الجزائر وفرنسا تتبادلان إشارات لاستئناف الحوار السياسي

دَلت على رغبة مشتركة لإعادة التواصل و«طيّ القطيعة»

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش «قمة السبعة» الكبار في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)   ############ (1)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش «قمة السبعة» الكبار في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية) ############ (1)
TT

الجزائر وفرنسا تتبادلان إشارات لاستئناف الحوار السياسي

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش «قمة السبعة» الكبار في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)   ############ (1)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش «قمة السبعة» الكبار في إيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية) ############ (1)

تشهد العلاقات الفرنسية - الجزائرية حالياً مرحلة تهدئة، بعد أن بلغت ذروة التوتر الدبلوماسي أشهراً طويلة، لكن الأيام الأخيرة شهدت تبادل إشارات ورسائل رسمية بين باريس والجزائر تترجم رغبة مشتركة في استئناف الحوار، وفتح صفحة جديدة تتمحور حول تجاوز الخلافات، واعتماد مقاربة أكبر واقعية للعلاقات الثنائية.

وزير الخارجية الجزائري خلال مقابلة مع «القناة الدولية العمومية»... (التلفزيون الجزائري)

بمناسبة الذكرى الـ71 لاندلاع الثورة الجزائرية في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 1954، وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة تهنئة إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون. ورغم أن هذه اللفتة تبدو بروتوكولية، فإنها تحمل رمزية كبيرة في ظل البرود الذي يسود علاقات الجزائر وباريس منذ أكثر من عام، عقب إعراب الجزائر عن سخطها من اعتراف باريس بمغربية الصحراء.

وفي هذه الرسالة التي نشرتها رئاسة الجمهورية الفرنسية، عبّر الرئيس ماكرون عن «أحرّ التهاني وأطيب الأماني لكل الشعب الجزائري»، وهي بادرة رمزية، لكنها ذات دلالة قوية، بعد شهور من توتر العلاقات بين البلدين، بلغ ذروته في أبريل (نيسان) الماضي، وذلك بتبادل طرد السفراء.

* تصعيد خطير

منذ بداية العام، شهدت العلاقات الثنائية تصعيداً خطيراً، تمثل في تعليق التبادلات السياسية رفيعة المستوى، واستدعاء السفراء، وذلك على خلفية تباينات بدأت بقضية الصحراء، قبل أن تمتد الأزمة لتشمل ملفات: «الذاكرة الاستعمارية» و«الهجرة»، ومعاملة الرعايا الجزائريين في فرنسا، ورفض السلطات الجزائرية استقبال رعاياها المرحّلين من الأراضي الفرنسية. كما نفخ اليمين الفرنسي؛ التقليدي والمتشدد، في هذه التوترات، بتمرير لائحة في البرلمان، يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تطالب بنقض «اتفاق الهجرة» مع الجزائر.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بإحدى وسائل التواصل)

وإلى هذه الملفات المعقدة أُضيفت «قضية محاولة اختطاف اليوتيوبر الجزائري اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص»، المحكوم عليه غيابياً في الجزائر، التي أثارت توترات جديدة، بعدما وجّه القضاء الفرنسي اتهامات في هذا الشأن، وسجن 3 موظفين من الممثلية الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا، أحدهم مسؤول قنصلي في باريس.

حراك في الاتجاهين

غير أن الأسابيع الأخيرة شهدت مؤشرات صدرت عن أعلى السلطات الفرنسية، توحي برغبة في استئناف الحوار. فإلى جانب رسالة الرئيس ماكرون، عُدّت التصريحات الأخيرة من وزير الداخلية الفرنسي الجديد، لوران نونييز، الداعية إلى اتباع نهج أكبر واقعية واحتراماً تجاه الجزائر، بادرةَ تهدئة.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا يوم 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)

أما على الجانب الجزائري، فقد بدت الردود متزنة، ومتقبّلة الإشارات الآتية من باريس، حيث تعامل وزير الخارجية، أحمد عطاف، خلال مقابلة مع التلفزيون العمومي الجزائري، بحذر مع تصويت «الجمعية الوطنية» الفرنسية على قرار غير ملزم قدّمه حزب «التجمع الوطني»، (يمين متطرف)، يدعو إلى إلغاء «اتفاقيات 27 ديسمبر (كانون الأول) 1968»، المتعلقة بالتنقل والإقامة والعمل والتجارة، والدراسة في الجامعات و«لمّ الشمل العائلي» بالنسبة إلى الجزائريين في فرنسا. وعدّ عطاف أن هذا النص «لا يُلزم الدولة الفرنسية»، في إشارة واضحة إلى رغبة الجزائر في تجنب التصعيد واعتماد نهج التهدئة.

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو ريتايو (رويترز)

هذا الحراك المزدوج (مبادرة رئاسية من باريس ونبرة معتدلة من الجزائر) يعكس، في تقدير مراقبين للأزمة بين البلدين، بداية استعادة الاتصالات السياسية بعد فترة طويلة من التوتر. فالسياق الدولي، المطبوع بإعادة تشكل التوازنات الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل، إضافة إلى المصالح المشتركة في مجالَي الطاقة والأمن، يدفعان باتجاه تسريع تطبيع العلاقات بين العاصمتين.

ومن الإشارات المشجعة أيضاً التصريحات الأخيرة من وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، الذي أقرّ بأن «سياسة التوتر ليست مجدية»، مؤكداً أن فرنسا بحاجة إلى استعادة الحوار الأمني، الذي سمح في وقت سابق بإحباط أعمال إرهابية في فرنسا، وفق ما قاله.

من جهته، أكد الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، في تصريحات صحافية، معارضته إلغاء اتفاق الهجرة، الذي فقد كثيراً من مضمونه بفعل التعديلات المختلفة التي أُدخلت عليه، لكنه عبّر عن رغبته في «إعادة التفاوض بشأنه سريعاً» مع الجزائر.

* استئناف الحوار مع الجزائر

قال لوكورنو في تصريحات صحافية: «في الجوهر، لا أؤمن بإلغاء هذا الاتفاق، بل بإعادة التفاوض بشأنه»، مشيراً إلى أن النص خضع سابقاً لثلاث مراجعات؛ بينها اثنتان أجرتهما حكومات يسارية؛ وفقه.

وأوضح لوكورنو أن هذا الاتفاق أصبح «متجاوزاً في جوانب كثيرة مقارنة بتطلعات الطرفين»، مذكراً بأن الجزائر وباريس اتفقتا على مراجعته عام 2022 خلال اجتماع «اللجنة الحكومية رفيعة المستوى الفرنسية - الجزائرية»، لكن العملية توقفت بسبب الأزمات التي نشبت بين البلدين منذ ذلك الحين، وفق تصريحات لوكورنو.

وزير الداخلية الفرنسي (حسابه على منصة للتواصل الاجتماعي)

كما قال لوكورنو: «تجب إعادة هذا الملف إلى طاولة المفاوضات، ولكن أيضاً الانطلاق من مصالحنا المشتركة الأوسع»، مبرزاً أن العلاقة بالجزائر «لا تقتصر على مسألة الهجرة فقط»، في إشارة إلى ملفات أخرى مثل «مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني، وتصاعد تهديدات الإرهاب بمنطقة الساحل، وأمن الملاحة، والقضايا الاقتصادية».

وفي تقدير الوزير الأول الفرنسي، «فقد حان الوقت لاعتماد مقاربة أوسع شمولية في العلاقة بين فرنسا والجزائر، تقوم على احترام السيادة الجزائرية»، مبرزاً أن إعادة التفاوض بشأن «اتفاق عام 1968»؛ «يجب أن تبدأ في أقرب وقت ممكن»، ولفت إلى أن وزراء الخارجية والداخلية والدفاع كُلّفوا وضع جدول زمني لاستئناف الحوار مع الجزائر.

ويرى قطاع من الملاحظين أن المرحلة الراهنة قد تمثل منعطفاً مهماً في مسار العلاقات الجزائرية - الفرنسية، فيما عدّها آخرون مجرد هدنة دبلوماسية مؤقتة فرضتها الحاجة إلى تهدئة التوتر. كما تُجمع غالبية التحليلات على أن رسالة الرئيس الفرنسي بمناسبة «ثورة الاستقلال» تعكس رغبة باريس في إعادة فتح قنوات الحوار على أسس براغماتية، في حين تبدي الجزائر انفتاحاً حذراً دون المساس بثوابتها.

مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول»... (صحيفة الوطن الجزائرية) ########### ()(1)

ومع تصويت «مجلس الأمن» على القرار المتعلق بالصحراء (31 أكتوبر 2025)، يذهب تيار آخر من المراقبين إلى أن الظروف باتت مواتية لغلبة المنطق الدبلوماسي على المشهد العام للعلاقات بين العاصمتين.


مقالات ذات صلة

رياضة عربية منتخب السنغال بلغ النهائي (الاتحاد السنغالي -فيسبوك)

السنغال تطيح بالمغرب وتتأهل لنهائي أمم أفريقيا للناشئين

تأهل منتخب السنغال إلى نهائي بطولة أمم أفريقيا للناشئين تحت 17 عاما، المقامة في المغرب، بعد تغلبه على مضيف البطولة بنتيجة 7 / 6 في ركلات الترجيح.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية أشرف حكيمي يقود المغرب في المونديال (أ.ف.ب)

حكيمي ودياز يقودان المغرب في المونديال... وغياب النصيري

استدعى المدرب الجديد للمنتخب المغربي محمد وهبي، الثلاثاء، الشاب أيوب بوعدي لأول مرة، في قائمة خلت من المفاجآت للمشاركة في المونديال.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية أيوب الكعبي قاد المغرب لاكتساح بوروندي (كاف)

المغرب يكتسح بوروندي بخماسية استعداداً للمونديال

حقق منتخب المغرب فوزاً كاسحاً على نظيره بوروندي بنتيجة 5 - صفر، الثلاثاء، في إطار استعداد أسود أطلس لخوض منافسات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عالمية الدولي المغربي ولاعب باريس سان جيرمان أشرف حكيمي (أ.ف.ب)

أشرف حكيمي يطعن في إحالته للمحاكمة بتهمة الاغتصاب

يَمثل الدولي المغربي ولاعب باريس سان جيرمان أشرف حكيمي، الجمعة، أمام القضاء الفرنسي للطعن في قرار إحالته إلى المحاكمة بتهمة اغتصاب.

«الشرق الأوسط» (باريس)

فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
TT

فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)

باتت المخاوف من شبح «توطين المهاجرين غير النظاميين» في ليبيا بمثابة ملف جدلي متجدد يطفو على السطح بشكل موسمي داخل الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل تصاعد التحذيرات من تداعيات استمرار تدفق المهاجرين إلى البلاد، وانقسام حاد بين من يرى في ذلك تهديداً محتملاً للأمن القومي والتركيبة السكانية، ومن يرى أن الملف يُستثمر سياسياً ويُضخَّم لأغراض داخلية.

وراهناً، يزدحم المشهد الليبي بتصريحات ومواقف رافضة لأي طرح يتعلّق بما يُعرف بـ«التوطين»، مدفوعة بحالة من القلق الشعبي وتداول مقاطع مصورة لمخالفات مهاجرين غير نظاميين، أبرزها أحدهم يحمل سلاحاً في أحد شوارع طرابلس، مما أعاد الملف إلى واجهة النقاش العام بصورة أكثر حدّة.

وعبّر برلمانيون ونشطاء وممثلون عن مكونات اجتماعية عن مخاوف مرتبطة بالسيادة الوطنية والاعتبارات الأمنية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011، مما يزيد من تعقيد إدارة هذا الملف.

ويُعرّف تشريع ليبي صادر عن البرلمان قبل عامين «التوطين» بأنه إدخال الأجانب إلى البلاد بغرض الإقامة الدائمة، سواء عبر وسائل قانونية أو عبر بقاء غير نظامي بعد انتهاء المدة، وهو تعريف بات محوراً للنقاش السياسي الدائر.

وحسب رؤية الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي، فإن المخاوف مما يُعرف بـ«التوطين» تتراوح بين ما هو مبرر وما هو مبالغ فيه. وأضاف أن «غياب رؤية وطنية موحدة لإدارة ملف الهجرة يمثّل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة».

وتتعالى أصوات داخل ليبيا تدعو إلى رفض أي مشروعات تتعلق بالإدماج الدائم للمهاجرين؛ منها مبادرة شعبية تسمّي نفسها «حراك ضد التوطين»، حذرت من تداعيات تمسّ الأمن الاجتماعي والسيادة، فيما دعا حزب «ليبيا للجميع» إلى تشديد الرقابة على الحدود وتفعيل برامج العودة الطوعية وتنظيم سوق العمل، مع رفض أي صيغ قد تؤدي إلى إقامة دائمة أو اندماج طويل الأمد.

مهاجرون غير نظاميين على ساحل طبرق عقب إنقاذهم على متن قارب مطاطي متهالك الأربعاء الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

تحذيرات من انتفاضة شعبية

كما تحدث اتحاد القبائل الليبية عبر مستشاره خالد الغويل عن وجود ما وصفه بـ«مخططات تستهدف ليبيا»، في حين ذهب البرلماني جاب الله الشيباني إلى توقع «انتفاضة شعبية عارمة في كل مدن وقرى وأرياف ليبيا» ضد ما سماه «مخطط التوطين».

ويرى حرشاوي أن من أبرز عوامل تفاقم القلق الليبي «استمرار عمليات اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى الداخل الليبي، مما يؤدي إلى تزايد أعداد المقيمين لفترات طويلة، إلى جانب مخاوف تتعلق بانتشار وثائق هوية بطرق غير قانونية عبر شبكات تهريب». كما أشار إلى أن الحرب في السودان منذ عام 2023 أسهمت في زيادة تدفقات المهاجرين نحو ليبيا، مما فاقم الضغوط على السلطات المحلية في ظل استمرار البلاد بوصفها مساراً رئيسياً للهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

على الضفة الأخرى لهذا الجدل بشأن ما يُعرف بـ«التوطين»، يحذر مسؤولون ومراقبون في ليبيا من خطورة توظيف الملف سياسياً في ظل الانقسام القائم، عادّين خطاب «التوطين القسري» قد يفاقم الاستقطاب الاجتماعي. ويدعون في المقابل إلى مقاربات تعتمد على البيانات الدقيقة بدل التقديرات غير المثبتة.

وقال المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، إن خطاب التخويف من التوطين يُستخدم بشكل قد يؤدي إلى تأجيج الانقسامات، داعياً إلى دعم المؤسسات الرسمية ومواجهة خطاب التحريض.

وبالمثل، فإن رئيسة «مفوضية المجتمع المدني» في طرابلس، انتصار القليب، دعت إلى تجنّب المبالغة في الأرقام والسيناريوهات، والعمل على نقاش قائم على بيانات موثوقة بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

كذلك ذهب الناشط المدني، جهاد علي، إلى أن «التعامل العشوائي مع ملف الهجرة قد يهدد قدرة الدولة على السيطرة»، داعياً إلى «تشريعات صارمة ضد شبكات التهريب وتشديد العقوبات على المتورطين».

عناصر تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية خلال انتشار أمني في مدينة البيضاء الليبية السبت (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)

خيارات «غير واقعية»

وبين الاتجاهَين، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة أبو القاسم قزيط، لـ«الشرق الأوسط»، إن خيارات التوطين «غير واقعية في المرحلة الحالية»، لكنه حذّر من أن استمرار السياسات الحكومية الحالية قد يقود عملياً إلى نتائج غير مقصودة تمسّ ملف الاستقرار الديموغرافي، وتقود عملياً إلى «التوطين».

ومنذ نحو تسعة أعوام، ترتبط السلطات في طرابلس بمذكرة تفاهم مع الجانب الأوروبي تقضي باعتراض قوارب المهاجرين في البحر المتوسط وإعادتهم إلى السواحل الليبية، وهي آلية لا تزال محل جدل واسع في ظل تزايد أعداد المهاجرين الذين يُعادون إلى البلاد سنوياً.

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما بين 928 ألفاً و939 ألف مهاجر داخل ليبيا حتى عام 2025، ينتمون إلى 44 جنسية، مما يكرّس موقع البلاد بوصفها أحد أبرز مسارات العبور ونقاط الاستقرار المؤقت للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

وبينما تتباين المواقف داخل ليبيا بين التحذير من التوطين والدعوة إلى ضبط الخطاب العام، يرى مراقبون أن الانقسام السياسي أسهم في تحويل ملف الهجرة إلى ساحة إضافية للتجاذب بين الأطراف المتنافسة، رغم المواقف الرسمية في طرابلس وبنغازي الرافضة للتوطين.

ويعتقد الباحث جلال حرشاوي أن المسؤولية في هذا الملف الجدلي «تتوزع بين مختلف الأطراف الحاكمة في شرق ليبيا وغربها»، عادّاً غياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة الحدود والهجرة يمثّل جوهر الأزمة المستمرة.

ويتزامن هذا الجدل مع تصاعد حملات لمدونين وصفحات تواصل ليبية ضد بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، وسط اتهامات لها بتشجيع «التوطين»، مما دفع بعض المكونات الاجتماعية في منطقة السراج بطرابلس، حيث يقع مقر البعثة، إلى الدعوة لتنظيم احتجاجات تطالب برحيلها.

هذه الاتهامات نفتها سابقاً رئيسة بعثة المفوضية، كارمن صخر، قائلة إن المفوضية لا تتبنّى أي سياسات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، وأن دورها يقتصر على تسهيل «إعادة التوطين في دول ثالثة» أو دعم «العودة الطوعية» وفق رغبة المهاجرين، وفي حال توافر الظروف المناسبة في بلدانهم الأصلية.

وهنا يحذّر الباحث في شؤون الهجرة، طارق لملوم، من مغبة استمرار التحريض ضد المفوضية الأممية، منتهياً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الاعتراضات ينبغي أن تُوجَّه إلى الجهات الوطنية المسؤولة عن إدارة ملف الهجرة، وليس إلى المنظمات الدولية التي تقتصر مهامها على الدعم الإنساني والحماية».


أميركا تكثّف مشاوراتها لتوحيد المؤسسات الليبية

عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

أميركا تكثّف مشاوراتها لتوحيد المؤسسات الليبية

عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)
عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

كثّفت الولايات المتحدة اتصالاتها مع شخصيات نافذة في شرق ليبيا وغربها، في تحرك أعاد إلى الواجهة الحديث عن جهود أميركية لإحياء مسار توحيد المؤسسات المنقسمة في البلاد، التي تعيش أزمة سياسية ممتدة منذ أكثر من عقد.

وبدا أن «دبلوماسية الهاتف» التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، دخلت مرحلة أكثر زخماً، بعدما أجرى سلسلة اتصالات متزامنة مع شخصيات تمثل مراكز ثقل رئيسية في معادلة السلطة بشرق ليبيا وغربها، مستفيداً من أجواء عيد الأضحى لتجديد الدفع نحو مسار المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

حفتر وبولس في لقاء ببنغازي يوليو 2025 (الجيش الوطني الليبي)

وشملت الاتصالات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي، في غرب البلاد، وكذلك نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي (نجل قائده)، الفريق صدام حفتر، ومدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر.

ورأى مراقبون أن هذه الخطوة تُعدّ مؤشراً على سعي واشنطن لاستطلاع مواقف الأطراف المؤثرة، ودفعها نحو تفاهمات أسرع وأوسع تتعلق بتوحيد المؤسسات، وإنهاء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد.

ورغم الطابع البروتوكولي للمكالمات التي جرى فيها تبادل التهاني بالعيد، فإن تغريدة بولس عبر منصة «إكس» في وقت مبكر، الأحد، (بتوقيت طرابلس) أظهرت تركيزاً واضحاً على ملفات «المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات الليبية، وتعزيز السلام والديمقراطية والاستقرار في جميع أنحاء ليبيا».

ممثلان عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لدى توقيعها الاتفاق الموحد أبريل الماضي (المصرف المركزي)

«صيغة سياسة جديدة»

وتنسجم هذه المشاورات الهاتفية مع حديث يتزايد داخل الأوساط السياسية الليبية عن تحرك أميركي يهدف إلى دفع الأطراف المتنافسة نحو صيغة جديدة لتوحيد السلطة التنفيذية، بعد تعثر المسارات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، أن «تكثيف بولس اتصالاته مع شخصيات مؤثرة في المشهد الليبي يعكس رغبة أميركية في تسريع جهود التوصل إلى صيغة سياسية جديدة تنهي حالة الانقسام المؤسسي».

ويتوقع مخلوف، لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات الحالية قد تفضي إلى أحد خيارين؛ إما دمج الحكومتين القائمتين في شرق البلاد وغربها ضمن إطار تنفيذي موحد، أو التوافق على تشكيل سلطة انتقالية جديدة تتولى إدارة المرحلة المقبلة.

ومن منظور الأكاديمي الليبي مخلوف، فإن «الولايات المتحدة لا تزال تمسك بخيوط رئيسية في ملف التسوية الليبية، مستندة إلى ما تعدّه نجاحات سابقة، من بينها رعاية اتفاق الميزانية الموحدة، فضلاً عن دعم ترتيبات عسكرية مشتركة جمعت قوات من شرق البلاد وغربها خلال الأشهر الماضية».

ومنذ أبريل (نيسان) الماضي، تتداول أوساط سياسية وإعلامية ليبية معلومات بشأن مبادرة غير معلنة تُنسب إلى بولس، تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تولي صدام رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة.

عبد السلام الزوبي وصدام حفتر خلال تمارين «فلينتلوك» في مدينة سرت الليبية أبريل الماضي (السفارة الأميركية)

وجاءت هذه التسريبات التي لم ينفها الطرفان الليبي والأميركي، تزامناً مع رعاية وزارة الخزانة الأميركية اتفاقية لتوحيد الميزانية في ليبيا بعد 13 عاماً من الانقسام المالي في أبريل الماضي، إلى جانب رعاية القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا تمارين «فلينتلوك» بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها.

لكن هذه الطروح تواجه تشكيكاً من جانب بعض القوى السياسية الليبية. ويرى عبد الله الرفادي، رئيس حزب «الجبهة الوطنية» الليبي، أن ما يُطرح بشأن وجود خطة أميركية لتوحيد المؤسسات أو تسوية الإشكاليات السياسية والأمنية في ليبيا لا يستند إلى رؤية واضحة أو مشروع متكامل، عادَّاً أن هذه الطروح «أقرب إلى الطموحات غير الواقعية» لدى بعض الأطراف. وأضاف الرفادي لـ«الشرق الأوسط» أن ما يجري، في تقديره، هو «تداخل بين مصالح شخصية لبعض المقربين من دوائر القرار في الولايات المتحدة في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، وبين طموحات مماثلة لدى شخصيات سياسية وأطراف في شرق ليبيا وغربها تسعى لتعزيز نفوذها والسيطرة على موارد البلاد خلال العقود المقبلة».

وأشار إلى أن ما يُطرح من مبادرات، ومنها ما يرتبط باسم مسعد أو غيره من الفاعلين، يمثل – حسب وصفه – محاولة لـ«إعادة تدوير منظومة الاستيلاء على السلطة والمال والنفوذ»، في ظل واقع أمني معقّد يتسم بتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وتداخلها مع مصالح بعض الأطراف المدنية.

ويعتقد رئيس «حزب الجبهة الوطنية» الليبي أن هذه الطروح لا تحظى، في تقديره، بأي تأييد شعبي واسع في مختلف مناطق البلاد، بل تعكس استمرار ما وصفه بسياسات «فرض الأمر الواقع» التي أثقلت كاهل الليبيين خلال السنوات الـ15 الماضية دون أن تفضي إلى حلول دائمة.

تحذير من المسارات البديلة

وذهب الرفادي إلى عدّ أن أي حلول «ترقيعية» لا تستند إلى أساس دستوري واضح لن تحقق الاستقرار، محذراً من أن أي مسار بديل عن إجراء انتخابات تشريعية وتشكيل مجلس تأسيسي منتخب لن يلقى قبولاً شعبياً أو سياسياً، ولن يقود إلى تسوية نهائية للأزمة الليبية.

وفي موازاة الحراك الأميركي، تستمر الجهود السياسية المحلية لإحياء المسار الانتخابي، حيث أعلن ممثل حكومة الوحدة الوطنية في لجنة «4+4»، عبد الجليل الشاوش، أن أعضاء اللجنة سيعقدون اجتماعاً في تونس الخميس المقبل لاستكمال النقاشات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة يعول مراقبون على أن تسهم في كسر الجمود السياسي الذي تكرس في المشهد الليبي منذ سنوات.

يشار إلى أن لجنة «4+4» تشمل ممثلين من طرفي الانقسام الليبي، وهما «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة الوحدة في غربها، وقد عقدت اجتماعين سابقين في تونس وروما، برعاية الأمم المتحدة، بعد إخفاق مجلسي النواب والأعلى للدولة في الوفاء باستحقاقات رئيسية في خريطة طريق طرحتها الأمم المتحدة في أغسطس (آب) الماضي.

وإلى حين كسر هذا الجمود يبقى الانقسام السياسي في البلاد بين حكومتين متنافستين؛ الأولى في غرب البلاد برئاسة الدبيبة وتتخذ من طرابلس مقراً لها، والأخرى حكومة مكلفة من البرلمان في بنغازي برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وأجزاء من الجنوب.


أحزاب جزائرية غاضبة من إقصاء مرشحيها تدعو لتأجيل الانتخابات

رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالنيابة (سلطة الانتخابات)
رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالنيابة (سلطة الانتخابات)
TT

أحزاب جزائرية غاضبة من إقصاء مرشحيها تدعو لتأجيل الانتخابات

رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالنيابة (سلطة الانتخابات)
رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالنيابة (سلطة الانتخابات)

بينما تصاعدت احتجاجات الأحزاب السياسية في الجزائر ضد نص قانوني تسبب في إقصاء المئات من المترشحين للانتخابات البرلمانية المقررة مطلع يوليو (تموز) المقبل، اكتظت المحاكم الإدارية، الأحد، بالمحامين المرافعين عن المبعدين، مطالبين القضاء بـإلزام «سلطة الانتخابات» بتقديم الأدلة على شبهة «الفساد» التي استندت إليها في غربلة قوائم الترشيحات.

الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (إعلام حزبي)

وندد «حزب العمال»، السبت في بيان، برفض العديد من ملفات الترشح للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو المقبل، ودعا الحزب، الرئيس عبد المجيد تبون، إلى التدخل لوضع حد لما وصفه بـ«الانزلاق الخطير للغاية» الذي يمس بالعملية الانتخابية. وأكد الحزب أن ترشيحات قُدمت ضمن «أغلبية» قوائمه عبر التراب الوطني تم إسقاطها على إثر التحقيقات الإدارية التي جرت في إطار دراسة الملفات. ووفقاً للبيان نفسه، فإن المبررات المساقة استندت إلى صياغات عدها «فضفاضة وغير دقيقة»، من قبيل «المساس بأخلقة الحياة السياسية»، أو «سلوكات معروفة لدى عامة الناس»، أو«علاقة بأنشطة مشبوهة»، وكذا «علاقة بالأوساط المالية وأنشطة مشبوهة». وتساءل الحزب عن «الأسس التي بنيت عليها هذه القرارات»، مستنكراً «أحكاماً وإدانات دون محاكمة». كما أشار إلى أن الغالبية الساحقة من الطعون التي رُفعت أمام المحاكم الإدارية قوبلت بالرفض من حيث الشكل.

«آلة سحق»

ويقع تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات في قلب الانتقادات التي وجهها «حزب العمال»، وهي مادة استندت إليها «السلطة المستقلة للانتخابات»، بانتظام في قرارات رفض الترشيحات؛ حيث يرى الحزب أنها تحولت إلى «آلة سحق» تمس بالحقوق الدستورية للمترشحين. وحسب البيان، فإن مناضلات ومناضلي الحزب «حُرموا من حقوقهم المدنية والسياسية دون أن يكونوا محط متابعات قضائية أو صدرت بحقهم أحكام نهائية». ويرفض «حزب العمال»، حسب بيانه، «جملة وتفصيلاً» التهم الموجهة لمترشحيه، مؤكداً عدم تورط أي من أعضائه في أنشطة صلة بالمال الفاسد أو الممارسات غير القانونية.

كما أبرز الحزب أن المبررات المعتمدة جاءت متطابقة في عدة ولايات، معتبراً أن بعض التهم «تمس بشرف الأشخاص المعنيين وعائلاتهم»، فضلاً عن تأثيرها على صورة التشكيلة السياسية. ورغم إشارته إلى أن المترشحين المعنيين سيواصلون سلك طرق الطعن التي يتيحها القانون، يرى «حزب العمال» أن المسألة باتت تتجاوز الإطار القانوني البحت، مشدداً على أنها «قضية سياسية بحتة لا يمكن تصفيتها إلا بقرار سياسي»، عاداً أن الناخبين «باتوا محرومين من حرية الاختيار بين مختلف الترشيحات المتنافسة».

وعبّر الحزب، الذي ترأسه للمرشحة السابقة لانتخابات الرئاسة، لويزة حنون، عن «قلقه العميق» إزاء تداعيات هذه الممارسات على مصداقية الاقتراع الشتريعي، معتبراً أنها «قد تغذي حالة النفور تجاه العملية الانتخابية وتزيد من إضعاف العمل السياسي المنظم». وتوجّه الحزب بالخطاب إلى الرئيس، بوصفه حامياً للدستور، من أجل التدخل لـ«تجميد» تطبيق المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات.

السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية (إعلام حزبي)

من جهته، دعا القيادي في «جبهة القوى الاشتراكية»، سمير بوعكوير، إلى تأجيل الانتخابات «ضماناً لنزاهتها»، عادّاً أن «المصلحة العليا للبلاد تملي اليوم تقديم مصداقية العملية الانتخابية على الالتزام المتسرع بالرزنامة الزمنية؛ فانتخابات مطعون فيها منذ البداية تؤدي حتماً إلى تعميق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع».

ووفق بوعكوير، «تحتاج الجزائر إلى مؤسسات قوية؛ وقوة هذه المؤسسات لا تنبع من النصوص أو الإجراءات الإدارية، لا سيما التعسفية منها، بل ترتكز أولاً وقبل كل شيء على مشروعيتها في نظر المواطنين»، مشدداً على أن «تنظيم انتخابات في المناخ الحالي ينذر بإلحاق مزيد من التشكيك بمؤسسات باتت مهزوزة أصلاً بسبب المقاطعة، والنفور الشعبي، والشعور السائد على نطاق واسع بأن النتائج تصنع عبر آليات النظام أكثر مما تعكس الإرادة السيادية للناخبين».

حزب «جيل جديد» طرح شكوكاً حول نزاهة الانتخابات (إعلام حزبي)

معركة قضائية

وأفاد لخضر أمقران، رئيس حزب «جيل جديد»، بأن الأحزاب السياسية وقوائم المستقلين ونشطاء المجتمع المدني المنخرطين في الانتخابات، «نددوا على مدى عدة أسابيع بالعراقيل التي واجهوها في جمع التوقيعات، خصوصاً في عملية المصادقة عليها. واليوم، وبعد رفض العديد من قوائم الترشح من طرف هيئة الانتخابات، تزداد التساؤلات حول شفافية المسار الانتخابي وانفتاحه».

وفي السياق ذاته، هاجم «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ما سماه «آلة التحييد والإقصاء الممنهج للتعددية السياسية». فبعد الصعوبات التي واكبت عملية اعتماد التوقيعات، قال الحزب إنه فوجئ بتبليغه قرار إسقاط قائمته بالعاصمة بحجة «عدم مطابقة التوقيعات»؛ وهو مبرر وصفه بـ«المزعوم» لكونه جاء بعد افتكاك القائمة لوصل إيداع الملف، ودون تقديم أي إيضاحات، حسبه، تكشف خلفيات الرفض، مما حرم التدقيق الوجاهي من أي فعالية قانونية.

وحسب الحزب الذي يرأسه عثمان معزوز، فإن هذا «التعامل الغامض» تكرر بشكل لافت مع عدة قوائم تابعة له داخل البلاد وخارجها. وامتد مقص الرقابة الإدارية لـ«المادة 200» ليشمل قوائم المستقلين وكل الأطياف السياسية دون استثناء، بما فيها الأحزاب المحسوبة على الموالاة.

وفي مواجهة قرارات الرفض، أكد محامون لـ«الشرق الأوسط»، أنهم بادروا بإيداع طعون قضائية استهدفت بالأساس التفسير الإداري المعتمد لـ«لمادة 200» التي باتت كابوساً للمترشحين؛ حيث تضمنت عرائض الطعن مرافعة قانونية تؤكد أن عبارة «الصلات المشبوهة بالفساد» صيغت بضبابية تسمح بسلطة تقديرية مفرطة للإقصاء. وحاجج الدفاع أمام القضاء الإداري، حسب المحامين أنفسهم، بأن هذا التخوف يستند إلى أساس دستوري متين، بالنظر إلى أن «المحكمة الدستورية» كانت قد نبهت سابقاً إلى خطورة القراءة الموسعة لهذه الأحكام القانونية عندما عرض عليها قانون الانتخابات في (2021) لمراقبة مدى مطابقة مواده مع الدستور، ودعت إلى كبح أي تطبيق قد يؤدي إلى مصادرة الحقوق السياسية المكفولة قانوناً للمترشحين.