يوسي كوهين: أطلقتُ خطة «التهجير المؤقت» للغزيين... والسيسي أسقطها

«الشرق الأوسط» تنشر قراءة موسعة في كتاب رئيس الموساد السابق «بالأحابيل تصنع لك حرباً» (الأخيرة)

غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

يوسي كوهين: أطلقتُ خطة «التهجير المؤقت» للغزيين... والسيسي أسقطها

غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)
غزيون تهجروا إلى مخيمات النزوح في جنوب قطاع غزة يعودون إلى ديارهم بشماله يوم 11 أكتوبر 2025 (رويترز)

يكشف المدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، يوسي كوهين، في كتابه «بالأحابيل تصنع لك حرباً»، الصادر أخيراً، أنه هو صاحب خطة تهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة خلال الحرب الحالية، لكنه يزعم أن فكرته لا تتعلق بتهجير دائم، بل «مؤقت». يتحدث كوهين، في الجزء الأخير من القراءة المطولة التي أجرتها «الشرق الأوسط» في كتابه، عن أساليب عمل «الموساد» وطرق تجنيد العملاء، مشيراً إلى أنه لعب في إطار عمله الاستخباراتي دور «خبير آثار» في لبنان، و«تاجر شاي» في السودان.

يحمل كتاب كوهين عنوان: «بالأحابيل تصنع لك حرباً» بنسخته الصادرة باللغة العبرية، بينما اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل «الموساد» والحرب السرية».

ترحيل الغزيين... «تهجير مؤقت»

قوافل النزوح من شمال غزة يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

يكشف يوسي كوهين أنه كان صاحب خطة ترحيل نحو مليون ونصف المليون فلسطيني من غزة إلى سيناء المصرية، رداً على هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023. يقول إن خطته كانت تقضي بأن «تكون هذه الهجرة مؤقتة»، موضحاً أن الكابنيت الإسرائيلي وافق على الخطة، وعلى تكليفه بإقناع دول عربية بها، باعتبار أنها تهدف إلى خفض عدد الإصابات بين المدنيين.

وبالفعل، سافر كوهين، كما يقول، إلى عواصم عربية، لكنه وجد أن العرب يخشون أن يتحوّل الترحيل «المؤقت» إلى ترحيل أبدي. فقال لهم إنه مستعد لجلب ضمانات دولية بأن تكون الهجرة مؤقتة. وأقام اتصالات بهذا الشأن مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان والصين والهند، لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حسم الأمر، ورفض الخطة بشكل قاطع.

وعندها كان هناك اقتراح أن يتولى كوهين نفسه مهمة رئيس فريق التفاوض حول صفقة تبادل أسرى، لكن رفاقه من قادة الأجهزة الأمنية في إسرائيل أجهضوا الخطة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترمب مع المشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الصورة من صفحة المتحدث باسم الرئاسة على «فيسبوك»)

الغرور... فشل الدعاية الإسرائيلية

يكرر يوسي كوهين، في كتابه، عدة مرات ضرورة أن يتمتع القادة الإسرائيليون بصفة التواضع، لكنه في الوقت نفسه يبدو كأنه يقوم بتكرار أخطاء الغرور. فعلى سبيل المثال، يستغرب كيف يقف كثيرون في العالم ضد إسرائيل بسبب حربها ضد قطاع غزة، وكيف ينشرون الأفلام الواردة من القطاع بكميات كبيرة.

وبدل أن ينتقد كوهين الأعمال الوحشية التي طالت الغزيين، وأودت بحياة عشرات الآلاف منهم بحجة ضرب «حماس»، يرى أن المشكلة هنا تكمن في فشل الدعاية الإسرائيلية، معتبراً أن حكومة بلاده لا تكرس ما يكفي من الجهد لإظهار الحقائق، وتسويق مواقف إسرائيل. في المقابل، يتجاهل أن اللوبي الإسرائيلي في العالم يتمتع بنفوذ هائل في الإعلام الأجنبي، كما أنه يتجاهل أن يهوداً كثيرين انضموا إلى حملات الاحتجاج على تصرفات إسرائيل.

يذهب كوهين أبعد من ذلك للقول إن القادة الإسرائيليين يبتعدون عن الشعب، ويفتقرون للأحاسيس الإنسانية، والرحمة إزاء المواطنين الإسرائيليين، ولذلك لا يشعرون بآلامهم بشكل كافٍ، وبالتالي لا يعرفون كيف يعكسون للرأي العام العالمي، وحتى المحلي، حقيقة المعاناة التي يعيشها الناس. وهذا يجعل العالم، برأيه، عرضة لتأثير «حماس» ودعايتها.

ويقول إنه رغم العمليات الوحشية التي تعرض لها سكان بلدات غلاف غزة الإسرائيلية، الذين عُرفوا بأنهم أنصار سلام، وبينها الاغتصاب الجماعي، وقطع الرؤوس، والتمثيل بالجثث، وإحراق الأطفال، راح العالم يطالب إسرائيل بوقف الحرب. ومعلوم أن إسرائيل تؤكد أن مقاتلي «حماس» قاموا بهذه الأفعال خلال عملية «طوفان الأقصى»، لكن الحركة تنفي ذلك.

أطفال يأكلون داخل خيمة في مدرسة تؤوي نازحين في حي الرمال بمدينة غزة يوم 5 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

يعرض كوهين، في هذا الإطار، شكل الدعاية التي يجب على إسرائيل أن تتبناها. يقدّم تصريحات القائد في «حماس»، خالد مشعل، مثالاً لذلك، فقد قال إنه يرفض حل الدولتين، ويريد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين من النهر إلى البحر. يؤكد كوهين، هنا، أنه لا يمكن إقامة السلام مع من لا يعترف بحقك في الوجود. لكنه يتجاهل بالطبع أن القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعترفت بإسرائيل في اتفاقات أوسلو وتطالب بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على مساحة 22 في المائة من فلسطين، هي أيضاً تتعرض لتنكيل إسرائيل التي تعمل كل ما في وسعها حتى تضعفها، وتقصيها.

محمد علي كلاي

يقول كوهين إنه معجب بالملاكم الراحل محمد علي كلاي، الذي كان يقول إن النصر أو الهزيمة يتحققان بعيداً عن أنظار الجمهور، أي قبل أن يعتلي حلبة الملاكمة: «عندما أكون في مرحلة التدريب، أو أسافر بالسيارة، قبل أن أبدأ الرقص على الحلبة بكثير». يقول كوهين: «كنت صبياً يتخيل نفسه وكيلاً يتجسس بعيون صقر، وبخبث الثعلب، وبقدرة النمر على الوثوب. وعندما يقوم بالمهمة، يتمتع بصبر القناص، وعفوية الساحر، ويواجه حظوظ القيام بمهمات في بيروت، وغزة، والخرطوم، وغيرها».

غلاف الكتاب بنسخته العبرية

ويتحدث عن ضرورة أن يحرص رجل «الموساد» على التفوّق أمام مقابليه. ويروي كيف تقلّد شخصية «خبير آثار» في بعلبك اللبنانية، وشخصية «هاوي جمع أكياس شاي» أمام تاجر شاي لبناني في السودان. ويكشف عن أساليب عمل المخابرات الإسرائيلية في تجنيد عملاء، ليتبين أنها نفس الأساليب القديمة جداً التي استخدمت منذ بداية الجاسوسية قبل آلاف السنين، من خلال التفتيش عن نقاط الضعف الإنساني، واستغلال السلوكيات الشاذة، والبحث عن المصالح، وتضارب المصالح، والدوافع (مالية، آيديولوجية، جنسية، غراميات، كراهية وحسد، وغيرها).

ويقول، مبرراً هذه الأساليب: «يجب أن يعرف الهدف أن لديه الكثير الذي سيخسره إذا لم يتعاون، وهكذا يتم الإيقاع به في أحابيل المخابرات الإسرائيلية. وفي أحيان كثيرة، عندما يكون الهدف ضابطاً كبيراً في الجيش السوري، أو عالم ذرة إيرانياً، أنت توقعه في أحابيلك لدرجة أن يقوم بعمل يمكن وصفه بالخيانة. فعندما يقع بالشرك، تستغله حتى آخر لحظة، لأنك تهدد بكشف خيانته».

طفلة فلسطينية تنتظر الحصول على مساعدات غذائية في خان يونس مع استمرار المجاعة وموجات النزوح في غزة خلال شهر سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

والأحابيل هي أهم شعار يستخدمه «الموساد»: «بالأحابيل تصنع لك حرباً»، وهو الذي اختاره كوهين اسماً لكتابه باللغة العبرية (اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل الموساد والحرب السرية»). ويقول إن مثله الأعلى هو كالان، بطل مسلسل «كالان» البريطاني. وقد أصبح اسم «كالان» أحد أسماء التغطية التي استخدمها في عملياته.

إسرائيل في العالم

يقول كوهين إن «الموساد» يتابع التطورات في كل مكان يؤثر على إسرائيل مباشرة، أو بشكل غير مباشر. يهتم بشكل عميق بالتطورات في إيران ولبنان وسوريا والعراق واليمن، والتنظيمات المسلحة التابعة. ولكنه يرى أن هناك خطراً ماحقاً بالبشرية جمعاء يجب أن يأخذ الحيّز اللازم من الاهتمام لدى المخابرات، وهو أزمة المناخ، مشيراً إلى أنه شخصياً اهتم -ولا يزال يهتم- به حتى بعد ترك منصبه.

لكن قضية التعاون الدولي في موضوع المخابرات تعتبر أهم مشروع لـ«الموساد». ويروي كيف قام بتطوير العلاقات مع المخابرات في جميع أنحاء العالم. ويقول إن ذلك بدأ عندما قام تنظيم «داعش» بتنظيم عمليات إرهاب في بلجيكا، في سنة 2016. ففي نفس اليوم الذي تم فيه الهجوم الإرهابي، تلقى كوهين إنذاراً ساخناً عن العمليات. لكن الإنذار جاء متأخراً. إلا أنه لم يمنعه من الاتصال بنظيره البلجيكي وإبلاغه. وأعطاه مزيداً من المعلومات التي ساعدت في التحقيق. ثم قام في السنة نفسها بإبلاغ أستراليا بخطة لتفجير طائرة مدنية تعمل على خط أبوظبي-سيدني. وبفضل «الموساد» مُنعت العملية، وتم كشف الخلية مع أسلحتها ومواد التفجير الجاهزة.

يعدد كوهين دولاً كثيرة «مدينة» لـ«الموساد» بالكشف عن عمليات وخلايا إرهاب، ويقتبس عدداً من زملائه في قيادة المخابرات الألمانية والبريطانية والفرنسية والألمانية الذين قالوا له إن شعوبهم مدينة لإسرائيل بفضل ما كشفه «الموساد» عن خلايا إرهابية. ويقول إن إسرائيل أيضاً استفادت من تلك المخابرات.

ولا تخرج تركيا عن هذه القاعدة، التي رغم العلاقات السيئة معها فإن كوهين لم يتردد في إبلاغها بما يعرف عن خلايا إرهابية على أراضيها. يقول: «في صيف 2018، ساعدت إسرائيل تركيا على كشف معلومات عن خلايا إرهابية نفذت 16 هجوماً، رغم العلاقات السيئة بين البلدين». واهتم كوهين بالتأكيد على أن قائد المخابرات التركية في ذلك الوقت كان هاكان فيدان، وزير الخارجية الحالي.

«القائد القوي هو الذي يقدّم تنازلات»

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهين الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو في 7 ديسمبر 2015 (غيتي)

من الواضح أن كوهين يحاول في الكتاب أن يقدم صورة جيدة عن «الموساد»، لكنه أبرز نفسه أكثر من أي شخص آخر في فصوله، وهذا أمر مفهوم كون الكتاب يتناول مسيرته هو. سيقول منتقدون إن هدف كوهين واضح، وهو أن يصل إلى منصب رئيس الحكومة. فقد حاول أن يرد على كل سؤال يمكن أن يخطر ببال الإسرائيليين وغير الإسرائيليين، حتى يقنعهم بأنه أفضل من يصلح لهذا المنصب، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. يمشي بين بحر من النقاط، كي يرضي جميع الأطراف، لكن الأهم أنه يقتبس أقوال المعجبين به، وبينهم يهود وعرب ويمينيون ويساريون ومتدينون وعلمانيون، إسرائيليون، وأجانب.

ولأولئك الذين يريدون أن تعيش إسرائيل في حرب أبدية، يقول إنه «بعد حرب أكتوبر 1973 لم يكن أحد ليصدق أنه بعد خمس سنوات فقط تم توقيع اتفاق سلام تاريخي مع مصر». ويؤكد: «القائد القوي هو الذي يقدّم تنازلات». ويشير إلى أنه بكى عند التوقيع على الاتفاق الإبراهيمي بين إسرائيل ودول عربية. وهو يمتدح القادة العرب الذين التقاهم وأظهروا رغبة حقيقية بالسلام. لكن السلام، بحسب ما يرى، يكون فقط بعد إظهار القوة.


مقالات ذات صلة

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي قوى الأمن الداخلي في لبنان ينفذون مهمات أمنية ليلة رأس السنة (قوى الأمن)

مغترب لبناني يعترف بتعامله مع إسرائيل لاستدراج وخطف ضابط سابق

أمر القاضي جمال الحجار بختم التحقيقات الأولية في ملف اختفاء النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر، بعد مرور ثلاثة أسابيع على خطفه من قبل «الموساد»

يوسف دياب (بيروت)
شؤون إقليمية صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية لاعتقال رجل بشبهة التجسُّس لصالح إيران في 9 ديسمبر 2024 (أرشيفية)

صحيفة: إيران جندت عشرات العملاء داخل إسرائيل

قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية إنه في غضون عام واحد ألقت إسرائيل القبض على العشرات من مواطنيها الذين جندتهم إيران بهدف التجسس لصالحها.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)

إسرائيل تحذر من محاولة طهران إحياء برنامجها النووي

بعد ستة أشهر من قصف منشآت إيران النووية، كشفت تقارير عن تفاصيل جديدة عن الحرب الـ12 يوماً، بينما حذر رئيس «الموساد» من استئناف طهران نشاطها النووي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» ديفيد برنياع (إكس)

رئيس «الموساد»: على إسرائيل أن تضمن ألا تعاود إيران تشغيل برنامجها النووي

قال رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) ديفيد برنياع، الثلاثاء، إن على إسرائيل أن تضمن ألا تعاود إيران تشغيل برنامجها النووي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

طهران أمام اختبار دبلوماسي على وقع التهديدات

 حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
TT

طهران أمام اختبار دبلوماسي على وقع التهديدات

 حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)

تواجه إيران اختباراً دبلوماسياً حساساً مع اقتراب موعد محادثات محتملة مع الولايات المتحدة، ووسط تصاعد التحذيرات العسكرية.

وتؤكد طهران استعدادها لكل السيناريوهات، مع الإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحاً.

وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه وجّه وزير الخارجية عباس عراقجي للسعي إلى تفاوض «عادل ومنصف» إذا توفرت بيئة خالية من التهديدات والتوقعات غير المعقولة، استجابة لطلبات حكومات إقليمية.

في غضون ذلك، أسقط الجيش الأميركي مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد - 139»، قائلاً إنها اقتربت «بشكل عدائي» من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، وقال البيت الأبيض إن الإجراء كان مناسباً، مؤكداً الإبقاء على المحادثات المقررة. كما أفادت جهات بحرية بأن زوارق تابعة لـ«الحرس الثوري» اقتربت من ناقلة نفط أميركية في مضيق هرمز قبل أن تواصل السفينة مسارها، متجاهلة طلب تفتيشها من قبل السلطات الإيرانية.

من جهة أخرى، أفاد موقع «أكسيوس» بأن إيران طلبت نقل المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وحصرها في الملف النووي وبصيغة ثنائية.

وأجرى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، محادثات موسّعة في إسرائيل. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن بنيامين نتنياهو أبلغ ويتكوف أن «إيران أثبتت مراراً أن وعودها غير موثوقة».


نتنياهو يبلغ ويتكوف أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءاً من إدارة غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
TT

نتنياهو يبلغ ويتكوف أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءاً من إدارة غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في القدس، الثلاثاء، أن السلطة الفلسطينية لن تكون «بأي شكل من الأشكال» جزءاً من إدارة قطاع غزة بعد الحرب.

وقال مكتب نتنياهو، في بيان عقب انتهاء الاجتماع، إن «رئيس الوزراء أوضح أن السلطة الفلسطينية لن تشارك في إدارة قطاع (غزة) بأي شكل من الأشكال».

وبموجب خطة وقف إطلاق النار في غزة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم يُحسم دور السلطة الفلسطينية بعد الحرب.


استبعاد «الترويكا الأوروبية» من محادثات إسطنبول حول الملف الإيراني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
TT

استبعاد «الترويكا الأوروبية» من محادثات إسطنبول حول الملف الإيراني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)

إذا لم يطرأ أي تطور حتى الجمعة المقبل، الموعد المرتقب للمفاوضات الأميركية الإيرانية في إسطنبول، بمشاركة أطراف إقليمية، فإن الاتحاد الأوروبي سيكون غائباً عن هذا الاستحقاق الحاسم.

ويعوّل على محادثات إسطنبول أن تُبعد شبح الحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران عن منطقة الخليج الحسّاسة. وتجد «الترويكا الأوروبية» - فرنسا وبريطانيا وألمانيا - التي لعبت دوراً أساسياً لسنوات طويلة في مفاوضات الملف النووي الإيراني، نفسها، اليوم، خارج المشهد، بعدما كانت طهران ترفض الجلوس وجهاً لوجه مع مُوفدي «الشيطان الأكبر». غير أن المعطيات تغيّرت، ولم يعد التفاوض المباشر مع واشنطن، من المنظور الإيراني، محرَّماً كما كان في السابق.

وللتذكير، فإن جولات التفاوض الخمس المتنقلة التي جرت بين الطرفين بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) الماضيين، وقبيل حرب الـ12 يوماً، كانت تُعقد دائماً بحضور «الوسيط» العُماني.

وخلال الأشهر الثمانية المنقضية، رفض الطرف الإيراني استئناف المفاوضات مع نظيره الأميركي، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة. في المقابل، عُقدت جلسة تفاوض واحدة على المستوى الوزاري مع «الترويكا الأوروبية»، في أواخر يوليو (تموز) الماضي، بإسطنبول.

ورغم توافق الطرفين آنذاك على استمرار التواصل، فإن الدور الذي اضطلعت به «الترويكا» داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خلال الصيف الماضي، ثم طلبها لاحقاً من مجلس الأمن إعادةَ تفعيل آلية «سناب باك» (الضغط على الزناد)، التي أُعيد، بموجبها، فرض حزم العقوبات الدولية الست على إيران، بعد أن كانت مجمّدة بموجب اتفاق عام 2015، أحدث قطيعة بين الجانبين.

المرشد الأعلى علي خامنئي متحدثاً خلال اجتماع بطهران في بداية فبراير (رويترز)

فإيران، التي سعت طويلاً إلى استمالة «الترويكا» إلى جانبها وحثّها على تبنّي مواقف أقل تشدداً من الموقف الأميركي، بدأت تنظر إليها بوصفها «تابعة» لواشنطن، وبالتالي «عديمة الفائدة» بالنسبة لها. وجاء قرار الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وفرض عقوبات على وزراء وشخصيات محورية في النظام الإيراني، ليكرّس هذا الطلاق مع «الترويكا»، وهو ما يفسّر عدم طلب طهران، مطلقاً، مشاركة أوروبية في الاجتماع المرتقب.

«سلم أولويات»

مِن بين أطراف «الترويكا» الثلاثية، تبدو فرنسا الأكثر «هجومية» في مقاربتها للملف الإيراني. فقبيل انطلاق محادثات الجمعة، طرحت باريس، بلسان وزير خارجيتها جان نويل بارو، رؤيتها لما ينبغي أن تفضي إليه هذه المحادثات، وما تتوقعه من الطرف الأميركي أن يتمسك به، علماً بأن الرئيس دونالد ترمب كان قد حدّد سلفاً ما يريد الحصول عليه مقابل الامتناع عن قصف إيران.

وفي حديث إلى صحيفة «ليبراسيون» نُشر الأحد الماضي، رأى بارو أنه «يتعين على النظام اغتنام الفرصة، عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في نهجه». وطالب بأن «تتوقف إيران عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً، في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته، وأن يوضع حد للقمع، وأن يُطلق سراح السجناء، وأن تتوقف الإعدامات، وأن تُعاد خدمة الإنترنت».

وفي مقابلة صباحية مع القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، الثلاثاء، حدّد بارو سُلّم الأولويات الذي يرى أن على الطرف الأميركي الالتزام به، مشدداً على أن الأولوية الأولى يجب أن تكون وضع حد للقمع الدموي. وقال حرفياً: «إن القرار الأول يجب، بطبيعة الحال، أن يكون وضع حدٍّ لهذا القمع الدموي، ثم بعد ذلك فعلاً معالجة القضايا المتعلقة بالملف النووي، ومسائل الصواريخ الباليستية، ودعم المنظمات الإرهابية في المنطقة، وهي أمور تثير مشكلات أمنية كبرى للمنطقة، ولكن أيضاً لأوروبا».

وبرأيه، فإن «الجرائم الجماعية التي ارتكبها النظام يجب ألا تبقى بلا عقاب»، مضيفاً أن الإجراءات التي «اتخذناها، الأسبوع الماضي، كأوروبيين» تندرج في هذا الإطار. وخلص إلى أنه «يتعين على النظام أن يقبل تقديم تنازلات كبرى، وأن يغيّر بشكل جذري موقفه تجاه شعبه، وكذلك تجاه دول المنطقة، وتجاهنا نحن أيضاً؛ لأن سلوكه، منذ سنوات طويلة، يثير مخاوف أمنية جسيمة».

تراجع الدور الأوروبي

يريد بارو، من خلال ما يطرحه، أن ينزع من النظام الإيراني أنيابه في الداخل والخارج، بحيث إن ما تطالب به باريس لا يغيّر فحسب الأولويات الأميركية، بل يتجاوزها. فالرئيس الأميركي نسي، أو تناسى، الوضع الداخلي في إيران، الذي كان في الأساس الدافع الأول لعزمه التدخل عسكرياً لوقف «المجازر». ويشدد ترمب، اليوم، حصراً على المطالب الثلاثة الاستراتيجية التي باتت معروفة: سحب ورقة البرنامج النووي من إيران، عبر حرمانها من تخصيب اليورانيوم ومن الكميات المخصبة بنسبة 60 في المائة، وتحجيم برنامجها الصاروخي، وأخيراً تقليم أذرعها الإقليمية. وكأن باريس تسعى إلى فرض أجندة جديدة على ترمب تمس طبيعة وجوهر النظام الإيراني.

في ضوء ما سبق، وما تعدُّه طهران تهديداً مباشراً للنظام، لم يتأخر ردها على المواقف الفرنسية. فقد عدَّ إسماعيل بقائي، الناطق باسم «الخارجية» الإيرانية، في مؤتمره الصحافي، الاثنين، أن فرنسا تتصرف «كعامل مُخرِّب في أي مسار دبلوماسي»، وبالتالي «لا تملك أي مكانة قانونية أو أخلاقية للتدخل أو الإدلاء بأي تصريح في أي مسار دبلوماسي».

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران بإيران 3 فبراير (رويترز)

وأضاف بقائي، وفق ما نقلت عنه «وكالة إرنا» الرسمية، أن فرنسا «لعبت دوراً مخرِّباً فيما يتعلق بالقرار غير القانوني وغير اللائق للاتحاد الأوروبي بتصنيف (الحرس الثوري) تنظيماً إرهابياً». ودعا «الأطراف الفرنسية إلى العمل من أجل استعادة مصداقية ومكانة الاتحاد الأوروبي المتدهورة كفاعل كان يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً وفعالاً في التفاعلات الدولية».

وتفسر الفقرة الأخيرة معنى الغياب الأوروبي عن اجتماع إسطنبول، المرتقب يوم الجمعة المقبل، إذ تعكس بوضوحٍ قناعة إيرانية بأن «الترويكا» والاتحاد الأوروبي تخلّيا عن لعب دور «إيجابي»؛ أيْ دور متوافق مع المصالح الإيرانية.

ورغم ذلك، لم تفقد فرنسا، ومعها الشريكتان الأخريان في «الترويكا»، الأمل في الاضطلاع بدورٍ ما، ولو في الحد الأدنى، دفاعاً عن مصالحها. وفي هذا السياق، قال بارو إن «الترويكا على اتصال وثيق مع الدول التي تقوم بالوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، ونحن ندعمها في هذا الجهد». كما يراهن على عامل آخر يتمثل في ملف رفع العقوبات عن إيران. فبعد تذكيره بأن «الترويكا» كانت في طليعة المفاوضات مع طهران، رأى أنه «في أي حال، إذا جاء الوقت الذي يغيّر فيه النظام موقفه بشكل جذري، وطُرحت مسألة رفع محتمل للحظر أو للعقوبات، فإن ذلك لا بد أن يمر عبر أوروبا»، باعتبار أنها فرضت سلسلة طويلة من العقوبات على إيران، كان آخِرها استهداف مسؤولين كبار وآخرين في «الحرس الثوري»، فضلاً عن التزامها بالعقوبات الدولية. وخلاصة موقفه أن «أوروبا ستشارك، بطريقة أو بأخرى، في هذه المباحثات».