عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

حاضرون في مختلف المرافق... وعلى رأسها السياسة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة
TT

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

طغت الأوضاع الأمنية المتوترة في فنزويلا وحالة الاضطراب السياسي في البرازيل على المشهد السياسي في دول أميركا الجنوبية خلال الأسبوعين الأخيرين. ولئن كانت الحالة في فنزويلا قد تفضي إلى مواجهات تسقط كامل النظام السياسي للرئيس اليساري نيكولاس مادورو و«خليفته» المحتمل طارق العيسمي - العربي الأصل -، فإن الوضع في البرازيل لن يهدد على الأرجح سوى رئيس الجمهورية ميشال تامر - العربي الأصل أيضاً - الذي تنشط مساعي معارضيه السياسية والدستورية لإسقاطه، على غرار ما حدث للرئيسة السابقة ديلما روسيف في العام الماضي. وكان تامر الذي انتخب نائباً لها، بين من عملوا على إسقاطها.
وفيما يلي، انطلاقاً من حالتي فنزويلا والبرازيل نبحث الدور الناشط الذي لعبه ويلعبه المتحدرون من أصول عربية، ولا سيما في مجال السياسة.
من المحتمل أن تكون قد سمعت عن شاكيرا (شاكرة)، المغنية الكولومبية الشهيرة ومن نجوم هوليوود المشاهير أيضاً الممثلة المعروفة سلمى حايك. وقد تكون قد قرأت عن رجل الأعمال المكسيكي البارز كارلوس سليم الحلو (في أميركا اللاتينية الاسم الأخيرة هو اسم عائلة الأم، فأم كارلوس سليم من آل الحلو)، وهو من أغنى أقطاب الأعمال على مستوى العالم.
هؤلاء لا يمثلون، في الواقع، سوى عدد قليل من أصحاب النفوذ والتأثير مثل الرؤساء والساسة والمشاهير من الفنانين والرياضيين ورجال الأعمال المولودين في قارة أميركا اللاتينية، ولديهم صلات ثقافية وروابط عائلية مع منطقة الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن يكون في قارة أميركا اللاتينية أكبر نسبة سكان من ذوي الأصول العربية خارج منطقة الشرق الأوسط. ولقد اعترفت شعوب دول أميركا اللاتينية منذ بضع سنوات بأهمية المساهمات الثقافية في الشرق الأوسط في كثير من المجالات مثل الهندسة المعمارية واللغات والغذاء والموسيقى. وتكيّفت الجاليات المهاجرة من الشرق الأوسط بشكل مريح مع العادات المحلية، ثم امتزجت بصورة جيدة للغاية مع السكان المحليين. ونتيجة لذلك، خرجت أجيال جديدة تمثل مزيجاً من أفضل السمات لدى الثقافتين.

أثروا الثقافة اللاتينية
ولتوضيح مدى أهمية هذا التبادل الثقافي في غالبية بلدان أميركا اللاتينية هناك على الأقل جالية عربية واحدة معروفة قد ساعدت على إثراء الثقافة اللاتينية. إذ يوجد في البرازيل، وهي أكبر وأقوى دولة في أميركا اللاتينية، أكبر جالية من السكان العرب في القارة بأسرها. وتتحدّر هذه الجالية العربية الكبيرة، التي يقارب تعدادها 12 مليون نسمة، من سوريا ولبنان. ومن الأمثلة على ذلك الرئيس البرازيلي الحالي ميشال تامر، الذي يحمل الإرث اللبناني من والديه اللذين غادروا قريتهم (بتعبورة، في قضاء الكورة بشمال لبنان) من أجل حياة جديدة في البرازيل. إلا أن الرئيس تامر ليس السياسي الوحيد على هذه القائمة.
ففي الأرجنتين، وهي من الدول الكبرى المؤثرة أيضاً في أميركا اللاتينية، فإن السيدة جوليانا عواضة، زوجة الرئيس الحالي موريسيو ماكري، لبنانية الأصل. و«سيدة الأرجنتين الأولى» معروفة على نطاق واسع بحسها الثقافي الراقي، وشاركت ولا تزال في كثير من الفعاليات الخيرية. وللعلم، يقدّر عدد المتحدرين من أصول عربية في الأرجنتين بنحو 3 ملايين نسمة، ولقد انتخب أحد هؤلاء الرئيس كارلوس منعم رئيساً للجمهورية، كما أن محاولة التمرد العسكرية الأبرز ضده قادها الجنرال محمد علي زين الدين... العربي الأصل أيضاً.
وتعيش في تشيلي كذلك جالية شرق أوسطية كبيرة، ويعتقد بأن في هذه الجمهورية الواقعة في أقصى جنوب غربي قارة أميركا الجنوبية ما يصل إلى نصف مليون مواطن تشيلي من أصول فلسطينية. ومن الدول الأخرى ذات الجاليات العربية الكبيرة هي المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والسلفادور وهندوراس وكوبا. وحقيقة انتشار هذه الجاليات العربية على نطاق كبير تشير إلى التأثير العميق الذي أحدثوه في تلك الدول.
مدير مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية سيرغيو خليل (وخليل اسم جده، واسم العائلة أصلاً مخلوف، وهو من بلدة تنورين في شمال لبنان)، يقول إن الهجرات الشرق أوسطية التي يممت شطر أميركا اللاتينية قد بدأت في منتصف القرن التاسع عشر.
ويشرح خليل الأنماط التاريخية للهجرة، قائلاً: «كانت موجة الهجرة الأولى من الدول العربية نحو عام 1840 و1860 وبدأت في الأساس من فلسطين ولبنان وسوريا. وترجع في أسبابها الأولى إلى تراجع صناعة الحرير نتيجة التصنيع السريع في أوروبا وآثاره على الإنتاج الفني المحلي في هذه الدول. ثم ومع نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية القرن العشرين، أدى التدهور السريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية جنبا إلى جنب مع المعاملة القاسية التي عانت منها الأقليات إلى فترة مطولة من الهجرة الجماعية، وأغلبهم من المسيحيين، ومعظمهم من الأرمن من تركيا، وأشخاصا من لبنان، وفلسطين، وسوريا».
ولقد جاء كثير من العرب الذين وصلوا إلى أميركا اللاتينية بسبب فرارهم من الصراعات هناك ولأنهم كانوا يبحثون عن أرض جديدة لتوسيع أعمالهم وللقيام على شؤون أسرهم.

موجودون في عموم القارة
خليل، وهو من الشخصيات اللبنانية الأرجنتينية المعروفة في المنطقة لأبحاثه المتعددة حول هذا الموضوع، يتابع موضحاً: «يمكن العثور على المهاجرين العرب وذريتهم في كل بلد من بلدان الأميركيتين، ولكن بلدان الاختيار الرئيسية كانت هي التي ظهرت فيها الفرص الاقتصادية السانحة مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، والتي يوجد فيها مؤسسات سياسية ليبرالية التي تضمن المساواة، والانفتاح الاقتصادي، والعمليات الصناعية الأولى، إلى جانب التنمية الثقافية. وكانت دول المكسيك وكولومبيا وتشيلي من البلدان المقصودة للهجرة على نطاق كبير». ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن نلاحظ أنه في كثير من الحالات ذهب المهاجرون إلى أي مكان تذهب إليه سفن الهجرة، ثم انتقلوا في أوقات لاحقة إلى كل أنحاء القارة، واستقروا حيث وجدوا الفرصة الجيدة لكسب لقمة العيش وتكوين الأسرة. ولم يكن من غير المألوف أن يذهب المهاجرون اللبنانيون والسوريون إلى البلدات والقرى النائية حيث كانوا يشاركون في التجارة الوسيطة وافتتاح المتاجر العامة، ثم الانتقال في نهاية المطاف إلى الصناعات والشركات الكبرى.

تقديرات أعدادهم تقريبية
ولا يعرف أحد على وجه التحديد عدد العرب الأصليين أو المنحدرين من أصول عربية في قارة أميركا اللاتينية، ولكن هناك بعض التقديرات حول هذا الشأن. وحسب سيرجيو خليل: «سمعت عن أعداد تقترب من 6 ملايين لبناني في البرازيل، ومليون لبناني في الأرجنتين. ولقد اطلعت على تقارير تزعم أن هناك ما يقرب من 15 مليون عربي في أميركا اللاتينية وهو ما يساوي نسبة 4 في المائة من تعداد السكان، وهو أمر يقترب من الصحة بالمعنى الواسع. ومن أحد المشكلات القائمة هي مستوى الوعي لكون المرء ينحدر من أصول عربية. وهي ليست نفس مشكلة الهوية للجيل الأول أو الجيل الثاني وحتى الجيلين الرابع أو الخامس والذين يبتعد عنهم أسلافهم بصورة كبيرة من الناحية التاريخية، وكانوا أيضاً عرضة للاستيعاب وامتزاج الزيجات مع أحفاد المهاجرين من أجزاء أخرى من العالم». ومن الواضح أن البرازيل، والأرجنتين، وتشيلي لديهم أكبر عدد من السكان المنحدرين من أصول عربية. وفي البرازيل، بالذات، لمعوا في شتى المجالات، من السياسة (باولو سليم معلوف المرشح الرئاسي والبرلماني وحاكم ولاية ساوباولو وعمدة مدينة ساو باولو، وتاسو جريصاتي السناتور والحاكم السابق لولاية سيارا) إلى الاقتصاد، ومن الفن إلى إدارة كرة القدم حيث ترأس متحدّرون من أصول عربية بعض أضخم الأندية مثل فلامنغو (فاضل فاضل وجورج هلال) وأتلتيكو مينيرو (الياس والكسندر خليل).

فلسطين.. في تشيلي
في تشيلي، التي تولّى العربي الأصل باولو زلاقط سعيد منصب عمدة عاصمتها سانتياغو، كانت وجهة المهاجرين الفلسطينيين لفترات طويلة. ولعل ما يؤشر لأهمية الجالية الفلسطينية فيها أن أحد أبرز وأشهر فرق كرة القدم التشيلية هو فريق نادي «كلوب ديبورتيفو بالستينو» أو «النادي الرياضي الفلسطيني». ولقد أسس هذا الفريق أول الأمر عام 1920 على أيدي المهاجرين الفلسطينيين - ولا سيما من مدينتي رام الله وبيت لحم وبلدتي بيت جالا وبيت ساحور - وهو يتخذ من العاصمة سانتياغو مقراً له، وفاز ببطولة الدوري عامي 1955 و1978، وفاز بالكأس عامي 1975 و1977.

مع الذكريات
وفي مقابلة أجريت مع صحيفة «الشرق الأوسط»، تذكر خوان الغصين (أمه من آل عبد الله)، وهو أحد الصحافيين الكبار في كولومبيا، القصص التي كان يخبره والده بها حول السنوات الأولى من هجرته إلى المنطقة الساحلية من كولومبيا. ويتذكر الغصين: «كان هذا المزيج عسير للغاية: اللغة والتقاليد العادات والحنين بعيداً عن العائلة. لقد اعتاد والدي أن يكرّر أنه عندما وصل إلى هذه البلاد، لم يكن يعرف هل الحرف «O» اللاتيني يُكتب بشكله الدائري أم المربع. ولم تكن اللغة هي أول ما يجب تعلمه، بل كانت الأبجدية. ولكن في نهاية الأمر حصل التآلف اللطيف مع البيئة الجديدة الجميلة. لقد انتهى بهم المطاف في اتحاد وثيق مع الناس ومع الأرض. وفي سان برناردو ديل فيينتو، البلدة الصغيرة على ساحل البحر الكاريبي، حيث ولدت، صار والدي صديقاً للجميع في البلدة، وكان الأب الروحي لكل أطفال البلدة، ومستشار الزواج فيها».

في مضمار السياسة
إن عدد المشتغلين بالسياسة في أميركا اللاتينية من أصول عربية كبير جداً. وثمة عدد من المتحدرين من المشرق العربي نجحوا في بلوغ مناصب الرئاسة في عدد كبير من بلدان أميركا اللاتينية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، في جمهورية الإكوادور انتخب اللبناني الأصل جميل معوّض رئيساً للبلاد في الفترة بين عام 1998 حتى عام 2000، وقبله كان الرئيس عبد الله بوكرم في الفترة بين عام 1996 و1997. ولكل منهما أصوله العربية اللبنانية. ويذكر أن عبد الله بوكرم لم يكن أول من لمع من عائلته في مضمار السياسة الإكوادورية بل سبقه عمه أسعد أبو كرم، الذي انتخب رئيساً لمجلس النواب، وكان أيضاً عمدة لمدينة غواياكيل كبرى مدن الإكوادور وميناؤها الأول. وخارج أسرة بوكرم، ترشحت للرئاسة إيفون خويص عبد الباقي (زوجها سامي محمد عبد الباقي) للرئاسة، وكانت قبلاً سفيرة الإكوادور لدى واشنطن، وبعد الانتخابات تولت منصب وزيرة التجارة والصناعة، ثم انتخبت رئيسة لبرلمان دول جبال الآنديز. وبجانب، إيفون خويص عبد الباقي، برزت سيدة أخرى من أصل عربي هي ليلى رشيد التي تولت منصب وزيرة الخارجية في باراغواي، وكانت سفيرة لباراغواي في واشنطن.

كارلوس منعم
وفي الأرجنتين، كما سبقت الإشارة، برز الرئيس الأسبق كارلوس منعم، الزعيم «البيروني» الذي تولّى رئاسة الجمهورية عشر سنوات من عام 1989 حتى عام 1999، وتعود أصول منعم إلى بلدة يبرود في منطقة القلمون السورية، شمالي دمشق، أما والداه فهما مهيبة عقيل وشاول منعم، وأما زوجته فهي فاطمة جمعة. أما الضابط الذي تحدّاه وتمرد عليه، الجنرال محمد علي زين الدين فهو لبناني الأصل من آل الأعور في قضاء المتن الجنوبي بجبل لبنان.
وفي كولومبيا، كان والد خوليو سيزار طربيه أيالا (أيالا اسم عائلة أمه)، الذي شغل منصب رئيس البلاد من عام 1978 إلى 1982، من أصول لبنانية تعود إلى بلدة تنورين بشمال لبنان. وكان للرئيس طربيه حياة طويلة في السياسة الكولومبية وخدم في منصب وزير خارجية البلاد وسفيرها إلى منظمة الأمم المتحدة. وقبله، برز قريبه جبرائيل طربيه (1901 - 1947) الذي تولى منصب وزير الخارجية وكان عضواً في مجلسي الشيوخ والنواب.

... عرب فنزويلا
واليوم في فنزويلا، يحمل نائب الرئيس المعين في منصبه حديثاً، طارق زيدان العيسمي، وهو يتحدّر من عائلة الأب فيها سوري الأصل من بلدة امتان في جنوب شرقي السويداء، والأم لبنانية (أمه من آل مداح) من بلدة ميمس بجنوب شرق لبنان. ومن بين المسؤولين الحكوميين المنحدرين من أصول عربية في فنزويلا هناك إلياس جاوا (هوا) الذي خدم في منصب نائب الرئيس الأسبق، وطارق ويليام صعب، وهو أمين مظالم حقوق الإنسان في فنزويلا، وتعود أصوله إلى بلدة الشويفات قرب العاصمة اللبنانية بيروت. وفي المقابل، من قادة المعارضة لنظام الحكم في فنزويلا هناك هنري راموس (غصن) آلوب (أيّوب) عضو الجمعية الوطنية (البرلمان) وصاحب الأصول اللبنانية.
وفي بوليفيا، كان والد نائب الرئيس الأسبق في البلاد، خوان لاشين (أمه من عائلة أوكيندو)، من المهاجرين اللبنانيين (من قضاء جزّين بجنوب لبنان). وقبل أن يشغل منصب نائب الرئيس كان أبرز قادة في نقابات العمال الشهيرة في البلاد. كما انتخب إلياس أنطونيو السقّا، وهو سياسي يميني فلسطيني الأصل، رئيساً للجمهورية في السلفادور عام 2004 واحتفظ بالمنصب حتى 2009، والطريف أنه تغلب في الانتخابات الرئاسية يومذاك على منافس يساري هو شفيق حنظل، المتحدر أيضاً من أصل فلسطيني.

الموسيقى والثقافة

أصبحت شاكيرا من المشاهير في عالم الغناء بفضل موهبتها الفذة، وصوتها القوي. أما أصولها اللبنانية (تتحدر عائلتها من مدينة زحلة بشرق لبنان) فواضحة في جمالها وطريقة أدائها.
ولدت شاكيرا (شاكرة) إيزابيل مبارك في بارانكييا، واحدة من أكبر المدن في كولومبيا وهي معروفة بمينائها الأكبر في البلاد ولكونها مركزا للمهاجرين العرب. والحقيقة أن ثمة جالية كبيرة في هذه المدينة تتحدر من أصول عربية. وهذه هي الحالة في كثير من الأماكن على طول ساحل كولومبيا في منطقة البحر الكاريبي، وكذلك في «جاراتها» فنزويلا ولا سيما مدينة ماراكايبو. وكانت بارانكييا من أولى الأماكن التي بدأ فيها المهاجرون من الشرق الأوسط حياتهم الجديدة. وفي هذه الأيام، أصبح هؤلاء العرب وذريتهم في غالب الأمر من رجال الأعمال البارزين في كثير من الصناعات المختلفة.
ولكن هذه المجموعة من المهاجرين ليست مؤثرة فقط في مجالات السياسة والمال والأعمال في أميركا اللاتينية، فهناك تبادل بين ثقافتين مختلفتين تماما، الأمر الذي يظهر في اللغة والمطبخ. ويوضح السيد سيرغيو خليل الأمر بقوله: «إن الثقافة والتاريخ العربي هما محل تقدير كبير لدينا بسبب الإسهام الرائع في الإنسانية ولا سيما باعتبارهما من أدوات التنوير خلال الفترات المظلمة من العصور الوسطى في أوروبا والتي لم تعيد ربط أوروبا بإرثها الثقافي والفلسفي اليوناني السابق فحسب، وإنما استفادت كذلك من الفكر والعلوم العربية. كما أن الشرق الأوسط ليس مهدا للحضارات فحسب، ولكنه مسقط رأس الأديان التوحيدية الثلاثة مما يجعل من تلك المنطقة نقطة مرجعية شديدة الأهمية للمؤمنين بهذه الأديان».

عامل اللغة
يقول أحدهم إذا استطعت التحدث باللغة العربية فسوف تستطيع تعلم اللغة الإسبانية بسهولة بسبب وجود بعض الروابط والكلمات التي تنبع من اللغة العربية، ولكن معظم المتحدثين باللغة الإسبانية لا يدركون مدى أهمية الاتصال بين اللغتين. وبعض هذه الكلمات هي جزء من المفردات المستخدمة يوميا. على سبيل المثال، عندما تتحدث حول قطعة معينة من الملابس مثل البلوزة، فهي في اللغة العربية بنفس المنطوق، أو كلمة ديفان (ديوان)، أو الموهادا أي (المخدة)، أو أزافران (الزعفران)، أو طبق البايلا (البقية / البقايا)، أو أزايتي (الزيت)، أو أزايتونا (الزيتون).
يقول خوان أنطونيو الغصين، الخبير في اللغة الإسبانية: «يمكنني أن أمضي اليوم بطوله في ضرب الأمثلة على تأثير اللغة العربية على اللغة الإسبانية. وفي هذه اللحظة أمسك في يدي بقاموس عربيات اللغة الإسبانية، والذي يبلغ 500 صفحة. ويقدر اليوم أن نسبة 25 في المائة من الكلمات التي نستعملها في اللغة الإسبانية تنبع من اللغة العربية. لقد عاش العرب لمدة ثمانية قرون كاملة في إسبانيا، وإنني، الذي أفخر بكوني عضوا في الأكاديمية اللغوية الكولومبية، الابن الشرعي لهاتين اللغتين. وهذا من دواعي غبطتي وسروري». وبالتأكيد، فإن أكبر تأثير على اللغة الإسبانية، بعد اللاتينية، هو للغة العربية.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.