لمين النهدي لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز للمسرح لأنه يمنحني الحرية

الفنان التونسي قال إن السينما في بلاده تتحرك ببطء

الفنان التونسي لمين النهدي (الشرق الأوسط)
الفنان التونسي لمين النهدي (الشرق الأوسط)
TT

لمين النهدي لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز للمسرح لأنه يمنحني الحرية

الفنان التونسي لمين النهدي (الشرق الأوسط)
الفنان التونسي لمين النهدي (الشرق الأوسط)

أكد الممثل التونسي لمين النهدي انحيازه للمسرح منذ بداية مسيرته الفنية؛ لأنه يجد حريته في مواجهة الجمهور أكثر من السينما والدراما التلفزيونية، وقال في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن السينما التونسية تتحرك ببطء ولا تنتج سوى خمسة أفلام طويلة في العام، وإنها في حاجة إلى دعم الدولة، مؤكداً سعادته بالعمل مع نجله المخرج محمد النهدي في فيلم «الجولة 13» الذي شارك بمسابقة «آفاق السينما العربية» بالدورة 46 لمهرجان «القاهرة السينمائي»، التي انقضت مؤخراً، مثمناً زيارته الأولى للقاهرة، لافتاً إلى مشروع فيلم كان سيجمعه بالفنان عادل إمام لكنه تعثر لأسباب إنتاجية.

وظهر لمين النهدي في المشهد الأخير من فيلم «الجولة 13» بينما كانت البطولة لعفاف بن محمود التي حازت جائزة أفضل ممثلة، وبمشاركة حلمي الدريدي والطفل هادي بن جابورية.

وفي بداية الحوار قال الفنان التونسي مبتهجاً: «سعدت بمشاركتي في هذا الفيلم، وأهنئ نجلي المخرج محمد علي النهدي بالنجاح الذي تحقق، فقد فوجئت بتجاوب الجمهور المصري مع الشريط الذي قدمه وهو بمثابة اكتشاف، لأنه قدم لنا فيلماً مختلفاً تماماً في رؤيته وإيقاعه عن أفلام كنا نشاهدها منذ ربع قرن، كما أن سعادتي تزداد لأنها أول زيارة لي لمصر، وقد كنت وما زلت مغرماً بالأفلام القديمة لكبار فنانيها».

النهدي يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن عائلته الفنية (الشرق الأوسط)

وعن تعامله مع نجله خلال التصوير يقول: «تعاملنا بكل حرفية، هو بصفته مخرجاً للفيلم وواضع السيناريو، وأنا بصفتي ممثلاً، وقد أجرينا بروفة أمام المخرج، ومنذ اللحظة الأولى كان مقتنعاً بأدائي في هذا الدور».

ويقول عن عمل ابنه مخرجاً: «عادة أغلب مَن يعملون في الفن لا يحبون أن يعمل أبناؤهم في هذه المهنة لأنها صعبة وتنطوي على تعب وشقاء وقلق دائم، لكن نجلي نشأ منذ طفولته في أسرة تعمل بالفن، فوالدته الفنانة المسرحية سعاد محاسن، وهي ممثلة كبيرة تجمع بين الكوميديا والتراجيديا، قد التقيتها في مسرحية وأحببتها وتزوجنا، ومنذ طفولته كان محمد يرافقني في كل أعمالي، وأصبحت لديه خلفيات مبكرة عن تفاصيل العمل الفني المسرحي والسينمائي، وهو يجمع بين التمثيل والإخراج، فيما اختار شقيقه الأصغر وليد مجال الطرب، وطالما اختار كل منهما طريقه وأصر عليه فلا يمكن أن أقف أمام موهبتيهما، بل أدعمهما وأشجعهما».

وقدم لمين النهدي أعمالاً لافتة بالمسرح منذ بداياته، وصار الجمهور التونسي يتعلق بأعماله الكوميدية حتى لقب بـ«عادل إمام تونس»، و«إمبراطور المسرح التونسي»، فهو يتمتع بحضور لافت على المسرح ويثير المواقف التي تنتزع الضحك من الجمهور، كما ينتقد بجرأة أوضاعاً خاطئة، ومن أعماله «فرفر»، «ليلة على دليلة». وقد لاقى عرضه «المكي وزكية» نجاحاً كبيراً لانتقاده في إطار كوميدي كثيراً من الوقائع السلبية بالمجتمع وقدمها على مدى سنوات عبر 400 ليلة عرض.

الفنان لمين النهدي ونجله المخرج محمد مع جانب من فريق الفيلم في «مهرجان القاهرة» (القاهرة السينمائي)

ويبرر لمين النهدي تفوق أعماله المسرحية مقارنة بأعماله بالسينما والتلفزيون بقوله: «لأنني كنت منحازاً منذ اللحظة الأولى للمسرح حيث حريتي تكون به أكثر، ولأنني أحب أن ألتقي الجمهور بشكل مباشر، أكثر مما التقيه من خلف الشاشات، فالمسرح عمل حي يختلف كل الاختلاف عن السينما والتلفزة، كما أن المسرح في تونس لديه إمكانية الوصول إلى الجمهور أكثر لأن تكاليف إنتاجه أقل، لكن السينما ميزانياتها أعلى كثيراً، والمشكلة أن السينما التونسية تتحرك ببطء، وليست لدينا الغزارة الإنتاجية كما في مصر، نحن ننتج 5 أفلام طويلة و10 أفلام قصيرة في العام، وهذه النسبة لا تكفي الجمهور التونسي المحب للسينما».

وعن بداياته المسرحية يقول: «بدأت هاوياً بعدة فرق مختلفة، وفي مرحلة الاحتراف عملت مع أشهر فرقة مسرحية تونسية في السبعينات وهي (الكاف)، التي تحمل اسم منطقة في شمال تونس، وكانت بإدارة الفنان التونسي الكبير المنصف السويسي الذي عملت معه عدة مسرحيات من بينها (رشامون) و(الزنج) للأديب التونسي عز الدين المدني».

لم يكتفِ الفنان لمين النهدي بالوقوف على خشبة المسرح بل اتجه أيضاً للإخراج المسرحي مثلما يقول: «أخرجت عدة مسرحيات منها مسرحية (فرفر)، (الهاوهاو) التي واجهت رفضاً في السبعينات لأنها كانت تحكي عن علاقة الشرطة والمواطنة، ومسرحية (عرب) التي حولناها إلى شريط سينمائي طويل وشاركنا بها عام 1985 في مهرجان قرطاج السينمائي، وحصلت بها على جائزة (أحسن ممثل)، وفازت الفنانة الراحلة فاتن حمامة في الدورة نفسها بجائزة (أفضل ممثلة)، ومن وقتها ترددت عليّ الأفلام، ومن أفلامي (فردة ولقات أختها)، (ريح السد)، (حلو ومر)».

الفنان التونسي لمين النهدي (الشرق الأوسط)

وعن تشبيه الجمهور التونسي له بالفنان المصري عادل إمام، يقول: «هو من أحبابي وأتتبعه منذ أعماله الأولى التي قدمها بالأبيض والأسود في السينما والمسرح، وكنت محظوظاً حين اختارني المخرج علي منصور لبطولة فيلم مع عادل إمام، وتحدثنا مع إمام عن المشروع لكن الفيلم لم ينفذ، وهناك جمهور يشبهني بالفنان الكبير فؤاد المهندس لأنني أحب الرقص على المسرح مثله وهو ممثل ممتاز للغاية».

وفي التلفزيون قدم لمين النهدي مسلسلات عدة من بينها «قهوة جلول»، «تاكسي»، «عجبكش» كما قدم اسكتشات كوميدية مع الفنان نور بن عياد في 30 حلقة، وكما يقول: «كانت الناس تهتز من الضحك ولأول مرة يدخل النقد الفني للتلفزة التونسية عن طريق هذا العمل».

ويستعد الفنان لمسرحية جديدة يجري بروفاتها خلال أيام تحكي علاقة رجل وامرأة فشلا في حياتهما الفنية، حسبما يقول.


مقالات ذات صلة

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.