لطالما تخيّل الناس جنود المستقبل في الحرب وقد تحوّلوا وبفضل الآلات القابلة للارتداء من مقاتلين يحملون الأسلحة، إلى جنود مُغلّفًين بدروع الروبوتية القوية والقدرة النارية.وتعود أحلام ارتداء الهياكل المحمية القوية في الحروب إلى رواية «جنود الفضاء Starship Troopers» (الصادرة عام 1959) لروبرت هاينلاين، حيث تمنح بدلة بطلها جوني ريكو القتالية الآلية، السرعة والقوة وإمكانات الهجوم المدمر في ساحة المعركة، مع الحفاظ على سهولة استخدامها كملابس عادية. وأصبحت هذه الصورة التي عززها لاحقاً الرجل الحديدي، نموذجاً قوياً للمخططين العسكريين: هيكل خارجي متكامل قادر على تحويل جندي المشاة العادي إلى آلة أقوى وأسرع وأكثر فتكاً.
في غضون عامين من صدور رواية هاينلاين، كان البنتاغون يبحث بالفعل عن «جنديه الآلي»، وهو بدلة تُمكّن الجنود من الركض أسرع والتوقف بشكل أسرع ورفع أحمال أثقل. وكانت المؤسسة الدفاعية الأميركية تسعى جاهدةً لتحويل الدروع الآلية إلى واقع ملموس.
منجزات عبر العقود
بعد عقود من البحث، يبدو أن الحلم يتحقق أخيراً، ولكن بصورة أبسط بكثير مما توقعه «البنتاغون». تعود الفكرة إلى ما قبل هاينلاين وشخصية الرجل الحديدي، فقد ظهرت براءات اختراع لأجهزة مساعدة تعمل بالزنبرك والبخار في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبحلول خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان باحثو الجيش الأميركي يدرسون تقنيات التعزيز البيولوجي - الميكانيكي. وحددت الدراسات المبكرة المشكلات التي ستعيق المشروعات اللاحقة: الطاقة المحمولة، وأنظمة التحكم، وصعوبة جعل الآلة تتحرك بشكل طبيعي مع جسم الإنسان.
> أولى التصاميم. شكّلت هذه الفجوة بين الخيال والهندسة أساس البرامج الأميركية اللاحقة. فقد صُممت بدلة هارديمان Hardiman suit من جنرال إلكتريك في ستينيات القرن الماضي لمساعدة الجندي على حمل 1000رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً)، لكنها كانت بطيئة وغير مستقرة وعرضة لحركات عنيفة لا يمكن السيطرة عليها، بينما ظلّت بدلة بيتمان Pitman suit التي طُرحت في ثمانينيات القرن الماضي مجرد فكرة. وظلّ الجيش يعود مراراً وتكراراً إلى رؤى الدروع الروبوتية، لكن قوانين الفيزياء وتعقيداتها حالت دون تحقيقها.
* أفكار القرن الحادي والعشرين. أعادت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) إحياء هذا المسعى في عام 2001 بمنحٍ كبيرة لتعزيز الأداء البشري. أفضت تقنية الهيكل الخارجي للجزء السفلي من الجسم التي طورتها جامعة بيركلي في النهاية إلى نظام HULC من شركة «لوكهيد مارتن»، في حين طورت شركة «ساركوس» (التي استحوذت عليها لاحقاً شركة «رايثيون») نظام Guardian XO للاستخدام الصناعي. ورغم أن هذه النماذج الأولية قدمت أفكاراً مبهرة فيما يتعلق بقدرة تحمل الأوزان، غير أنها لم تنجح في التحول إلى معدات عملية صالحة للاستخدام في ساحات المعارك.
وتُعد مبادرة «تالوس» TALOS التي أطلقتها قيادة العمليات الخاصة الأميركية عام 2013 وسُوِّقت باعتبارها «بدلة الرجل الحديدي» Iron Man suit للقوات الخاصة- أشهر المحاولات الحديثة في هذا المجال. وبعد مرور خمس سنوات، ومشاركة أكثر من 100 شركة وجامعة، وتبني رؤية طموحة لدرع قادر على مقاومة نيران الأسلحة، انتهى البرنامج دون التوصل إلى بدلة قتالية جاهزة للاستخدام الميداني. ولم تكن المشكلة تكمن في الطموح، بل في التكامل؛ إذ تطلب الأمر عمل عدد كبير من الأنظمة المترابطة معاً بسلاسة تامة، وهو ما لم يتحقق.
وعليه، يظل مفهوم «الجندي المعزز آلياً بالكامل» (servo-soldier) بعيد المنال. ومع ذلك لا تزال الهياكل الخارجية تظهر في السياقات العسكرية، ولكن كأدوات متخصصة ومحدودة النطاق للتعامل مع أعباء بدنية محددة، بدلاً من كونها آلات قتالية متعددة الأغراض.

هياكل جديدة للحدّ من الإصابات
وعلى مدار العقد الماضي أعاد الجيش الأميركي توجيه أبحاث الهياكل الخارجية لتركز على تقليل الأحمال التي يحملها الجنود والحد من الإصابات. وقد أشارت استراتيجية الروبوتات لعام 2017 وأولويات التحديث اللاحقة إلى أنظمة حمل الأوزان باعتبارها جزءاً من القدرات القتالية الفتاكة المستقبلية، مما دفع نحو إجراء تحليلات هندسية للتصاميم الحالية والناشئة بهدف تطبيقها عملياً في المجال العسكري
* بدلات للمسعفين في المعارك. وتعكس التجارب الأخيرة هذا التحول؛ فقد اختبر الجيش بدلة SABER الخارجية للحد من إصابات الظهر، ودرس كيف يمكن للهياكل الخارجية مساعدة المسعفين القتاليين، كما قيّم أنظمة تجارية مخصصة لمناولة ذخيرة المدفعية. وفي الوقت نفسه، اختبرت القوات الجوية هياكل خارجية لعمليات تحميل الشحنات، بينما طور الباحثون الطبيون في الجيش دعامة خفيفة الوزن للساق السفلى لمساعدة الجنود المصابين على الوقوف والمشي وإخلاء أنفسهم ذاتياً. وتتضمن الميزانيات المستقبلية تمويلاً بحثياً متواضعاً لأنظمة قد تساهم في تقليل الإصابات بين أفراد فرق نقل الجرحى (حاملي النقالات). وقد اشترى سلاح الجو الملكي الأسترالي 470 بدلة خارجية من طراز HeroWear Apex 2، المشتقة من نظام SABER، لعمال النقل الجوي الذين ينقلون البضائع ويبنون المنصات.
* تطويرات أوكرانيا والصين. وهناك جيوش أخرى تجري تجارب مماثلة أيضاً، فقد استخدمت القوات الأوكرانية هياكل خارجية سلبية تجارية ومحلية لمساعدة أطقم المدفعية على نقل القذائف وحمل الأحمال الثقيلة مع تقليل الضغط على العمود الفقري. وعرضت الصين جنود جيش التحرير الشعبي الصيني وهم يستخدمون هياكل غير مزودة بمحركات في المناطق الجبلية، لا سيما في مهام الدوريات والإمداد الشاقة في مناطق مثل التبت وشينجيانغ. وتستكشف فرنسا ودول أخرى استخدامات مماثلة تركز على الخدمات اللوجستية.
> تطبيقات ناجحة. وتشترك التطبيقات الناجحة في نمط معين: فهي تركز على منطقة واحدة من الجسم، مثل الظهر أو الركبتين؛ وهي سلبية أو مزودة بمحركات خفيفة؛ وتحل مشكلات لوجستية روتينية. وهي خفيفة بما يكفي ليرتديها الجنود بالفعل. وبدلاً من تحويل جندي واحد إلى عشرة، تعالج هذه التقنية مشكلة عسكرية أكثر إلحاحاً، ألا وهي الوقاية من إصابات الجهاز العضلي الهيكلي، التي تشكل الغالبية العظمى من إصابات الجيش الأميركي، وغالباً ما تنتج عن الإفراط في الاستخدام.
* حماية جسدية. الدرس الأوسع نطاقاً يتعلق بالضجة الإعلامية حول تكنولوجيا الدفاع. فقد فشل مشروع «تالوس» لأنه اعتمد على نظام موحد معقد، حيث كان على كل نظام فرعي فيه أن يعمل بكفاءة في آن واحد. أما الهياكل الخارجية التي تشهد تقدماً اليوم فهي أقل بريقاً بكثير: فهي تساعد جندي المدفعية، أو عامل مناولة البضائع، أو المسعف على حماية ظهره وركبتيه أثناء العمل المتكرر.
لا تزال الدروع الآلية مجرد خيال جذاب، بدءاً من مشاة هاينلاين الآلية وصولاً إلى الرجل الحديدي. لكن الهيكل الخارجي الذي قد يكون الأكثر أهمية في ساحة المعركة هو الهيكل الصغير والبسيط والذي لا يحتاج إلى بطاريات وقابل للنقل. ورغم أن ذلك لن يُحدث ثورة في الحرب، فإنه قد يساعد الجنود العاديين على مواصلة العمل خلال فترات الانتشار الطويلة، وأعمال الإمداد الثقيلة، وإجلاء المصابين.
* مجلة «فاست كومباني»



