هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

تجربة سريرية حديثة تحاكي الواقع... تجيب

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
TT

هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطبيب؟

القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها
القرار الطبي لا يكتب بالخوارزمية وحدها

عندما ينظر الطبيب إلى شاشة التحليل، قد لا يكون ما يراه مجرد بيانات طبية، بل اقتراحاً كاملاً للتشخيص صاغته خوارزمية خلال ثوانٍ... في تلك اللحظة، لا يدور السؤال حول دقة هذا الاقتراح فحسب، بل حول تأثيره الخفي: هل يساعد هذا الاقتراح الطبيب على التفكير، أم يغيّر طريقته في التفكير دون أن يشعر؟

الذكاء الاصطناعي... طرف غير مرئي في القرار

هذا التحول الصامت في العلاقة بين الطبيب والمعلومة هو ما بدأت الأبحاث الحديثة في استكشافه، مع دخول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى صميم القرار السريري. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح طرفاً غير مرئي في تشكيل الحكم الطبي، يؤثر في كيفية قراءة المعلومات وربطها، وربما في المسار الذهني الذي يقود إلى القرار النهائي.

دراسة علمية حديثة

هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة علمية حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، حيث صمم الباحثون تجربة سريرية محكمة لاختبار تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على طريقة تحليل الأطباء للحالات الطبية واتخاذهم للقرارات التشخيصية.

قاد الدراسة فريق بحثي دولي من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية بالتعاون مع باحثين من مختبرات «غوغل ريسيرش» و«غوغل ديب مايند». وشارك في الإشراف على البحث الطبيب والعالم الأميركي إيوان آشلي (Euan Ashley)، إلى جانب الباحثين جاك أوسوليفان (Jack W. O’Sullivan) وتاو تو (Tao Tu)، وعدد من المتخصصين في الطب والذكاء الاصطناعي.

التجارب السريرية للذكاء الاصطناعي الطبي

تجربة سريرية تحاكي الواقع الطبي

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تصميم علمي يعرف باسم «التجربة العشوائية المحكمة»، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة وموثوقية في تقييم التقنيات الطبية.

ولمحاكاة الظروف الحقيقية للعمل داخل العيادات، طُلب من مجموعة من أطباء القلب تحليل حالات سريرية حقيقية لمرضى، باستخدام بيانات طبية متعددة، شملت تخطيط القلب الكهربائي وصور القلب واختبارات الجهد وغيرها من المعلومات السريرية المعقدة.

ثم قُسم الأطباء إلى مجموعتين: الأولى قامت بتقييم الحالات بالطريقة التقليدية دون أي مساعدة رقمية، بينما حصلت المجموعة الثانية على دعم من نظام ذكاء اصطناعي طبي يُعرف باسم AMIE، وهو نموذج يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل البيانات الطبية وتقديم تقييم أولي للحالة.

وكان الهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كانت مساعدة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر في طريقة تحليل الطبيب للحالة الطبية أو في جودة القرار السريري الذي يتخذه.

تقييم القرارات دون معرفة مصدرها

ولضمان حياد النتائج، اتبع الباحثون خطوة منهجية مهمة. فقد عُرضت تحليلات الأطباء للحالات على مجموعة من أطباء القلب المتخصصين ليقوموا بمراجعتها وتقدير جودتها العلمية.

غير أن هؤلاء الخبراء لم يكونوا على علم بما إذا كانت تلك التحليلات قد أُعدّت بمساعدة نظام الذكاء الاصطناعي أم من دونه. وقد سمح هذا الأسلوب العلمي، المعروف باسم «التقييم المعمّى» (Blinded Evaluation)، بمقارنة مستوى القرارات الطبية بصورة موضوعية، بعيداً عن أي تأثير لمعرفة مصدر التقييم.

 

 

* الأطباء تعاملوا مع توصيات النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية وليس بوصفها قراراً نهائياً *

ماذا كشفت الدراسة؟

أظهرت نتائج التجربة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الأطباء على تنظيم المعلومات الطبية وتحليل البيانات المعقدة بصورة أكثر شمولاً. ففي الحالات التي تضمنت كميات كبيرة من البيانات السريرية، ساهم النظام الذكي في تسهيل تجميع المعلومات وربطها ببعضها، وهو ما قد يساعد الطبيب على تكوين صورة أوضح للحالة المرضية.

لكن النتائج أشارت أيضاً إلى جانب مهم في طبيعة العلاقة بين الطبيب وهذه الأنظمة. فقد تعامل الأطباء مع التوصيات التي قدمها النظام الذكي بوصفها أداة تحليل إضافية، وليس بوصفها قراراً نهائياً.

بمعنى آخر، أظهر الأطباء ميلاً إلى استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لدعم التفكير السريري وإعادة فحص المعلومات الطبية، مع بقاء عملية الحكم الطبي النهائي قائمة على خبرتهم السريرية وتقييمهم الشامل لحالة المريض.

 

الطبيب يقود والذكاء الاصطناعي يدعم القرار الطبي

استقلالية الحكم السريري

واللافت في النتائج أن الأطباء لم يتعاملوا مع توصيات النظام بوصفها إجابة جاهزة، بل كمنطلق لإعادة التفكير، وهو ما يعكس بقاء الحكم السريري مستقلاً رغم حضور الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن هدف الباحثين قياس دقة القرارات الطبية فقط، بل فهم تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة تفكير الطبيب نفسه أثناء تحليل الحالة. فالدراسة حاولت اختبار ما إذا كانت التوصيات التي يقدمها النظام الذكي يمكن أن تؤثر في المسار الذهني الذي يتبعه الطبيب عند تقييم المعلومات السريرية، وهو مجال بحثي جديد يدرس التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الطبي.

كيف يتغير التفكير الطبي؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى تحول تدريجي في طريقة عمل الأطباء داخل البيئة الطبية الحديثة. فمع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية، لم يعد الطبيب يعمل مع المعلومات وحده، بل أصبح يتعامل مع طبقة إضافية من التحليل الرقمي تساعده على قراءة المعطيات المعقدة بسرعة أكبر.

وفي هذا النموذج الجديد من الممارسة الطبية، تقوم الأنظمة الذكية بدور تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الإحصائية الخفية، بينما يبقى دور الطبيب في تفسير هذه النتائج وربطها بالسياق السريري الكامل للمريض.

وبذلك لا يصبح الذكاء الاصطناعي صانع القرار الطبي، بل أداة تحليل متقدمة قد تساعد الطبيب على رؤية تفاصيل في البيانات لم تكن واضحة من قبل، ما قد يساهم في تحسين دقة التقييم السريري واتخاذ القرار العلاجي.

ما الذي يعنيه هذا للأنظمة الصحية؟

تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد على تطور الخوارزميات وحده، بل على الطريقة التي تُدمج بها هذه التقنيات داخل منظومة الرعاية الصحية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحقق فائدتها الكاملة ما لم تعمل ضمن بيئة طبية منظمة تسمح بتبادل البيانات وتحليلها بصورة آمنة وموثوقة.

ولهذا السبب تؤكد دراسات الصحة الرقمية أن أحد أهم شروط الاستفادة من الذكاء الاصطناعي هو وجود بنية رقمية متطورة تشمل السجلات الطبية الإلكترونية وقواعد البيانات السريرية القابلة للتحليل.

وتبرز أهمية هذا التحول في الدول التي تستثمر في التحول الصحي الرقمي، مثل المملكة العربية السعودية، حيث تعمل مبادرات «رؤية 2030» على تطوير السجلات الصحية الإلكترونية وتوسيع استخدام التقنيات الذكية في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.

وفي مثل هذه البيئات الرقمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأطباء على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية بسرعة أكبر، مما قد يساهم في تحسين دقة التشخيص ودعم اتخاذ القرار السريري.

مستقبل القرار الطبي

تشير هذه الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الطب قد يتجاوز مجرد إدخال أدوات تقنية جديدة إلى العيادة. فمع استخدام هذه الأنظمة في تحليل البيانات الطبية المعقدة، قد يتغير أيضاً الأسلوب الذي يتعامل به الأطباء مع المعلومات السريرية عند تقييم الحالات المرضية.

غير أن نتائج التجربة تشير في الوقت نفسه إلى حقيقة أساسية: فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحليل البيانات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخبرة السريرية للطبيب أو قدرته على فهم السياق الكامل لحالة المريض.

ولهذا قد يكون مستقبل القرار الطبي في السنوات القادمة قائماً على تفاعل جديد بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث تساعد الأنظمة الذكية في قراءة البيانات الطبية، بينما يبقى الطبيب المسؤول عن تفسير هذه المعطيات وربطها بالإنسان الذي يقف خلفها.

أما في العالم العربي، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه التطورات تتطلب الاستثمار في السجلات الطبية الرقمية وتطوير البنية التحتية للبيانات الصحية، إضافة إلى تدريب الأطباء على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات دعم للقرار الطبي لا بديلاً عنه.

 


مقالات ذات صلة

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

تكنولوجيا صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب) p-circle

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

رفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يشمل نطاق التعاون مجالات مثل التقنية الحيوية وعلوم المواد والنفط والغاز والتصنيع مع دراسة تقديم الحوسبة عالية الأداء كخدمة متخصصة للقطاعات (هيوماين)

«المعمر» و«هيوماين» توسّعان مشروعات الذكاء الاصطناعي إلى 250 ميغاواط

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» توقيع اتفاقية إطار استراتيجية مع شركة «هيوماين» للتوسع في مشروعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
TT

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل. لكن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالاً أكثر طموحاً: هل يمكن اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، والتدخل في وقت يسمح بتغيير مسار المرض؟ وفي طب القلب، قد تأتي الإجابة من فحص قديم ومألوف: تخطيط كهربائية القلب (ECG)، فالخوارزميات تستطيع البحث داخل إشاراته عن أنماط دقيقة قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها باضطرابات قلبية ومخاطر مستقبلية؛ ليصبح التخطيط ليس مجرد قراءة لما يحدث الآن، بل نافذة محتملة على ما قد يحدث لاحقاً.

وفي 2 سبتمبر (أيلول) 2026، تناول الدكتور ريتشارد داسيلار (Richard Dasselaar)، خبير التحول الرقمي المقيم في سويسرا ورئيس مجموعة عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي في أمراض القلب، هذه النقلة في مقال تصدّر غلاف العدد الرابع من المجلد 26 لمجلة «HealthManagement.org» بعنوان «من التنبؤ إلى الوقاية: تحويل طب القلب الدقيق إلى واقع». وينطلق داسيلار من سؤال يتجاوز قدرة الخوارزمية على توقع المرض: هل يمكن اكتشاف الخطر في مرحلة مبكرة بما يكفي لمنح الطبيب فرصة للتدخل قبل أن يتحول الاحتمال إلى مرض واضح؟ فالقيمة الحقيقية للتنبؤ، في هذه الرؤية، ليست في معرفة ما قد يحدث للمريض فحسب، وإنما في استخدام تلك المعرفة في الوقت الذي لا يزال فيه ممكناً تغيير مسار المرض.

حين يرى الذكاء الاصطناعي خطر القلب قبل الاعراض

تخطيط القلب... شفاء المستقبل

تخطيط قلب قد يرى المستقبل. المفارقة أن إحدى الأدوات التي قد تساعد الطب على استشراف أمراض القلب ليست تقنية جديدة، بل تخطيط كهربائية القلب (ECG)، أي الفحص البسيط والرخيص والمتاح على نطاق واسع منذ أكثر من قرن. والجديد ليس التخطيط نفسه، وإنما الطريقة التي أصبح الذكاء الاصطناعي يقرأ بها إشاراته. فالطبيب يفسر التخطيط عادةً بالبحث عن أنماط معروفة في النشاط الكهربائي للقلب، مثل اضطراب النظم أو التغيرات التي قد تشير إلى مشكلة قلبية. أما نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم AI-ECG، فتستطيع تحليل تفاصيل وعلاقات دقيقة داخل الإشارة الكهربائية قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية في القلب، وكذلك ببعض المخاطر المستقبلية. وتشير الدراسات التي يستعرضها داسيلار إلى أن تخطيط القلب يمكن، بهذه الطريقة، أن يتحول من تسجيل كهربائي للحظة الراهنة إلى ما يشبه «المؤشر الحيوي الرقمي» (Digital Biomarker) الذي يكشف معلومات إضافية كامنة داخل الفحص نفسه.

وتكمن جاذبية الفكرة في بساطتها: لا يحتاج الأمر بالضرورة إلى فحص جديد أو جهاز جديد؛ فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراج معلومات لم تكن متاحة سابقاً من تخطيط يُجرى بالفعل يومياً في المستشفيات والعيادات. لكن اكتشاف إشارة خفية لا يعني تلقائياً أننا منعنا المرض؛ وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا نفعل عندما تخبرنا الخوارزمية بأن المريض معرض للخطر؟

• عندما يتحول التنبؤ إلى تدخل. لكن معرفة أن شخصاً معرض لخطر المرض ليست في حد ذاتها علاجاً. وهذا أحد أهم التحولات في النقاش حول الذكاء الاصطناعي الطبي. ففي السنوات الأولى كان السؤال المتكرر: ما مدى دقة الخوارزمية؟ وما حساسيتها ونوعيتها؟ هذه الأسئلة مهمة، لكنها لم تعد كافية.

فقد يحقق نموذج أداءً ممتازاً داخل قاعدة بيانات بحثية، ثم تتراجع فائدته عند انتقاله إلى مستشفى آخر أو مجتمع مختلف، نتيجة اختلاف المرضى وانتشار الأمراض وجودة البيانات والأجهزة ومسارات العمل السريري. والأهم أن التنبؤ لا يملك قيمة حقيقية إذا لم يؤدِّ إلى قرار سريري مناسب في الوقت المناسب.

وقد بدأت الأدلة تنتقل بالفعل من اختبار قدرة الخوارزمية على التنبؤ إلى اختبار أثر استخدامها فعلياً على المرضى. ففي مايو (أيار) 2024، نشرت مجلة «Nature Medicine» تجربة سريرية عشوائية عملية بقيادة تشين-شان لين (Chin-Sheng Lin) وزملائه، شملت 15 ألفاً و965 مريضاً منوّمين في المستشفى. واختبرت الدراسة نظام تنبيه يعتمد على تخطيط القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ووجدت أن استخدامه ارتبط بانخفاض الوفيات لجميع الأسباب خلال 90 يوماً، مع تركز الفائدة لدى المرضى الذين صنّفهم النظام ضمن الفئة مرتفعة الخطورة.

ولا تعني هذه النتيجة أن تجربة واحدة حسمت مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب القلب، لكنها تشير إلى تحول جوهري في طريقة تقييمه: لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع الخوارزمية اكتشاف الخطر؟ بل: هل يؤدي استخدام ذلك الاكتشاف إلى تغيير ما يحدث للمريض؟

هل تفهم خوارزميات القلب المريض العربي؟

الخوارزمية والعلاج

الخوارزمية ليست العلاج. لنتخيل أن مريضاً أُجري له تخطيط للقلب، فاكتشف الذكاء الاصطناعي نمطاً يرتبط بارتفاع احتمال وجود خلل قلبي لم تظهر أعراضه بعد. ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يتلقى التنبيه؟ ومن يقرر إن كان يستدعي فحصاً إضافياً؟ وماذا يحدث إذا اختلف تقدير الطبيب عن الخوارزمية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن القرار؟ وكيف نشرح للمريض أن ارتفاع «احتمال الخطر» لا يعني أنه مصاب بالمرض؟

هنا يضع داسيلار قاعدة شديدة الأهمية: «المؤسسات الصحية لا تطبق خوارزميات، بل تطبق مسارات سريرية». فتنبيه الذكاء الاصطناعي ليس علاجاً بحد ذاته؛ وإنما تبدأ قيمته عندما يدخل في مسار واضح: يراجعه الطبيب، ويضعه في سياق حالة المريض، ويطلب الفحوص التأكيدية عند الحاجة، ثم يتخذ قراراً علاجياً أو وقائياً مناسباً. وبذلك لا يكون نجاح الذكاء الاصطناعي في أنه أطلق تنبيهاً صحيحاً، بل في أن هذا التنبيه وصل إلى الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وأدى إلى إجراء يمكن أن يحسن ما يحدث للمريض.

• هل تصلح الخوارزمية نفسها للمريض العربي؟ هنا يبرز سؤال يهم منطقتنا مباشرة: إذا طُوّرت خوارزمية لتخطيط القلب واختُبرت على مرضى في الولايات المتحدة أو أوروبا، فهل يمكن افتراض أنها ستحقق الدقة نفسها عند استخدامها مع المرضى في الرياض أو جدة أو دبي أو القاهرة؟

ليس بالضرورة. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي دُرّب عليها، وقد يتأثر أداؤه بخصائص السكان، وانتشار الأمراض، والأعمار والحالات المصاحبة، وكذلك بنوع الأجهزة المستخدمة، وطريقة تسجيل البيانات، والممارسات السريرية في كل مؤسسة. لذلك فإن نجاح الخوارزمية في المجتمع الذي طُوّرت واختُبرت فيه لا يكفي وحده لضمان الأداء نفسه في مجتمع آخر.

ويشدد داسيلار على أن التحقق الخارجي ليس مجرد تفصيل تقني، خصوصاً عندما تُستخدم الخوارزمية للكشف المبكر عن المرض. فالنموذج ينبغي أن يثبت أن أداءه يظل موثوقاً عند تغير الجغرافيا والتركيبة السكانية والبيئة السريرية وطريقة الحصول على البيانات. وعندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل، تصبح الحاجة أكبر إلى دراسات تمتد زمنياً، للتأكد من أن الإشارة التي تلتقطها الخوارزمية اليوم ترتبط بالفعل بما يحدث للمريض لاحقاً، وفي وقت مبكر بما يكفي لإتاحة فرصة حقيقية للتدخل.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يفتح ذلك قضية أكبر من مجرد استيراد أحدث خوارزمية: هل جرى التحقق منها على السكان الذين ستُستخدم معهم فعلياً؟

د. ريتشارد داسيلار لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي قد ينقل طب القلب من التنبؤ إلى الوقاية

لقاء صحافي

عينات سعودية للتحقق من التقنية. وفي لقاء مباشر مع «الشرق الأوسط»، سُئل الدكتور داسيلار عما إذا كان التحقق من هذه التقنية في الولايات المتحدة وسويسرا ودول أوروبية يعني أنها أصبحت جاهزة للتطبيق مباشرة في الشرق الأوسط. فأجاب بأن التحقق في دولة لا يمنح الخوارزمية تلقائياً صلاحية عالمية؛ فلكل بلد تركيبته السكانية ونظامه الصحي وأجهزته وبياناته السريرية، ومن الضروري أن يمتلك سياسة واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وآلية للتحقق المحلي قبل الانتقال إلى الاستخدام السريري.

وأوضح أن التحقق لا ينبغي أن يكون اختباراً يُجرى مرة واحدة وينتهي، بل عملية مستمرة تشمل قياس دقة الخوارزمية على السكان المحليين، والتأكد من أدائها مع الأجهزة والمنصات المستخدمة فعلياً في المؤسسات الصحية، ثم مراقبتها بعد التطبيق لرصد أي تغير في الأداء بمرور الوقت. ولعل التطور الأهم للمنطقة أن فريق المشروع، حسب داسيلار، قرر إدراج عينات من المملكة العربية السعودية ضمن مراحل التحقق من التقنية، بهدف تقييم أدائها لدى السكان في المملكة وتوسيع تنوع قاعدة التحقق. وهي خطوة قد تمهّد، إذا أثبتت النتائج كفاءتها، لاستخدام مستقبلي أكثر أماناً في المنطقة يستند إلى أدلة محلية، بدلاً من افتراض أن النجاح في أوروبا أو الولايات المتحدة سيُترجم تلقائياً إلى النتائج نفسها لدى المريض العربي.

وهنا تتبلور قاعدة أساسية في عصر الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: الخوارزمية قد تكون عالمية، لكن الثقة السريرية بها يجب أن تُبنى محلياً.

• من التنبؤ بالخطر إلى رسم «مسار» المريض. الخطر القلبي ليس رقماً ثابتاً. فهو يتغير مع العمر وضغط الدم والأدوية والنشاط البدني والحالة الصحية ووظيفة القلب. ولذلك فإن تقدير احتمال إصابة المريض في لحظة واحدة لا يروي القصة كاملة.

من هنا ينتقل السؤال من: «ما احتمال إصابة هذا المريض؟» إلى سؤال أكثر طموحاً: «إلى أين يتجه مساره الصحي، وما الذي يمكن أن نفعله لتغيير هذا المسار؟» ويشير داسيلار إلى مفهوم ناشئ يعرف بـ«التوأم الرقمي القلبي» (Cardiovascular Digital Twin)، يقوم على إنشاء تمثيل رقمي لحالة الفرد المتغيرة مع الزمن، وقد يتيح مستقبلاً استكشاف مسارات صحية محتملة ومحاكاة أثر تدخلات مختلفة عليها. لكنه يحذر ضمناً من اختزال الفكرة في نموذج ذكاء اصطناعي أكبر أو لوحة بيانات أكثر تعقيداً؛ فالطموح الحقيقي هو تمثيل الحالة السريرية المتغيرة للفرد وفهم الاحتمالات المستقبلية التي قد تنتج عنها. والمجال لا يزال ناشئاً، مع أسئلة علمية وسريرية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

وهكذا قد ينتقل طب القلب الدقيق مستقبلاً من خوارزمية تقول: «هذا المريض معرض للخطر» إلى نظام يساعد الطبيب على طرح سؤال أكثر فائدة: «أي تدخل اليوم يمكن أن يغيّر ما سيحدث لهذا المريض غداً؟»

• الذكاء الاصطناعي سيمنحنا الوقت. لكن كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، ازدادت المسؤولية. فالتنبؤ ليس تشخيصاً، وارتفاع الاحتمال ليس يقيناً؛ لذلك ينبغي ألا تتحول إشارة الخوارزمية إلى حكم على مستقبل المريض، بل إلى معلومة يفسرها الطبيب في سياق حالته ويقرر ما إذا كانت تستدعي تدخلاً أو فحوصاً إضافية. وهذا يصبح أكثر أهمية عندما تستخدم هذه الأدوات مع أشخاص أصحاء أو قليلي الأعراض.

ولهذا ربما لا يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في طب القلب أن يخبرنا بدقة أكبر مَن سيمرض، بل أن يمنح الطب شيئاً أكثر قيمة: الوقت... وقتاً لاكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى مرض واضح، ووقتاً للتدخل عندما لا يزال بالإمكان تغيير المسار، وربما ـ في أفضل الحالات ـ وقتاً يجعل المرض الذي تنبأت به الخوارزمية حدثاً لم يقع أصلاً.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل: قد يكون أفضل تنبؤ يقدمه الذكاء الاصطناعي للطب هو ذلك التنبؤ الذي يساعدنا على منع نفسه من أن يصبح حقيقة.

يحلل تفاصيل إشارات القلب التي قد يصعب تمييزها ويربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية فيه


هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة
TT

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

هياكل روبوتية خارجية متينة وفعّالة

لطالما تخيّل الناس جنود المستقبل في الحرب وقد تحوّلوا وبفضل الآلات القابلة للارتداء من مقاتلين يحملون الأسلحة، إلى جنود مُغلّفًين بدروع الروبوتية القوية والقدرة النارية.وتعود أحلام ارتداء الهياكل المحمية القوية في الحروب إلى رواية «جنود الفضاء Starship Troopers» (الصادرة عام 1959) لروبرت هاينلاين، حيث تمنح بدلة بطلها جوني ريكو القتالية الآلية، السرعة والقوة وإمكانات الهجوم المدمر في ساحة المعركة، مع الحفاظ على سهولة استخدامها كملابس عادية. وأصبحت هذه الصورة التي عززها لاحقاً الرجل الحديدي، نموذجاً قوياً للمخططين العسكريين: هيكل خارجي متكامل قادر على تحويل جندي المشاة العادي إلى آلة أقوى وأسرع وأكثر فتكاً.

في غضون عامين من صدور رواية هاينلاين، كان البنتاغون يبحث بالفعل عن «جنديه الآلي»، وهو بدلة تُمكّن الجنود من الركض أسرع والتوقف بشكل أسرع ورفع أحمال أثقل. وكانت المؤسسة الدفاعية الأميركية تسعى جاهدةً لتحويل الدروع الآلية إلى واقع ملموس.

منجزات عبر العقود

بعد عقود من البحث، يبدو أن الحلم يتحقق أخيراً، ولكن بصورة أبسط بكثير مما توقعه «البنتاغون». تعود الفكرة إلى ما قبل هاينلاين وشخصية الرجل الحديدي، فقد ظهرت براءات اختراع لأجهزة مساعدة تعمل بالزنبرك والبخار في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبحلول خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان باحثو الجيش الأميركي يدرسون تقنيات التعزيز البيولوجي - الميكانيكي. وحددت الدراسات المبكرة المشكلات التي ستعيق المشروعات اللاحقة: الطاقة المحمولة، وأنظمة التحكم، وصعوبة جعل الآلة تتحرك بشكل طبيعي مع جسم الإنسان.

> أولى التصاميم. شكّلت هذه الفجوة بين الخيال والهندسة أساس البرامج الأميركية اللاحقة. فقد صُممت بدلة هارديمان Hardiman suit من جنرال إلكتريك في ستينيات القرن الماضي لمساعدة الجندي على حمل 1000رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً)، لكنها كانت بطيئة وغير مستقرة وعرضة لحركات عنيفة لا يمكن السيطرة عليها، بينما ظلّت بدلة بيتمان Pitman suit التي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي مجرد فكرة. وظلّ الجيش يعود مراراً وتكراراً إلى رؤى الدروع الروبوتية، لكن قوانين الفيزياء وتعقيداتها حالت دون تحقيقها.

* أفكار القرن الحادي والعشرين. أعادت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) إحياء هذا المسعى في عام 2001 بمنحٍ كبيرة لتعزيز الأداء البشري. أفضت تقنية الهيكل الخارجي للجزء السفلي من الجسم التي طورتها جامعة بيركلي في النهاية إلى نظام HULC من شركة «لوكهيد مارتن»، في حين طورت شركة «ساركوس» (التي استحوذت عليها لاحقاً شركة «رايثيون») نظام Guardian XO للاستخدام الصناعي. ورغم أن هذه النماذج الأولية قدمت أفكاراً مبهرة فيما يتعلق بقدرة تحمل الأوزان، غير أنها لم تنجح في التحول إلى معدات عملية صالحة للاستخدام في ساحات المعارك.

وتُعد مبادرة «تالوس» TALOS التي أطلقتها قيادة العمليات الخاصة الأميركية عام 2013 وسُوِّقت باعتبارها «بدلة الرجل الحديدي» Iron Man suit للقوات الخاصة- أشهر المحاولات الحديثة في هذا المجال. وبعد مرور خمس سنوات، ومشاركة أكثر من 100 شركة وجامعة، وتبني رؤية طموحة لدرع قادر على مقاومة نيران الأسلحة، انتهى البرنامج دون التوصل إلى بدلة قتالية جاهزة للاستخدام الميداني. ولم تكن المشكلة تكمن في الطموح، بل في التكامل؛ إذ تطلب الأمر عمل عدد كبير من الأنظمة المترابطة معاً بسلاسة تامة، وهو ما لم يتحقق.

وعليه، يظل مفهوم «الجندي المعزز آلياً بالكامل» (servo-soldier) بعيد المنال. ومع ذلك لا تزال الهياكل الخارجية تظهر في السياقات العسكرية، ولكن كأدوات متخصصة ومحدودة النطاق للتعامل مع أعباء بدنية محددة، بدلاً من كونها آلات قتالية متعددة الأغراض.

هياكل جديدة للحدّ من الإصابات

وعلى مدار العقد الماضي أعاد الجيش الأميركي توجيه أبحاث الهياكل الخارجية لتركز على تقليل الأحمال التي يحملها الجنود والحد من الإصابات. وقد أشارت استراتيجية الروبوتات لعام 2017 وأولويات التحديث اللاحقة إلى أنظمة حمل الأوزان باعتبارها جزءاً من القدرات القتالية الفتاكة المستقبلية، مما دفع نحو إجراء تحليلات هندسية للتصاميم الحالية والناشئة بهدف تطبيقها عملياً في المجال العسكري

* بدلات للمسعفين في المعارك. وتعكس التجارب الأخيرة هذا التحول؛ فقد اختبر الجيش بدلة SABER الخارجية للحد من إصابات الظهر، ودرس كيف يمكن للهياكل الخارجية مساعدة المسعفين القتاليين، كما قيّم أنظمة تجارية مخصصة لمناولة ذخيرة المدفعية. وفي الوقت نفسه، اختبرت القوات الجوية هياكل خارجية لعمليات تحميل الشحنات، بينما طور الباحثون الطبيون في الجيش دعامة خفيفة الوزن للساق السفلى لمساعدة الجنود المصابين على الوقوف والمشي وإخلاء أنفسهم ذاتياً. وتتضمن الميزانيات المستقبلية تمويلاً بحثياً متواضعاً لأنظمة قد تساهم في تقليل الإصابات بين أفراد فرق نقل الجرحى (حاملي النقالات). وقد اشترى سلاح الجو الملكي الأسترالي 470 بدلة خارجية من طراز HeroWear Apex 2، المشتقة من نظام SABER، لعمال النقل الجوي الذين ينقلون البضائع ويبنون المنصات.

* تطويرات أوكرانيا والصين. وهناك جيوش أخرى تجري تجارب مماثلة أيضاً، فقد استخدمت القوات الأوكرانية هياكل خارجية سلبية تجارية ومحلية لمساعدة أطقم المدفعية على نقل القذائف وحمل الأحمال الثقيلة مع تقليل الضغط على العمود الفقري. وعرضت الصين جنود جيش التحرير الشعبي الصيني وهم يستخدمون هياكل غير مزودة بمحركات في المناطق الجبلية، لا سيما في مهام الدوريات والإمداد الشاقة في مناطق مثل التبت وشينجيانغ. وتستكشف فرنسا ودول أخرى استخدامات مماثلة تركز على الخدمات اللوجستية.

> تطبيقات ناجحة. وتشترك التطبيقات الناجحة في نمط معين: فهي تركز على منطقة واحدة من الجسم، مثل الظهر أو الركبتين؛ وهي سلبية أو مزودة بمحركات خفيفة؛ وتحل مشكلات لوجستية روتينية. وهي خفيفة بما يكفي ليرتديها الجنود بالفعل. وبدلاً من تحويل جندي واحد إلى عشرة، تعالج هذه التقنية مشكلة عسكرية أكثر إلحاحاً، ألا وهي الوقاية من إصابات الجهاز العضلي الهيكلي، التي تشكل الغالبية العظمى من إصابات الجيش الأميركي، وغالباً ما تنتج عن الإفراط في الاستخدام.

* حماية جسدية. الدرس الأوسع نطاقاً يتعلق بالضجة الإعلامية حول تكنولوجيا الدفاع. فقد فشل مشروع «تالوس» لأنه اعتمد على نظام موحد معقد، حيث كان على كل نظام فرعي فيه أن يعمل بكفاءة في آن واحد. أما الهياكل الخارجية التي تشهد تقدماً اليوم فهي أقل بريقاً بكثير: فهي تساعد جندي المدفعية، أو عامل مناولة البضائع، أو المسعف على حماية ظهره وركبتيه أثناء العمل المتكرر.

لا تزال الدروع الآلية مجرد خيال جذاب، بدءاً من مشاة هاينلاين الآلية وصولاً إلى الرجل الحديدي. لكن الهيكل الخارجي الذي قد يكون الأكثر أهمية في ساحة المعركة هو الهيكل الصغير والبسيط والذي لا يحتاج إلى بطاريات وقابل للنقل. ورغم أن ذلك لن يُحدث ثورة في الحرب، فإنه قد يساعد الجنود العاديين على مواصلة العمل خلال فترات الانتشار الطويلة، وأعمال الإمداد الثقيلة، وإجلاء المصابين.

* مجلة «فاست كومباني»


شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا
TT

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

شكل «الجينوم» يكتب مستقبل الخلايا

كشف علماء بريطانيون عن أدلة جديدة تشير إلى أن الجينوم البشري يبدأ بتنظيم نفسه استعداداً للقرارات التطورية المستقبلية قبل وقت طويل من تنشيط الجينات الرئيسية. وتوضح النتائج أن البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) تلعب دوراً محورياً في تحديد كيفية اكتساب الخلايا لهويتها خلال المراحل الأولى من تطور الجنين البشري.

وقاد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Cell Reports» في 23 يونيو (حزيران) 2026 باحثون من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (MRC) وكلية «إمبريال لندن»، بالتعاون مع «معهد بابراهام» المنظمة الشريكة لجامعة كمبردج في المملكة المتحدة. وتسلط النتائج الضوء على الكيفية التي تساعد بها البنية المكانية للجينوم في توجيه التطور الجنيني كما قد توفر أدلة مهمة لفهم أسباب بعض الاضطرابات النمائية.

الجينوم أكثر من مجرد مخطط وراثي

على الرغم من أن جميع خلايا الجسم البشري تحتوي على الحمض النووي (دي إن إيه) (DNA) نفسه، فإن اختلاف أنواع الخلايا يعود إلى تشغيل مجموعات معينة من الجينات في أوقات محددة. وتتحكم في هذه العملية مناطق من الحمض النووي تُعرف باسم المعززات الجينية (Enhancers) التي تعمل مفاتيح جزيئية لتنظيم نشاط الجينات.

وغالباً ما تكون هذه المعززات بعيدة عن الجينات التي تتحكم بها على امتداد شريط الحمض النووي. وللتأثير في تلك الجينات ينطوي الحمض النووي داخل نواة الخلية بطريقة تسمح بحدوث تلامس مباشر بين المعززات والجينات المستهدفة عبر حلقات ثلاثية الأبعاد. ويُعد فهم كيفية تشكل هذه الاتصالات وتوقيتها من الأسئلة الأساسية في علم الأحياء التطوري.

تتبع المراحل الأولى من التطور البشري

لتتبع المراحل الأولى من تطور الجنين البشري، استخدم الباحثون تقنية متطورة مكّنتهم من مراقبة كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الحمض النووي داخل الخلايا الجذعية البشرية. وركزت الدراسة على فترة انتقال هذه الخلايا من مرحلة مبكرة جداً إلى مرحلة أكثر استعداداً للتخصص وتكوين أنسجة وأعضاء الجسم.

وخلال هذه المرحلة لاحظ العلماء أن عدداً من العناصر الجينية المسؤولة عن التحكم في نشاط الجينات المرتبطة بالنمو الجنيني لم يكن نشطاً بشكل كامل لكنه لم يكن خاملاً أيضاً، بل كان في حالة استعداد للعمل. والأكثر إثارة أن هذه العناصر بدأت مبكراً في إنشاء روابط مع الجينات التي ستحتاج إليها الخلية في مراحل لاحقة من التطور.

وتشير هذه النتائج إلى أن الخلايا لا تنتظر لحظة الحاجة إلى الجينات المهمة، بل تبدأ في تجهيزها مسبقاً وكأنها تضع خطة عمل مبكرة تضمن سير عملية النمو والتطور بشكل منظم ودقيق.

نظام «التوصيل المسبق» للجينات

كما كشفت الدراسة أن العديد من الاتصالات بين المناطق المنظمة للجينات، والجينات نفسها تتكوّن في وقت مبكر جداً قبل أن يتم تفعيل هذه الجينات بوقت طويل. والأهم أن هذه الروابط المبكرة غالباً ما تبقى ثابتة حتى لحظة تشغيل الجينات لاحقاً.

وقد وصف الباحثون هذه الظاهرة بأنها نوع من «التوصيل المسبق»، حيث يقوم الجينوم بإنشاء مسارات اتصال جاهزة مسبقاً بحيث تصبح الجينات المطلوبة مستعدة للعمل بسرعة وفي التوقيت المناسب عند الحاجة.

وللتأكد من أهمية هذه الروابط استخدم الفريق تقنية «كريسبر» (CRISPR) لتنشيط إحدى هذه المناطق الجينية بشكل تجريبي. وأظهرت النتائج أن هذه المنطقة قامت بتفعيل الجين الذي ترتبط به ثلاثياً داخل الخلية وليس الجين الأقرب لها على شريط الحمض النووي الذي لا يملك هذا الاتصال.

وتشير هذه النتائج إلى أن شكل الجينوم داخل الخلية يلعب دوراً أساسياً في تحديد أي الجينات يتم تشغيلها وليس فقط موقعها أو قربها على تسلسل الحمض النووي.

انعكاسات على النمو والأمراض

ويرى الدكتور ميخائيل سبيفاكوف من معهد العلوم السريرية، كلية الطب إمبريال كوليدج لندن، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن النتائج تكشف الدور الأساسي الذي يؤديه الجينوم ثلاثي الأبعاد في توجيه القرارات التطورية للخلايا.

وأوضح أن الجينوم يكون منظماً مسبقاً بطريقة تسمح للمعززات المناسبة بتنشيط الجينات الصحيحة حتى قبل بدء التعبير الجيني الفعلي وهي عملية أساسية في تحديد هوية الخلايا والحفاظ عليها طوال الحياة.

ويعتقد الباحثون أن أي خلل في هذه البنية المبكرة قد يساهم في ظهور اضطرابات النمو والتشوهات الخلقية. لذلك فإن فهم كيفية تشكل هذه الهياكل قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسباب الجزيئية للعديد من الأمراض.

نافذة جديدة لفهم تطور الأجنة البشرية

تؤكد الدراسة أيضاً أهمية نماذج الخلايا الجذعية في دراسة المراحل المبكرة من تطور الإنسان. فقبل أن تتخصص الخلايا لتكوين الأنسجة والأعضاء المختلفة تمر بسلسلة من المراحل التحضيرية المهمة، من بينها إعادة تنظيم الجينوم في هياكل ثلاثية الأبعاد معقدة.

ومن خلال توضيح كيفية توجيه هذه البنية لنشاط الجينات المستقبلي توفر النتائج فهماً أعمق للرحلة البيولوجية التي تبدأ من بويضة مخصبة واحدة وتنتهي بتكوين كائن حي متكامل. ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال يأمل العلماء أن يسهم فهم مبادئ تنظيم الجينوم ثلاثي الأبعاد في تعزيز المعرفة بالتطور البشري وفتح آفاق جديدة في الطب التجديدي ونمذجة الأمراض وتطوير علاجات مستقبلية مبتكرة.