أحزاب عراقية تقترب من قرار حول مصير «الحشد الشعبي»

«الكلمة الأخيرة» لدى طهران... ونقاشات «غير تقليدية» مع واشنطن

عنصر في «الحشد الشعبي» يحرس بوابة عليها صورة أبو مهدي المهندس في بغداد (أ.ف.ب)
عنصر في «الحشد الشعبي» يحرس بوابة عليها صورة أبو مهدي المهندس في بغداد (أ.ف.ب)
TT

أحزاب عراقية تقترب من قرار حول مصير «الحشد الشعبي»

عنصر في «الحشد الشعبي» يحرس بوابة عليها صورة أبو مهدي المهندس في بغداد (أ.ف.ب)
عنصر في «الحشد الشعبي» يحرس بوابة عليها صورة أبو مهدي المهندس في بغداد (أ.ف.ب)

تقترب أحزاب شيعية فائزة في الانتخابات الأخيرة بالعراق، من اتخاذ قرار يتعلق بمصير «الحشد الشعبي» وفصائل مسلحة موالية لطهران، لكن العملية تنتظر إجماعاً شيعياً داخل «الإطار التنسيقي» وموافقة إيرانية، ومفاوضات غير تقليدية مع واشنطن، في نهاية المطاف.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر في أحزاب وفصائل وجهات أمنية، أن أطرافاً شيعية تدفع الآن للنظر بجدية في ملف «الحشد الشعبي» وسلاح الفصائل «في لحظة تتضافر فيها عوامل ضاغطة على الملف؛ أبرزها الشعور بأن القوى الشيعية انهمكت في صراعات مدمرة، تتعلق بنفوذها داخل الحشد».

وفي حال اتخذ القرار السياسي، فإن الاتفاق على المسار الفني لحل أو دمج أو هيكلة «الحشد الشعبي»، لن يأخذ وقتاً طويلاً، لكنه سيكون عرضة لملاحظات أميركية، وفق المصادر.

ويمكن الاستنتاج من مصادر مختلفة أن ملف «الحشد الشعبي» متشابك ومعقد بسبب تداخل المصالح بين فاعلين محليين من جهة، وانتظار «كلمة أخيرة ضرورية» من إيران، والتكيف مع متطلبات أميركية على صلة بالوضع الجديد في الشرق الأوسط تشترط «إنهاء جميع مصادر التهديد» من جهة أخرى، وفق تعبير مسؤول عراقي.

وسبق للعراق أن دمج عناصر «منظمة بدر» الشيعية في وزارة الداخلية بسلاحها، وتحول زعيمها هادي العامري إلى العمل السياسي، وشارك بانتظام في 5 انتخابات عامة منذ 2003.

ورغم أن عديدين يتهمون وزارة الداخلية بالخضوع لمنهج ميليشيا شيعية، فإن مسؤولين أمنيين يرون أن عملية الدمج أخضعت المسلحين لقرار مركزي بيد وزير الداخلية.

وتبدو الحال مختلفة اليوم إلى حد بعيد، بسبب تعدد الفصائل وتقاطع المصالح بين زعاماتها، وتباين مواقفها من الدمج أو نزع السلاح، والانتقال إلى العمل السياسي.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال دورية استطلاع في موقع شمال بغداد (إعلام الهيئة)

«مرحلة جديدة»

وقال قيادي شيعي بارز لـ«الشرق الأوسط»، إن «العراق لن يحتاج إلى استخدام السلاح في المرحلة المقبلة». وأضاف أن «وضع البلد متماسك، ويتطلب إجراء تغييرات على مستوى الأمن».

وحتى قبل سنوات، كان هذا القيادي من أشد المدافعين عن «محور المقاومة» والرافضين لنزع سلاحه، لكن كثيرين من التحالف الشيعي الحاكم أجروا تعديلات على مواقفهم السياسية قبل أشهر من الاقتراع العام الذي أُجري في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وثمة انقسام حول تفسير هذا التغيير، بين هامش حرية سياسية للجماعات الشيعية نتيجة تراجع النفوذ الإيراني، أو أن طهران تحاول كسب الوقت وتحسين ظروفها التفاوضية لتجنب خسارة نفوذها في العراق.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن النقاشات حول «الحشد الشعبي» تدخل في صلب مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة واختيار مرشح لرئاستها، مشيرة إلى أن «قوى شيعية تقترح أن يتضمن البرنامج الحكومي الجديد بنوداً واضحة تعالج هذه المسألة».

وكان رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، الذي يتفاوض على تشكيل ائتلاف حكومي جديد في البلاد، قد صرح مطلع الأسبوع، بأن «الفصائل تريد تسليم سلاحها الثقيل والانخراط في الدولة».

ويفترض بأي رئيس حكومة في العراق تقديم برنامج حكومي للتصويت عليه خلال منح الثقة في البرلمان العراقي.

وتخوض القوى الشيعية نقاشات صعبة في مسارين: تقاسم الحصص في الحكومة واختيار مرشح توافقي لرئاستها، وكتابة برنامج إصلاحي يستجيب بحدود لمتغيرات جيوسياسية في المنطقة.

وقال مسؤول في «الإطار التنسيقي»، إن اجتماعات التحالف الأخيرة، التي يفترض أنها مخصصة لبحث ملف تشكيل الحكومة، ناقشت مستقبل الفصائل وملف العلاقات الخارجية.

صراع ونفوذ ومخاطر

توصلت الأحزاب الشيعية التي تمتلك أذرعاً مسلحة، لا سيما تلك التي انخرطت أكثر في المؤسسات الحكومية، إلى قناعة بأن استمرار هيئة «الحشد الشعبي» بوضعها الحالي أداةً في الصراع الداخلي، بات يشكل خطراً عليها، بحسب تعبير المصادر.

وقالت المصادر إن «قادة أحزاب بدأت تتذمر من استغلال الحشد في التوازنات المحلية بين الحلفاء والخصوم، إلى جانب دخول فصائل فيها طرفاً في التوتر الإقليمي لفترات مختلفة».

وكان رئيسا الوزراء السابقان، نوري المالكي وحيدر العبادي، قد أصدرا علناً مواقف ناقدة لـ«الحشد الشعبي». ورغم دوافعهما المختلفة، فإن الهيئة كانت محل تصويب سياسي على الدوام من قبل قادة شيعة متنفذين.

وقالت المصادر إن الخلاف على منصب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» كان من أبرز ملامح الصراع خلال الأشهر الماضية، وسط تنافس بين الفصائل الشيعية للسيطرة على الموقع. وأشارت المصادر إلى أن أحزاباً شيعية قلقة أيضاً من انفلات القرار الأمني داخل هيئة «الحشد الشعبي»، الذي تتناوب عليه أطراف مختلفة تشكل قوام الهيئة ظاهرياً.

وقال مصدر مطلع على نقاشات على صلة بملف الحشد، إن «ازدياد القلق الشيعي يتزامن مع عوامل إقليمية ضاغطة، وفي جميع الأحوال لن يحدث شيء دون موافقة طهران».

وأضاف المصدر: «ملف (الحشد الشعبي) ليس شأناً محلياً (...) هناك ظروف داخلية تتطلب إجراء تغييرات، لكن الذهاب إلى مرحلة التنفيذ يحتاج إلى كلمة واضحة ومحددة من طهران».

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، أبلغ المرشد الإيراني علي خامنئي، رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني، بـ«ضرورة تعزيز دور (الحشد الشعبي) وتوسيعه». وفي أبريل (نيسان) الماضي، قال مجتبى حسيني، ممثل خامنئي في العراق، إن المساعي الأميركية لحل فصائل المقاومة أمانٍ لن تجد طريقاً للتحقيق.

ورغم ذلك، يميل القيادي الشيعي إلى الاعتقاد بأن إيران «صاحبة الكلمة الحاسمة في هذا الملف، ليست هي نفسها قبل عامين، وليس من المتوقع أن تظهر موقفاً متزمتاً». وقال القيادي: «إيران في حال وافقت ستلجأ إلى طرق دمج أو حل سبق أن جربتها في العراق، ونجحت».

وقالت المصادر الموثوقة إن العملية المفترضة، في حال صدر قرار سياسي وحصل على «مباركة إيرانية»، فإن لمستشارين معنيين في «الحرس الثوري»، دوراً في وضع اللمسات الفنية.

عناصر في «الحشد الشعبي» خلال جنازة رفاق لهم قتلوا بضربة أميركية (أ.ف.ب)

مسارات فنية

لكل طرف شيعي في «الإطار التنسيقي» تصور مختلف عن معالجة وضع «الحشد الشعبي»، إلا أن الأفكار الرئيسية تتلخص في عدة مسارات أساسية.

وقالت المصادر إن الآليات الفنية ليست جديدة، إذ إن بعضها مطروح منذ 8 سنوات، وقد أضيف عليها وجرى تعديلها مرات عديدة، لكنها جميعها وضعت على الرف بسبب غياب التوافق.

ويقضي أحد المسارات بدمج «الحشد الشعبي» ضمن هيكل الدولة، لضمان عدم تحويله إلى قوة موازية، لكن الخلاف حول المسار يتعلق بدمجهم أفراداً أو وحدات كاملة.

ويقترح مسار آخر تقليص عديد المقاتلين المنضوين تحت مظلة «الحشد الشعبي»، إلى الدرجة التي تسمح للقائد العام للقوات المسلحة بالسيطرة على تحركاتهم، وتخفيف الأعباء المالية على الموازنة، في حين يفترض مسار آخر الإبقاء على هيكل «الحشد الشعبي» الحالي لكن بعد فك ارتباط وحداته عن الجماعات السياسية والفصائل، بعد وضعها بإمرة قادة عسكريين يتبعون القائد العام للقوات المسلحة.

وترتبط كل وحدة في «الحشد الشعبي» بفصيل مسلح، وتتلقى أوامر مختلفة من قادة فصائل لا ينسقون ميدانياً بعضهم مع بعض، ولا يعودون في كثير من الظروف إلى رئيس الهيئة.

ويرى أصحاب مسار فك الارتباط أن هذا المسار متوازن بين الإبقاء على وجود الحشد، ووضعه تحت إشراف عسكري مؤسسي دون تفكيكه بالكامل.

وقال القيادي الشيعي إن «المسار النهائي قد يجمع بين المسارات الثلاثة»، مرجحاً السماح لشخصيات فصائلية بالانتقال إلى العمل السياسي.

وشهدت الانتخابات الأخيرة تفوقاً واضحاً لقوائم تمثل أجنحة مسلحة؛ مثل تحالف «حقوق» الواجهة السياسية لـ«كتائب حزب الله»، التي فازت بنحو 6 مقاعد، كما تضاعف وجود كتلة «صادقون» التي تمثل حركة «عصائب أهل الحق» في البرلمان الجديد، إلى نحو 26 مقعداً.

أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)

«مفاوضات غير تقليدية»

ينتظر أن يخضع ملف «الحشد الشعبي» لنقاشات مع مفاوضين أميركيين، وفق مصدر غربي، وستحدد الشكل النهائي للمسار الفني بناءً على ما ستنتهي إليه تلك النقاشات.

وتريد الولايات المتحدة نزع سلاح الميليشيات التي تتهمها بسرقة موارد العراق لصالح إيران، حسبما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال اتصاله مع رئيس الحكومة في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ويقول المصدر العراقي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن «الإطار التنسيقي»، وبعد النتائج الإيجابية التي حققها في الانتخابات الأخيرة، يحتاج في المرحلة المقبلة إلى التصرف بشكل مباشر في هذا الملف، وإبعاد رئيس الوزراء من أن يكون هو جهة الحوار بشأن السلاح.

ورجح المصدر أن تنشأ بيئة تفاوض غير تقليدية بهامش واسع بين ممثلين عن الإطار التنسيقي، والمبعوث الأميركي إلى العراق مارك سافايا، الذي سيلعب دوراً غير رسمي، لكنه سيعبر عن السخط الأميركي من محاولات تأخير وتسويف ملف السلاح في العراق.


مقالات ذات صلة

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

المشرق العربي أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

كشفت مصادر أمنية عراقية عن تطور لافت في مسار التحقيقات المرتبطة بهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع مختلفة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب) p-circle

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة.

«الشرق الأوسط» (الحبانية)
تحليل إخباري مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)

تحليل إخباري ممارسات «الميليشيات الولائية» تهدد بإعادة بغداد إلى العزلة

حذرت مصادر عراقية من أن «ممارسات الميليشيات الولائية تنذر بإعادة العراق إلى حالة عزلة عربية ودولية بعد جهود حثيثة بُذلت في السنوات الماضية للخروج منها».

«الشرق الأوسط» (أربيل)
المشرق العربي الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

من قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)

التصعيد الإقليمي يحرك دعوات لحل البرلمان العراقي

طالبت جماعة ضغط عراقية بحل البرلمانين الاتحادي في بغداد والإقليمي في أربيل والذهاب إلى انتخابات مبكرة خلال 6 أشهر

فاضل النشمي (بغداد)

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم، أي واحد من كلّ خمسة سكان، منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» الموالي لإيران.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية». وأشارت: «نلحظ هنا في لبنان أزمة اقتصادية تتفاقم على نحو مقلق».

واستطردت: «أكثر من 136 ألف نازح يعيشون في 660 ملجأ جماعياً، أغلبيتها مدارس مكتظّة. وحتّى لو نزحوا، هم لا يشعرون بالأمان»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصرّحت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «تعيش عائلات في خوف دائم ولا شكّ في أن التداعيات النفسية، لا سيّما على الأطفال، ستستمرّ إلى ما بعد النزاع الراهن».

اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان في 2 مارس حين هاجم الحزب الدولة العبرية بصواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية.

وترد إسرائيل بغارات كثيفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص.

وفي جنوب لبنان، تسبّب تدمير إسرائيل لجسور استراتيجية في عزل أكثر من 150 ألف شخص، معطلاً بشدّة وصول المساعدات الإنسانية، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

«مفجع»

ووجّهت المفوّضية نداء لجمع أكثر من 60 مليون دولار بغية توسيع استجابتها، محذّرة من أن الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من الموارد.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «كان لبنان يواجه أصلاً أزمات متعدّدة، وهذا النزوح الكبير يحدث ضغوطات شديدة على الأسر والخدمات». وصرّحت: «يقول لي الناس مراراً إن جلّ ما يريدونه هو العودة إلى منازلهم».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، التي يواجه مركزها اللوجيستي للمساعدات الطارئة في دبي صعوبات على مستوى النقل البحري والجوّي، عن إرسال أوّل دفعة من المساعدات الإنسانية برّاً إلى لبنان.

وأفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من جانبه بأن الصليب الأحمر اللبناني يوزّع المساعدات، وخصوصاً البطانيات والفرش والوجبات الغذائية والخبز ومياه الشرب.

وأشار الناطق باسم الاتحاد تومازو ديلا لونغا إلى أن الصليب الأحمر اللبناني هو أكبر مزوّد لخدمات الإسعاف في البلد، ووضع خطّة طارئة لنقل الدم بغية تزويد المستشفيات به بلا انقطاع.

وقال: «بين 2 و23 مارس، نفّذت فرق الصليب الأحمر اللبناني 2754 مهمّة إسعاف و11 عملية بحث وإنقاذ في مواقع حضرية»، مشيراً إلى مقتل متطوّع وإصابة عدّة متعاونين آخرين خلال أداء مهامهم.

وأضاف: «يعمل المتعاونون والمتطوّعون تحت ضغوطات هائلة لضمان سلامتهم وسلامة المصابين الذين يقومون بإجلائهم على السواء».

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من جانبها إلى أن النساء الحوامل يواجهن الولادة في ملاجئ مؤقتة لا نفاذ فيها لخدمات الرعاية مثل قاعات المدارس.

وقالت ممثّلة الهيئة في لبنان جيلان المسيري: «تواجه النساء خوفاً دائماً وليالي بلا نوم وإنهاكاً كاملاً، فيما يضطررن لطمأنة أطفال مرعوبين».

وبين النازحين أكثر من 370 ألف طفل «لا مكان آمناً لهم»، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقال ممثّل «اليونيسف» في لبنان، ماركولويجي كورسي: «هو نزوح كبير ومباغت وفوضوي يمزّق العائلات ويفرغ بلدات بكاملها مع تداعيات ستبقى بعد توقّف العنف»، مشيراً إلى أن «إنهاك الأطفال اللبنانيين النفسي والمعنوي مفجع».


لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)

تتجه السلطات اللبنانية إلى «تبريد» الأزمة السياسية الداخلية التي ترتبت على قرار وزارة الخارجية بإبعاد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، بشكلٍ لا تتراجع فيها «الخارجية» عن القرار، ولا تتخذ إجراءات بحقّه في حال بقي في لبنان بعد المهلة المُعطاة له لمغادرة البلاد يوم الأحد المقبل، وفق ما قالت مصادر وزارية، لـ«الشرق الأوسط».

وقاطع أربعة وزراء شيعة، من أصل خمسة، يمثلون ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، جلسة مجلس الوزراء، الخميس؛ اعتراضاً على قرار «الخارجية» باعتبار شيباني «شخصاً غير مرغوب به».

وقالت المصادر الوزارية إن الجلسة الحكومية، الخميس، «لم تناقش ملف شيباني، وكان رئيس الحكومة نواف سلام يغلق أي نقاش حول هذا الملف، طالباً التركيز على الملفات الحياتية للتعامل مع أزمة النزوح، وتداعياتها، والاتصالات مع الجهات الدولية والجهات المانحة لمساعدة لبنان». وأكدت أن معالجة ملف شيباني تجري وفق مساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان».

الوزير مكي

وكان وزير التنمية الإدارية فادي مكي، وهو الوزير الشيعي الخامس، قد شارك في الجلسة الوزارية، الخميس، مما عرَّضه لانتقادات. وقال مكي، بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة: «إننا استعرضنا آخِر المستجدات في ضوء مشاركتي في جلسة مجلس الوزراء، وكانت مناسبة لتأكيد أن المرحلة تفرض التضامن الداخلي وتعزيز حضور الدولة وتغليب المسؤولية الوطنية». وتابع: «الأولوية، اليوم، هي لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتضان النازحين، وتكثيف كل الجهود لوقف الحرب، مع تأكيد السلم الأهلي والحوار الداخلي».

وأضاف: «أكّدتُ أن لا خيار لنا إلا الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأن لبنان، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى قرارات تُوحِّد لا تُفرِّق. وأعبّر عن كامل ثقتي بما يقوم به فخامة الرئيس، بالتنسيق مع دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء».

مبادرة «التيار الوطني الحر»

في غضون ذلك، يستكمل «التيار الوطني الحر» زياراته على الفعاليات السياسية، لشرح مقترح لحماية لبنان. وقال رئيسه النائب جبران باسيل، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، إن أهم ما في المقترح هو «موضوع الوحدة الوطنية؛ لأنها أساس كل شيء وأساس هذا الوطن وأساس بقائه والأساس الذي من خلاله يستطيع لبنان أن يخرج سالماً من هذه الحرب التي نحن فيها».

وتابع: «للأسف، هناك منطقان يتواجهان: منطقنا الذي يقول 100 يوم حرب من الخارج على لبنان ولا يوم واحد من الحرب بين اللبنانيين، والمنطق الثاني يعلن رسمياً أنه فلتكن حرب داخلية في لبنان، المهم أن ننتهي من الحرب الخارجية». وأضاف: «نحن لا نريد حرباً داخلية ولا خارجية، نحن في بعض الأحيان ليست لدينا القدرة لمنع الحرب الخارجية، للأسف، للأسباب التي نتفق أو نختلف عليها نحن اللبنانيين، لكن نحن بالتأكيد لدينا القدرة على أن نمنع الحرب الداخلية، وهذه مسؤوليتنا ومهمتنا في المرحلة المقبلة، لذا في كل يوم سنعود ونذكر وننبه، خاصة المغرَّر بهم والذين ينجرّون وراء غرائز طائفية لا مكان لها».

وأضاف: «اليوم، معركتنا ليست طائفية، نحن بمواجهة أخطار يجب إبعادها عنا بأن نتكلم كلاماً وطنياً وليس كلاماً طائفياً، فالناس الذي ينجرّون وراء هذا الكلام يجب ألا يتذوقوا، لا هم ولا أولادهم ولا أي أحد، طعم الحرب الداخلية؛ لأن الجميع ذاق مرارتها بما يكفي، ويجب أن نمنع تكرارها، هذه مسؤوليتنا، وهذا خطابنا، وهذا كلامنا الجامع بين بعضنا البعض، هكذا تنتهي الأزمة أكيد، وهكذا ينجو لبنان، وبعدها نتطلع مع خلافاتنا السياسية كيف سنبنيه، لكن الأهم أن يبقى لبنان، ويبقى لبنان بوحدتنا الوطنية».

إغاثة النازحين

وبينما تتجه أزمة السفير الإيراني للاحتواء، ينصبّ التركيز اللبناني على إغاثة النازحين. وأطلع وفد من الصليب الأحمر الدولي، برئاسة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط نيكولاس فون آركس، الرئيس عون على عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ضوء استمرار التصعيد العسكري في عدد من البلدات والقرى اللبنانية والعمليات الإنسانية التي تقوم بها اللجنة بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني والتنسيق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية العاملة في الجنوب. وعرَض فون آركس لتدهور الوضع الإنساني ونزوح الآلاف من القرى والبلدات المستهدَفة دون أن يتمكنوا من العودة بسبب تدهور الأوضاع، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجه الفرق في أثناء عملها ومؤكداً استمراريتها في العمل وتأمين المستلزمات للمستشفيات والمراكز الصحية وإيصال المساعدات.

وقال: «أسهمنا في تأمين الوصول إلى المياه لأكثر من 800000 شخص من خلال ضمان استمرارية تشغيل محطّات الضخ. إضافةً إلى ذلك، نجحنا في إيصال المساعدات الأساسية إلى نحو 10000 شخص في مختلف القرى، فضلاً عن دعمنا للمستشفيات لضمان استمرارها في تقديم العلاج للجرحى والمرضى».

من جهته، طلب الرئيس عون الاهتمام بأبناء الجنوب الموجودين في قراهم وبلداتهم وتأمين المساعدات الضرورية لتعزيز صمودهم.

وكان مدير الصليب الأحمر قد أكد، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، استمرار حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الميدان، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرراً، وتلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تُواصل فِرق اللجنة تقديم الدعم للمتضررين، بالتوازي مع جهود الجهات الأخرى في دعم النازحين بمراكز الإيواء.

وأشار الوفد إلى استمرار وجود فِرق اللجنة في جنوب لبنان، خصوصاً في تبنين ومرجعيون؛ لتأمين وصول المساعدات والخدمات الصحية، في ظل ازدياد عزلة هذه المناطق عن باقي البلاد، كما شدد الوفد على أهمية احترام القانون الدولي الإنساني بما يشمل حماية المدنيين والبنى التحتية والخدمات الأساسية والمُسعفين والطواقم الطبية.


السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».