تساؤلات حول تناقضات القضاء الفرنسي في ملاحقة أركان نظام الأسد

النيابة العامة الفرنسية جمّدت مذكرات توقيف الرئيس الأسد وشقيقه

عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر بمقر الفرقة الرابعة بدمشق (رويترز)
عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر بمقر الفرقة الرابعة بدمشق (رويترز)
TT

تساؤلات حول تناقضات القضاء الفرنسي في ملاحقة أركان نظام الأسد

عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر بمقر الفرقة الرابعة بدمشق (رويترز)
عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر بمقر الفرقة الرابعة بدمشق (رويترز)

منذ نهاية العام الماضي، وبعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، تتكاثر في الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا وبلجيكا الدعاوى القضائية المقدمة بحقّ أركانه، لكن لدى كل دعوى جديدة تثار تساؤلات تتناول صلاحية المحاكم، خصوصاً ما يتناول الحصانة القضائية التي يتمتع بها رئيس الدولة السورية استناداً إلى قرار صادر عن محكمة العدل الدولية عام 2002، الذي يعدّ مرجعاً في هذه القضايا.

وجاء في قرار المحكمة المذكورة أن رئيس الدولة ورئيس وزرائه ووزير خارجيته يتمتع ثلاثتهم بالحصانة التي تحميهم من الملاحقة إبان ممارستهم مهامهم الدستورية.

وهذه المسألة بالذات كان لها صدى قوي في فرنسا منذ أن أصدر قاضيان، ينتميان إلى القسم المتخصص بالجرائم ضد الإنسانية في محكمة باريس، قراراً بتاريخ 14 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023، بتوقيف وجلب الرئيس السوري وشقيقه ماهر، قائد الفرقة الرابعة، وجنرالين رفيعي المستوى، هما غسان عباس، مدير الفرع 450 في مركز الدراسات والأبحاث العلمية، الذي يعد الجهة المطورة للأسلحة الكيماوية، والجنرال بسام الحسن، المقرب من الأسد، وقد لعب دور صلة الوصل بينه وبين المركز المذكور. ووجّهت للأربعة 3 تهم رئيسية: ارتكاب جرائم حرب، والمشاركة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة.

وجاء طلب التوقيف بناء على دعوى قدّمتها ضدهم مجموعة من الناشطين الحقوقيين، وما لا يقل عن 60 جمعية، نظراً للدور الذي لعبه الأربعة صيف عام 2013، في استخدام غاز السارين القاتل ضد سكان الغوطة الشرقية، التي كانت قد وقعت تحت سيطرة المعارضة.

ملصق بمدينة عفرين شمال سوريا في الذكرى العاشرة للهجمات الكيماوية على دوما في الغوطة الشرقية لدمشق أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

وبحسب تقرير للمخابرات الأميركية، فإن الهجمات الكيماوية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1426 شخصاً، بينهم 429 طفلاً. ووقتها، برز تأهب أميركي - فرنسي - بريطاني لردّ عسكري ضد سوريا، إلا أن تراجع الرئيس أوباما أجهض المشروع، ونجحت وساطة روسية في إيجاد المخرج البديل.

كان من المرتقب أن تعمد النيابة العامة الفرنسية الى تعميم طلب العدالة على الدول المنتمية إلى «فضاء شنغن» الذي يضم 29 دولة أوروبية، وعلى المستوى العالمي عبر الإنتربول. بيد أن الأمور لم تجرِ وفق ما هو منتظر، إذ رفضت النيابة العامة تعميم الطلب بحجة أن الرئيس الأسد يتمتع بالحصانة.

صورة ضخمة لبشار الأسد على الأرض بعد هروبه ملقاة على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر (أ.ب)

وفي تحقيق نشرته صحيفة «ليبراسيون» في عددها ليوم الأربعاء، تساءلت عن الأسباب التي منعت النيابة العامة من تعميم طلب التوقيف بحقّ الثلاثة الآخرين، الذين لا يتمتعون بأي حصانة. إضافة إلى ذلك، عمدت النيابة إلى نقل الملف إلى محكمة الاستئناف في باريس، التي أصدرت قراراً بتاريخ 26 يونيو (حزيران) العام الماضي، يؤكد صوابية إصدار مذكرة توقيف بحقّ بشار الأسد والثلاثة الآخرين.

بيد أن النيابة العامة قررت نقل الملف الى محكمة التمييز، التي تعدّ أعلى هيئة قضائية في فرنسا. وفي قراراها الصادر بتاريخ 25 يوليو (تموز) من العام الحالي، نقضت هذه المحكمة قرار محكمة الاستئناف في ما يخصّ الرئيس الأسد، وثبّتته بحقّ الآخرين. وجاء في قرارها أن حصانة الرؤساء خلال قيامهم بوظائفهم «مطلقة»، أي مهما تكن التهم الموجهة إليهم.

وبما أن الأسد قد أطيح به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فقد فتح ذلك الباب لإصدار مذكرة توقيف جديدة بحقّه، فيما المذكرات السابقة بحقّ الآخرين ما زالت قائمة. وبالفعل، فإن قاضيي التحقيق عمدا إلى تسطير مذكرة توقيف جديدة تناولت، إلى التهم الأربع السابقة، تهمة جديدة تتعلق بقصف المركز الصحافي في مدينة حمص عام 2012، الذي قُتل فيه صحافيان فرنسيان، هما ماري كاثرين كولفين، وزميلها المصوّر الفرنسي ريمي أوشليك، الذي اغتيل معها في نفس اللحظة.

أحد مساجد درعا التي دمرها قصف النظام السوري في أنحاء سوريا (الأناضول)

يبرز مما سبق التضارب في التقديرات داخل الجسم القضائي الفرنسي بين درجاته المختلفة، وخصوصاً بين النيابة العامة التي تمثل السلطة من جهة، وبين قضاة التحقيق والمحاكم من جهة ثانية.

وليس سرّاً أن النيابة العامة تأخذ غالباً بعين الاعتبار المصالح السياسية والدبلوماسية للدولة، وهو أمر مفهوم. ولكن ما ليس مفهوماً الأسباب التي حالت دون تعميم مذكرات التوقيف والجلب، التي صدرت عن قاضيين عام 2023، وبقيت نائمة في أدراج النيابة العامة حتى عام 2025.

وما شهدته فرنسا من تنازع قضائي داخلي حصل مثله في دول أوروبية أخرى. وفي أي حال، ثمة العديد من الدعاوى المقامة ضد أركان نظام الأسد، وهي موجودة أمام القضاء الفرنسي. وآخر ما قام به محاكمة 3 من أعمدة النظام، وهم الجنرالات علي المملوك وجميل الحسن وعبد السلام محمود، وأدينوا ثلاثتهم غيابياً بتهم ارتكبت عام 2012، منها الإخفاء القسري لمواطنين سوريين اثنين يحملان الجنسية الفرنسية، هما باتريك دباغ ووالده مازن، والسجن والتعذيب والاستيلاء على الممتلكات.


مقالات ذات صلة

جلسة نهاية الشهر لمحاكمة مفتي الأسد أحمد ‏حسون

المشرق العربي أحمد بدر الدين حسون مفتي نظام الأسد في الجلسة الأولى خلال يونيو الماضي لمحاكمته في دمشق (سانا)

جلسة نهاية الشهر لمحاكمة مفتي الأسد أحمد ‏حسون

أنهت محكمة الجنايات الرابعة، اليوم الخميس 23 يوليو، الجلسة الثالثة من محاكمة أحمد ‏حسون المتهم بجرائم التحريض على العنف وتبرير القتل خلال عهد ‏النظام ‏البائد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص عناصر قوات الدفاع الوطني الموازية لقوات الأسد أحدهم يحمل علم «الحزب السوري القومي الاجتماعي» في بلدة معلولا شمال شرقي دمشق 13 يونيو 2015 (أ.ف.ب)

خاص فلول «الأسد» و«حزب الله»... لبنان لم يعد آمناً والعودة لسوريا «خيار مطروح»

بدأ أفراد وضباط من نظام الأسد و«حزب الله» من السوريين الفارين للبنان بعد سقوطه البحث عن بدائل أكثر استقراراً بينما يجد آخرون في العودة إلى سوريا خياراً متاحاً

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي أحمد بدر الدين حسون المعروف بتأييده للرئيس الأسد شغل منصب مفتي سوريا منذ عام 2004

شهود الحق العام في محاكمة المفتي السابق: فتاويه دمرت أهالي درعا وسوريا

عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الخميس، ثاني جلسات محاكمة ‏أحمد حسون المتهم بجرائم التحريض على العنف ‏وتبرير القتل خلال عهد ‌‏النظام البائد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وسيم الأسد (وزارة العدل السورية) p-circle

محكمة سورية تؤجل محاكمة وسيم الأسد إلى الأربعاء المقبل

قررت محكمة سورية اليوم الأربعاء، تأجيل محاكمة وسيم الأسد، المتورط بجرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد نظام بشار الأسد،  إلى يوم الأربعاء المقبل 22 يوليو.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

خاص عاطف نجيب في محكمة «أطفال درعا»... مقاطعة الروايات وقصة «الشرارة الأولى»

شكّل اعتقال أطفال درعا في مارس2011 الشرارة الأولى للثورة السورية، وأكثر المحطات تأثيراً في البلاد. اليوم يقف عاطف نجيب أمام المحكمة وقد أصبح الأطفال رجالاً.

سلطان الكنج