من ممداني إلى ترمب… الشعبوية تغيّر وجه السياسة الأميركية

فوز الاشتراكي الشاب يعمّق الانقسامات الديمقراطية ويفتح باب المواجهة مع اليمين

ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)
ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)
TT

من ممداني إلى ترمب… الشعبوية تغيّر وجه السياسة الأميركية

ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)
ترمب وممداني دليل على تنامي الشعبوية الأميركية (أ.ف.ب)

يصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني، بالشيوعي اليساري، ويقول عنه إنه سيدمر المدينة التي يحب مهدداً بوقف التمويل الفيدرالي عنها. لكن الرجلين، حسب كثيرين، يتشابهان رغم التناقض في المواقف والانتماءات، فهما وجهان لعملة الشعبوية الأميركية التي أوصلت ترمب إلى سدة الرئاسة من جهة، وسلمت ممداني مفتاح نيويورك من جهة أخرى. اليوم وبعد الفوز الساحق والتاريخي لممداني، الذي أصبح أول مسلم يستلم المنصب، ينظر الديمقراطيون إلى أنفسهم في مرآة الواقع الذي يقول التقدميون إنهم انشقوا عنه وضلوا طريق التواصل مع الناخب الأميركي الذي ابتعد عن النخب الحزبية، ولجأ إلى وجوه أقرب إليه كممداني، تماماً كما فعل أنصار «ماغا» مع ترمب خارج الإطار التقليدي للحزب الجمهوري.

من ناحية أخرى، يحتفل الحزب بالنصر في انتخابات فيرجينيا ونيوجرسي التي أوصلت ديمقراطيتين إلى منصب الحاكم، وفي كاليفورنيا التي صوتت لصالح إعادة رسم الخرائط الانتخابية ما قد يعطي الديمقراطيين 5 مقاعد إضافية في النواب.

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» انعكاسات فوز ممداني على الحزب الديمقراطي واتجاهات الحزب في زمنٍ تتقاطع فيه الشعارات الشعبوية من اليمين واليسار، بالإضافة إلى وجوه التشابه بين ترمب وممداني.

ترمب وممداني وجهان لعملة الشعبوية

ممداني بعد فوزه في 4 نوفمبر 2025 (رويترز)

يقول تيم فيليبس الرئيس السابق لجمعية «americans for prosperity» المحافظة وأحد المنظمين السابقين لـ«حزب الشاي» المحافظ، إن ترمب وممداني يوفران لبعضهما البعض «أزمة وفرصة» في الوقت نفسه، ويعتبر أن الفرصة المتاحة للجمهوريين هي تصوير الحزب الديمقراطي الجديد على أنه صورة لممداني وهو «شخص اشتراكي صريح في خطابه يقترب من كونه زعيماً شيوعياً يريد تدمير الرأسمالية»، ويعرب فيلبس عن مفاجأته الكبيرة من خطاب ممداني ليلة الانتخابات، إذ إنه وبدلاً من محاولة جمع الناس وتخفيف حدة النقاش، قام بتكثيف استخدام اللغة الاشتراكية، مضيفاً: «كان هذا خطأً من جانب الديمقراطيين على الصعيد الوطني، ربما سيساعده ذلك في حكم مدينة نيويورك. لكن التحدي الذي يواجه الديمقراطيين هو أن مدينة نيويورك ليست مثل بقية البلاد. يمكنك أن تحقق نجاحاً سياسياً في تلك المدينة وتخسر بقية البلاد إذا لم تكن حذراً».

ويوافق الصحافي الاستقصائي مارك ألبرت على أن خطاب فوز ممداني ليلة الانتخابات كان مفاجئاً بحدته، ويصفه بالخطاب الناري الذي هاجم فيه ترمب بشكل مباشر. لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن الرجلين تجمعها علاقة مترابطة، فكلاهما استخدم الشعبوية بشكل فعال للغاية وتمكنا من جذب الناخبين الأصغر سناً الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، وأضاف: «لقد تمكن ممداني، تماماً مثل دونالد ترمب، من جذب أشخاص لا يصوتون عادة، فقد أدلى أكثر من مليوني شخص بصوتهم في انتخابات نيويورك لأول مرة منذ 40 عاماً، وهذا إنجاز. وأعتقد أننا سنراهما في الأعوام المقبلة في موقع الهجوم والدفاع، يتقدمان ويتراجعان ويستفيدان من بعضهما البعض. أما إذا كان سكان نيويورك وأميركا سيستفيدون من ذلك، فلا أعلم».

فرصة أم مجازفة ديمقراطية؟

زعيم الديمقراطيين في الشيوخ تشاك شومر لم يعلن عن تأييده لممداني (رويترز)

رغم فوز ممداني الساحق فإن الكثير من القيادات الديمقراطية تحفظت عن دعمه في بداية السباق، حتى إن زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، السيناتور عن ولاية نيويورك، تشاك شومر، لم يعلن عن دعمه لممداني أبداً، ويعتبر أنتوني دايفس جونيور، المسؤول السابق في حملة السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن الرئاسية، أن على الحزب الديمقراطي تعلم الكثير من الدروس من فوز ممداني الذي يعطي للحزب «فرصة اتخاذ قرار»، على حد تعبيره، ويفسر قائلاً: «اليوم ومع خروجنا من هذه الانتخابات وانتقالنا إلى انتخابات التجديد النصفي في عام 2026، هل سنقرر الاستمرار في دعم وتشجيع مرشحي المؤسسة من الحزب الديمقراطي، أم أننا نريد الترحيب بالناس الذين قد يُنظر إليهم على أنهم غرباء أو أشخاص لا ينتمون إلى المؤسسة الديمقراطية؟»، وتابع: «أحد الأمور التي أظهرها فوز ممداني هو أنه عندما تتبنى أفكاراً جديدةً، يمكنك جذب أشخاص جدد إلى الطاولة. فقد تمكن من تغيير الناخبين وزيادة عددهم. وتمكن من جعل الناخبين أكثر شباباً وتنوعاً. ونتيجة لذلك، تم انتخابه كأصغر عمدة في نيويورك منذ قرن. لذا، هذه فرصة حقيقية»، واعتبر فيليبس أن المختلف أيضاً في فوز ممداني هو أن الأغلبية الساحقة من الناخبين صوتوا له وليس ضد شخص آخر، كما جرت العادة في الانتخابات الأميركية، حيث يختار الناخبون، خصوصاً الديمقراطيين، «أهون الشرين».

صورة تظهر ممداني مع حاكمتي فيرجينيا ونيوجرسي الديمقراطيتين (أ.ب)

ويشير ألبرت إلى أن المرحلة المقبلة تطرح أسئلة مهمة بالنسبة للأميركيين، أبرزها ما إذا كانت أميركا «ستسير في طريق المؤسسة أم في طريق الشعبوية؟»، ويعتبر أن الشعبوية نجحت بالفعل في مدينة نيويورك على خلاف ولايتي فرجينيا ونيوجيرسي، حيث لم يسلك المرشحون الفائزون طريق ممداني، بل كانوا يتحدثون أكثر عن الاقتصاد وقضايا الميزانية، وليس عن الحرب الثقافية، وكانوا أكثر اعتدالاً. ويضيف: «إنه دليل على أهمية معرفة جمهورك. وهذا درس استفادت منه السياسة على مدى قرون. لذا أعتقد أنه سيكون من الخطأ أن يقول أي من الحزبين إن لديهما تفويضاً للسير في هذا الاتجاه وليس في ذاك الاتجاه. عليهما تقييم السياسات المحلية على أرض الواقع، والناخبين، وترشيح الأشخاص الذين سيحققون أفضل أداء في تلك المنطقة».

تغيير ثقافي عميق

ممداني مع السيناتور التقديمي برني ساندرز والنائبة التقدمية ألكسندريا وكاسيو كورتيز في 4 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

يتحدث فيليبس الذي كان من المنظمين الأساسيين لـ«حزب الشاي» المحافظ في أميركا عن التغيير الثقافي الكبير في أميركا مؤخراً، مشيراً إلى أن أكبر تغيير ثقافي في التاريخ الأميركي الحديث خلال الـ25 عاماً الماضية هو «الفقدان الدراماتيكي للثقة في المؤسسات الأميركية»، ويفسر قائلاً: «لقد فقد الجمهور ثقته في كل من اليسار واليمين. هذه مشكلة بالنسبة لبلدنا. لكنها فرصة أيضاً لإحداث بعض التغييرات المهمة. وأعتقد أن كلاً من (حركة ماغا) من اليمين و(الحركة الاشتراكية) من اليسار تحاول التطرق إلى هذا الوضع من منظورها الخاص»، واعتبر فيليبس فوز ممداني ووجود ترمب في البيت الأبيض يعكسان «تغييراً جيلياً في الوجوه التقليدية»، مشيراً إلى أن فوز وجه كممداني يعطي دفعاً لوجوه شابة في الحزب الديمقراطي كالنائبة التقدمية ألكنسدريا أوكاسيو كورتيز للترشح للرئاسة أملاً بالفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في عام 2028 والتغلب على الشخصيات الأكثر رسوخاً في الحزب، مثل حاكم كاليفورنيا غافين نيوسم.

من ناحيته يشدد دايفس على ضرورة أن يستمر الحزب الديمقراطي في التركيز على الملفات الاقتصادية التي تهم الأميركيين منبهاً من العودة إلى منهج التركيز على القضايا الاجتماعية المثيرة للجدل، التي كلفت الحزب انتخابات العام الماضي. لكنه يحذر في الوقت نفسه من «انحراف الحزب كثيراً نحو اليسار»، مضيفاً: «أن الأجواء السائدة في فرجينيا ونيوجيرسي وحتى في جورجيا وميسيسيبي تظهر أن هناك فرصة للديمقراطيين، لكن لا ينبغي لهم أن يسمحوا لعلامتهم التجارية وصورتهم بأن تصبح متطرفة جداً نحو اليسار وتقدمية جداً بطريقة تجعلهم يفقدون الناخبين الذين صوتوا لهم في هذه الولايات».

اشتراكي في عاصمة الرأسمالية

بورصة نيويورك في 5 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وهنا يحذر فيليبس من سياسات ممداني الاشتراكية في عاصمة الرأسمالية نيويورك، فيقول: «إذا نفذ العمدة المنتخب وعوده بفرض ضرائب جديدة ضخمة وغيرها من وعود، فسوف تشهد نيويورك هروب رؤوس الأموال من القطاع المالي من مدينة نيويورك إلى ولايات حمراء كتكساس»، ويضيف: «إن مدينة دالاس لديها الآن عدد وظائف في القطاع المالي يساوي عدد وظائف مدينة نيويورك. وإن لم يتوخ الديمقراطيون الحذر، فقد تفقد نيويورك مكانتها عاصمة مالية للولايات المتحدة».

ويذكر ألبرت بأن ولاية تكساس ستفتتح بورصة للأوراق المالية مقابل وول ستريت وتسميها «يو إل ستريت» في خطوة تظهر بوضوح أمل ولاية تكساس في جذب بعض الشركات بعيداً عن الولايات التي تفرض ضرائب أعلى ونقلها من نيويورك إلى تكساس.


مقالات ذات صلة

باول يحضر جلسة استماع أمام المحكمة العليا الأميركية بشأن ليزا كوك

الاقتصاد محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك خلال فعالية في «معهد بروكينغز» (أ.ب)

باول يحضر جلسة استماع أمام المحكمة العليا الأميركية بشأن ليزا كوك

يعتزم رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، حضور جلسة استماع أمام المحكمة العليا، يوم الأربعاء، بشأن محاولة الرئيس دونالد ترمب إقالة محافظة البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، ​الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

فرنسا تدعم تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا

كشف وزير الخارجية الفرنسي ​جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، أن باريس تؤيد تعليق اتفاق التجارة المُبرم بين الاتحاد الأوروبي ‌والولايات المتحدة ‌الصيف الماضي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
play-circle

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

خلال عام واحد فقط، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب اهتزازاً واسعاً في بنية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع واشنطن على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)

خلال عام واحد فقط، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب اهتزازاً واسعاً في بنية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، عبر سياسات خارجية اتسمت بالتفرّد، والتصعيد، وكسر القواعد التي كانت واشنطن نفسها من أبرز صانعيها، حسب تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، الثلاثاء.

وتحوّلت الدبلوماسية الأميركية في عهده إلى ممارسة شديدة التخصيص، حيث باتت العلاقات الدولية تُدار من البيت الأبيض مباشرة، في ظل تهميش وزارة الخارجية وإفراغ مجلس الأمن القومي من دوره التقليدي، مع إسناد ملفات حساسة إلى شخصيات مقرّبة من الرئيس تفتقر إلى الخبرة الدبلوماسية.

الاستعراض السياسي

فرض ترمب حضوره على الساحة الدولية بأسلوب استعراضي، جعل من القمم واللقاءات الدولية مشاهد شخصية تُدار وفق مزاجه وتقلباته. وأصبح المكتب البيضاوي مركز هذه الدبلوماسية الجديدة، حيث يُكافئ الحلفاء بالودّ، ويُحرج من لا ينسجم مع قواعده في العلن.

وباتت المجاملات والهدايا جزءاً من بروتوكول غير رسمي للتعامل معه، دون أن يضمن ذلك مكاسب سياسية ملموسة. أما الشركاء الأوروبيون، فلم يتمكنوا في أفضل الأحوال إلا من تأجيل الأزمات.

سلام معلّق وحروب سريعة

قدّم ترمب نفسه بوصفه «رئيس السلام»، متباهياً بسلسلة اتفاقات وتسويات قال إنه رعاها حول العالم، غير أن كثيراً من هذه التفاهمات بقي هشّاً أو أقرب إلى وقف إطلاق نار مؤقت، دون معالجة جذرية للنزاعات.

في الوقت نفسه، لم يتردد في استخدام القوة العسكرية بشكل متكرر، مفضّلاً عمليات سريعة ومحدودة، لا سيما عبر الضربات الجوية. وشملت هذه العمليات اليمن وسوريا ونيجيريا، وصولاً إلى قصف منشآت نووية إيرانية، وهي خطوة لم يجرؤ عليها أي من أسلافه.

من الوساطة إلى الإمبريالية

مع مرور الوقت، تراجعت لغة الوساطة لتحلّ محلها نزعة توسعية صريحة، لا تُخفي طموحاتها في السيطرة على الموارد والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. وأبرز مثال على ذلك سعيه لفرض نفوذ أميركي مباشر على فنزويلا، وكذلك مطالبته بالسيطرة على غرينلاند، في تحدٍّ صريح لمبدأ سيادة الدول.

هذه السياسات وجّهت ضربة قوية للعلاقات عبر الأطلسي، وهددت تماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو)، كما وضعت الولايات المتحدة في موقع مشابه لروسيا والصين من حيث التعامل مع النظام الدولي بمنطق القوة لا القانون، وفق «لوفيغارو».

نظام دولي جديد على مقاس ترمب

في خطوة غير مسبوقة، دعم ترمب إنشاء كيان دولي بديل عن الأمم المتحدة، تحت مسمّى «مجلس السلام»، يتولى بنفسه الإشراف عليه وتمويله وإدارته، فيما يشكّل تحدياً مباشراً لمنظومة الشرعية الدولية التي قامت عام 1945.

في المقابل، أبدى تساهلاً لافتاً مع الصين وروسيا، مكتفياً بسياسات تهدئة مع بكين، وتطبيع تدريجي مع موسكو، ما سمح للأخيرة بمواصلة حربها في أوكرانيا وسط تراجع الضغط الأميركي.

تقويض ما سبق

تُظهر هذه التحولات أن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد قائمة على رؤية طويلة المدى، بل باتت تُدار وفق اندفاعات شخصية، غير مقيّدة باتفاقيات أو أعراف دولية. ويبدو أن الهدف غير المعلن هو تقويض كل ما بناه الرؤساء السابقون، بما في ذلك النظام الذي مكّن الولايات المتحدة من الاضطلاع بدورها العالمي لعقود.


هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
TT

هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)

لم يكن السؤال عن مصير التحالف الدبلوماسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مطروحاً من قبل. فهذا التحالف العسكري - الدبلوماسي الغربي ظل موحداً على مدى 77 عاماً، ليقف اليوم على شفا الانهيار والتفكك بسبب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنشوراته الاستفزازية التي تطالب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، مع تهديدات اقتصادية وعسكرية تجاه حلفائه الأوروبيين الذين يحضرون لعقد قمة دبلوماسية طارئة الأربعاء لمناقشة التهديدات، ومحاولة تهدئة الأزمة المتصاعدة حول غرينلاند.

وقال ترمب مراراً وتكراراً إن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، وفي تصريحات للصحافيين، وفي منشورات عبر منصة «تروث سوشيال»، قبل سفره إلى «منتدى دافوس» الاقتصادي، أكد ترمب إصراره على ضرورة أن تأخذ الولايات المتحدة جزيرة غرينلاند.

وفي حديثه مع الصحافيين، فجر الثلاثاء، أشار ترمب إلى التمارين العسكرية المشتركة التي أجرتها ثماني دول أوروبية (بما في ذلك فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والدنمارك) في غرينلاند وقال: «لم يكن ذلك تمريناً عسكرياً. أرسلوا بضعة أشخاص. ليس لي، بل لحماية أنفسهم من روسيا. (الناتو) يحذر الدنمارك من التهديد الروسي منذ 20 عاماً أو أكثر... سنرى ما سيحدث. لكن أقول لكم إن (دافوس) سيكون مثيراً جداً».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ونشر ترمب صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر قادة أوروبيين جالسين في المكتب البيضاوي، ينظرون إلى خريطة، حيث رسمت غرينلاند بعلم أميركي.

وفي منشور آخر انتقد ترمب بريطانيا بشدة لقرارها عام 2024 تسليم جزر تشاغوس (بما فيها دييغو غارسيا) إلى موريشيوس، واصفاً ذلك بـ«غباء كبير» يبرر الاستحواذ على غرينلاند لمواجهة «الضعف أمام الصين وروسيا». وقال: «تنازل المملكة المتحدة عن هذه الأرض عمل في غاية الحماقة، وهو سبب آخر من بين أسباب كثيرة تتعلق بالأمن القومي تجعل من الضروري الاستحواذ على غرينلاند». وفي عبارة تهديدية قال ترمب: «على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين أن يتصرفوا بحكمة».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال»

ونشر أيضاً صورة وهو يحمل العلم الأميركي على أرض تحمل لافتة تقول: «غرينلاند منطقة أميركية تمت إقامتها عام 2026»، وخلفه كل من نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو.

ونشر ترمب أيضاً لقطات لرسائل خاصة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي عبّر عن «عدم فهمه لما يفعله ترمب في غرينلاند»، وعرض تنظيم اجتماع لـ«مجموعة السبع» (G7) في دافوس يوم الخميس، مع اقتراح عشاء مشترك. (وقد أكد مكتب ماكرون صحة الرسالة، مما أثار غضباً دبلوماسياً بسبب كشف مراسلات خاصة)، ونشر ترمب رسالة مشابهة من الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته، يطلب فيها بإعادة النظر في استخدام القوة للاستحواذ على الجزيرة.

حجج ترمب

وإذا نفذ ترمب تهديده المعلن بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، سيؤدي ذلك إلى تقويض هدف ووظيفة «الناتو» الأساسية وهي التصدي الجماعي لأعضاء الحلف ضد أي دولة عضو تتعرض للهجوم.

يتعجب المحللون من موقف ترمب، فهو بالتأكيد يعلم أن تهديداته تعني تدمير «الناتو»، ما من شأنه منح كل من روسيا والصين أعظم انتصار، كما أن حججه العلنية بضرورة الاستيلاء على غرينلاند لحمايتها من الأطماع الروسية والصينية ليس لها أساس واقعي، فلا توجد أي إجراءات عسكرية من روسيا أو الصين، سواء على الجزيرة أو في البحار المحيطة بها، إضافة إلى أن معاهدة الدفاع الموقعة بين الدنمارك والولايات المتحدة عام 1951 تمنح الولايات المتحدة حق إنشاء ما تشاء من القواعد العسكرية في غرينلاند، ونشر ما تريد من جنود ومعدات عسكرية.

وخلال الحرب الباردة نشرت الولايات المتحدة حوالي 30 قاعدة ومنشأة عسكرية في غرينلاند، ثم أغلقتها باستثناء قاعدة بيتوفيك، التي كانت تعرف سابقاً باسم «قاعدة ثول الجوية»، التي يوجد فيها أنظمة إنذار مبكر لرصد أي هجمات صاروخية روسية. ويؤكد المسؤولون في كل من الدنمارك وغرينلاند أنه إذا قرر ترمب إعادة فتح أي من هذه القواعد الأميركية القديمة فلن يقف شيء أمامه، ويستطيع أيضاً إبرام معاهدة دفاع مع الدنمارك تمنحه كل ما يريد من ضمانات أمنية وقدرات عسكرية.

حتى الحجج، التي يشير إليها المسؤولون الأميركيون، من توافر المعادن النادرة في غرينلاند التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، والتي تساعد في كسر اعتماد الولايات المتحدة على الصين في الحصول على هذه المعادن، لا تستند إلى منطق ما دام لا توجد أي موانع أمام شركات التعدين الأميركية للاستثمار في غرينلاند وإقامة مشروعات هناك، خصوصاً أن السلطات في الجزيرة أعربت عن استعدادها لمنح كل التراخيص اللازمة.

مظاهرة ضمت ما يقرب من ثلث سكان غرينلاند للاحتجاج على خطط ترمب للاستيلاء على الجزيرة في 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

التفسير الوحيد الذي تقدمه بعض الدوائر السياسية، هو أن الرئيس ترمب يريد الهيمنة، ويريد أن يكون أول رئيس أميركي منذ عهد أندرو جونسون (الذي اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867) يضم مساحة شاسعة من الأراضي للولايات المتحدة. لكن هل يخاطر الرئيس الأميركي بتدمير «الناتو» من أجل هذا التوسع الإقليمي؟

مزيج من الضغوط

جنود دنماركيون أثناء تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

يعتمد ترمب على مزيج من الضغوط الاقتصادية والسياسية لفرض إرادته للاستحواذ على غرينلاند. اقتصادياً، هدد بفرض تعريفات جمركية تصاعدية: 10 في المائة بدءاً من 1 فبراير (شباط)، ترتفع إلى 25 في المائة في 1 يونيو (حزيران) على الدول الثماني التي شاركت في التمارين العسكرية في غرينلاند. هذا فضلاً عن التعريفات الحالية بنسبة 15 في المائة على الاتحاد الأوروبي بشكل عام.

وسياسياً، يستخدم ترمب الدبلوماسية الشخصية والإهانات العلنية، فعندما رفض ماكرون دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» هدد ترمب بفرض تعريفات بـ200 في المائة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية. كما ربط تهديداته بعدم فوزه بجائزة «نوبل للسلام»، متهماً النرويج (التي تمنح الجائزة) بالمسؤولية، في رسالة إلى رئيس وزرائها. وتشير تقارير صحافية أميركية إلى أن الخطوات المقبلة قد تشمل تصعيداً عسكرياً.

ماذا ستفعل أوروبا؟

يصعب على الدول الأعضاء في «الناتو» تجاهل كلمات ترمب وتهديداته وعدّها مجرد غطرسة أميركية، بل تزداد التساؤلات حول السيناريوهات التي يمكن أن تحدث إذا أقدمت دولة عضو بالحلف، مثل الولايات المتحدة، على غزو عسكري لدولة أخرى عضوة بالحلف. ويبحث الحلفاء كيفية الرد على تهديدات ترمب الاقتصادية وفرض الرسوم الجمركية «العقابية» ومقاومة النفوذ والشروط التي يفرضها ترمب على الأوروبيين للخضوع لأهوائه ورغباته.

وتدرس أوروبا «بازوكا اقتصادية» للرد، بما في ذلك على تعريفات انتقامية تصل إلى 107.7 مليار دولار. وأعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن رفض «شديد» للتعريفات، محذرة من أنها «خطأ بين حلفاء تاريخيين». وأشار الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إلى ضرورة البحث عن «حل وسط» يركز على تعزيز الأمن في القطب الشمالي، بينما حذر نائب المستشار الألماني، لارس كلينغبايل، من أن أوروبا «ممدودة اليد للحوار» لكنها مستعدة للرد.

وتنظر الدوائر السياسية إلى ما يمكن أن ينجم من لقاءات ترمب مع القادة الأوروبيين خلال «منتدى دافوس» الاقتصادي، فإذا نجحت اجتماعات «دافوس» في تهدئة التوترات، فقد ينجو «الناتو» من الانهيار، وإذا فشلت فإننا قد نشهد بداية نهاية عصر التحالفات التقليدية.


وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
TT

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

وقال ‍بيسنت للصحافيين ‍على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في ​دافوس بسويسرا: «أنا واثق بأن القادة لن يصعدوا، وأن هذا الأمر سينتهي بصورة جيدة للغاية للجميع».

وهو كان قد حذّر الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

وأعلن ترمب رغبته في السيطرة على غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة له. ويدرس الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال بيسنت في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي؛ لأنه يعده «استراتيجياً»، و«لن نَكِلَ أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».

ورداً على سؤال حول رسالة وجهها ترمب إلى رئيس الوزراء النرويجي، وبدا فيها أنه يربط مطالبته بغرينلاند بفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، أجاب بيسنت بأنه لا يعلم شيئاً عن هذه الرسالة. وقال: «لكنني أعتقد أنه من السخف الظنّ بأن الرئيس سيفعل ذلك بسبب جائزة نوبل».

وأشار ترمب في هذه الرسالة إلى أنه لم يعد مضطراً للتفكير «فقط في السلام» بعد فشله بالفوز بجائزة نوبل، مشيراً إلى أن العالم لن يكون آمناً حتى تصبح غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.

وشنّ ترمب حملة شرسة للفوز خلال العام الفائت بجائزة نوبل للسلام مكافأة له على جهوده في إنهاء 8 حروب، بحسب قوله.

ومُنحت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي توجهت إلى أوسلو، الشهر الماضي، في اليوم التالي لتسليم الجائزة، بعد أن فرّت من فنزويلا على متن قارب.