«سترة الميدان»... بين الحرب والسلم

أصوله عسكرية… دماؤه عملية وجيوبه تفضحه

مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)
مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)
TT

«سترة الميدان»... بين الحرب والسلم

مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)
مناسبتان رسميتان… أهداف وألوان مختلفة… والجاكيت واحد (إ.ب.أ +رويترز)

قد يصعب تصديق أنه من رحم الحروب ودمويتها، ولدت قطع أزياء صمدت عبر الزمن، وتحدَت إيحاءاتها المرتبطة بالعنف والظُلم. ليس هذا فحسب، بل دخلت عالم الموضة من أوسع الأبواب. سلاحها هو العملية الوظيفية. ما علينا سوى ذكر المعطف الممطر Trench Coat الذي ابتكره توماس بيربري في القرن الماضي لحماية الجنود البريطانيين من عوامل الطقس وتقلباته في الخنادق، حتى نشعر بالامتنان له ولمطوريه من المصممين من بعده بعد أن أصبح قطعة لا يمكن الاستغناء عنها في خزانة المرأة والرجل على حد سواء. كذلك بنطلون «الكارغو» Cargo pants بجيوبه المتعددة، ونقشاته الحربية، والذي يرافقنا في السفر والنزهات اليومية، وأخيراً وليس آخراً جاكيت الميدان Field Jacket.

كانت هذه الجواكيت ولا تزال مرتبطة بالرجل لكنها دخلت عالم المرأة على يد مصممين كبار (هوكرتي)

جاكيت الميدان

هذا الجاكيت وجد في الإقبال الذي تشهده السترات عموماً هذا الموسم فرصة ليتقدم للصدارة، لافتاً الانتباه بجيوبه المتعددة، والكبيرة. زاد من إشعاعه ظهور ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي، به مؤخراً.

صور الحرب العالمية الثانية التي وُلد فيها ومن أجلها بعيدة هي الآن عن الأذهان. جيل كامل يقرأ عنها في كتب التاريخ فقط، وبشكلها الحديث، يربطها أغلبهم بصورة مغامر مستكشف، أو أرستقراطي بريطاني في رحلة صيد يبحث فيها عن فريسة. ربما لأنه يشبه في بعض تفاصيله جاكيت السافاري، الذي أبدعه الراحل إيف سان لوران في الستينات من القرن الماضي، وكان الجاكيت العسكري الميداني مصدر إلهامه. إيف، باعتبار أنه مبدع، له نظرة فنية استثنائية، فكك إيحاءاته الحربية، وطوره بأن زاد من طوله، واقترحه بخامات مترفة تليق بأحلى المناسبات للجنسين.

بين ميلانيا والملكة ليتزيا

سبب الحديث عن هذا الجاكيت في الآونة الأخيرة إطلالتان مثيرتان لكل من ميلانيا ترمب والملكة الإسبانية ليتزيا في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. إطلالتان أثارتا الكثير من الفضول والإعجاب، نظراً لتأثيرهما البصري الأنيق.

ميلانيا ترمب وجاكيت من «رالف لورين» خلال زيارتها الأخيرة لبريطانيا (رويترز)

كان ذلك عندما ظهرت الأولى بجاكيت «الميدان» في اليوم الأخير من زيارتها الرسمية لبريطانيا رفقة زوجها الرئيس دونالد ترمب. كان بتوقيع دار «رالف لوران»، ومصنوعاً من جلد الشامواه، بأربعة جيوب تحترم التصميم الأصلي. تجدر الإشارة إلى أن علامة «رالف لورين» من العلامات المفضلة لدى ميلانيا، لكن اللافت أكثر أنها تحرص منذ ولاية زوجها الثانية على الظهور بإطلالات تعكس القوة والصرامة، وكأنها في حرب مع الآخر.

في الجهة الأخرى، ظهرت الملكة ليتزيا في ثالث يوم من زيارتها مع زوجها الملك فيليبي لمصر بجاكيت بتوقيع المصممة المصرية دينا شاكر، مستوحى من جاكيت السافاري. تميَز باللون الأبيض، ومن الكتان الطبيعي حتى يناسب حرارة القاهرة، وروح المغامرة التي رافقت مستكشفي القارة السمراء والأهرامات. كانت لفتة دبلوماسية من الملكة قبل أن يكون قطعة عملية تتقاطع مع «الجاكيت العسكري» بجيوبها الكبيرة، ومناسبتها للمكان، والزمان.

ليتزيا ملكة إسبانيا وجاكيت من المصممة المصرية دينا شاكر خلال زيارتها الأخيرة لمصر (إ.ب.أ)

فالجيوب ربما تكون السمة الملازمة للجاكيت العسكري الميداني، وأكثر ما يُميزه ويمنحه هويته. ثم تأتي خامته، والمواد التي يُصنع منها ثانياً. على الأقل في عالم الموضة. كانت هذه الجيوب، بحجمها وعددها، إلى عهد قريب حكراً على السترات الرجالية، ولا تزال إلى حد كبير. لكن ومنذ بدأ مصممون من أمثال ستيلا ماكارتني وجاكوموس وعلامة «ساكاي» يطرحونها، إلى جانب «رالف لورين» وهي تخاطب امرأة مستقلة تتوخى العملية من دون أن تتنازل عن الأناقة.

الحرب هي البداية

ولدت هذه السترة لدواعٍ حربية صرفة. كان ذلك في عام 1941، وخلال الحرب العالمية الثانية، باعتبار أنها بديل للمعطف الصوفي للحماية من قسوة الخنادق. صدرت آنذاك باسم «M-41» بوصفها قطعة أساسية في الزي العسكري الأميركي، وروعي فيها أن تأتي بقوة عزل عالية من خلال طبقة خارجية مصنوعة من قطن البوبلين، وبطانة من صوف الفلانيل المقاوم للماء والرياح. ورغم ذلك لم تكن مثالية، ولم تُوفر بطانتها عزلاً كافياً، كما لم تحمِ طبقتها الخارجية من المطر تماماً. كان هناك أيضاً تذمر في صفوف الجنود من قلة الجيوب فيها. فهذه كانت ضرورية لحمل الذخيرة، والخرائط، والمستلزمات الطبية. ومع ذلك ظل هذا التصميم معتمداً لعدم توفر بديل آخر حتى عام 1943، مع ظهور «M-43»، النموذج المحسَن.

تميز بطول ممتد يصل إلى الورك، وغطاء رأس قابل للفصل، وجيوب أمامية، وحبل شد حول الخصر، واستخدم قماشاً من قطن الساتان.

نجح في توفير ما يحتاج إليه الجنود لمواجهة قسوة الطقس، والحماية قدر الإمكان. لم يتوقف الجاكيت عن التطور. تصميم «M-50» مثلاً جاء بأزرار داخلية تسهل تركيب البطانة، كما تخلى عن بعض التفاصيل التي كانت تربطه بميادين القتال فقط. تحوّل هنا إلى زي رسمي يمكن ارتداؤه في مناسبات أخرى. بقي أكثر ما يُميِزه جيوبه الأمامية الكبيرة -اثنان على الصدر، واثنان على جانبي الخصر.

تحوله إلى رمز ثقافي

ثم جاء الإصدار الشهير «M-65» الذي ارتداه الجنود الأميركيون خلال حرب فيتنام، بأقمشة مقاومة للرياح والأمطار الغزيرة خلال موسم المونسون.

ظهرت بها النجمة جين فوندا في عدة مظاهرات ومناسبات مناهضة للحرب (غيتي)

أصبح في هذه الفترة انعكاساً للتحول الثقافي الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية والعالم أجمع، حيث استعمله المناهضون لحرب فيتنام بوصف أنه رمز لرفض الحرب، والمطالبة بعدالة اجتماعية. كان من بينهم مشاهير من أمثال جين فوندا، وجون لينون، وغيرهما. ثم دخل عالم السينما على أنه سترة ترمز للقوة في أفلام «جيمس بوند»، و«أبوكاليبس ناو» و«رامبو».

في السبعينات، بدأ هذا التصميم يلفت الأنظار إلى جانبيه العملي والجمالي، بعد أن أدخله مصممون مثل رالف لورين عالم الموضة. وبينما اجتهد الراحل إيف سان لوران في إخفاء معالمه الحربية بأن جعله تصميماً خاصاً بالمغامرات واستكشاف ثقافات أخرى، حافظ رالف لورين على شخصيته الأصلية، ربما للحفاظ على انتمائه الأميركي. ركَز أكثر على تجديده بإدخال أقمشة مترفة، أحياناً شفافة ليخفف من صرامته، ومن ثم يضفي عليه النعومة. لا يزال يقوم بهذا لحد الآن، وهو ما ظهر جلياً في تشكيلته لربيع وصيف 2026، والتي قدمها خلال أسبوع نيويورك الأخير.

من عروض أزياء «رالف لورين» و«نون«... تغيرت الأقمشة والألوان وظلت الجيوب علامة مميزة (رالف لورين +نون)

حالياً، حيث نلمس حنيناً لافتاً للماضي، يتجسّد في رغبة المصممين إعادة تفسير أيقونات من عقود مضت بلغة جديدة، وأناقة معاصرة، فإن هذا الجاكيت لم يغب عن أنظارهم. تلاعبوا عليه من خلال الخامات، واستغنوا عن تفاصيل تتطلبها ميادين الحرب، مثل القلنسوات، واللون الزيتوني، والأربطة على شكل حبال، والقبعات المربوطة بسحابات، وغيرها من التفاصيل الوظيفية. اكتسى في المقابل بألوان أكثر تنوعاً، كما اكتسب خطوطاً ناعمة تحدد الخصر بحزام يراعي متطلبات الموضة، إضافة إلى استعمال أزرار عوض أربطة، وسحابات. بيد أن الجيوب ظلت مكانها. لم تتغير شكلاً، أو عدداً.

«هوكرتي»... تُفصِلها على المقاس

أصبح الآن بالإمكان تفصيلها على المقاس باختيار القماش واللون (هوكرتي)

وبما أن جواكيت «الميدان» مثل كل الكلاسيكيات يجب أن تكون على المقاس تنسدل على الأكتاف، وتلامس الخصر بشكل مثالي، كان من البديهي أن توليه علامات متخصصة في التفصيل على المقاس، مثل علامة «هوكرتي» Hockerty، اهتمامها. فهي تقدّم مجموعة أنيقة ومتنوعة لرجل يريد مواكبة الموضة من دون أن تُلغي إرثه التاريخي، وفق ما صرحت به العلامة قائلة: «إن تفسيرنا لهذه السترة يوجه تحية للماضي ويحترمه، لكن يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحاضر والمستقبل. لهذا كان لا بد أن تأتي أكثر تنوعاً مما كانت عليه في أي وقت مضى».

تشرح العلامة، ومركزها في سويسرا، أنه تم حذف بعض التفاصيل الحربية الصارمة، مثل أصفاد الفيلكرو، والأربطة على شكل حبال «وما شابه من تفاصيل لم تعد هناك من حاجة إليها». صحيح أن «رجل اليوم يريد تصاميم لها تاريخ وجذور قوية، إلا أنه يريدها أيضاً أن تكون عملية وأنيقة يمكنه اعتمادها في عدة مناسبات بأسلوب يمنحه الثقة والراحة... وتظهر رشاقته». طبعاً مع مراعاة أن تناسب القطعة كل المواسم. في الشتاء يمكن استعمالها مع كنزة صوفية سميكة، وفي الربيع مع قميص من القطن أو «تي-شيرت». وفي كل الحالات، فإن الرسالة واحدة: منح الحماية والثقة، وتحقيق السلام.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.