مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

مخاوف من تآكل رصيد السلطة التشريعية بسبب تغييب «النواب»

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
TT

مجلس النواب الأردني كلام «التحديث» غير مدعوم بأقطاب

داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)
داخل مجلس النواب الأردني (أ.ف.ب)

لم تغادر قصة «التوافقات» النيابية مربع «الاستعانة بصديق». وحسب مراقبين من داخل مجلس النواب الأردني، ما زال مسار القرار النيابي مرهوناً بـ«رغبات مراكز القرار الرسمية» في مشهد يُمعن بتآكل رصيد المجلس شعبياً. وفي جلسة الأسبوع الماضي لمجلس النواب، تسبّبت مشادات نيابية كادت أن تتطور إلى حدود الاشتباك بالأيدي في تعذر استكمال الجلسة التي خُصص جدول أعمالها لتقديم بيان الموازنة العامة للبلاد، وتشكيل اللجان الدائمة للمجلس. وما حصل أن البند الثاني لجدول الأعمال فجّر الجلسة، ما دفع رئيس مجلس النواب مازن القاضي إلى رفعها.

مازن القاضي (إكس)

ما حصل في مجلس النواب الأردني أخيراً أن نواب كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» رفضوا إقصاءهم من التوافقات على تشكيل اللجان الدائمة، فحال الأمر دون استكمال الجلسة، ليعود رئيس مجلس النواب لدعوة المجلس للانعقاد بعد اجتماع في مكتبه سعى لاحتواء غضب الكتلة البالغ عدد أعضائها (31 نائباً).

صحيح، أنه في نهاية المطاف، جرى اختيار أعضاء اللجان الدائمة في اليوم التالي بالتوافق، لكن الصحيح أيضاً أن انتخاب رؤساء تلك اللجان الأسبوع المقبل قد يعيد الخلافات إلى مربعها الأول، بسبب اتهام نواب الحركة الإسلامية المعارضة، الكتل النيابية الأخرى، بأنها محسوبة على الخط الرسمي، وبأنها «تتلقّى تعليماتها من خارج أسوار المجلس». وهذه حُجة «جاهزة» عادة ما يستخدمها الإسلاميون عند خسارتهم.

«التحديث السياسي» جُملة من الماضي

من جهة ثانية، يدفع تيار سياسي جديد يعمل تحت شعار «الالتفات إلى الداخل» إلى تكريس عمل «مؤسسات الدولة» لبرامج محلية سياسياً واقتصادياً وإدارياً. وذلك بهدف معالجة ما يمكن وصفه بأخطاء سابقة تسبّبت بـ«إحباط مسارات الإصلاح الشامل» الذي يدعو له العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1999.

التيار، الذي يسعى لخلق حياة سياسية محلية مشحونة بـ«البرامج الوطنية»، تبلوَر خلال سنتي الحرب على غزة، ويدعو إلى أهمية الانتباه للشؤون الداخلية ذات الأولوية، وخلق توازن بين العمل الرسمي الدبلوماسي السياسي خارجياً والفعل الحكومي المُقنع في الساحة المحلية، ومحاولة استعادة ثقة الشارع الأردني في مؤسساته.

غير أن رغبات هذا التيار اصطدمت بالبرنامج الحكومي للعام المقبل الذي يُعبر عنه خطاب الملك الأردني عند افتتاح كل دورة برلمانية. إذ استبعد الخطاب أي كلام عن انتخابات البلدية، بعد تعطيل الحكومة لإقرار مشروع قانون الإدارة المحلية، وإغفالها ذكر أي معالجات لتشريعات المنظومة السياسية التي تكشفت عوراتها بعد تطبيق قانوني الانتخاب والأحزاب، وهو الأمر الذي يستوجب التعديل على أرضية مستقبل العمل السياسي في البلاد.

دستورياً تمثل خُطبة العرش عند افتتاح كل دورة برلمانية برنامج عمل حكومياً. وجرى العرف أن تتقدّم به الحكومة للملك، ويتبناه وفق خطط عمل برامجية موزّعة على جدول زمني مُلزم للحكومات التي يختار العاهل الأردني رئيسها، ومن ثم يطلب الثقة من البرلمان فور اختياره أعضاء الفريق الوزاري.

لكن تبقى مداخلات مراكز القرار الأمنية والسياسية مُحبطة في ثورة أي مجلس نيابي في مواجهة الحكومات، خصوصاً بعد دخول شخصيات وقوى سياسية محسوبة على الخط الرسمي، أخيراً، تستطيع بدورها «إخفاء وتذويب الأصوات النشاز» تحت سقف القبة، في معادلة يضعف معها الثقة بأي كلام حول «التحديث السياسي».

مجالس النواب تختبر أعرافاً جديدة

في هذه الأثناء، يبدو أن أعرافاً برلمانيةً جديدةً استقرت بشأن انتخابات رئاسة مجلس النواب الأردني. فمنذ عام 2020 وحتى الانتخابات الأخيرة، طغت شكلية «التزكية» على مضامين الصراع التاريخيّ بين «أقطاب» برلمانية، حتى جاء اختيار النائب مازن القاضي رئيساً بالتزكية، معزّزاً العُرف الجديد.

وبين مجلسين نيابيين، المجلس التاسع عشر (2020 - 2024)، والمجلس الحالي الذي انتخب في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، تقلّب على رئاسة مجلس النواب أربعة رؤساء، هم النائب السابق الوزير الحالي عبد المنعم العودات، وعبد الكريم الدغمي - الذي حمل لقب أقدم النواب كونه لم يغب عن المجالس النيابية المنتخبة منذ عام 1989 وقرر اعتزال العمل النيابي عام 2024 - وأحمد الصفدي، وأخيراً مازن القاضي.

مجلس النواب اختار النائب مازن القاضي رئيساً بـ«التزكية» للدورة البرلمانية الحالية، بعد «توافقات» كتل نيابية تقاسمت مواقع المكتب الدائم من نائبين للرئيس ومساعدين اثنين، الأمر الذي يسحب من رصيد ثقة النواب عند الشارع، الذي وجد في مشهد انتخابات المكتب الدائم «تعييناً»، أكثر منه منافسة أو توافقاً.

القاضي، النائب عن «الدائرة العامة» (دائرة وطنية) ممثلاً حزب الميثاق في المجلس الحالي، سبق له أن تولّى حقيبة الداخلية عام 2016، كما كان مديراً لجهاز الأمن العام للفترة ما بين الأعوام 2007 - 2010، سبق له أيضاً أن كان نائباً عن دائرة البادية الشمالية في مجلس النواب السادس عشر 2010 - 2012، ومجلس النواب الثامن عشر 2016 - 2020.

ولقد أفضت توافقات الكتل النيابية إلا «اختيار» القاضي رئيساً للمجلس خلفاً لأحمد الصفدي الذي استمر رئيساً لثلاث دورات نيابية بين المجلسين السابق 2020 - 2024 وللدورة النيابية الأولى من عمر المجلس الحالي 2024 - 2025. ولكون الشخصيتين من الحزب ذاته، يرى مراقبون أن الحزب وإن كانت «واجهته أنيقة»، فإنه يختبئ خلفها صراع إرادات بين مراكز قرار.

الحياة البرلمانية بغياب القطبية النيابية

الواقع أنه كان لمصطلح «القطب البرلماني» معايير شَفِعت لها صفات النائب الذي استطاع التأثير في مجاله السياسي. فمن جهة دخلت أسماء مهمة على الحياة البرلمانية محمولة على أكتاف قواعد انتخابية وازنة، ومن جهة أخرى أظهر فرق الأداء التشريعي والرقابي لأسماء سابقة اعتزلت العمل البرلماني أن النواب يذهبون طوعاً نحو «كاريزما» القطب النيابي.

ومن الذاكرة، ثمة أسماء استقرت في التاريخ البرلماني وكانت تحمل الصفات السابقة، منهم رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، وأول رئيس للوزراء في عهد العاهل الأردني الملك عبد الثاني عبد الرؤوف الروابدة، والمرحوم عبد الهادي المجالي، ومنهم أيضاً ممدوح العبادي وسعد هايل سرور وعبد الكريم الدغمي. ولئن كان هؤلاء جميعاً محسوبين على الخط الرسمي، فقد سجّل المعارضون أسماءً وازنة في مجال القطبية النيابية فكان بين أبرز الشخصيات التي مثلت الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين وذراعها الحزبية جبهة العمل الإسلامي)، حمزة منصور والمرحومان عبد اللطيف عربيّات وعبد المنعم أبو زنط.

كذلك، إن جرت الانتخابات على رئاسة المجلس خلال الأعوام الخمسة السابقة، فإنها غالباً ما جاءت محسومةً لصالح مقربين من مراكز القرار، في صورة انطباعية لم تختبرها المنافسة الحقيقية، مع غياب التكافؤ في الفرص، وميْل نواب للقرب من مراكز القرار والمرجعيات فيها. في حين غاب تأثير المعارضة عن الشغب في تلك المواسم، لكون قدرتها محصورة بأعداد لا تتجاوز ثلث أعضاء مجلس النواب في أحسن الأحوال.

في السابق لم يكن الأمر مختلفاً، لكن طالما شهدت انتخابات رئاسة النواب صراعات بين أقطاب نيابية، وكان التنافس حاداًً. وسُجلت فروق كان من شأنها قلب النتائج. وكان من بين أشد المتنافسين التاريخيين المرحوم عبد الهادي المجالي، وخصمه العنيد سعد هايل سرور، وعبد الكريم الدغمي.

وفي عام 2011 دخل قطب برلماني آخر هو عاطف الطراونة، الذي أعلن اعتزاله العمل البرلماني وهو على سدة رئاسته الأخيرة عام 2020، مسجلاً رقماً قياساً أطول رئيس بقاءً لدورات نيابية متصلة، بينما سجل المجالي رقمه أطول رئيس بقاءً بعدد السنوات في عدة مجالس.

بعد اختيار القاضي رئيساً بـ«التزكية»...

اختباء التمرد النيابي يكشف عن تحديات مقبلة

حُجة التوافق في مواجهة دلالات الأرقام

مازن القاضي رئيساً لمجلس النواب بـ«التزكية»؛ جاء التنافس في انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس كاشفة لتحديات متوقعة أمام المجلس، مُهددة بانقسامات مُحتملة خلال الشهور المقبلة، فجبهة الرفض لتوافقات نيابية «حزبية» عبرت عنها انتخابات النائب الأول لرئيس المجلس.

إذ ترشح في مواجهة مرشح التوافق النيابي خميس عطية، النائب المستقل آية الله فريحات، وكان فريحات قد كشف عن نيته خوض المنافسة على الموقع في صباح يوم افتتاح الدورة. وفيما فاز عطية بـ67 صوتاً، حصد الفريحات 55 صوتاً، بعد إلغاء 14 ورقة من أوراق المقترعين من النواب. وهذه نتيجة مُقلقة للتوافق النيابي الذي تغنى به نواب عشية اختيار القاضي بـ«التزكية».

وفي حسابات المتابعين فإن نحو 69 نائباً شكلوا جبهة رفض للتوافقات بين الكتل النيابية، في ظل حسابات محلية تُفيد بأن موقع الرئيس عادة ما يحظى باستحسان مراكز القرار، بينما تبقى مواقع المكتب الدائم الأخرى متروكة للتنافس الحر، أو التوافقات القريبة من مزاج النواب أنفسهم.

الانقسام المفاجئ في تصويت مجلس النواب لموقع النائب الأول للرئيس، وصفه مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» بأنه «تمرّد» على «هندسة» اختيار القاضي رئيساً بالتزكية، خلفاً للصفدي - وهما يمثلان حزب الميثاق -، وأن التوافق على عطية ليس شرطاً لإثبات التوافق العابر للكتل، فمجموع أعضاء الكتلتين هو 62، وهو ما لا يمثل غالبية المجلس ليستدعي إقصاء بقية الكتل والأحزاب. إذ يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب الأردني الحالي 138 نائباً، وبذا تكون الغالبية محصورة بنصاب النصف زائد واحد. ولو خاض القاضي الانتخابات في مواجهة أي مرشح من تيار «الضد» فقد يعجز عن تأمين نصاب الغالبية، وذلك يعني انقسام المجلس.

طاهر المصري (بترا)

خريطة الكتل النيابية

على صعيد آخر، شكلت الكتل النيابية أكثرية حالت دون تمكن ترشح آخرين لسباق انتخابات رئاسة مجلس النواب، في وقت قالت كتلة العمل الإسلامي (الذراع النيابية لحزب جبهة العمل الإسلامي) إن التوافقات النيابية «أقصت كتلة الحزب» عن التمثيل في المكتب الدائم.

وكتلة العمل الإسلامي، التي يمثلها 31 نائباً، حصلت على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم 10 سبتمبر من العام الماضي. بعدما حصدت نحو 450 ألف صوت من عدد المقترعين الذي بلغ نحو 1.6 مليون مقترع من أصل نحو 5 ملايين مواطن يحق لهم الانتخاب في البلاد.

ومن إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب الـ138 نائباً، توزع 136 نائباً على 5 كتل نيابية، وهي كتلة حزب الميثاق (36 نائباً)، وكتلة «مبادرة» التي تشكلت بعد اندماج حزب «إرادة» مع حزب «تقدم» ليصل عدد أعضائها 26. وكتلة حزب العمل الإسلامي التي لا تزال طور التشكيل والاستقطاب، والتي قد تندمج مع كتلة الأحزاب الوسطية وعدد أعضائها 17، وكتلة «عزم» (19)، في حين تظل كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» صاحبة الحضور المؤثر بـ31 نائباً.

وعلى الرغم من محاولات «تحزيب» أعضاء مجلس النواب، وإدخالهم في الكتل النيابية، فإن حالة الأداء الفردي ظلت السمة الغالبة على أداء النواب، مع استمرار حالة التعارض بين مواقف الأحزاب المعلنة ومواقف نواب يمثلونها تحت القبة. في حين بقيت كتلة حزب «جبهة العمل الإسلامي» متمسكة بأداء ثابت عبر البرلمانات التي شاركت بها.

رؤية الملك في الإصلاح

عام 2013، في افتتاح أولى الدورات البرلمانية، خاطب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مجلس الأمة بغرفتيه النواب والأعيان، مُعلناً أن بقاء الحكومات مرهون بثقة مجالس النواب، وأن بقاء مجالس النواب مرهونٌ بالثقة الشعبية. وفي ذلك العام جرت الانتخابات النيابية على نار الشارع الأردني المتأثر بمزاج «الربيع العربي».

بعدها، تكررت دعوات الملك الأردني للإصلاح، وحاول من خلال عدة لجان شعبية أن يستقرئ الرغبات في نوع التشريعات السياسية الضامنة لمشاركة شعبية واسعة، وكانت آخر المحاولات نهاية عام 2021 بتشكيل لجنة تحديث المنظومة السياسية التي رفعت توصيات بتعديلات دستورية لازمة، وصيغ مشاريع لقانوني الانتخاب والأحزاب تحت عنوان تفعيل مشاركة المرأة والشباب.

وبالفعل أُقرّت كل توصيات اللجنة كتشريعات عبرت مساراتها الدستورية عام 2022. وأجريت الانتخابات الأخيرة على ما تم التوافق عليه شكلاً برعاية رسمية.

حقائق

رسائل ملكية مباشرة للشارع

قال العاهل الأردني في خطبة العرش: «يتساءل بعضكم كيف يشعر الملك؟ أيقلق الملك؟ نعم، يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا الله... ولا يهاب شيئاً وفي ظهره (أردني)». هذا مفردات جديدة تفاعل الشارع معها، إذ إنها طالبت الأردنيين بشكل غير مباشر بشحن المعنويات ومواجهة المقبل من التحديات.

في ما يمكن تسجيله كسابقة في عهد الملك عبد الله الثاني، رفع الملك منسوب الوجدانيات في حديثه، على الرغم من قدرته على ضبط خطاباته في سياق خطوات تنفيذية طموحة. ولكن سرعان ما تخذل الحكومات تطلعاته بعد اكتشافها المتأخر، عن طريق الصدمة، الفارق بين وعودها الحالمة والواقع الصعب.

لم تتطرق خطبة الملك في افتتاح الدورة لبرنامج عمل الحكومة تفصيلاً، لكنه طالب بمواصلة برامج التحديث السياسي والرؤية الاقتصادية، والتطوير الإداري. أيضاً، لم يوجه الخطاب الملكي الحكومة لسرعة تعديل قانون الانتخاب، والتشريعات ضمن استحقاقات دستورية متعلقة بأولوية إجراء انتخابات البلدية بعد حلها وتعيين لجان مؤقتة، بعكس التوصيات التي ورثتها الحكومة من لجنة التحديث السياسي والتأكيد على أن تكون التوصيات عابرة للحكومات.

حكومياً حسب مصادر «الشرق الأوسط»، فإن رئيس الوزراء جعفر حسان يريد أن يجري الانتخابات البلدية في أبريل (نيسان) 2027 بينما طرحت مرجعيات تاريخاً مقترحاً هو أكتوبر (تشرين الأول) من العام المقبل. وفي ذلك تعطيل لفكرة تمثيل الشارع في مجالس البلديات المعنية بشؤون التنمية والحياة اليومية للمواطنين في مدنهم وقراهم خارج العاصمة.



مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».