عرب أميركا اللاتينية… من الهجرة إلى قصور الرئاسة

مسيرة رؤساء وسياسيين من لبنان وفلسطين وسوريا تركوا بصمتهم في تاريخ القارة الحديث

صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية
صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية
TT

عرب أميركا اللاتينية… من الهجرة إلى قصور الرئاسة

صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية
صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية

لم يكن العرب حين شدّوا الرحال إلى أميركا اللاتينية يحملون سوى حقائب صغيرة وذكريات ثقيلة تركوها خلفهم بين جبال لبنان وبيوت فلسطين وأزقة سوريا. وصلوا إلى القارة البعيدة بحثاً عن حياة أكثر اتساعاً، لكن ما لم يتوقعه أحد أن يتحوّل أبناؤهم بعد عقود قليلة إلى وجوه تتصدّر الشاشات، وتجلس في قصور الحكم، وتوقّع معاهدات، وتسطّر فصولاً جديدة من تاريخ بلدان لم تُولد فيها أحلامهم الأولى.

بين أسونسيون وسان سلفادور وغواياكيل وبوغوتا، مروراً ببوينس آيرس وتيغوسيغالبا، وصولاً إلى برازيليا وكيتو، نسجت الجاليات العربية قصة مختلفة؛ قصة تبدأ من متجر صغير، ثم ترتفع درجاتها عبر الجامعات والبرلمانات، لتصل في نهاية السلم إلى أعلى منصب في الدولة.

وفيما يلي نبذة عن أبرز السياسيين العرب الذين تركوا بصمة في تاريخ أميركا اللاتينية.

كولومبيا - خوليو طربيه: أول العرب في القمة

يُعد خوليو سيزار طربيه أيالا نقطة البداية الرمزية لصعود العرب إلى الرئاسة في أميركا اللاتينية، فقد هاجر مع عائلته من بلدة تنورين في قضاء البترون بمحافظة الشمال اللبنانية إلى كولومبيا في عشرينات القرن الماضي، حين كان في الثانية من عمره.

مرت عائلة طربيه بفترات صعبة، واضطر إلى ترك المدرسة في المرحلة الثانوية والعمل مبكراً لإعالة أسرته، وهي نقطة ظلّ خصومه السياسيون يلوّحون بها طوال مسيرته.

خوليو سيزار طربية رئيس كولومبيا السابق (ويكيبيديا)

بعدما استعادت العائلة مكانتها الاقتصادية، انخرط طربيه في الحزب الليبرالي، وتدرج في المناصب الدبلوماسية، وبات سفيراً لدى الأمم المتحدة، ثم سفيراً لدى بريطانيا ولدى الولايات المتحدة الأميركية، وعُيّن وزيراً للخارجية، قبل أن يتولى الرئاسة المؤقتة عام 1967، ثم انتخب رئيساً للجمهورية عام 1978 حتى عام 1982 في واحدة من أصعب مراحل كولومبيا السياسية، إذ شهدت فترة رئاسته أزمة دولية بالضبط في 27 فبراير (شباط) من عام 1980، عندما اقتحمت مجموعة من 35 مقاتلاً من حركة «إم 19» سفارة الدومينيكان في بوغوتا في أثناء استقبال رسمي بمناسبة عيد وطني، واحتجزوا سفراء 16 دولة، واستمرت الأزمة 61 يوماً. عاد طربية إلى مسقط رأسه بمعية عائلته في عام 2003، قبل أن توافيه المنية عام 2005.

الأرجنتين - كارلوس منعم: الزعيم الذي أعاد هندسة الاقتصاد

كارلوس منعم، المولود لعائلة سورية من يبرود في ريف دمشق، يُعدّ أحد أشهر الرؤساء في تاريخ أميركا اللاتينية. هاجرت عائلته إلى ولاية لا ريوخا الأرجنتينية. بدأ منعم مسيرته السياسية حاكماً للولاية، قبل وصوله إلى الرئاسة عام 1989-1999، ممثلاً لحزب العدالة البيروني الذي أسسه خوان دومينغو بيرون، فيما شغل شقيقه إدواردو منعم رئاسة مجلس الشيوخ خلال ولايته.

خلال حكمه، أقدم منعم على تغييرات اقتصادية جريئة؛ إذ خصخص المؤسسات الكبرى، وربط العملة بالدولار. كما أعادت الأرجنتين، خلال فترته الرئاسية إقامة العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة بعد تعليقها في حرب فوكلاند عام 1982، وأقامت علاقات خاصة مع الولايات المتحدة.

كارلوس منعم رئيس الأرجنتين السابق (ويكيبيديا)

ورحل منعم عام 2021، وبقي اسمه حاضراً في الذاكرة الأرجنتينية بوصفه زعيماً يصعب تجاهله، بعدما حول البلاد إلى نموذج ليبرالي حديث.

ميشال تامر - الرئيس القادم من بتعبورة

تضم البرازيل أكبر جالية عربية في العالم خارج الشرق الأوسط، وكان من الطبيعي أن يصل أبناؤها إلى مراكز السلطة. فمن بلدة بتعبورة بلبنان، ينحدر ميشال تامر الذي هاجر رفقة عائلته إلى البرازيل عام 1925. شغل منصب رئيس مجلس النواب، وكان الشخصية التي صوّتت لعزل الرئيسة ديلما روسيف، قبل أن يتسلم الرئاسة عام 2016 إلى غاية 2019.

رئيس البرازيل السابق ميشال تامر خلال احتفال في برازيليا (أ.ب)

حاول تامر تهدئة العاصفة السياسية والاقتصادية في بلاده عبر إصلاحات تقشفية وجذب الاستثمارات، وعلى الرغم من الجدل الذي رافق ولايته وملاحقته بقضايا فساد، بقي حضوره نموذجاً لابن الجذور اللبنانية الذي يصل إلى أعلى هرم السلطة في واحدة من أكبر دول العالم.

السلفادور: حضور فلسطيني طاغٍ يمتد من السقا إلى بوكيلي

إلياس سقا وشفيق حنضل

شهدت السلفادور في انتخابات 2004 مشهداً سياسياً غير مسبوق، حين تقابل مرشحان من أصل فلسطيني في سباق واحد إلى الرئاسة، فيما بدا مواجهة «عربية - عربية»، فقد خاض إلياس أنطونيو سقا غونزاليس، أول رئيس في تاريخ البلاد، حملة إعادة انتخابه ممثلاً تيار الوسط المحافظ. وفي المقابل، وقف شفيق حنضل، الأمين العام للحزب الشيوعي، مرشحاً للتيار اليساري، في هذا البلد الصغير بأميركا الوسطى.

يُعدّ سقا واحداً من أبرز الوجوه السياسية في السلفادور خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومن أكثر أبناء الجالية الفلسطينية حضوراً في أميركا اللاتينية. وُلد عام 1965 لعائلة فلسطينية جاءت من بيت لحم في موجة الهجرة الأولى التي حملت آلاف الفلسطينيين إلى أميركا الوسطى بحثاً عن الفرص والاستقرار. وبرز مبكراً في عالم الإعلام والإعلان، قبل أن يجد طريقه إلى السياسة عبر الحزب اليميني المحافظ.

إلياس أنطونيو سقا رئيس السلفادور 2004-2009 (رويترز)

مع بداية الألفية، لمع اسمه داخل الحزب بفضل حضوره الإعلامي، ليترشح عام 2004 للرئاسة في لحظة سياسية حرجة شهدت خلالها البلاد إرث الحرب الأهلية وتحديات الأمن والاقتصاد. فاز سقا بالسباق، ليصبح أول رئيس من أصل عربي فلسطيني في تاريخ السلفادور، مقدّماً نفسه رجلاً وسطياً يسعى إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. تميزت ولايته بمزيج من الانفتاح الاقتصادي وحملة صارمة ضد العصابات، لكنها واجهت أيضاً انتقادات بشأن ملفات الفساد والإنفاق العام. وبعد خروجه من الحكم، عاد اسمه ليتصدر الأخبار عام 2017 عندما اعتُقل بتهم تتعلق باختلاس أموال عامة، قبل أن يُحكم عليه بالسجن، في واقعة عدّها البعض «السقوط الأكبر» لسياسي صعد بسرعة إلى قمة السلطة.

أما شفيق جورج حنضل فهو أحد أبرز رموز اليسار في أميركا الوسطى. وُلد عام 1930 لأسرة فلسطينية مهاجرة من بيت لحم استقرّت في السلفادور مطلع القرن العشرين. سرعان ما أصبح حنضل جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي في بلده الجديد، حيث انخرط منذ شبابه في العملَيْن النقابي والطلابي، قبل أن يتدرج داخل صفوف الحزب الشيوعي السلفادوري، ويصبح أحد أبرز منظّريه وقادته.

شفيق حنضل مرشح لرئاسة جمهورية السلفادور (ويكيبيديا)

ومع تصاعد التوترات الداخلية التي قادت السلفادور إلى أعتاب الحرب الأهلية، كان حنضل في مقدمة من دفعوا باتجاه خلق جبهة موحّدة للمعارضة المسلحة، ليكون أحد العقول الأساسية وراء تأسيس جبهة «فارابوندو مارتي» للتحرير الوطني التي تحولت لاحقاً إلى أبرز قوة سياسية يسارية في البلاد. لعب دوراً مركزياً في قيادة الجبهة سياسياً وعسكرياً خلال سنوات الصراع، ثم شارك بفاعلية في مفاوضات السلام التي أنهت الحرب الأهلية مطلع التسعينات.

نجيب بوكيلي - الرئيس الذي غيّر صورة الدولة

برز نجيب بوكيلي، ذو الجذور الفلسطينية الممتدة إلى بيت لحم والخليل، بوصفه أحد أكثر قادة أميركا اللاتينية تأثيراً في السنوات الأخيرة، فهو ينتمي إلى الجيل الثالث من المهاجرين الفلسطينيين الذين استقرّوا في السلفادور، لكن حضوره السياسي جاء مختلفاً عن كل من سبقوه.

نجيب بوكيلي رئيس السلفادور (أ.ف.ب)

بدأ بوكيلي مسيرته المهنية في قطاع الأعمال، مستفيداً من مهارته في الاتصال والإدارة الحديثة، قبل أن يدخل عالم السياسة عبر رئاسة بلدية نويفو كوسكاتلان، ثم انتخابه عمدةً لسان سلفادور عام 2015، حيث برز بوصفه وجهاً شبابياً يكسر القوالب التقليدية. وفي انتخابات 2019، نجح في إنهاء هيمنة الحزبَين التقليديين، ليتولى رئاسة البلاد ببرنامج يقوم على الأمن والإصلاح المؤسسي.

بعد وصوله لسدة الحكم، أطلق بوكيلي ما سمّاه «الحرب على العصابات»، وقد قاد حملة أمنية شديدة الصرامة، شملت اعتقالات موسّعة وبناء «سجن عملاق».

هندوراس: الوجود الفلسطيني بين الرئاسة والإعلام

كارلوس فلوريس... رئيس إعادة الإعمار

كارلوس روبرتو فلوريس، المنحدر من عائلة فلسطينية أصلها من بيت لحم، يُعدّ أول شخصية من جذور عربية تصل إلى قصر الرئاسة في هندوراس. تولّى الحكم بين 1998 و2002، عقب إعصار «ميتش» الذي دمّر أجزاء واسعة من البلاد.

رئيس هندوراس السابق الذي تولى منصبه من 1998 إلى 2002 (ويكيبيديا)

قاد فلوريس مرحلة الإغاثة وترميم البنية التحتية، مستفيداً من رصيده السياسي وشبكة علاقاته الدولية. وبقي يُنظر إليه بوصفه «رئيس إعادة الإعمار» الذي أعاد هندوراس إلى مسار الدولة القادرة على النهوض بعد الكارثة.

منافسة عربية - عربية

تشهد هندوراس مواجهة عربية - عربية في انتخابات رئاسية مثيرة للجدل، وصلت أصداؤها إلى رئيس الولايات المتّحدة.

أبرز مرشّح في هذا السباق هو نصري خوان عصفورة زابلا، المعروف باسم «تيتو عصفورة»، وهو رجل أعمال نافذ متحدّر من جذور فلسطينية تعود إلى بيت لحم. ظلّ عصفورة لعقود من أكثر الشخصيات حضوراً خلف الكواليس في هندوراس، حيث لُقّب بـ«صانع الملوك»، نظراً إلى دوره في رسم التحالفات وتوجيه موازين القوة من خارج المؤسسات الرسمية.

المرشح لرئاسة الهندوراس نصري عصفورة في تيغوسيغالبا 22 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

واليوم، يدخل تيتو سباق انتخابات مرتقبة يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، بصفته أحد أبرز المرشحين. ولكنه يحمل هذه المرّة ورقة دعم لافتة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في خطوة أضفت على حملته بُعداً دولياً غير مألوف في السياسة المحلية. ويُنظر إلى هذا الدعم بوصفه عاملاً يعزّز حضوره بين التيارات المحافظة، ويدفعه للمرة الأولى من موقع اللاعب الخفي إلى واجهة المنافسة المباشرة على كرسي الرئاسة.

ويُنافس عصفورة، السياسي سالفادور نصر الله، وهو ابن عائلة لبنانية تتحدّر من منطقة الشوف في جبل لبنان. بدأ نصر الله مسيرته من بوابة الإعلام الرياضي قبل أن يتحوّل إلى أحد أبرز الوجوه السياسية المعارضة في هندوراس. خاض الانتخابات الرئاسية عامي 2013 و2017، وكاد ينتزع الفوز في الثانية قبل أن تغرق النتائج في جدلٍ طويل.

سلفادور نصر الله مرشح رئاسي في هندوراس (أ.ف.ب)

عاد لاحقاً بقوة ليصبح نائب رئيس جمهورية هندوراس عام 2022، في أعلى منصب يشغله متحدّر فلسطيني منذ فلوريس.

خوان بيريدا حزبون... أول رئيس عربي في بوليفيا

يُعدّ واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السياسي لبوليفيا، ليس فقط لأنه أول رئيس من أصول عربية فلسطينية يصل إلى قصر الحكم، بل لأن فترة رئاسته كانت من الأقصر والأكثر اضطراباً.

ينحدر حزبون من عائلة فلسطينية مهاجرة من بيت لحم، تدرج ابنها في المؤسسات العسكرية حتى بلغ رتبة جنرال، قبل أن يقتحـم الحياة السياسية من بوابة وزارة الداخلية التي تولّى فيها واحداً من أكثر الملفات حساسية في البلاد.

خوان بيريدا حزبون تولى رئاسة بوليفيا ليومين عام 1978 (ويكيبيديا)

في عام 1978، وجد حزبون نفسه مرشحاً للرئاسة بدعم من النظام العسكري القائم. وبالفعل أُعلن فوزه رسمياً، لكن العملية الانتخابية سرعان ما واجهت اتهامات واسعة بالتزوير، مما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة وملاحقات سياسية أفقدته شرعيته من الأيام الأولى. لم يدم بقاؤه في السلطة أكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن يُطاح به بانقلاب قاده الجنرال دافيد باديا، في بداية سلسلة من الانقلابات المتبادلة التي غرقت فيها بوليفيا طوال تلك المرحلة المضطربة من تاريخها.

الإكوادور: قصة وجود لبناني ممتد عبر عائلة بوكرم

أسعد بوكرم... الأب المؤسس

ينحدر أسعد بوكرم من عائلة لبنانية مارونية وصلت إلى الإكوادور مطلع القرن العشرين، واستقرّت في مدينة غواياكيل، المركز التجاري الأكبر في البلاد. وُلد عام 1916، وبدأ حياته تاجراً قبل أن يصبح أحد أبرز رجال الأعمال في الساحل الإكوادوري. تولّى رئاسة غرفة التجارة في غواياكيل في خمسينات القرن الماضي، ثم أصبح نائباً في الكونغرس الوطني خلال الستينات، حيث برز بوصفه معارضاً شرساً للأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد.

دفعت مواقفه إلى استهدافه مراراً، قبل أن يُنفى في السبعينات إلى بنما. ويُعدّ أسعد بوكرم «الأب المؤسس» لنفوذ العائلة اللبنانية في الإكوادور، والراعي السياسي لصعود رؤساء عدة.

خايمي رولدوس... الرئيس الإصلاحي الذي رحل في ظروف غامضة

ينتمي خايمي رولدوس أغويليرا إلى عائلة لبنانية مهاجرة من جبل لبنان، وصلت إلى الإكوادور في بدايات القرن العشرين. وُلد رولدوس عام 1940 في غواياكيل، ودرس القانون قبل أن يقتحم الحياة السياسية عبر حزب «الشعب» الإكوادوري، وهو الحزب الذي رعاه أسعد بوكرم.

خايمي رولدوس أغويليرا رئيس الإكوادور من 1979 إلى 1981 (ويكيبيديا)

فاز رولدوس في انتخابات 1979، ليصبح أصغر رئيس في تاريخ البلاد آنذاك، وأول رئيس مدني بعد عقود من الحكم العسكري. تميزت رئاسته ببرنامج إصلاحي ركّز على حقوق الإنسان وتقليص هيمنة الجيش. لكن عهده انتهى فجأة في 24 مايو (أيار) 1981 حين تحطّمت طائرته في الجبال الحدودية مع بيرو، في حادثة لُفّت بالاتهامات والشكوك حول احتمال تصفيته، تاركاً أثراً سياسياً يفوق قِصر عهده.

عبد الله بوكرم... الرئيس الأكثر إثارة للجدل

عبد الله بوكرم، ابن مدينة غواياكيل المولود عام 1952، درس القانون، ثم دخل عالم السياسة في شبابه عبر «حزب روضة الشعب» الذي أسسه خاله أسعد بوكرم.

عبد الله بوكرم رئيس الإكوادور 1996-1997 (ويكيبيديا)

فاز بوكرم بالرئاسة عام 1996 بأغلبية واضحة، مقدّماً نفسه زعيماً شعبياً قريباً من الطبقات الفقيرة. غير أن فترة حكمه التي لم تتجاوز 18 شهراً، شهدت سلسلة أزمات سياسية واقتصادية انتهت بعزله في فبراير (شباط) 1997 بتهمة «اختلال في السلوك»، وهو توصيف استخدمته المحكمة الدستورية لتبرير إقالته. حمل لقب «إل لوكو» (أي المجنون) وعاش سنوات طويلة في المنفى ببنما، قبل أن يعود لاحقاً إلى الإكوادور في إطار تسويات سياسية وقضائية.

جميل معوّض... رئيس السلام مع بيرو

جميل معوّض، منحدر من عائلة لبنانية وصلت إلى الإكوادور في النصف الأول من القرن العشرين، وُلد في كيتو عام 1949. خاض تجربته الأولى في الانتخابات الرئاسية عام 1988، لكنه خسرها بفارق ضئيل. عاد بعد عقد كامل ليحقق فوزاً ساحقاً في انتخابات 1998، مقدّماً خطاباً إصلاحياً يهدف إلى استعادة ثقة الدولة بمؤسساتها.

جميل معوض رئيس الإكوادور من 1998 حتى 2000 (ويكيبيديا)

دخل معوّض التاريخ بتوقيعه معاهدة السلام الدائمة مع بيرو عام 1998، منهياً واحداً من أطول النزاعات الحدودية في أميركا الجنوبية، لكن رئاسته تأثرت لاحقاً بالأزمة المصرفية الكبرى عام 1999، مما أدى إلى إضعاف شعبيته ودفعه إلى مغادرة البلاد بعد انتهاء ولايته.

خوليو ثيودور سالم... أول حضور لبناني في القصر الرئاسي

يُعدّ خوليو سالم، المنحدر من عائلة لبنانية مهاجرة من جبل لبنان، أول شخصية من أصل عربي تتبوّأ منصب الرئيس في الإكوادور. وُلد عام 1900، وتدرّج في الحياة العامة حتى أصبح نائباً للرئيس.

خوليو تيودورو سالم الرئيس المؤقت في الإكوادور لفترة ثلاثة أيام فقط من 29 إلى 31 مايو 1944 (ويكيبيديا)

تولّى رئاسة الجمهورية لثلاثة أيام فقط في مايو 1944 خلال مرحلة انتقالية شديدة الاضطراب أعقبت انتفاضة شعبية أطاحت بالجنرال أرويو. وعلى الرغم من أن فترته كانت قصيرة ورمزية، فقد مثّلت أول اختراق عربي واضح لمؤسسات الحكم، ومهّدت الطريق لوجود سياسي لبناني متجذّر في العقود التالية.

ماريو عبدو بينيتيز: رئيس باراغواي ذو الجذور اللبنانية

يُعدّ ماريو عبدو بينيتيز أبرز شخصية عربية الأصل تصل إلى رئاسة باراغواي عبر تاريخها الحديث، فالرئيس الذي حكم البلاد بين 2018 و2023 ينحدر من عائلة لبنانية مهاجرة تعود جذورها إلى مرجعيون في جنوب لبنان، وهو بذلك أحد أهم الوجوه العربية التي اعتلت هرم السلطة في أميركا الجنوبية.

رئيس باراغواي ماريو عبدو بينيتز من 2018 إلى عام 2023 (رويترز)

والده، ماريو عبدو الأب، كان أحد رجال الدائرة الضيقة للرئيس العسكري الشهير ألفريدو ستروسنر، وقد ورث الابن شبكة سياسية واسعة داخل «الحزب الكولورادو» الذي يسيطر على الحياة السياسية منذ عقود. صعد عبدو الابن بسرعة ليتولى رئاسة مجلس الشيوخ، قبل أن يفوز في انتخابات 2018 بفارق مريح.

الدومينيكان - جاكوبو آزار: الرئيس العربي الذي حكم 42 يوماً

يُعدّ جاكوبو آزار واحداً من أكثر الوجوه العربية حضوراً في تاريخ جمهورية الدومينيكان، رغم قصر الفترة التي تولّى خلالها الرئاسة. ينحدر من عائلة لبنانية مهاجرة استقرت في الدومينيكان مطلع القرن العشرين، وتمكنت من بناء موقع اقتصادي واجتماعي بارز، سمح لأبنائها لاحقاً بدخول مؤسسات الدولة.

برز آزار سياسياً داخل حزب الإصلاح، وتولّى مناصب رفيعة، أبرزها نائب رئيس الجمهورية في عهد الرئيس أنطونيو غوزمان.

جاكوبو آزار تولى رئاسة جمهورية الدومينيكان 42 يوماً عام 1982(ويكيبيديا)

وفي يوليو (تموز) 1982، وجد نفسه فجأة في أعلى منصب في الدولة بعد انتحار الرئيس غوزمان قبل نهاية ولايته بأسابيع قليلة، ليتولى آزار الرئاسة وفقاً للدستور لمدة 42 يوماً فقط، وهي المدة المتبقية من الفترة الرئاسية. ورغم قصر عهده، فقد أدار آزار مرحلة انتقالية حساسة اتسمت بالتوتر السياسي والصدمة الوطنية على خلفية انتحار الرئيس.


مقالات ذات صلة

انتخابات فرعية تهدّد بإطاحة زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر

أوروبا الملك تشارلز يجلس وإلى جانبه الملكة كاميلا خلال افتتاح البرلمان في قصر وستمنستر بلندن (رويترز)

انتخابات فرعية تهدّد بإطاحة زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر

انتخابات فرعية تهدّد بإطاحة زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر، ووسائل الإعلام تصفها بأنها «الأهم» في التاريخ السياسي للمملكة المتحدة

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)

تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن منح مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» مهلة جديدة للتوافق بشأن قانوني الانتخابات العامة، يمثّل «استمراراً في إهدار الوقت وإطالةً لعمر الأزمة».

جاكلين زاهر (القاهرة)
المشرق العربي قوات إسرائيلية توقف مواطنين في قرية دير أبو مشعل بالضفة الغربية قرب رام الله (رويترز)

انتخابات تشريعية فلسطينية في نوفمبر ورئاسية مطلع 2027

أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر (تشرين الثاني) والرئاسية مطلع سنة 2027، وفقاً لما أصدره من تعديلات قانونية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

تمثيل أكبر للمرأة والشباب... عباس يعدل قانون الانتخابات الفلسطينية

أصدر الرئيس الفلسطيني، الأحد، قراراً يرفع عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني ويوسع مشاركة المرأة والشباب في العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شمال افريقيا رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)

الجزائر: خلفيات ومسوغات استبعاد المئات من ترشيحات اقتراع 2 يوليو

قدَّم مسؤول الهيئة المنظمة للانتخابات في الجزائر ردوداً على تساؤلات حول «شبهة الفساد» التي استندت إليها الهيئة لإقصاء مئات المترشحين عن الاقتراع التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

غوتيريش يطلب «الصفح» من ضحايا العنف في هايتي

 الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش متحدثاً في مؤتمر صحافي خلال زيارته هايتي (ا.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش متحدثاً في مؤتمر صحافي خلال زيارته هايتي (ا.ف.ب)
TT

غوتيريش يطلب «الصفح» من ضحايا العنف في هايتي

 الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش متحدثاً في مؤتمر صحافي خلال زيارته هايتي (ا.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش متحدثاً في مؤتمر صحافي خلال زيارته هايتي (ا.ف.ب)

طلب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الثلاثاء خلال زيارة إلى هايتي «الصفح» من نساء نازحات بسبب عنف العصابات في البلاد آسفا لعدم تمكنه من تحريك العالم للتخفيف من معاناتهن.

ويزور غوتيريش هايتي ليوم واحد، وجلس في وسط مدرسة سابقة في بور أو برانس تأوي أكثر من 1250 نازحا، مع نساء روين له مواقف من حياتهن خلال عامين تقريبا في هذا الموقع الملقب بـ«كولومبيا».

وقالت إحداهن من غرفة تشهد حرارة خانقة «وصلتُ مع أطفالي الأربعة في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. فقدتُ كل شيء». ولفتت إلى أن الغرف الأخرى أسوأ حالا قائلة «خمسون شخصا في الغرفة الواحدة، عشر عائلات، لا خصوصية». وتحدثت امرأة أخرى عن انتشار «الحشرات وبق الفراش»، وحرمان الأطفال من التعليم.

وقال غوتيريش «أطلب منكن الصفح لعدم تمكني من تحريك المجتمع الدولي». وأضاف «نعلم حجم المعاناة، وأنا هنا بالدرجة الأولى لأستمع إليكن».

وأعرب عن أسفه لأن خطة الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية لعام 2026 البالغة 880 مليون دولار تلقت أقل من ربع التمويل.

وتضم هايتي حوالى 1,5 مليون نازح حاليا بحسب الأمم المتحدة بسبب عنف العصابات التي ترتكب جرائم قتل وخطف واغتصاب وتجنيد قسري للأطفال.

ويواجه حوالى نصف السكان البالغ عددهم نحو 11 مليون نسمة، انعداما حادا في الأمن الغذائي.

وقال غوتيريش في مؤتمر صحافي «بالنسبة للعديد من الهايتيين، كل يوم هو صراع من أجل البقاء». وأضاف «ليس للعالم الحق في غضّ الطرف»، واصفا لامبالاة المجتمع الدولي بـ «أكبر عار».

وكان غوتيريش قال لمسؤول سياسي استقبله لدى وصوله إلى هايتي «يسرني أن التقيك في بور او برانس، إنها زيارة تضامن كامل».

وتعاني هايتي، وهي من أفقر دول الكاريبي، من أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية طويلة الأمد، لكن الوضع تدهور بشكل كبير في السنوات الماضية.

وفي سبتمبر (أيلول)، وافق مجلس الأمن الدولي على إنشاء قوة لقمع العصابات ستحل تدريجا مكان البعثة المتعددة الجنسيات السابقة لدعم الشرطة الهايتية، التي وّجهت اليها انتقادات لضعف فاعليتها.

وقال مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك الاثنين «في هايتي، أسفر العنف الذي ارتكبته العصابات عن مقتل ما لا يقل عن 2300 شخص، وإصابة 1100 آخرين، و99 عملية خطف منذ بداية العام».


البرازيل: 6 قتلى بتصادم مروحيتين على متن إحداهما مغنٍ أميركي

صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)
صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)
TT

البرازيل: 6 قتلى بتصادم مروحيتين على متن إحداهما مغنٍ أميركي

صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)
صورة جوية تُظهر موقع تحطم مروحية في ريو دي جانيرو (أ.ف.ب)

أفاد مصدر في الشرطة البرازيلية «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن المغني الأميركي أوليفر تري كان على متن إحدى المروحيتين اللتين اصطدمتا وتحطمتا، الأحد، في ريو دي جانيرو، ما أسفر عن مقتل جميع ركابهما.

وقُتل ستة أشخاص على الأقل إثر الاصطدام الذي وقع في الجو غرب مدينة ريو دي جانيرو، بحسب ما أفاد عناصر إطفاء برازيليون. وقال هؤلاء في بيان: «تم تأكيد مقتل ستة أشخاص على الأقل».

وورد اسم أوليفر تري في قائمة الركاب التي أصدرتها الشرطة، موضحة أنه لم يتم التعرف على الضحايا رسمياً بعد بسبب تعرضهم لحروق بالغة.

المغني الأميركي أوليفر تري (أ.ف.ب)

وأضافت خدمات الإطفاء في البيان: «تشير تقارير إلى أن المروحيتين اصطدمتا في الجو وسقطتا في موقف تابع لمعرض سيارات كهربائية، ما أدى إلى اندلاع حريق التهم ما لا يقل عن 20 سيارة».

ووقع الحادث في ضاحية ريكريو دوس بانديرانتس غرب ريو دي جانيرو. وأظهرت صور من موقع الحادث نشرتها وسائل إعلام محلية عموداً كثيفاً من الدخان الأسود يتصاعد من معرض السيارات، حيث اشتعلت النيران في سيارات عدة.

وتُعد حوادث تحطم الطائرات الصغيرة شائعة في البرازيل خامس أكبر دولة في العالم من حيث المساحة وعدد السكان.

والشهر الماضي، تحطمت طائرة صغيرة على جانب مبنى في مدينة بيلو هوريزونتي في جنوب شرقي البلاد، ما أسفر عن مقتل الطيار ومساعده.


أعمال شغب بلفاست توقظ إرث الانقسام الطائفي في آيرلندا الشمالية

رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)
رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)
TT

أعمال شغب بلفاست توقظ إرث الانقسام الطائفي في آيرلندا الشمالية

رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)
رجل يتفقّد حافلة محترقة بعد أعمال الشغب في شرق بلفاست يوم 10 يونيو (أ.ب)

أظهرت أيامٌ من العنف المناهض للهجرة في بلفاست كيف أن ثلاثة عقود من الاضطرابات في آيرلندا الشمالية لا تزال ترسم ملامح الحياة اليومية.

وقالت أستاذة جامعة كوينز في بلفاست، جوان هيوز، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما زلنا نحمل إرثاً من الصراع الطائفي هنا». وكانت تستعيد ذكرى العنف الذي مزّق الجمهوريين، ومعظمهم من الكاثوليك المؤيدين للانضمام إلى آيرلندا، والاتحاديين، ومعظمهم من البروتستانت المؤيدين للبقاء ضمن المملكة المتحدة، على مدى ثلاثة عقود، إلى أن أنهى اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 ذلك النزاع.

وقالت هيوز، التي تدرس دور التعليم في المجتمعات المنقسمة: «ما زالت لدينا مستويات مرتفعة من الانقسام المجتمعي. وما زال لدينا فصل، خصوصاً في المناطق الأكثر حرماناً».

جريمة صادمة

وبعد تداول مقطع فيديو صادم في بداية الأسبوع يُظهر رجلاً من بلفاست يتعرض للطعن بوحشية، على يد رجل ذكرت تقارير أنه مهاجر سوداني، اندلعت أعمال شغب في أحياء عمالية يغلب عليها الطابع الاتحادي مساء الثلاثاء والأربعاء.

وتركز العنف إلى حد كبير في «مناطق التماس»، حيث لا تزال أحياء البروتستانت منفصلة عن الأحياء الكاثوليكية بأسوار ولافتات، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

وأضرم محرضون، كثير منهم شبان ملثمون، النار في سيارات ومنازل، مستهدفين بعض منازل أبناء الأقليات العرقية.

وفي أعقاب ذلك، وجّه بعض السكان وسياسيون مؤيدون للانضمام إلى آيرلندا أصابع الاتهام إلى الجماعات شبه العسكرية الموالية لبريطانيا، التي لا تزال تمارس نفوذاً، خصوصاً على الصبية والشبان، في مناطق ذات غالبية بروتستانتية.

جماعات شبه عسكرية

وقال شون أوغ أو مورخو، وهو كاتب وناشط جمهوري مقيم في بلفاست، إن «ثمة نفوذاً هنا لا يزال قائماً من منظمات شبه عسكرية في الجانب الاتحادي»، وأضاف: «إنها نوع من بقايا عقود الاضطرابات».

ونقلت صحيفة «بلفاست تلغراف» عن مصدر موالٍ لبريطانيا قوله إن هذه الجماعات، رغم أنها لم تكن «تنظم أو تشجع» العنف، فإنها كانت تتعمد «الوقوف جانباً ورفض التدخل لوقفه».

وقال خبراء إن كثيرين ألقوا باللوم على المهاجرين في تراجع فرص الحصول على السكن والرعاية الصحية والتعليم.

وأظهرت أرقام حكومية نُشرت الشهر الماضي أن عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً، ممن هم خارج العمل أو التعليم أو التدريب في آيرلندا الشمالية، ارتفع إلى 11.6 في المائة، بزيادة 1.9 في المائة عن الربع السابق.

وقالت هيوز: «أظن أن معظم المتورطين في أعمال الشغب والاحتجاجات العنيفة ينتمون إلى مجتمعات تشعر بالتهميش، وتشعر بانعدام الأمل في المستقبل».

تحدي التهميش

من جانبه، قال دومينيك برايان، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية في جامعة كوينز، إن «التصور السائد هو أن هؤلاء المهاجرين يأخذون منازلهم»، لكن هذا «غير صحيح»، موضحاً أن ذلك يخلق طبقة جديدة من الانقسام داخل مجتمع منقسم أصلاً.

وتُعد آيرلندا الشمالية الإقليم البريطاني الذي يضم أدنى نسبة من السكان المنتمين إلى خلفيات عرقية غير بيضاء، إذ تزيد النسبة قليلاً على 3 في المائة، وفق بحث نُشر العام الماضي.

لكن في بلفاست، حيث تجاوز عدد السكان الكاثوليك عدد البروتستانت منذ انتهاء «الاضطرابات»، يرى الاتحاديون أن «هويتهم وثقافتهم تتقلصان»، وفق أو مورخو.

وفي الوقت نفسه، يقول أشخاص مثل الناشط اليميني المتطرف ستيفن ياكسلي لينون، المعروف أيضاً باسم تومي روبنسون، إن «ثقافتكم تتقلص، لكن السبب هو هذا الرجل الأسمر الذي يعيش بجواركم».

وحسب برايان، فإن الأحداث الأخيرة تمثل تحولاً في بعض المناطق الاتحادية والبروتستانتية، «الذين أصبحوا ينظرون إلى الأشخاص ذوي لون بشرة مختلف هم الجماعة الخارجية هي الكاثوليك».

«آيرلندا موحدة»

وتبنّى بعض المتظاهرين هذا التحول علناً، مع تداول صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي للعلم الآيرلندي ثلاثي الألوان وعلم الاتحاد البريطاني مربوطين معاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وظهورها في الاحتجاجات.

وقال برايان: «إذا كنت تعرف أي شيء عن تاريخ هذا المكان، فسيبدو ذلك أمراً استثنائياً».

ومساء الأربعاء، في غلينغورملي، وهي ضاحية شمالية من بلفاست شهدت اشتباكات بين الشرطة ومثيري الشغب، عبّر الصديقان جون وبريندان عن دعمهما للوحدة ضد الهجرة.

وقال جون، وهو بروتستانتي يبلغ 52 عاماً وطلب عدم ذكر كنيته: «أنا متحمس لأن الكاثوليك والبروتستانت أدركوا في هذه اللحظة أننا في الواقع معاً في هذا الأمر»، وأضاف: «هناك الآن آيرلندا موحدة، لكنها موحدة لأن الناس العاديين أدركوا أننا كنا نُحرَّك كالدمى».

وقال بريندان، الذي وصف نفسه بأنه «كاثوليكي قوي»، إنه يدعم مثيري الشغب الذين تجمعوا، لكنه يعارض العنف، وأضاف: «لم يكن هناك ما يمكن أن يوحد الناس أكثر من الجرائم أو الأفعال اللاإنسانية».

وتابع: «لقد انتهت الاضطرابات، ولا نريد عودتها... نأمل أن نتمكن من وضع حد لهذا» وإنهاء العنف في الشوارع.

لكن برايان أشار إلى أن فكرة شعور «آيرلندا موحدة» مناهض للمهاجرين هي رأي هامشي، وأن أصوات اليمين المتطرف على وسائل التواصل الاجتماعي «تبنت هذه الفكرة القائلة إن البيض في آيرلندا ينهضون بطريقة ما». وقال برايان: «أعتقد أن ذلك سيُنظر إليه عموماً بين السكان على أنه أمر مثير للسخرية».

وبالنسبة إلى أو مورخو، فإن استخدام الناس خطاب «آيرلندا موحدة» لتبرير أعمال الشغب كان «مزعجاً»، وقال: «لم يمض وقت طويل على أن كنا نحن، أسلافي، من يُحرقون ويُطردون من منازلهم».