علماء يستخدمون «تشات جي بي تي» لتطوير علاجات الحمض النووي الريبي

الطب يدخل عصر التنبؤ الجزيئي

مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)
مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)
TT

علماء يستخدمون «تشات جي بي تي» لتطوير علاجات الحمض النووي الريبي

مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)
مثّل هذا البحث نقطة التقاء بين ثلاث ثورات علمية الطب الجزيئي القائم على «RNA» والذكاء الاصطناعي والتقنيات النانوية (شاترستوك)

يبرز تقاطع العلاجات القائمة على الحمض النووي الريبي (mRNA) مع الذكاء الاصطناعي كإحدى أكثر الجبهات الواعدة في الطب الحديث. فقد تمكن باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) من ابتكار نموذج يعتمد على التعلم الآلي لتسريع تصميم الجسيمات النانوية الدهنية (LNPs) التي تُستخدم لنقل العلاجات القائمة على الـ«RNA» داخل الجسم. قد يُحدث ذلك تحولاً جذرياً في سرعة وصول العلاجات إلى المرضى.

أسلوب جديد لهندسة النقل الحيوي

جوهر التحدي في هذا المجال يتمثل في إيجاد وسيلة نقل آمنة وفعالة لجزيئات الـ«RNA» الحساسة، إذ تتطلب تغليفاً ذكياً يحميها من التحلل ويساعدها على الوصول إلى الخلايا المستهدفة. تعتمد معظم اللقاحات الحديثة على جسيمات نانوية دهنية تعمل كدرع واقٍ للـ«RNA» وتنقله إلى داخل الخلية. لكنّ تصميم هذا النوع من الجسيمات عملية معقدة، إذ يتكون كل منها من خليط دقيق من المكونات الكيميائية التي تؤثر في كفاءتها.

وللتغلب على هذه الصعوبة، أنشأ فريق «MIT» مكتبة ضخمة تضم آلاف التركيبات المحتملة للجسيمات، ثم درّب شبكة عصبية تعتمد على نموذج المحولات (Transformer).

وهو النموذج ذاته الذي يُستخدم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي للغات للتنبؤ بأفضل التركيبات وأكثرها فاعلية في توصيل الـ«RNA». ويقول أحد الباحثين إنه تم استخدام أدوات التعلم الآلي لتسريع عملية تحديد مكونات الجسيمات النانوية المثالية بمعدل أسرع بكثير مما كان ممكناً في السابق.

وقد كانت النتيجة مبهرة، إذ تنبأ النموذج بتركيبات جديدة تفوقت على النماذج التقليدية، بل وتمكن من تحديد صيغ مناسبة لأنواع مختلفة من الخلايا، وقدرة على تصميم جسيمات قادرة على مقاومة ظروف قاسية مثل التجميد والتجفيف.

يسهم هذا التقدّم في تقليص المدة بين التجارب المخبرية والتطبيق السريري من سنوات إلى أشهر ما يسرّع تطوير لقاحات وعلاجات جديدة.

أهمية الاكتشاف

يمكن لتسريع عملية تصميم أنظمة النقل الحيوي أن يقلّص الوقت بين التجارب المخبرية والتطبيق السريري من سنوات إلى أشهر. فبدلاً من اختبار كل تركيبة على حدة، يمكن للنماذج الحسابية أن تتنبأ بالأنسب وتُوجّه الباحثين مباشرةً إلى الحلول الواعدة. ويشير الفريق إلى أن هذا التقدم يمهد الطريق لعلاجات RNA لأمراض مزمنة مثل السكري والسمنة وبعض أنواع السرطان.

لكن الفائدة لا تكمن في السرعة فقط، بل في الدقة والكفاءة. إذ إن تحسين إيصال الجزيئات إلى المكان الصحيح في الجسم قد يُقلّل الجرعات المطلوبة ويخفض التكلفة، مما يجعل هذه العلاجات أكثر إتاحة في البيئات محدودة الموارد.

أدوات جديدة لأسئلة جديدة

لم يكتفِ فريق MIT بالمحاكاة التقليدية، بل استخدم النموذج لتصميم جسيمات تحتوي على مواد مضافة بوليمرية (مثل PBAEs المتفرعة)، وصيغ تعمل مع أنواع مختلفة من الخلايا، وحتى جسيمات تتحمل التجفيف بالتجميد. يعد أحد الباحثين أن معظم نماذج الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية تركز على تحسين مركب واحد فقط، لكن هذا لا يناسب الجسيمات النانوية. لذلك طورنا نموذجاً جديداً أسميناه «كوميت» (COMET)، مستوحى من نفس بنية المحولات التي تعتمد عليها النماذج اللغوية الكبرى مثل ChatGPT.

ميزة «COMET» أنه تعامل مع مشكلة التركيب الكيميائي كما يتعامل نموذج لغوي مع الجمل إذ تُشبه الجزيئات الكلمات، بينما تمثل التركيبات الجُمل. هذه المقاربة أحدثت نقلة نوعية في طريقة التفكير العلمي.

يعتمد النموذج الجديد على بنية «المحوّل» المستخدمة في النماذج اللغوية مثل «ChatGPT» لتوقّع أفضل التركيبات الكيميائية للجسيمات (شانرستوك)

من المختبر إلى التطبيق

لا يتوقف المشروع عند حدود البحث الأكاديمي، بل يتجه نحو التطبيق العملي. فقد أطلق الفريق برنامجاً يمتد لعدة سنوات بتمويل من وكالة المشروعات المتقدمة للصحة (ARPA-H) لتطوير أنظمة توصيل «RNA» قابلة للابتلاع بدلاً من الحقن. كما يعمل الباحثون على توسيع استخدام الجسيمات المصممة بالذكاء الاصطناعي لتشمل أمراضاً جديدة. الرؤية المستقبلية واضحة، وهي أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي، والتقنيات النانوية، وعلم الأحياء الجزيئي لبناء منصة علاجية مرنة وسريعة الاستجابة لمختلف الحالات المرضية.

انعكاسات أوسع

يقف هذا البحث عند تقاطع ثلاث ثورات علمية كبرى، العلاجات القائمة على «RNA» التي تحولت من فكرة تجريبية إلى واقع بعد نجاح لقاحات «كوفيد-19». أيضاً الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوية، حيث أصبحت البيانات والتنبؤات تسرّع الاكتشاف بشكل غير مسبوق وتصميم الجسيمات النانوية، الذي يتيح تحكماً أدق في توصيل الدواء إلى الخلايا.

بدمج هذه الاتجاهات، يُظهر عمل «MIT» أن ما كان يستغرق سنوات يمكن إنجازه خلال أشهر، وبكلفة أقل وقدرة أكبر على التوسع الصناعي.

نحو طب أدق وأسرع

رغم هذا التقدم، تبقى تحديات عديدة، من الإنتاج الواسع إلى موافقات الجهات التنظيمية وضمان عدالة الوصول إلى العلاج عالمياً. لكن الاتجاه واضح، وهو أن تصميم العلاجات أصبح أكثر مرونة، وأكثر سرعة، وأكثر دقة. يلخّص قائد البحث قائلاً: «لقد أصبح لدينا أداة تُمكّننا من طرح أسئلة جديدة كلياً... وتسريع التطوير بشكل غير مسبوق».

ومع انتقال الجسيمات النانوية المصممة بالذكاء الاصطناعي من المختبر إلى الواقع، يخطو الطب الدقيق خطوة إضافية نحو المستقبل ليس فقط فيما نعالجه، بل في مدى سرعة ودقة استجابتنا.


مقالات ذات صلة

علوم قد يكشف تاريخك الصحي السرطان قبل أن يظهر

«أونكوفورمر»: نموذج ذكاء اصطناعي يتنبأ بالسرطان من تاريخك الصحي

طوَّر بعد دراسة تحليلية لبيانات 3.67 مليون شخص

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك طريقة التربية في الطفولة المبكرة تحدد سلوكيات المراهقين

طريقة التربية في الطفولة المبكرة تحدد سلوكيات المراهقين

تؤثر على حجم الضغوط النفسية اللاحقة

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم ثورة في الطب الدقيق: علاجات جينية مصممة حسب الشيفرة الوراثية لكل مريض

ثورة في الطب الدقيق: علاجات جينية مصممة حسب الشيفرة الوراثية لكل مريض

تفتح آفاقاً جديدة أمام الأطفال المصابين باضطرابات عصبية شديدة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك خبير إيطالي: ضعف الانتصاب مؤشر محتمل لاختلالات أوسع نطاقاً في الحالة الصحية

خبير إيطالي: ضعف الانتصاب مؤشر محتمل لاختلالات أوسع نطاقاً في الحالة الصحية

كتاب جديد يعمِّق المفهوم الطبي لعلاقة الاضطراب الجنسي بالصحة

«الشرق الأوسط» (إيطاليا)