2026 (أ.ب)

ومع تصاعد الدعوات لاستقالة لوتينك، تمسّك البيت الأبيض به ودافع عنه. وأكدت المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت، إن «الوزير لوتينك يبقى عضواً اساسياً في فريق ترمب، وأن الرئيس يدعمه تماماً». موقف أثار استغراب الكثيرين، على رأسهم النائب الجمهوري توماس ماسي، الذي أعرب عن دهشته من احتفاظ الوزير بمنصبه في وقت استقال فيه مسؤولون في بريطانيا جراء الفضيحة. وقال: «عليه أن يستقيل. هناك ثلاثة أشخاص في بريطانيا قدّموا استقالاتهم منهم السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، وأمير فقد لقبه بسبب ما هو أقل بكثير مما رأيناه من هوارد لوتنيك من أكاذيب».

تداعيات مستمرة

يتململ الجمهوريون من تداعيات ملف إبستين المستمرة، والتي أدت إلى انشقاق في الصف الجمهوري. ووصل الأمر برئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي جيمس كومر، إلى التلويح باستدعاء لوتنيك للإدلاء بإفادته أمام اللجنة، قائلاً: «نحن مهتمون بالحديث مع أي شخص قد تكون لديه معلومات يمكن أن تساعدنا على تحقيق العدالة للناجين».

مقتطفات من وثائق إبستين في 10 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وبينما تتصاعد الدعوات لوزارة العدل بالكشف عن بقية الوثائق وعدم حجب أسماء عدا الضحايا، دعا زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ إلى الكشف الكامل عن كل الوثائق مشدداً على أهمية الافراج عن كل المعلومات والشفافية في هذا الملف، مضيفاً: «بالنسبة للأشخاص الذين ترد أسماؤهم أو قد تظهر في سياق ما ضمن ملفات إبستين، فسيتعين عليهم الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بذلك. وأعتقد أن الشعب الأميركي سيكون عليه أن يُصدر أحكامه بشأن ما إذا كانت تلك الإجابات كافية أم لا».

وزيرة العدل بام بوندي مع ترمب في البيت الأبيض 15 أكتوبر 2025 (رويترز)

تصريحات وضعت وزيرة العدل بام بوندي، المعنية بالإفراج عن الوثائق، في موقف حرج. وقد مَثلت بوندي أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب للإدلاء بإفادتها يوم الأربعاء، ووراءها جلس عدد من ضحايا إبستين. فقالت لهن: «أنا آسفة بشدة لما تعرّضت له أي ضحية نتيجة أفعال ذلك الوحش. إن كانت لديكن أي معلومات لمشاركتها مع جهات إنفاذ القانون بشأن أي شخص آذاكن أو أساء إليكن، فإن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) بانتظار سماعكن». وتعهّدت بوندي بأن «أي اتهامات بارتكاب مخالفات جنائية ستُؤخذ على محمل الجد وسيُجرى التحقيق فيها»، مضيفة: «وزارة العدل ملتزمة بمحاسبة المجرمين إلى أقصى حد يسمح به القانون».

وفيما تؤكد وزارة العدل أنها التزمت بالقانون الذي أقره الكونغرس وكشفت عن كل ملفات إبستين، يؤكد عرّابا القانون رو خانا وتوماس ماسي، أن الوزارة لا تزال تملك 2.5 مليون وثيقة من أصل 6 ملايين، ويطالبان بالكشف عنها التزاماً بالقانون.


ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)
حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)
TT

ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)
حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)

سارع الديمقراطيون في فرجينيا إلى الموافقة على مشروع جديد يعيد ترسيم الخريطة الانتخابية في الولاية، بما يمنحهم غالبية ساحقة في العديد من الدوائر خلال الانتخابات النصفية للكونغرس الخريف المقبل، ممهدين الطريق لإحالة الأمر إلى حاكمة الولاية الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر للتوقيع عليه أو رفضه خلال هذا الأسبوع.

وتعد هذه الخرائط جزءاً من عملية معقدة على مراحل لا تزال تواجه طعوناً قانونية، ويتعين على ناخبي الولاية الموافقة عليها قبل دخولها حيز التنفيذ. وأدرج الديمقراطيون هذه الخرائط في مشروع قانون الميزانية، الذي سارعوا إلى تمريره عبر الإجراءات التشريعية الخاصة بالولاية، والذي يتضمن أيضاً بنوداً تؤثر على الضرائب ورواتب موظفي الدولة.

ويفيد الديمقراطيون بأن جهودهم لإعادة تقسيم الدوائر ضرورية لمواجهة مساعي الرئيس دونالد ترمب في الولايات ذات الغالبية الجمهورية لإنشاء دوائر جديدة ذات ميول جمهورية لمساعدة حزبهم على الحفاظ على أكثريته الضئيلة في مجلس النواب خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

واستجابت ولايات تكساس ونورث كارولينا وميسوري وأوهايو حتى الآن لدعوة ترمب. في المقابل، تسعى فيرجينيا إلى الانضمام إلى كاليفورنيا في رسم دوائر انتخابية لمصلحة الديمقراطيين، وتدرس ماريلاند وولايات ديمقراطية أخرى الأمر نفسه.

«تجاوزات» البيت الأبيض

وأجرت الجمعية العامة للمجلس التشريعي في فيرجينيا نقاشات حول هذه الخطوة. واستشهد الديمقراطيون بمقتل مواطنين أميركيين في مينيسوتا على أيدي مسؤولي الهجرة الفيدراليين كدليل على ضرورة سيطرة حزبهم على الكونغرس ومحاسبة ترمب.

وقال رئيس مجلس النواب الديمقراطي دون سكوت إن «التجاوزات التي تصدر عن البيت الأبيض حالياً تنافي القيم الأميركية»، مضيفاً أن ترمب عبّر أيضاً عن رغبته في تسييس الانتخابات على مستوى الولايات.

ومرر كل من مجلسي النواب والشيوخ في الولاية نسختين متطابقتين من التشريع، الثلاثاء، في تصويت أيّده الديمقراطيون وعارضه الجمهوريون. ويتعين على المجلسين الآن إقرار مشروع القانون لإرساله إلى سبانبرغر.

وردّ الجمهوريون باتهام الديمقراطيين في ولايات أخرى بالتلاعب بالدوائر الانتخابية لسنوات عديدة لصالح حزبهم. وقال زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب تيري كيلغور للصحافيين: «لحق ترمب للتو بما يفعله الديمقراطيون». وأشار إلى أن الخريطة المقترحة تقسم مقاطعات شمال فيرجينيا الغنية بالأصوات، والتي تعتبر معاقل للديمقراطيين، إلى أجزاء من 5 دوائر انتخابية. وستمتد هذه الدوائر الجديدة جنوباً إلى مناطق أخرى كانت مصنفة بأنها مؤيدة للجمهوريين.

ولا تزال أمام هذه الخرائط إجراءات طويلة قبل أن تُصبح سارية. وحدد المشرعون 21 أبريل (نيسان) المقبل موعداً لإجراء استفتاء على مستوى الولاية حول تعديل دستور الولاية للسماح مؤقتاً بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية.

استفتاء شعبي

وفي حال موافقة أكثرية الناخبين، يعتزم الديمقراطيون تطبيق الخرائط الجديدة. إلا أن هذا المسعى لا يزال محل شك، إذ أصدر قاضٍ في مقاطعة تازويل الريفية حكماً بمنع الاستفتاء، مؤيداً بذلك موقف الجمهوريين الذين رفعوا دعوى قضائية بدعوى أن العملية تنتهك قانون الولاية ودستورها. واستأنف الديمقراطيون الحكم، ويمكن للمحكمة العليا في فيرجينيا أن تحسم الأمر في أي وقت.

وتأكيداً على حرص الديمقراطيين على إقرار المسألة في الوقت المناسب لانتخابات هذا العام، أُدرجت الخرائط في مشروع قانون الميزانية الذي كان من المفترض أن يكون من آخر التشريعات التي تُناقش في دورة الجمعية العامة التي تستمر 60 يوماً هذا العام.

ويتناول مشروع القانون الأشهر الستة الأخيرة من السنة المالية 2026، التي تنتهي في 30 يونيو (حزيران) المقبل، وينص على منح مكافآت لمرة واحدة بقيمة 1500 دولار لموظفي الدولة ومعلمي المدارس الحكومية. كما يمنع الولاية من تعديل قانون ضريبة الدخل في فيرجينيا ليتوافق مع العديد من التعديلات الفيدرالية التي أقرها الكونغرس العام الماضي، والتي تتمثل في تجاهل الإعفاءات الضريبية للشركات.


مُحلّفو واشنطن يحبطون محاولة ترمب معاقبة 6 مشرعين ديمقراطيين

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

مُحلّفو واشنطن يحبطون محاولة ترمب معاقبة 6 مشرعين ديمقراطيين

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

رفضت هيئة محلفين فيدرالية كبرى، في واشنطن العاصمة، مسعى وزارة العدل الأميركية إلى توجيه اتهامات لستة من المشرعين الديمقراطيين؛ بسبب نشرهم شريط فيديو يدعون فيه أفراد الخدمة العسكرية إلى رفض الأوامر غير القانونية.

وحاولت إدارة الرئيس دونالد ترمب ملاحقة المشرعين الستة، وبينهم العضوان في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ؛ السناتور مارك كيلي، وهو نقيب بحري متقاعد ورائد فضاء سابق، والسناتورة أليسا سلوتكين، وهي محللة سابقة لدى «وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)»، بالإضافة إلى 4 نواب؛ هم: الجندي السابق جايسون كرو، والضابطة الاحتياط السابقة في البحرية ماغي غودلاندر، وضابطة القوات الجوية السابقة كريسي هولاهان، وجندي البحرية السابق كريس ديلوزيو، بعدما وجهوا انتقادات حادة إلى الإدارة بشأن نشر قوات من الحرس الوطني في مدن يديرها مسؤولون ديمقراطيون، وإصدار أوامر للإغارة على قوارب يشتبه في أنها تهرب مخدرات عبر جنوب البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

وكان مكتب المدعية العامة لواشنطن، القاضية جانين بيرو، وهي حليفة مقربة لترمب، فوّض المدعين العامّين التوجه إلى هيئة محلفين كبرى، والمطالبة بتوجيه اتهامات لأعضاء الكونغرس الستة، الذين خدموا جميعاً في الجيش أو أجهزة الاستخبارات. وبدا لافتاً للغاية أن أعضاء هيئة المحلفين، وهم مجموعة من المواطنين العاديين، عارضوا بشدة محاولةَ الإدارة تسييس العدالة الجنائية، ومحاولةَ عدّ معارضة ترمب جريمة تستوجب الملاحقة القضائية.

وقبل الولاية الرئاسية الثانية لترمب، كان يندر أن يرفض أعضاء هيئة المحلفين الكبرى طلبات المدعين العامّين الساعين إلى توجيه اتهامات.

استغلال السلطة

سعى المُدّعون العامّون الذين قدموا القضية إلى إقناع هيئة المحلفين بأن المشرعين الستة انتهكوا قانوناً يحظر التدخل في ولاء القوات المسلحة الأميركية أو معنوياتها أو انضباطها.

السناتور الديمقراطي مارك كيلي متحدثاً إلى الصحافيين خارج المحكمة في واشنطن العاصمة يوم 3 فبراير 2026 (أ.ب)

وبعد رفض هيئة المحلفين توجيه الاتهامات، امتنعت وزارة العدل عن التعليق.

في المقابل، رحبت سلوتكين بالنتيجة. وقالت في بيان: «بغض النظر عما سيفعله الرئيس ترمب وبيرو في هذه القضية، فقد حققنا الليلة انتصاراً للدستور وحرية التعبير وسيادة القانون».

وكذلك ندد كيلي بالمحاولات المتكررة التي تبذلها الإدارة لاستهدافه هو وزملائه. وقال إن «هذا استغلال فاضح للسلطة من دونالد ترمب وأتباعه»، مضيفاً أن ترمب «يريد أن يرعب كل أميركي لدرجة تمنعه ​​من التعبير عن رأيه ضده. إن أكثر ما يُمكننا فعله بدافع الوطنية هو عدم التراجع».

ولطالما رفعت وزارةُ العدل في عهد ترمب دعاوى جنائيةً مشكوكاً في صحتها ضد خصومه، وبينهم المدير السابق لـ«مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)»، والمدعية العامّة في نيويورك ليتيسيا جيمس. ورغم ضعف هذه الدعاوى، فإنه بدا أن وزارة العدل، بقيادة الوزيرة بام بوندي، قررت أن الخسارة في المحكمة أفضل من مواجهة رغبة ترمب المعروفة في الانتقام.

وفتحت وزارة العدل أخيراً تحقيقات مع مسؤولين ديمقراطيين في مينيسوتا عارضوا حملة ترمب المشددة ضد الهجرة، واعتقلت الصحافي دون ليمون لوجوده في احتجاج كنسي بمدينة مينيابوليس. وخلال الأسبوع الماضي، دهم عملاء «إف بي آي» مكتب انتخابات في أتلانتا بناء على ادعاءات، دُحضت لاحقاً، بشأن تزوير الانتخابات الرئاسية في عام 2020.

قصة الفيديو

السناتورة الديمقراطية إليسا سلوتكين (أرشيفية - أ.ب)

وبدأت القضية ضد المشرعين إثر مقطع فيديو نشرته سلوتكين في وقت كان ترمب يُصدر فيه أوامر بشن غارات على قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات بمنطقة البحر الكاريبي، وكان يُدرَس نشر قوات عسكرية بالمدن الأميركية لقمع الاحتجاجات.

وتناوب المشرعون على قراءة بيان حذروا فيه من أن «التهديدات التي تواجه دستورنا لا تأتي من الخارج فقط، بل من الداخل أيضاً». وقال كيلي إن «قوانيننا واضحة، ويمكنكم رفض الأوامر غير القانونية».

وبعد وقت قصير، أثار الفيديو غضب ترمب، الذي طالب بمعاقبة المشرعين. وكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «سلوك تحريضي... عقوبته الإعدام!». وشارك منشوراً آخر يقول: «أعدموهم شنقاً... جورج واشنطن كان سيفعل ذلك!».

وبعد أيام، كشف المشرعون الستة عن أن «مكتب التحقيقات الفيدرالي» تواصل مع ضباط الأمن في مجلسَي النواب والشيوخ، طالباً إجراء مقابلات معهم؛ مما يشير إلى بدء تحقيق جنائي. وقال النواب الأربعة، الذين ظهروا في الفيديو، في بيان مشترك: «يستخدم الرئيسُ ترمب (مكتبَ التحقيقات الفيدرالي) أداةً لترهيب أعضاء الكونغرس ومضايقتهم. لن يثنينا أي قدر من الترهيب أو المضايقة عن أداء واجباتنا واحترام دستورنا».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وصف وزير الحرب، بيت هيغسيث، الفيديو بأنه «شائن، ومتهور، وكاذب»، عادّاً أن المشرعين كانوا يُشجعون الجنود على «تجاهل أوامر قادتهم». وأضاف أن «خطابهم الأحمق يُثير الشك والبلبلة؛ الأمر الذي يُعرّض جنودنا للخطر».