السودان يعرض على روسيا قاعدة عسكرية بحرية وذهباً مقابل التسليح

مقترح أميركي ثلاثي يعزل الإسلاميين ويكون سلطة مدنية وجيشاً موحداً

TT

السودان يعرض على روسيا قاعدة عسكرية بحرية وذهباً مقابل التسليح

الرئيس بوتين مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان على هامش قمة «روسيا أفريقيا 2019» في سوتشي (أ.ف.ب)
الرئيس بوتين مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان على هامش قمة «روسيا أفريقيا 2019» في سوتشي (أ.ف.ب)

بينما تضغط الإدارة الأميركية على أطراف القتال في السودان، لتمرير خريطة طريق لوقف الحرب في البلاد، كشفت مصادر أميركية وسودانية، أن بورتسودان طرقت «باب موسكو» للحصول على تسليح مقابل منحها «قاعدة بحرية» على البحر الأحمر، واستثمارات في المعادن والذهب، ما يهدد بنقل حرب السودان إلى صراع مفتوح بين الضغوط الأميركية والإغراءات الروسية، في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

في الأثناء تم كشف مزيد من التفاصيل حول المقترح الأميركي لوقف النار في السودان، يتضمن خريطة طريق من ثلاثة مسارات متوازية «عسكرية وإنسانية وسياسية» تستبعد التيار الإسلامي و«الإخوان المسلمين».

قاعدة وذهب لروسيا

بالتوازي مع الحراك الأميركي المكثف لوقف الحرب، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في تقرير لها الثلاثاء، أن الحكومة التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، عرضت على موسكو إقامة قواعد بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر، واستثمارات في مجال المعادن والذهب، مقابل إعادة تزويد الجيش السوداني بأسلحة روسية متطورة.

مرفأ بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)

وقالت الصحيفة نقلاً عن مسؤولين سودانيين لم تسمهم، إن العرض السوداني يتضمن اتفاقاً لمدة 25 عاماً، يسمح لروسيا بنشر ما يصل إلى 300 جندي، وأربع قطع بحرية، بينها سفن حربية تعمل بالطاقة النووية، في ميناء بورتسودان أو منشأة بحرية أخرى على البحر الأحمر.

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن القاعدة تمنح روسيا دوراً في مراقبة خطوط التجارة المتجهة عبر قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

تحذير أميركي

وقالت «وول ستريت جورنال» إن مسؤولاً أميركياً رفيعاً حذر من «إقامة قاعدة روسية في بورتسودان أو ليبيا، قد تُوسع قدرة موسكو على استخدام القوة، والعمل دون قيود». ونسبت إلى الجنرال المتقاعد مارك هيكس، القائد السابق لقوات العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا، أن مثل هذه القاعدة «تعزز المكانة الدولية لروسيا وتوسع نفوذها».

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التطور في ظل بحث القيادة العسكرية في بورتسودان عن مصادر تسليح جديدة. ونقلت الصحيفة عن مسؤول سوداني لم تسمه، أن البلاد بحاجة إلى منظومات دفاع جوي وأسلحة متطورة، لكن الدخول في صفقة من هذا النوع قد «يخلق مشكلات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».

وترى الصحيفة أن واشنطن تراهن على خريطة طريق توقف الحرب، وتطلق مساراً سياسياً نحو حكم مدني، بينما تسعى بورتسودان إلى دفع تكلفة الانفتاح على موسكو، مقابل مكاسب التسليح والاستثمارات.

هدنة وآلية دولية

وفي السياق كشفت مصادر لقناة العربية عن تفاصيل جديدة حول مقترح الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في السودان، مشيرة إلى أنه يتضمن ثلاثة مسارات «عسكرية وإنسانية وسياسية» تستبعد التيار الإسلامي و«الإخوان المسلمين».

وقالت قناة العربية نقلاً عن مصادر مصرية، إن المسار العسكري، يتضمن وقف إطلاق نار شامل، ويفتح الباب أمام عملية إنسانية واسعة، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة الخدمات الأساسية في أنحاء البلاد كافة، مع إنشاء «لجنة دولية» للإشراف على وقف النار، بآليات رقابة على الأرض، لتأمين المسارات الإنسانية وحماية المدنيين، ومعالجة أي خروقات محتملة.

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي (أ.ف.ب)

وربطت مقترح المسار الإنساني بنجاح الهدنة، وفاعلية وصول المساعدات، بوقف إطلاق نار ثابت، يكون مدخلاً لعمليات الإغاثة وتهيئة ظروف العودة الآمنة للنازحين واللاجئين. ونصّ مقترح المسار السياسي، على عملية تقودها القوى المدنية - باستثناء عناصر النظام السابق والإسلاميين - تناقش قضايا الانتقال وتدعم المسار الإنساني، وتبدأ فور موافقة الجيش و«قوات الدعم السريع» على الهدنة في خطوة أولى على طريق إنهاء الحرب

إصلاح عسكري شامل

كما تتضمن الخريطة «عملية إصلاح عسكري شامل»، تقضي بإخراج المنتسبين لتيار «الإخوان المسلمين» – الحركة الإسلامية السودانية - من الجيش والأجهزة الأمنية، وإعادة هيكلة واسعة تتضمن دمج المجموعات المسلحة، وتفكيك الميليشيات التي تقاتل إلى جانب الطرفين، من أجل جيش موحد ومهني، ومؤسسات أمنية خاضعة للسلطة المدنية، بعملية لا يقررها الجيش أو «قوات الدعم السريع».

يُذكر أن مسعد بولس كان قد قدّم في سبتمبر (أيلول) الماضي مقترح الرباعية الدولية، لوفدي الحكومة السودانية و«قوات الدعم السريع»، يتضمن وقف إطلاق النار، وهدنة إنسانية في إطار عملية متكاملة، قبل أن يعلن في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أن طرفي النزاع لم يوافقا على الخطة.

وشدّد بولس وقتها على أهمية قبول الطرفين للهدنة «دون شروط مسبقة»، بوصفها خطوة ضرورية لإنقاذ الأرواح، وتهيئة الظروف لاستئناف المسار السياسي، والانتقال إلى حكم مدني.


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)

الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

أفادت وزارة الخارجية السودانية في بيان اليوم الأحد بأن حكومة السودان حريصة على ضرورة إنهاء الحرب «وإيقاف تدمير الدولة وتجويع الشعب».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

إدانات عربية لهجمات «الدعم السريع» في كردفان

أدانت دول عربية الهجمات الإجرامية التي شنَّتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض - القاهرة)
الخليج عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

أعربت السعودية عن ادانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية وحافلة تقل نازحين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

اشتباكات بين الجيش السوداني و«ميليشيا» موالية له في الجزيرة

قالت «حركة تحرير الجزيرة» إن تبادلاً لإطلاق النار جرى بين الجيش السوداني ومسلحين تابعين له (غير نظاميين) في مدينة رفاعة بشرق ولاية الجزيرة في وسط البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
TT

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)

لا تزال واشنطن تبحث عن تعميق مسار السلام الذي بدأته قبل نحو أشهر في الكونغو الديمقراطية، بحثاً عن توسيع وجودها بالقرن الأفريقي الذي يعجّ بمنافسين كبار كالصين وروسيا.

وعقدت كينشاسا وواشنطن محادثات بشأن الأمن والاقتصاد مجدداً وسط جمود مسار السلام، وهو ما يرى خبير في الشأن الأفريقي تحدّث لـ«الشرق الأوسط» أنه يأتي وسط مساعٍ أميركية لتثبيت أركانها وسط نفوذ دولي كبير بالمنطقة، متوقعاً أن تقود مفاوضات لتهدئة خلال الربع الأول من العام الحالي.

استثمارات أميركية

وفي صورة نشرتها وزارة الخارجية الأميركية عبر منصة «إكس»، السبت، ظهر الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي متوسطاً كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، في لقاء عُقد الجمعة.

وقال بولس عبر حسابه بـ«إكس»: «حوار هام ركز على سبل تعميق الشراكة بين الولايات المتحدة وجمهورية الكونغو الديمقراطية»، مضيفاً: «ناقشنا اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، بما في ذلك فرص توسيع الاستثمارات الأميركية في جمهورية الكونغو الديمقراطية». وأضاف «تطرّقنا إلى الوضع الأمني شرقي البلاد، مع التشديد على الأهمية الحاسمة للامتثال الكامل لاتفاقات واشنطن».

بينما أكد تشيسيكيدي وجود جهود مشتركة مع واشنطن لإحلال السلام في شرقي الكونغو الديمقراطية، وفق ما ذكرت «وكالة الأنباء الكونغولية»، السبت. وقال الرئيس الكونغولي خلال مائدة مستديرة عقدت في غرفة التجارة الأميركية بواشنطن، إن الرئيس دونالد ترمب قد جدد تأكيده على عزمه المساهمة في إحلال السلام في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ بما يتيح للمستثمرين الأميركيين الاستثمار في البلاد.

وخلال المائدة المستديرة الأميركية تلقى مستثمرون أميركيون تطمينات رسمية بشأن التزام رئيسي البلدين بدعم جهود إحلال السلام في شرقي الكونغو، في خطوة تهدف إلى طمأنة المستثمرين الأميركيين وتشجيعهم على تعزيز استثماراتهم في البلاد.

وقال وكيل وزارة الاقتصاد الأميركية، جاكوب هيلبرغ، والممثل لإدارة ترمب، خلال الاجتماع نفسه، إن الولايات المتحدة والكونغو الديمقراطية أبرمتا شراكة عميقة للغاية من شأنها تحقيق فوائد ملموسة لأمن الولايات المتحدة.

مساعي ترسيخ النفوذ

«ليست واشنطن من تسعى لنفوذ في الكونغو الديمقراطية وحدها»، وفق ما يشير المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، موضحاً أن «هذا اللقاء يعد نموذجاً لمساعي ترسيخ هذا النفوذ عبر ضخ استثمارات وحل المشاكل الأمنية».

ويمثل صراع النفوذ في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية نموذجاً لنزاع مركب، تتداخل فيه الهشاشة الداخلية مع الحسابات الإقليمية والمصالح الدولية، وفق عيسى. وأضاف: «إقليمياً، يشكل الشرق الكونغولي عمقاً أمنياً حساساً لدول الجوار، خصوصاً رواندا التي تربط تدخلها باعتبارات أمنية وحدودية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على نفوذ مباشر أو غير مباشر داخل المنطقة، بينما أوغندا وبوروندي تنخرطان بدرجات أقل، انطلاقاً من مخاوف أمنية ومصالح اقتصادية».

وبحسب عيسى: «دولياً، تزايد الاهتمام الأميركي بالصراع يعكس خشية الوجود الصيني - الروسي، إضافة إلى أهمية استقرار شرق الكونغو في سياق المنافسة على الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية، ولذلك تميل واشنطن إلى دعم مسارات دبلوماسية متعددة، والضغط على الأطراف الإقليمية لاحتواء التصعيد، دون الانخراط العسكري المباشر».

وحذر من أن تكون الضغوط أو النفوذ الأميركي أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، خاصة أن هذا سيجعل السلام هشاً وقابلاً للانتكاس عند تغير الحسابات الاستثمارية أو السياسية.

صعوبة السلام

ومنذ نحو عام، يشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، خاصة بعدما سيطرت حركة «23 مارس»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيتَين في الإقليم.

ولم يصمد مسار السلام رغم توقيع اتفاقات رعتها واشنطن والدوحة في 2025، فضلاً عن نحو 10 محاولات سابقة منذ 2021. ورغم هذا الجمود في مسار السلام، يرجح الخبير في الشأن الأفريقي أن تعود المفاوضات في الربع الأول من هذا العام، «لكن نتائجها ليست مضمونة».

ويوضح أن المؤشرات السياسية والدبلوماسية تشي بأن الربع الأول من العام يشكل نافذة مناسبة لإعادة إطلاق المفاوضات، لعدة أسباب؛ منها تصاعد الضغوط الأميركية، وخشية الأطراف الإقليمية من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع، وحاجة الجميع إلى تهدئة تسمح بإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية والأمنية.

ويتوقع أن أي عودة محتملة للمفاوضات ستكون على الأرجح تقنية وتدريجية، تتمثل في لقاءات تمهيدية، ووساطات غير معلنة، أو إحياء لمسارات قائمة بصيغة معدلة، لا مفاوضات شاملة ونهائية.


تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
TT

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

رفع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من درجة التصعيد مع فرنسا، بينما دخلت العلاقات الثنائية منذ شهور في قطيعة معلنة، حيث اتهم حكومتها بـ«السعي لضرب المباحثات مع الاتحاد الأوروبي»، الجارية منذ عام بخصوص مراجعة «اتفاق الشراكة» الذي يربط الطرفين منذ 21 سنة.

وأشاد تبون في مقابلة صحافية بثها التلفزيون العمومي، ليل السبت - الأحد، بالعلاقة مع السعودية، مشدداً على أن «من يمسّ المملكة بسوء فكأنه مسّ بالجزائر».

ورداً على سؤال يخص العلاقات مع المملكة العربية السعودية، أجاب تبون بأنها «متينة وأخوية جداً»، مشدداً على أن «ما يمس السعودية يمس الجزائر أيضاً بحكم التاريخ المشترك والروابط القوية التي تجمع البلدين».

الرئيس عبد المجيد تبون لدى لقائه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف (الداخلية السعودية)

وأوضح الرئيس أن الجزائر «ترتبط بعلاقات إيجابية وراسخة مع محيطها العربي، لا سيما مع مصر والكويت وقطر»، واصفاً هذه الروابط بأنها «تتجاوز الطابع الأخوي التقليدي، لتصبح علاقات استراتيجية لا نقبل أي مساس بها». وفي معرض حديثه عن العمق التاريخي لهذه العلاقات، استذكر الرئيس الموقف المصري الداعم للجزائر إبان «اعتداء 1963» (المواجهة العسكرية مع المغرب أو ما يسمى حرب الرمال)، مشيراً في المقابل، إلى مسارعة الراحل هواري بومدين لـ«مد يد العون لمصر في اللحظات الفارقة، تأكيداً على مبدأ التضامن المتبادل».

فرنسا

وتناول تبون الزيارة التي قادت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» سيغولين روايال، إلى الجزائر الشهر الماضي، والتي استقبلها في قصر الرئاسة، حيث قال رداً على سؤال بهذا الخصوص: «إذا سمحتَ وفي إطار الديمقراطية، لا أجيب فيما يخص فرنسا»، وفهم من أسلوبه في الحديث بأن الاستياء من فرنسا بلغ الذروة.

وأثنى تبون على مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية لسنة 2007، روايال، بقوله : «أُكنّ لها كامل الاحترام»، مشيداً «بشجاعتها ونزاهتها الفكرية وصراحتها... وهي مرحب بها».

الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأدت روايال دوراً أشبه بـ«الدبلوماسية الموازية»، وفق توصيف الصحافة، خلال زيارة دامت 5 أيام، في محاولة لكسر الجمود الذي يطبع العلاقات بين البلدين. وقد واجهت انتقادات حادة من بعض وسائل الإعلام الفرنسية ومن رموز اليمين واليمين المتطرف، بسبب إشادتها بـ«جزائر تتطور وتتقدم»، متسائلة عن «سبب إقامة ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا علاقات جيدة مع الجزائر دون فرنسا، رغم أن المنطق يفترض العكس، بحكم التاريخ الذي يربط البلدين».

«دول تحرّض على الكراهية ضدنا»

وفيما يخص العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، التي تمر بظرف صعب منذ شهور، اتهم تبون فرنسا، من دون تسميتها، بـ«عرقلة النقاشات بين الجانبين وشنّ حرب اقتصادية ضد الجزائر». وذكر مثال تصدير حديد البناء الجزائري إلى أوروبا، قائلاً: «لدينا علاقات جيدة مع الدول، لا سيما مع أصدقائنا الإيطاليين والإسبان والألمان ودول أخرى».

وأضاف: «لكنّ هناك بعض الدول التي تحرّض على الكراهية ضد الجزائر، معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»، دون أن يذكر أسماء. كما ندد الرئيس تبون بـ«حرب تُشنّ ضد الصلب الجزائري في أوروبا».

وقال بهذا الخصوص أيضاً: «الاتحاد الأوروبي يمنح الجزائر حصة لكل 3 أشهر، وهي كمية تُستهلك كلياً في 12 يوماً، في حين أن 85 في المائة من مشتريات الجزائر تأتي من أوروبا، ومن المفترض أن يكون هناك تبادل حر». وأضاف: «لهذا طلبنا إعادة التفاوض حول اتفاق الشراكة. في الحقيقة هناك إجماع، ناقص واحد»، في إشارة إلى فرنسا، التي اتهمها، من دون تسميتها، بـ«تكرار أخطائها» مع الجزائر.

ودخلت الجزائر وبروكسل في مفاوضات، منذ مطلع 2025، بهدف إدخال تعديلات على «اتفاق الشراكة»، الذي تراه الجزائر «مجحفاً في حقها»، بدعوى أنه «جلب لطرف واحد فقط».

ولم يوضح تبون كيف أن باريس، أدت دوراً سلبياً في هذا المسعى، علماً بأن مفوضية الاتحاد الأوروبي لوّحت باللجوء إلى التحكيم الدولي، بسبب توقيف الجزائر الصادرات الأوروبية منذ 2022، ما يعدّ إخلالاً ببنود «اتفاق الشراكة»، في تقدير الأوروبيين.

الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون (الرئاسة الجزائرية)

واستحضر الرئيس الجزائري، في تصريحاته، الحظر الفرنسي على النبيذ الجزائري غداة الاستقلال عام 1962، ما اضطر الجزائر إلى «اقتلاع كرومها»، وتعويضها بمحاصيل أخرى كالحبوب. وقال: «بعد الاستقلال، تركوا لنا مصانع لصناعة المشروبات الكحولية في المدية (جنوب العاصمة) ووهران وتلمسان (غرب الجزائر)... ثم قرروا التوقف عن شراء النبيذ الجزائري بهدف جعلنا نندم على استقلالنا. فأمر الرئيس بومدين (هواري بومدين 1965 - 1978) باقتلاع الكروم. هم لا يريدون أن يفهموا أنه لا يجب ابتزاز الجزائر». وأضاف: «الغريب أننا نتفاهم مع الكبار».

وفي سياق التوترات الشديدة، اعتبر الرئيس تبون أن مشروع وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، زيارة الجزائر «أمر يخصه ولا يخصني. إن أراد المجيء فهو مرحب به»، في إشارة ضمناً، إلى «شروط» أعلن عنها الوزير الفرنسي في صحافة بلاده، مقابل زيارة إلى الجزائر تم الإعلان عن إجرائها بنهاية 2025، لكنها لم تتم. ويأتي على رأس هذه «الشروط»، حسبه، «تعهّد الجزائر باسترجاع مهاجريها غير النظاميين محل أوامر بالطرد من التراب الفرنسي».

وبخصوص سؤال حول تدابير استثنائية تم الإعلان عنها الشهر الماضي، تخص عودة الرعايا الجزائريين «في وضعية غير نظامية وهشة بالخارج»، وما إذا كان يشمل الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي، أجاب الرئيس تبون بالنفي، قائلاً: «مشكلة أوامر مغادرة التراب تتعلق ببلدان الاستقبال».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر منذ بدايتها (رويترز)

وأبرز تبون أنه رفض استقبال رعايا صدرت بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي خلال تولي برونو ريتايو وزارة الداخلية (سبتمبر/ أيلول 2024 - أكتوبر/ تشرين الأول 2025)، وقال: «فيما يخص أوامر مغادرة التراب، رفضناها من وزير، لأنه كان يسمح لنفسه بأخذ جزائريين ووضعهم في طائرة وإعادتهم إلى الجزائر. هؤلاء الجزائريون لهم حقوق. يعيشون في فرنسا منذ 10 إلى 15 سنة. يجب احترام حقوقهم. إذا أمر القضاء بترحيلهم، فهناك طعن. لدينا اتفاقيات تنظم ذلك. يجب إبلاغ الجزائر، وعلى القنصل (الجزائري) أن يزور الشخص الصادر بحقه أمر مغادرة التراب... وإذا كان كل شيء قانونياً، يوقّع على رخصة المرور». وتابع بنبرة تحذيرية: «الذي يريد إهانة أو إذلال الجزائر لم يولد بعد».


عائلة الليبي البكوش تكشف كواليس اعتقاله وتسليمه لواشنطن

الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)
الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)
TT

عائلة الليبي البكوش تكشف كواليس اعتقاله وتسليمه لواشنطن

الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)
الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

تتفاعل قضية المواطن الليبي الزبير البكوش، الموقوف في الولايات المتحدة لاتهامه بالتورط في الهجوم الإرهابي على مجمع القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، الذي أفضى في حينها إلى مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة موظفين آخرين، في وقت كشفت جوانب من الكواليس التي استبقت عملية اعتقاله.

الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

وقُتل ستيفنز في الهجوم الذي وقع يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2012، إلى جانب الموظف بوزارة الخارجية الأميركية شون سميث، والجنديين بقوات البحرية الأميركية الخاصة غلين دوهرتي وتايرون وودز.

وقال عمر البكوش، شقيق الزبير، إن الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس جو بايدن «طالبت عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة (الوحدة الوطنية) المؤقتة، عام 2021، بتسليم الزبير، عندما كان معتقلاً في طرابلس فرفض، وتمسك بالتحقيق معه داخل الأراضي الليبية».

وسبق لـ«القوة المشتركة» في مصراتة القبض على الزبير، وفق ما صرحت به زوجته بسمة الفاخري لوسائل إعلام ليبية محلية، «وأُخضع للاستجواب من قبل (قوة أميركية)، لكنها أخلت سبيله بعد تأكدهم من انتفاء صلته بأي أعمال إرهابية».

وأوضح شقيق البكوش عبر حسابه على «فيسبوك»، مساء السبت، أن «التحقيق مع الزبير استمر أكثر من ستة أشهر، وكان المحققون ضباطاً أميركيين، وتمت تبرئته من التهم المنسوبة إليه وأُفرج عنه نهاية عام 2021».

وأوضح مصدر مقرب من أسرة البكوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنها تسعى راهناً للحصول على توضيح من حكومة الدبيبة بشأن مصير عائلها، الذي قالت إنه «سبق وبُرئ بعد إخضاعه لتحقيقات سابقة من أي اتهامات».

وينتقد حقوقيون ليبيون عملية تسليم المواطنين إلى الولايات المتحدة، مشيرين إلى أن هذا النهج مرفوض، وذَكَروا أسماء سابقة تم تسليمها إلى أميركا، من بينهم أبو أنس الليبي، وأحمد أبو ختالة، وأبو عجيلة المريمي.

ولم تصدر عن حكومة «الوحدة» أي تصريحات بالنفي أو التأكيد، تتعلق بقضية تسليم الزبير إلى أميركا، لكن المحلل السياسي أسامة الشحومي قال إن عملية التسليم جاءت في توقيت تمر فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة بأضعف مراحلها سياسياً، معتقداً أنها «اختارت الاسم الأسهل لتقديمه إلى واشنطن دون فتح جبهات داخلية».

الزبير البكوش أثناء وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

ولفت إلى أن الزبير البكوش «أُوقف عام 2020 عن طريق (قوة الردع الخاصة) واحتُجز في سجن معيتيقة الذي كانت تديره القوة، ثم أُفرج عنه بضغط من دار الإفتاء وبقيادة المفتي الصادق الغرياني وسامي الساعدي، أمين عام دار الإفتاء، عندما كانت موازين القوة لصالحهم».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن زوجة البكوش، بسمة الفاخري، أن «قوة مدججة بأسلحة كبيرة، عرّفت نفسها بأنها (الأمن الداخلي)، اقتحمت منزلهم مساء الأحد الماضي واقتادت زوجها، وتعهدت بإطلاق سراحه خلال ساعة»، مشيرة إلى أنها في اليوم التالي ذهبت إلى مقر الأمن الداخلي لإرسال أدوية وملابس لزوجها، «لكنني فوجئت بأن الجهاز يفيد بأنه ليست له علاقة باقتياد زوجها».

ونوهت بأن «جهاز الأمن الداخلي كان قد ألقى القبض على زوجها في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ومكث لديهم، ثم اتصلوا بنا لتسلمه من مصحة الفردوس بسبب تدهور حالته الصحية»، ولفتت إلى أن عائلة البكوش لم تعلم بوصول زوجها إلى أميركا إلا من خلال وسائل الإعلام.

وناشدت زوجة الزبير البكوش، السلطات الليبية، الاهتمام بقضية زوجها، وتكليف محامٍ له وتوفير الأدوية اللازمة ومتابعة حالته الصحية.

ووسط مناشدات أسرة الزبير، نقلت صحيفة «المرصد» الليبية عن تقارير منسوبة لوسائل إعلام أميركية، أن المتهم تم نقله عبر «مطار مصراتة الدولي» بغرب ليبيا في الخامس من فبراير (شباط) الحالي إلى «مطار ماناساس» في ولاية فيرجينيا، وأن الزبير «كان ضمن مجموعة من 20 شخصاً شاركوا في الهجوم الإرهابي على المجمع».

ونشرت صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية صورةً من مقطع فيديو تعتقد أنها للزبير أثناء الهجوم على مجمع القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، وأشارت إلى أن هناك قضايا سابقة مرتبطة بهجوم بنغازي تضمنت إشارات إلى تسجيلات مصورة تظهر البكوش مرتدياً زياً عسكرياً ويحمل سلاحاً، ويقف قرب مركبة أُحرقت أثناء الهجوم، إضافة إلى وقوفه خارج القاعدة وقت انطلاق الهجوم على المجمع.