مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

مخاوف من تآكل رصيد السلطة التشريعية بسبب تغييب «النواب»

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
TT

مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)

لم تغادر قصة «التوافقات» النيابية مربع «الاستعانة بصديق». وحسب مراقبين من داخل مجلس النواب الأردني، ما زال مسار القرار النيابي مرهوناً بـ«رغبات مراكز القرار الرسمية» في مشهد يُمعن بتآكل رصيد المجلس شعبياً. وفي جلسة الأسبوع الماضي لمجلس النواب، تسبّبت مشادات نيابية كادت أن تتطور إلى حدود الاشتباك بالأيدي في تعذر استكمال الجلسة التي خُصص جدول أعمالها لتقديم بيان الموازنة العامة للبلاد، وتشكيل اللجان الدائمة للمجلس. وما حصل أن البند الثاني لجدول الأعمال فجّر الجلسة، ما دفع رئيس مجلس النواب مازن القاضي إلى رفعها.

مازن القاضي (إكس)

ما حصل في مجلس النواب الأردني أخيراً أن نواب كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» رفضوا إقصاءهم من التوافقات على تشكيل اللجان الدائمة، فحال الأمر دون استكمال الجلسة، ليعود رئيس مجلس النواب لدعوة المجلس للانعقاد بعد اجتماع في مكتبه سعى لاحتواء غضب الكتلة البالغ عدد أعضائها (31 نائباً).

صحيح، أنه في نهاية المطاف، جرى اختيار أعضاء اللجان الدائمة في اليوم التالي بالتوافق، لكن الصحيح أيضاً أن انتخاب رؤساء تلك اللجان الأسبوع المقبل قد يعيد الخلافات إلى مربعها الأول، بسبب اتهام نواب الحركة الإسلامية المعارضة، الكتل النيابية الأخرى، بأنها محسوبة على الخط الرسمي، وبأنها «تتلقّى تعليماتها من خارج أسوار المجلس». وهذه حُجة «جاهزة» عادة ما يستخدمها الإسلاميون عند خسارتهم.

«التحديث السياسي» جُملة من الماضي

من جهة ثانية، يدفع تيار سياسي جديد يعمل تحت شعار «الالتفات إلى الداخل» إلى تكريس عمل «مؤسسات الدولة» لبرامج محلية سياسياً واقتصادياً وإدارياً. وذلك بهدف معالجة ما يمكن وصفه بأخطاء سابقة تسبّبت بـ«إحباط مسارات الإصلاح الشامل» الذي يدعو له العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1999.

التيار، الذي يسعى لخلق حياة سياسية محلية مشحونة بـ«البرامج الوطنية»، تبلوَر خلال سنتي الحرب على غزة، ويدعو إلى أهمية الانتباه للشؤون الداخلية ذات الأولوية، وخلق توازن بين العمل الرسمي الدبلوماسي السياسي خارجياً والفعل الحكومي المُقنع في الساحة المحلية، ومحاولة استعادة ثقة الشارع الأردني في مؤسساته.

غير أن رغبات هذا التيار اصطدمت بالبرنامج الحكومي للعام المقبل الذي يُعبر عنه خطاب الملك الأردني عند افتتاح كل دورة برلمانية. إذ استبعد الخطاب أي كلام عن انتخابات البلدية، بعد تعطيل الحكومة لإقرار مشروع قانون الإدارة المحلية، وإغفالها ذكر أي معالجات لتشريعات المنظومة السياسية التي تكشفت عوراتها بعد تطبيق قانوني الانتخاب والأحزاب، وهو الأمر الذي يستوجب التعديل على أرضية مستقبل العمل السياسي في البلاد.

دستورياً تمثل خُطبة العرش عند افتتاح كل دورة برلمانية برنامج عمل حكومياً. وجرى العرف أن تتقدّم به الحكومة للملك، ويتبناه وفق خطط عمل برامجية موزّعة على جدول زمني مُلزم للحكومات التي يختار العاهل الأردني رئيسها، ومن ثم يطلب الثقة من البرلمان فور اختياره أعضاء الفريق الوزاري.

لكن تبقى مداخلات مراكز القرار الأمنية والسياسية مُحبطة في ثورة أي مجلس نيابي في مواجهة الحكومات، خصوصاً بعد دخول شخصيات وقوى سياسية محسوبة على الخط الرسمي، أخيراً، تستطيع بدورها «إخفاء وتذويب الأصوات النشاز» تحت سقف القبة، في معادلة يضعف معها الثقة بأي كلام حول «التحديث السياسي».

مجالس النواب تختبر أعرافاً جديدة

في هذه الأثناء، يبدو أن أعرافاً برلمانيةً جديدةً استقرت بشأن انتخابات رئاسة مجلس النواب الأردني. فمنذ عام 2020 وحتى الانتخابات الأخيرة، طغت شكلية «التزكية» على مضامين الصراع التاريخيّ بين «أقطاب» برلمانية، حتى جاء اختيار النائب مازن القاضي رئيساً بالتزكية، معزّزاً العُرف الجديد.

وبين مجلسين نيابيين، المجلس التاسع عشر (2020 - 2024)، والمجلس الحالي الذي انتخب في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، تقلّب على رئاسة مجلس النواب أربعة رؤساء، هم النائب السابق الوزير الحالي عبد المنعم العودات، وعبد الكريم الدغمي - الذي حمل لقب أقدم النواب كونه لم يغب عن المجالس النيابية المنتخبة منذ عام 1989 وقرر اعتزال العمل النيابي عام 2024 - وأحمد الصفدي، وأخيراً مازن القاضي.

مجلس النواب اختار النائب مازن القاضي رئيساً بـ«التزكية» للدورة البرلمانية الحالية، بعد «توافقات» كتل نيابية تقاسمت مواقع المكتب الدائم من نائبين للرئيس ومساعدين اثنين، الأمر الذي يسحب من رصيد ثقة النواب عند الشارع، الذي وجد في مشهد انتخابات المكتب الدائم «تعييناً»، أكثر منه منافسة أو توافقاً.

القاضي، النائب عن «الدائرة العامة» (دائرة وطنية) ممثلاً حزب الميثاق في المجلس الحالي، سبق له أن تولّى حقيبة الداخلية عام 2016، كما كان مديراً لجهاز الأمن العام للفترة ما بين الأعوام 2007 - 2010، سبق له أيضاً أن كان نائباً عن دائرة البادية الشمالية في مجلس النواب السادس عشر 2010 - 2012، ومجلس النواب الثامن عشر 2016 - 2020.

ولقد أفضت توافقات الكتل النيابية إلا «اختيار» القاضي رئيساً للمجلس خلفاً لأحمد الصفدي الذي استمر رئيساً لثلاث دورات نيابية بين المجلسين السابق 2020 - 2024 وللدورة النيابية الأولى من عمر المجلس الحالي 2024 - 2025. ولكون الشخصيتين من الحزب ذاته، يرى مراقبون أن الحزب وإن كانت «واجهته أنيقة»، فإنه يختبئ خلفها صراع إرادات بين مراكز قرار.

الحياة البرلمانية بغياب القطبية النيابية

الواقع أنه كان لمصطلح «القطب البرلماني» معايير شَفِعت لها صفات النائب الذي استطاع التأثير في مجاله السياسي. فمن جهة دخلت أسماء مهمة على الحياة البرلمانية محمولة على أكتاف قواعد انتخابية وازنة، ومن جهة أخرى أظهر فرق الأداء التشريعي والرقابي لأسماء سابقة اعتزلت العمل البرلماني أن النواب يذهبون طوعاً نحو «كاريزما» القطب النيابي.

ومن الذاكرة، ثمة أسماء استقرت في التاريخ البرلماني وكانت تحمل الصفات السابقة، منهم رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، وأول رئيس للوزراء في عهد العاهل الأردني الملك عبد الثاني عبد الرؤوف الروابدة، والمرحوم عبد الهادي المجالي، ومنهم أيضاً ممدوح العبادي وسعد هايل سرور وعبد الكريم الدغمي. ولئن كان هؤلاء جميعاً محسوبين على الخط الرسمي، فقد سجّل المعارضون أسماءً وازنة في مجال القطبية النيابية فكان بين أبرز الشخصيات التي مثلت الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين وذراعها الحزبية جبهة العمل الإسلامي)، حمزة منصور والمرحومان عبد اللطيف عربيّات وعبد المنعم أبو زنط.

كذلك، إن جرت الانتخابات على رئاسة المجلس خلال الأعوام الخمسة السابقة، فإنها غالباً ما جاءت محسومةً لصالح مقربين من مراكز القرار، في صورة انطباعية لم تختبرها المنافسة الحقيقية، مع غياب التكافؤ في الفرص، وميْل نواب للقرب من مراكز القرار والمرجعيات فيها. في حين غاب تأثير المعارضة عن الشغب في تلك المواسم، لكون قدرتها محصورة بأعداد لا تتجاوز ثلث أعضاء مجلس النواب في أحسن الأحوال.

في السابق لم يكن الأمر مختلفاً، لكن طالما شهدت انتخابات رئاسة النواب صراعات بين أقطاب نيابية، وكان التنافس حاداًً. وسُجلت فروق كان من شأنها قلب النتائج. وكان من بين أشد المتنافسين التاريخيين المرحوم عبد الهادي المجالي، وخصمه العنيد سعد هايل سرور، وعبد الكريم الدغمي.

وفي عام 2011 دخل قطب برلماني آخر هو عاطف الطراونة، الذي أعلن اعتزاله العمل البرلماني وهو على سدة رئاسته الأخيرة عام 2020، مسجلاً رقماً قياساً أطول رئيس بقاءً لدورات نيابية متصلة، بينما سجل المجالي رقمه أطول رئيس بقاءً بعدد السنوات في عدة مجالس.

بعد اختيار القاضي رئيساً بـ«التزكية»...

اختباء التمرد النيابي يكشف عن تحديات مقبلة

حُجة التوافق في مواجهة دلالات الأرقام

مازن القاضي رئيساً لمجلس النواب بـ«التزكية»؛ جاء التنافس في انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس كاشفة لتحديات متوقعة أمام المجلس، مُهددة بانقسامات مُحتملة خلال الشهور المقبلة، فجبهة الرفض لتوافقات نيابية «حزبية» عبرت عنها انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس.

إذ ترشح في مواجهة مرشح التوافق النيابي خميس عطية، النائب المستقل آية الله فريحات، وكان فريحات قد كشف عن نيته خوض المنافسة على الموقع في صباح يوم افتتاح الدورة. وفيما فاز عطية بـ67 صوتاً، حصد الفريحات 55 صوتاً، بعد إلغاء 14 ورقة من أوراق المقترعين من النواب. وهذه نتيجة مُقلقة للتوافق النيابي الذي تغنى به نواب عشية اختيار القاضي بـ«التزكية».

وفي حسابات المتابعين فإن نحو 69 نائباً شكلوا جبهة رفض للتوافقات بين الكتل النيابية، في ظل حسابات محلية تُفيد بأن موقع الرئيس عادة ما يحظى باستحسان مراكز القرار، بينما تبقى مواقع المكتب الدائم الأخرى متروكة للتنافس الحر، أو التوافقات القريبة من مزاج النواب أنفسهم.

الانقسام المفاجئ في تصويت مجلس النواب لموقع النائب الأول للرئيس، وصفه مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» بأنه «تمرّد» على «هندسة» اختيار القاضي رئيساً بالتزكية، خلفاً للصفدي - وهما يمثلان حزب الميثاق -، وأن التوافق على عطية ليس شرطاً لإثبات التوافق العابر للكتل، فمجموع أعضاء الكتلتين هو 62، وهو ما لا يمثل غالبية المجلس ليستدعي إقصاء بقية الكتل والأحزاب. إذ يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب الأردني الحالي 138 نائباً، وبذا تكون الغالبية محصورة بنصاب النصف زائد واحد. ولو خاض القاضي الانتخابات في مواجهة أي مرشح من تيار «الضد» فقد يعجز عن تأمين نصاب الغالبية، وذلك يعني انقسام المجلس.

طاهر المصري (بترا)

خريطة الكتل النيابية

على صعيد آخر، شكلت الكتل النيابية أكثرية حالت دون تمكن ترشح آخرين لسباق انتخابات رئاسة مجلس النواب، في وقت قالت كتلة العمل الإسلامي (الذراع النيابية لحزب جبهة العمل الإسلامي) إن التوافقات النيابية «أقصت كتلة الحزب» عن التمثيل في المكتب الدائم.

وكتلة العمل الإسلامي، التي يمثلها 31 نائباً، حصلت على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم 10 سبتمبر من العام الماضي. بعدما حصدت نحو 450 ألف صوت من عدد المقترعين الذي بلغ نحو 1.6 مليون مقترع من أصل نحو 5 ملايين مواطن يحق لهم الانتخاب في البلاد.

ومن إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب الـ138 نائباً، توزع 136 نائباً على 5 كتل نيابية، وهي كتلة حزب الميثاق (36 نائباً)، وكتلة «مبادرة» التي تشكلت بعد اندماج حزب «إرادة» مع حزب «تقدم» ليصل عدد أعضائها 26. وكتلة حزب العمل الإسلامي التي لا تزال طور التشكيل والاستقطاب، والتي قد تندمج مع كتلة الأحزاب الوسطية وعدد أعضائها 17، وكتلة «عزم» (19)، في حين تظل كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» صاحبة الحضور المؤثر بـ31 نائباً.

وعلى الرغم من محاولات «تحزيب» أعضاء مجلس النواب، وإدخالهم في الكتل النيابية، فإن حالة الأداء الفردي ظلت السمة الغالبة على أداء النواب، مع استمرار حالة التعارض بين مواقف الأحزاب المعلنة ومواقف نواب يمثلونها تحت القبة. في حين بقيت كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» متمسكة بأداء ثابت عبر البرلمانات التي شاركت بها.

رؤية الملك في الإصلاح

عام 2013، في افتتاح أولى الدورات البرلمانية، خاطب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مجلس الأمة بغرفتيه النواب والأعيان، مُعلناً أن بقاء الحكومات مرهون بثقة مجالس النواب، وأن بقاء مجالس النواب مرهونٌ بالثقة الشعبية. وفي ذلك العام جرت الانتخابات النيابية على نار الشارع الأردني المتأثر بمزاج «الربيع العربي».

بعدها، تكررت دعوات الملك الأردني للإصلاح، وحاول من خلال عدة لجان شعبية أن يستقرئ الرغبات في نوع التشريعات السياسية الضامنة لمشاركة شعبية واسعة، وكانت آخر المحاولات نهاية عام 2021 بتشكيل لجنة تحديث المنظومة السياسية التي رفعت توصيات بتعديلات دستورية لازمة، وصيغ مشاريع لقانوني الانتخاب والأحزاب تحت عنوان تفعيل مشاركة المرأة والشباب.

وبالفعل أُقرّت كل توصيات اللجنة كتشريعات عبرت مساراتها الدستورية عام 2022. وأجريت الانتخابات الأخيرة على ما تم التوافق عليه شكلاً برعاية رسمية.

حقائق

رسائل ملكية مباشرة للشارع

قال العاهل الأردني في خطبة العرش: «يتساءل بعضكم كيف يشعر الملك؟ أيقلق الملك؟ نعم، يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا الله... ولا يهاب شيئاً وفي ظهره (أردني)». هذا مفردات جديدة تفاعل الشارع معها، إذ إنها طالبت الأردنيين بشكل غير مباشر بشحن المعنويات ومواجهة المقبل من التحديات.

في ما يمكن تسجيله كسابقة في عهد الملك عبد الله الثاني، رفع الملك منسوب الوجدانيات في حديثه، على الرغم من قدرته على ضبط خطاباته في سياق خطوات تنفيذية طموحة. ولكن سرعان ما تخذل الحكومات تطلعاته بعد اكتشافها المتأخر، عن طريق الصدمة، الفارق بين وعودها الحالمة والواقع الصعب.

لم تتطرق خطبة الملك في افتتاح الدورة لبرنامج عمل الحكومة تفصيلاً، لكنه طالب بمواصلة برامج التحديث السياسي والرؤية الاقتصادية، والتطوير الإداري. أيضاً، لم يوجه الخطاب الملكي الحكومة لسرعة تعديل قانون الانتخاب، والتشريعات ضمن استحقاقات دستورية متعلقة بأولوية إجراء انتخابات البلدية بعد حلها وتعيين لجان مؤقتة، بعكس التوصيات التي ورثتها الحكومة من لجنة التحديث السياسي والتأكيد على أن تكون التوصيات عابرة للحكومات.

حكومياً حسب مصادر «الشرق الأوسط»، فإن رئيس الوزراء جعفر حسان يريد أن يجري الانتخابات البلدية في أبريل (نيسان) 2027 بينما طرحت مرجعيات تاريخاً مقترحاً هو أكتوبر (تشرين الأول) من العام المقبل. وفي ذلك تعطيل لفكرة تمثيل الشارع في مجالس البلديات المعنية بشؤون التنمية والحياة اليومية للمواطنين في مدنهم وقراهم خارج العاصمة.



مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.